المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يُعذر المخطئ في اجتهاده في الأصول والفروع



د. أيمن علي صالح
13-04-21 ||, 07:03 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله ومن والاه، وبعد:
فإذا اجتهد شخص وُسْعَه في الوصول إلى الحق فأخطأه فهل يُعذر في اجتهاده هذا عند الله تعالى أم لا.
يذكر الأصوليون هذه المسألة في باب الاجتهاد والتقليد من كتب الأصول. والمحكي فيها أقوال ثلاثة: طرفان وواسطة.
1. لا يُعذر من اجتهد فأخطأ الحق، سواء في مسائل الأصول أو الفروع. وهؤلاء هم المؤثِّمة. ويُعزى هذا القول إلى بشر المريسي من المعتزلة وإلى الإمامية والظاهرية.
2. يُعذر من اجتهد فأخطأ الحق، سواء في الأصول أو الفروع. وأصحاب هذا المذهب على طبقتين:

أ. الأولى: خصوا ذلك بالمسلمين، ويعزى ذلك إلى عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي (قال ابن حبان: من سادات البصرة فقها وعلما توفي 168ه) ومما يُروى عن العنبري قوله في القدرية: "أنهم نزهوا الله" وفي الجبرية: "أنهم عظموا الله". ومال إلى رأيه هذا ابن تيمية. قال، رحمه الله (منهاج السنة النبوية 5/ 87): "والقول المحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري هذا معناه أنه كان لا يؤثِّم المخطئ من المجتهدين من هذه الأمة: لا في الأصول ولا في الفروع. وأنكر جمهور الطائفتين من أهل الكلام والرأي على عبيد الله هذا القول. وأما غير هؤلاء فيقول: هذا قول السلف وأئمة الفتوى، كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهدا مخطئا لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره. ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية، ويصححون الصلاة خلفهم. والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلى خلفه. وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية".
ويدل عليه أيضا قول ابن حزم (الدرة فيما يجب اعتقاده ص414): قال رحمه الله: "ومن بلغه الأمر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، وهو مُسلِم، فتأول في خلافه إياه، أو ردَّ ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده على الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة "
ب. والطبقة الثانية: جعلوا هذا عاما حتى في أهل الملل الأخرى غير المسلمين. ويعزى هذا الرأي إلى الجاحظ، ومال إليه الطوفي الحنبلي ومما قال، رحمه الله: (شرح مختصر الروضة 3/ 610): "هذا إلزام ألزم الناس الجاحظ به على مقالته، وهو أن يلزمه رفع الإثم والوعيد عن كل كافر؛ من منكري الصانع، والبعث والنبوات، واليهود والنصارى، وعبدة الأوثان الذين قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، لأن اجتهادهم هو الذي أداهم إلى ذلك. قوله: «وله منع أنهم استفرغوا»، إلى آخره. هذا الاعتذار للجاحظ عن هذا الإلزام. وتقريره: أن للجاحظ أن يمنع أن هؤلاء الكفار «استفرغوا الوسع في طلب الحق» ، أي: لا نسلم أنهم بذلوا المجهود المعتبر لمثلهم في مثل مطلوبهم، فكانوا مفرطين مقصرين، فكان «إثمهم على ترك الجد» والاجتهاد الواجب عليهم، لا على مجرد الخطأ، بل منهم من عاند مع اتضاح الحق له، كما أخبر الله، عز وجل، عن أهل الكتاب بقوله تعالى: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} وقوله، عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}، فالكفار إذن طائفتان: معاند ومقصر في الاجتهاد، فعوقبوا لعنادهم وتقصيرهم، ونحن إنما نعذر من اجتهد غاية وسعه فلم يدرك وخلا عن العناد، فظهر الفرق. قلتُ: ومنذ خطر لي هذا الاعتذار عن الجاحظ، كان يغلب على ظني قوته، وإلى الآن والجمهور مصرون على الخلاف، ولا يتمشى لهم حال إلا على القول بتكليف المحال لغيره، وتساعدهم ظواهر النصوص، نحو قوله، عز وجل: {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}، فتوعدهم بالنار على كفرهم، ولم يعذرهم بالخطأ، وعلى الآية اعتراضات لا تخفى. وبالجملة؛ الجمهور على خلاف الجاحظ، والعقل مائل إلى مذهبه".

3. يُعذر من اجتهد فأخطأ الحق في الفروع دون الأصول. وهو القول المعزي إلى الجمهور، وبعضهم نقل فيه الإجماع.
والله أعلم بالصواب.

