المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جديد السنة النبوية بنظرة أصولية



عبد اللطيف محمد جعفر
13-05-16 ||, 02:17 AM
بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيم

بحث بعنوان
الْــسُّــنَّـة الْــنَّــبَوِ يَّة بِنَـظْرَ ة أُصُولِـيَّة
على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم
عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم بعث الرميم


الطالب / عبداللطيف محمد حسن جعفر
الـمُـقَــدِّمــَــة
الحمد لله الذي قدّر فخلق وعلّم ورزق وخلق الخلق من علق ، سبحانه تعالى عن مشابهة ما خلق ، شق في دياجي الليل أشعة الفلق فز ينه كأجملِ الحـَـلَـق ، سبحانه هو قابل التوب ممن قد أبق أو سرق ، أحمده سبحانه وتعالى على ما أنعم و ورزق وما أخرج وشَقّْ .
ثم أصلي وأسلم على من بعثه إلى الثقلين نورً اقد انبثق فحدّث وصدق ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الأفق ، ومن للقرآن والسنة قد حَذَق ، وسلّم تسليمًا كثيرا مزيدًا إلى يوم فيه السماء تنشق.
أما بعد ...
فإنه لا يخفى على عبد أهمية الوحيين اللذَين بهما فلاح الآخرة وعز الدنيا ، ولن يكمل إسلام وإيمان عبد حتى يعلم منهما شيئا يحتاجه لمعرفة ما افترضه الله عليه وما يوصل إلى ذلك ، فالمسلم محتاج إليهما بالضرورة لدينه ودنياه فلدينه ليعلم ممن أوجب عليه هذا الدين فيعرف ما قاله عز وجل بلفظه سبحانه وتعالى أو معناه بلفظ نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولدنياه فإنه لا يصلح شأن عبد حتى يعرف ما عليه في دنياه هذه ولا سبيل لذلك إلا بالعود إلى خالق هذا العبد ومنشئ هذا الشأن ، فهو الأعرف بما ومن خلق سبحانه وتعالى ، فليعرف العبد إذًا ما جاءه من مولاه سبحانه وتعالى ، سواء بلفظ ومعنى منه عز وجل أو بمعنى منه ولفظ نبي أوحى إليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، لعله لا تزل به القدم فينجو ويسلم لاتباعه رضى مولاه وبعده سخطه ( والعياذ بالله) ،،،. فإن كان ذلك فليعرف ما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم وليفهم ما فيه ، ولا سبيل إلى معرفة وإدراك ما فيه إلا بتحصيله كيفية درك وفهم هذا الوارد ، وهو على صنـفين : قرآن هو كلام الله عز وجل، وسنة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي وحي الله عز وجل المنـقول من النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه وعمله وتقر يره وسائر حركاته وتطبيقاته .فهما في المصدرية يتحدان وفي الأصل سواء إلا أنه قد اعترى أغلب الثانية ( أعني السنة ) الظن فما كانت بمرتبة الأول لما طرأ عليها ولكنها في الإجمال على رتبة موحدة مع الكتاب العز يز من حيث الأخذ بها والاتباع والاحتجاج بها لكنـها تأتي بعده من حيث قوتها وقطعيتها والنظر إليها في الائتمار لها بعد القرآن العز يز .
- إن هذا الذي سبق كان من أسباب اختياري لهذا الموضوع ، فأهميتها وما حصل فيها من خلاف بين أهل العلم في اعتبار بعض الألفاظ والأفعال للاحتجاج وترك اعتبار البعض الآخر في الاحتجاج ، وما حصل أيضا في دخول الظنية عليها من بعض الألفاظ ومن بعض الأسانيد والخلاف الكبير في ذلك ، على سبيل المثال : قبول الضعيف وتقديمه على