مساعد أحمد الصبحي
13-05-07 ||, 10:42 PM
الحمد لله . . . وبعد



لم أر في حياتي مسألة أهم ولا أولى ولا أنفع أن يستحضرها طالب العلم من مسألتنا هذه التي نحن بصددها وهي أن كل مجتهد مخطيء فهو معذور مأجور لا فرق بين مسألة فقهية وبين مسألة عقدية ...

ولسنا بصدد الحديث عن من ليس من أهل النظر والاجتهاد أصلا أو من كان كذلك وظهر منه ظهورا بينا اتباع الهوى والتشهي في الاختيار أو من تعنت وتحكم ولم يسلك سبيل المؤمنين في الاستدلال والبحث والنظر أو من لم يبذل وسعه –وهذا هو معنى الاجتهاد- في طلب الحق ... ولذلك فإن من صلى الظهر ثلاثا عامدا عالما كفر بالاجماع ... وإن كانت مسألة عدد ركعات الظهر لا تصنف إلا في كتب الفقه وليست في كتب العقيدة ...


لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد وإنما معقد الأمر في بحثنا الحالي ومحط النظر فيه هو أن يكون هذا المخطيء من أهل الاجتهاد أصلا بحيث يحل له النظر والبحث وأن يكون قد بذل وسعه واستنفد طاقته في طلب إصابة الحق ، فإذا أخطأ الحقَّ مَن هذه صفته لم يحل لأحد كائنا من كان أن يبدعه ،وإلا فقد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين لم يبدّعوا الامام الجليل قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117 في قوله في القَدَر .. حيث قال الذهبي عنه في السير (271/5) : " ... وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، وَمِمَّنْ يُضرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي قُوَّةِ الحِفظِ ... وَهُوَ حُجّةٌ بِالإِجْمَاعِ إِذَا بَيَّنَ السَّمَاعَ، فَإِنَّهُ مُدَلِّسٌ مَعْرُوْفٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَرَى القَدَرَ - نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ -. وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وِسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.
ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه، يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلْهُ وَنَطرْحُهُ وَنَنسَى مَحَاسِنَه.
نَعَم، وَلاَ نقتدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ."

ولم يكن قتادة الوحيد فقد وقع غيره في نفس ماوقع فيه ، قال الذهبي في السير (21/7) : "قد لطخ بالقدر جماعة وحديثهم في الصحيحين أو أحدهما ، لأنهم موصوفون بالصدق والإتقان"

وقال الذهبي في السير (434/9) في ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد المكي المتوفى سنة 206 : " كَانَ مِنَ المُرْجِئَةِ، وَمَعَ هَذَا فَوَثَّقَهُ: أَحْمَدُ، وَيَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ فِيْهِ غُلُوٌّ فِي الإِرْجَاءِ "

وقال أيضا في السير (39/14) عن محمد بن نصر المروزي المتوفى سنة 274 ما نصه : " قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ فِي مَسْأَلَةِ الإِيْمَان:صَرَّحَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ فِي كِتَاب(الإِيْمَان) بِأَنَّ الإِيْمَانَ مَخْلُوْقٌ، وَأَنَّ الإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ، وَقرَاءةَ القُرْآنِ بِلَفْظِهِ مَخْلُوْقٌ.
ثُمَّ قَالَ:وَهَجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ وَقتِهِ، وَخَالفَهُ أَئِمَّةُ خُرَاسَانَ وَالعِرَاقِ."
ثم علق الذهبي قائلا : " قُلْتُ:الخَوْضُ فِي ذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ أَنْ يُقَالُ:الإِيْمَانُ، وَالإِقْرَارُ، وَالقِرَاءةُ، وَالتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ غَيْرَ مَخْلُوْقٍ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ العبَادَ وَأَعمَالَهُمُ، وَالإِيْمَانُ:فَقَوْلٌ وَعمَلٌ، وَالقِرَاءةُ وَالتَّلَفُّظُ:مِنْ كَسْبِ القَارِئِ، وَالمَقْرُوءُ المَلْفُوظُ:هُوَ كَلاَمُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ الإِيْمَانِ، وَهِيَ قَوْلُ(لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ)دَاخلَةٌ فِي القُرْآنِ، وَمَا كَانَ مِنَ القُرْآنِ فلَيْسَ بِمَخْلُوْقٍ، وَالتَّكَلُّمُ بِهَا مِنْ فِعْلنَا، وَأَفعَالُنَا مَخْلُوْقَةٌ، وَلَوْ أَنَّا كلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ المَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُوراً لَهُ، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لاَ ابْنَ نَصْرٍ، وَلاَ ابْنَ مَنْدَةَ، وَلاَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاللهُ هُوَ هَادِي الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَهُوَ أَرحمُ الرَّاحمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الهوَى وَالفظَاظَةِ. "

وقال في (374/14) عن محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري المتوفى سنة 311 : " وَلابْنِ خُزَيْمَةَ عَظَمَةٌ فِي النُّفُوْسِ، وَجَلاَلَةٌ فِي القُلُوْبِ؛لِعِلمِهِ وَدِينِهِ وَاتِّبَاعِهِ السُّنَّةَ. وَكِتَابُه فِي(التَّوحيدِ)مُجَلَّدٌ كَبِيْرٌ، وَقَدْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ حَدِيْثَ الصُّورَةِ ، فَلْيَعْذُر مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ، وَأَمَّا السَّلَفُ، فَمَا خَاضُوا فِي التَّأْوِيْلِ، بَلْ آمَنُوا وَكَفُّوا، وَفَوَّضُوا عِلمَ ذَلِكَ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِه، وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ- مَعَ صِحَّةِ إِيْمَانِهِ، وَتَوَخِّيْهِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ - أَهْدَرْنَاهُ، وَبَدَّعنَاهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الجَمِيْعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ."

ملاحظة : الفضل في الاهتداء إلى هذه المواضع من السير يعود بعد الله سبحانه إلى الاستاذ محمد الثاني بن عمر موسى في رسالته للماجستير : "ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي رحمه الله جمعا ودراسة"

إذًا تقرر مما سبق أن لا فرق بين مسألة فقهية وبين مسألة عقدية في التعامل مع المجتهد المخطيء ...


... وينبني هذا بشكل مباشر على أنه لم يُعرف عن السلف تقسيم الدين إلى أصول وفروع ...

وإليك تقرير ما كان عليه السلف من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية :

فقال -رحمه الله- في مجموع الفتاوى (207/19)
" ... هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ وَالثَّوْرِيِّ ودَاوُد بْنِ عَلِيٍّ ؛ وَغَيْرِهِمْ لَا يؤثمون مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الفروعية كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَابِيَّة وَيُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ . وَالْكَافِرُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَقَالُوا : هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ : أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يؤثمون أَحَدًا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّةٍ قَالُوا : وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ وَانْتَقَلَ هَذَا الْقَوْلُ إلَى أَقْوَامٍ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا غَوْرَهُ . قَالُوا : وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كَمَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ بَلْ وَلَا قَالَهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ عَقْلًا ؛ فَإِنَّ الْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ مَا جَعَلُوهُ مَسَائِلَ أُصُولٍ وَمَسَائِلَ فُرُوعٍ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ صَحِيحٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بَلْ ذَكَرُوا ثَلَاثَةَ فُرُوقٍ أَوْ أَرْبَعَةً كُلُّهَا بَاطِلَةٌ ... " إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى رحمة واسعة...
بل عقد فصلا كاملا رحمه الله في اثبات هذا الأمر فقال في مجموع الفتاوى (33/20) أنقله هنا بتمامه لاشتماله على فوائد وفرائد لا توجد في غيره ، قال رحمه الله :
" فَصْلٌ :
وَالْخَطَأُ الْمَغْفُورُ فِي الِاجْتِهَادِ هُوَ فِي نَوْعَيْ الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَمَنْ اعْتَقَدَ ثُبُوتَ شَيْءٍ لِدَلَالَةِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ وَكَانَ لِذَلِكَ مَا يُعَارِضُهُ وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ
مِثْلَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الذَّبِيحَ إسْحَاقُ لِحَدِيثِ اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى ؛ لِقَوْلِهِ : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } وَلِقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } كَمَا احْتَجَّتْ عَائِشَةُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى انْتِفَاءِ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا يَدُلَّانِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ . وَكَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ } { إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } بِأَنَّهَا تَنْتَظِرُ ثَوَابَ رَبِّهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي صَالِحٍ .
أَوْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي لِأَنَّ السَّمْعَ يَغْلَطُ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ طَائِفَة مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْمَعُ خِطَابَ الْحَيِّ ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ : { فَإنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ شريح ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْعَجَبَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جَهْلِ السَّبَبِ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْجَهْلِ .
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ ؛ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ حَدِيثِ الطَّيْرِ ؛ وَأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ الْخَلْقِ إلَيْك ؛ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ } .
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ جَسَّ لِلْعَدُوِّ وَأَعْلَمَهُمْ بِغَزْوِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مُنَافِقٌ : كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُمَرُ فِي حَاطِبٍ وَقَالَ : دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ .
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ غَضِبَ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ غَضْبَةً فَهُوَ مُنَافِقٌ ؛ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ أسيد بْنُ حضير فِي سَعْدِ بْنِ عبادة وَقَالَ : إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ .
أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ أَوْ الْآيَاتِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ بِالنَّقْلِ الثَّابِتِ كَمَا نُقِلَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَلْفَاظًا مِنْ الْقُرْآنِ كَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ : { وَقَضَى رَبُّكَ } وَقَالَ : إنَّمَا هِيَ وَوَصَّى رَبُّك . وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ } وَقَالَ : إنَّمَا هُوَ مِيثَاقُ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ . وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } إنَّمَا هِيَ أَوَلَمْ يَتَبَيَّنْ الَّذِينَ آمَنُوا . وَكَمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ لَمَّا رَآهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأَهَا . وَكَمَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ عَلَى بَعْضِ الْقُرَّاءِ بِحُرُوفِ لَمْ يَعْرِفُوهَا حَتَّى جَمَعَهُمْ عُثْمَانُ عَلَى الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ .
وَكَمَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ وَيَأْمُرُ بِهِ . وَأَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ ؛ لِكَوْنِهِمْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِخَلْقِهَا وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ؛ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَالْقُرْآنُ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِرَادَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَبِهَذَا الْمَعْنَى لَكِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ عَرَفَتْ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ وَأَنْكَرَتْ الْآخَرَ .
وَكَاَلَّذِي قَالَ لِأَهْلِهِ : إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي : ثُمَّ ذَرُونِي فِي الْيَمِّ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ . وَكَمَا قَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ : { أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } وَفِي قَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ : { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ }
وَكَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ؛ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ كَذِبٌ وَغَلَطٌ . "
انتهى كلامه رحمه الله تعالى

وقال رحمه الله (165/20) : " وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْخَطَأَ فِي دَقِيقِ الْعِلْمِ مَغْفُورٌ لِلْأُمَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَهَلَكَ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ الْأُمَّةِ ."

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

مساعد أحمد الصبحي
13-05-08 ||, 03:28 PM
تنبيه مهم جداً:

المقصود بالأخطاء المعفو عنها ولا يُبدَّع من وقع فيها هي الأخطاء الفردية لا المنهجية ...
فالأخطاء الفردية سبقت أمثلتها بما يغني عن إعادته هنا

أما الأخطاء المنهجية :-
فمثل الاعتماد على علم الكلام في فهم العقيدة وتقريرها ، ومثل رد خبر الآحاد في العقيدة ، ومثل تقديم العقل على النقل بعد اعتقاد أنها يتعارضان في العقيدة ، ومثل اعتقاد أن النقل وحده لايشفي العليل ولا يروي الغليل في الاسماء والصفات ، ومثل اختلاق أصول عقدية أدت إلى تعطيل معظم صفات الباري سبحانه وتعالى من مثل تنزيه ذاته العلية عن أن تكون محلا للحوادث ... وغير ذلك مما هو معلوم من أصول الفرق الكلامية كالأشاعرة والماتريدية ....

لأن مثل هذه الأصول معلوم بالضرورة أنها مبتدعة ولم تكن من سبيل المؤمنين من الصحابة ومن بعدهم في فهم ماجاء في الكتاب والسنة ... فمن التزمها أو بعضها فهو مبتدع ضالّ بلا شك ولا نخوض في التكفير هنا لأن له من الخطورة والآثار ما يحتاج لبحث مستقل لتفصيل ضوابطه وتوضيح ملابساته وخاصة في مثل ما عمت به البلوى من انتشار المذهب الأشعري والماتريدي في العالم الاسلامي انتشارا بالغا جدا حتى صار هو الأصل في غير الحنابلة ...

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد أما خطأ فردي من عالمٍ أصوله في فهم العقيدة وتقريرها هي هي حذو القذة بالقذة أصول الصحابة والتابعين من الاعتماد على اللغة العربية في الفهم عن الله ورسوله ... فمثل قتادة وابن خزيمة ونحوهم لم تكن عندهم أصول مبتَدعة مثل التي عند الأشاعرة والماتريدية ... ولكنهم اجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى الظن الخطأ بوجود لوازم باطلة تلزمهم من اثبات مسألة بعينها ... وما لزم منه الباطل فهو باطل فنفوها رحمهم الله اتقاءً لما توهموه من اللوازم الباطلة ...

فالنتيجة النهائية هنا خطأ محض
ولكنّ طريقهم وسبيلهم في التوصل إلى هذه النتيجة كان صحيحا في مجمله ... ومن قرأ مناقشات ابن تيمية للفرق الضالة علم أن من منهجه إثبات وجود اللوازم الباطلة في اعتقادات هذه الفرقة الضالة أو تلك حتى يُثبت بطلان ما ترتبت عليه هذه اللوازم الباطلة ....

فلذلك لم يبدّع العلماء قتادة ولا ابن خزيمة ولا غيرهم كثير كثير ممن وقعت منهم أخطاء فردية لا تُمثّل منهجا متبعا ...


تنبيه مهم آخر:-
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مساعد أحمد الصبحي لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد ost539325)


وقال الذهبي في السير (434/9) في ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد المكي المتوفى سنة 206 : " كَانَ مِنَ المُرْجِئَةِ، وَمَعَ هَذَا فَوَثَّقَهُ: أَحْمَدُ، وَيَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ فِيْهِ غُلُوٌّ فِي الإِرْجَاءِ "







يجب التنبه هنا إلى أن إرجاء الأولين من مثل مرجئة الفقهاء الذين اشتهر أمرهم غير إرجاء المتأخرين الذي مبناه على أصل أصيل عندهم وهو أن الايمان شيء واحد إما أن يذهب كله أو يبقى كله فلا يزيد ولا ينقص وهذا الأصل لم يكن معروفا لدى المرجئة المتقدمين وما كانوا يجترؤن أبدا على المخالفة الصريحة لمثل قوله تعالى : {... وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا...} الآية الثانية من سورة الأنفال وغيرها من الآيات المتعددة في هذا المعنى

ولذلك قال الذهبي في السير (436/9) : " وَقَالَ هَارُوْنُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَمَّالُ: مَا رَأَيْتُ أَخْشَعَ للهِ مِنْ وَكِيْعٍ، وَكَانَ عَبْدُ المَجِيْدِ أَخشَعَ مِنْهُ. قُلْتُ: خُشُوْعُ وَكِيْعٍ مَعَ إِمَامَتِهِ فِي السُّنَّةِ، جَعَلَهُ مُقَدَّماً، بِخِلاَفِ خُشُوْعِ هَذَا المُرْجِئِ - عَفَا اللهُ عَنْهُ - أَعَاذنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَقَدْ كَانَ عَلَى الإِرْجَاءِ عَدَدٌ كَثِيْرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، فَهَلاَّ عُدَّ مَذْهَباً، وَهُوَ قَوْلُهُم: أَنَا مُؤْمِنٌ حَقّاً عِنْد اللهِ السَّاعَةَ، مَعَ اعْتِرَافِهِم بِأَنَّهُم لاَ يَدْرُوْنَ بِمَا يَمُوْتُ عَلَيْهِ المُسْلِمُ مِنْ كُفْرٍ أَوْ إِيْمَانٍ، وَهَذِهِ قَوْلَةٌ خَفِيْفَةٌ، وَإِنَّمَا الصَّعْبُ مِنْ قَوْلِ غُلاَةِ المُرْجِئَةِ: إِنَّ الإِيْمَانَ هُوَ الاعتِقَادُ بِالأَفْئِدَةِ، وَإِنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، وَشَارِبَ الخَمْرِ، وَقَاتِلَ الأَنْفُسِ، وَالزَّانِيَ، وَجَمِيْعَ هَؤُلاَءِ، يَكُوْنُوْن مُؤْمِنِيْنَ كَامِلِي الإِيْمَانِ، وَلاَ يَدْخُلُوْنَ النَّارَ، وَلاَ يُعَذَّبُوْنَ أَبَداً. فَرَدُّوا أَحَادِيْثَ الشَّفَاعَةِ المُتَوَاتِرَةَ، وَجَسَّرُوا كُلَّ فَاسِقٍ وَقَاطِعِ طَرِيْقٍ عَلَى المُوبِقَاتِ - نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخِذْلاَنِ -."

وأضع هنا رابط الرسالة العلمية التي استفدت منها هذه النقولات عن الحافظ الذهبي لمن أراد الاستزادة ففيها من الخير والفائدة الشي الغزير الغزير .. فجزى الله الباحث: محمد الثاني بن عمر موسى عنا خير الجزاء وأوفره ... آمين

وهذا الرابط : لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

مساعد أحمد الصبحي
13-05-08 ||, 03:30 PM
ولا نخوض في التكفير هنا لأن له من الخطورة والآثار ما يحتاج لبحث مستقل لتفصيل ضوابطه وتوضيح ملابساته وخاصة في مثل ما عمت به البلوى من انتشار المذهب الأشعري والماتريدي في العالم الاسلامي انتشارا بالغا جدا حتى صار هو الأصل في غير الحنابلة ...


قال ابن تيمية في مجموع فتاويه (212/19) : "وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَبْتَدِعُونَ قَوْلًا وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُمْ مُسْتَحِلًّا لِدِمَائِهِمْ كَمَا لَمْ تُكَفِّرْ الصَّحَابَةُ الْخَوَارِجَ مَعَ تَكْفِيرِهِمْ لِعُثْمَانِ وَعَلِيٍّ وَمَنْ وَالَاهُمَا وَاسْتِحْلَالِهِمْ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ ."

د. أيمن علي صالح
13-05-08 ||, 04:58 PM
المقصود بالأخطاء المعفو عنها ولا يُبدَّع من وقع فيها هي الأخطاء الفردية لا المنهجية ...
هذا يعود على أصل المسألة بالنقض يا شيخ مساعد. والذين نقل عنهم العذر في الأصول والفروع لم يفرقوا بين مسائل المنهج وغيرها ما دام صاحبها من أهل الاجتهاد وبذل وسعه في ذلك. وأصول الفقه هي منهج ومع ذلك لا أحد يبدِّع المالكية مثلا أو يفسقهم لأنهم أخذوا بمذهب أهل المدينة، ولا الحنفية لأنهم اشترطوا في أخبار الآحاد أن لا توجب أو تحرم في مسائل تعم بها البلوى. مع أن الفريقين، ردوا وأولوا بمقتضى هذه الأصول والمناهج وغيرها كثيرا من أخبار الآحاد.
لكنا في نفس الوقت نجد التبديع والتفسيق، وأحيانا التكفير، لمعتزلي ـ إمام في اللغة والبيان ـ كالزمخشري والجاحظ ـ إذا أوَّل آية أو حديث بمعنى محتمل لغة، وإن كان هذا المعنى في نظر مخالفيه مرجوحا؟!!!
أليس هذا من التناقض البين؟!

مساعد أحمد الصبحي
13-05-09 ||, 01:46 AM
هذا يعود على أصل المسألة بالنقض يا شيخ مساعد. والذين نقل عنهم العذر في الأصول والفروع لم يفرقوا بين مسائل المنهج وغيرها ما دام صاحبها من أهل الاجتهاد وبذل وسعه في ذلك. وأصول الفقه هي منهج ومع ذلك لا أحد يبدِّع المالكية مثلا أو يفسقهم لأنهم أخذوا بمذهب أهل المدينة، ولا الحنفية لأنهم اشترطوا في أخبار الآحاد أن لا توجب أو تحرم في مسائل تعم بها البلوى. مع أن الفريقين، ردوا وأولوا بمقتضى هذه الأصول والمناهج وغيرها كثيرا من أخبار الآحاد.
لكنا في نفس الوقت نجد التبديع والتفسيق، وأحيانا التكفير، لمعتزلي ـ إمام في اللغة والبيان ـ كالزمخشري والجاحظ ـ إذا أوَّل آية أو حديث بمعنى محتمل لغة، وإن كان هذا المعنى في نظر مخالفيه مرجوحا؟!!!
أليس هذا من التناقض البين؟!
نعم الزمخشري مبتدع . أما هل هو معذور أو لا فهذه تحتاج إلى قرائن كثيرة ،، ولو كان الزمخشري حيا بين أظهرنا لسهل علينا مناقشته ومعرفة نصحه وإخلاصه في طلب الحق من تشهيه واتباعه الهوى

فعَذر العامة بالجهل ، وعَذر العلماء بالتأويل والخطأ لا يقف عند حد ويشمل كل شيء مادام أنه من أهل القبلة ويصلي بصلاتنا
فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم
فتنبه حفظك الله إلى الفرق بين مقام العَذر فإن الله لايكلف نفسا إلا وسعها ،،

وبين مقام الحكم على عالِم بأنه مبتدع ، فهذا حق لا يُسكت عنه نصحا للأمة وأداء للأمانة وحياطة للدين من التبديل والتحريف

والله المستعان

مساعد أحمد الصبحي
13-05-11 ||, 01:36 AM
وكذلك الجاحظ مبتدع ، ليس عندي في ذلك شك
فبيان أن الرجل على غير نهج السلف لا بد منه حتى يكون العوام وطلبة العلم الصغار منه ومن كلامه على حذر وانتباه
أما شخص الرجل فأمره إلى الله فلا أحكم بكفره ولا أسبه وأقدح في نيته وإخلاصه وهذا هو معنى عذري إياه مع تبديعي له
وذلك لأن خطأه منهجي فيؤثر على سائر مسائل العقيدة والفقه ، فيكون في نتاجه خطر على العامي وطالب العلم الضعيف فلا بد أن يُحذّر منه
أما لو كان عالما إنما وقعت منه زلة وافق فيها فرقة ضالة كأن يكون أوّل صفةً ونحو ذلك وهو في باقي كلامه موافق للسلف لا يحيد عنهم فلا يُحذر منه جملةً ولكن يُحذر فقط من هذه الزلة ويبقى الرجل على حاله

وبالمناسبة فأنا هذه الأيام مشغوف جدا بقراءة كتب الجاحظ وأنا الآن أقرأ كتابه : "العثمانية" بتحقيق عبد السلام هارون ، ووقفت على موضع في غاية الفائدة والأهمية لطالب العلم
صفحة 138 من الكتاب
دونكم إياه على هذا الرابط : لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد/n137/mode/1up

د. مختار بن طيب قوادري
15-08-23 ||, 01:34 AM
ـــ يبدو أن الأدنى إلى الصواب، في هذه المسألة، والله أعلم، ما ذكر سيادتكم من أنه:


3. يُعذر من اجتهد فأخطأ الحق في الفروع دون الأصول. وهو القول المعزي إلى الجمهور، وبعضهم نقل فيه الإجماع. والله أعلم بالصواب.
ولعل في هذا جمعا بين ما ذهب إليه المصوبة وما انتهجه المخطئة من أهل العلم.

ـــ لكن ما هو الضابط الذي يفصل بين الأصل والفرع؟

1-هل الأصل ما كان قطعياً، يجب معرفته، ولا يجوز أن يختلف فيه أهل العلم؛ كأصول الإيمان الست، ولو كان من المسائل العَمَلية(أي الفقهية؛ كفرضية الصلاة وبر الوالدين)؟

2-وهل الفرع ما كان ظنياً، لا يجب معرفته، ويعذر أن يختلف فيه أهل العلم اختلافا معتبرا ( تسنده النصوص ولغة العرب ...الخ)، ولو كان من المسائل العِلمية (الاعتقادية)؟ :

هل فيما ذكره تاج الدين السبكي في جامع الجوامع ما يعيننا على حل هذا الإشكال؟

راجع مثلا: ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (ت: 826هـ)، في كتابه: الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، تحقيق: محمد تامر حجازي، دار الكتب العلمية، ط1، 1425هـ - 2004م. وهو متواجد في المكتبة الشاملة، حيث قال:

1/724: ( وقسَّمَ المُصَنِّفُ مبَاحِثَه إِلَى مَا هو عِلْمِيٌّ وعَمَلِيٌّ وهو مَا يجِبُ اعتقَادُه، وإِلَى مَا هو عِلْمِيٌّ لاَ عَمَلِيٌّ، أَي: لاَ يَجِبُ مَعْرِفَتُه فِي العقَائدِ، وإِنَّمَا هُو مِنْ ريَاضَاتِ العِلْمِ.)

ثم ذكر ما يتعلق بتأويل الأسماء والصفات فقال:

1/741: ( ص: ومَا صَحَّ فِي الكتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الصّفَاتِ نَعْتَقِدُ ظَاهرَ المَعْنَى ونُنَزِّهُهُ عِنْدَ سَمَاعِ المُشْكِلِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئمتُنَا أَنُؤَوِّلُ أَمْ نُفَوِّضُ مُنَزِّهِينَ، مَعَ اتفَاقِهِمْ علَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتفصيلِه لاَ يَقْدَحُ.

ش: لاَ تَنْحَصِرُ صِفَاتُ اللَّهِ العَلِيَّةِ فِي الثّمَانيةِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهَا، بَلْ نقولُ بِكُلِّ مَا وَرَدَ فِي الكتَابِ أَو السُّنَّةِ الصّحيحةِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ ظَاهِرُ المَعْنَى لاَ إِشكَالَ فِيهِ اعتقدنَاه كَمَا وَرَدَ.
وإِن كَانَ مُشْكِلَ المَعْنَى يُوهِمُ ظَاهرُه الحُدُوثَ أَو التّغيُّرَ، كَقَوْلِهِ تعَالَى: {وجَاءَ رَبُّكَ} وقولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي كُلّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا)) / (230/أَ/م) فإِنَا نُنَزِّهُ اللَّهَ تعَالَى عِنْدَ سمَاعِه عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ، ولأَئمتِنَا فِيهِ مَذْهَبَانِ مشهورَانِ.

أَحَدُهُمَا: تفويضُ المُرَادِ مِنْهُ إِلَى اللَّهِ تعَالَى، وَالسكُوتُ عَنِ التَّأْوِيلِ مَعَ الجَزْمِ بِأََنَّ
الظّواهرَ المُؤَدِّيَةَ إِلَى الحدوثِ أَو التّشبيهِ غَيْرُ مُرَادَةٍ وهو مذهبُ السّلفِ، وسُئِلَ مَالكٌ-رَحِمَهُ اللَّهُ-عَنْ قَوْلِهِ تعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتوَى} فقَالَ: الاستوَاءُ معلومٌ، وَالكَيْفُ مجهولٌ، وَالإِيمَانٌ بِهِ وَاجبٌ، وَالسؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
وقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الكلاَمِ علَى حديثِ الرّؤْيَةِ: المذهبُ فِي هذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الأَئمةِ مِثُلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيِّ ومَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ 1/ 741/ المُبَارَكِ وسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٍ وَغَيْرِهم: أَنَّهُمْ قَالُوا: تُرْوَى هذه الأَحَاديثُ كَمَا جَاءَتْ، ونُؤْمِنُ بِهَا، ولاَ يُقَالَ: كيفَ؟ ولاَ نُفَسِّرُ ولاَ نَتَوَهَّمُ، وهو الذي اختَاَرَه أَهْلُ الحديثِ.

ثَانِيهُمَا: أَنَّا نُؤَوِّلُهَا علَى مَا يَلِيقُ بِجَلاَلِ اللَّهِ تعَالَى بِشَرْطِ كَوْنِ المُتَأَوِّلِ مُتَّسِعًا فِي لُغَةِ العربِ.
وَقَدْ قِيلَ: مَذْهَبُ السّلَفِ فِي هذَا أَسْلَمُ، ومذهبُ الخَلَفِ أَحْكَمُ لِزَعْمِ قَائِلِه: إِنَّهُ وَقَفَ علَى المُرَادِ وَاهتدَى إِلَيْهِ بِالدليلِ، أَوْ أُعْلِمَ لِتَوَقُّفِهِ علَى زيَادةِ عِلْمٍ وَاتسَاعٍ فِيهِ.
وكَانَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يَذْهَبُ إِلَى التَّأْوِيلِ أَوَّلاً ثُمَّ رَجِعَ عَنْهُ فَقَالَ فِي الرِّسَالةِ النِّظَامِيَّةِ: وَالذي نَرْتَضِيهِ رَأَيًا ونَدِينُ اللَّهَ بِهِ عَقْدًا اتبَاعُ سَلَفِ الأُمَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ دَرَجُوا عَلَى تَرْكِ التّعَرُّضِ لمعَانِيهَا.

وقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدّينِ بْنُ عبدِ السّلاَمِ: طريقةُ التَّأْوِيلِ بِشرطِه أَقربُهَا إِلَى الحَقِّ.1/742 /
وتَوَسَّطَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فقَالَ: إِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ قريبًا علَى/ (187/أَ/د) مَا يقتضِيه لِسَانُ العربِ لَمْ يُنْكَرْ، وإِنْ كَانَ بَعِيدًا تَوَقَّفْنَا عَنْهُ، وآمَنَّا بِمَعْنَاه علَى الوَجْهِ الذي أُرِيدَ بِهِ مَعَ التّنزيهِ.
قَدْ: ومَا كَانَ معنَاه مِنْ هذه الأَلفَاظِ ظَاهرًا مفهومًا مِنْ تَخَاطُبِ العربِ قُلْنَا بِهِ/ (230/ب/م) وأَوَّلْنَاهُ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعَالَى: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} فَتَحْمِلُه علَى حَقِّ اللَّهِ، ومَا يَجِبُ لَهُ، أَو علَى قريبٍ مِنْ هذَا المعنَى، ولاَ يَتَوقَّفُ فِيهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُه صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ الرّحْمَنِ)) نَحْمُلُهُ علَى أَنَّ إِرَادةَ القَلْبِ وَاعتقَادَاتِه مُصَرَّفَةٌ بِقُدرةِ اللَّهِ ومَا يُوقِعُه فِي القلوبِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (مَعَ اتِّفَاقِهم علَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتفصيلِه لاَ يَقْدَحُ) أَيْ: اكتفَاءً بِالإِيمَانِ الإِجمَالِيِّ، كَالإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الشّرَائعِ وأَرْسَلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وكذلك نُؤْمِنُ بِالمُتَشَابهَاتِ علَى الإِجمَالِ، وإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ المُرَادُ بِهَا علَى التَّفْصِيلِ.
والله ولي التوفيق!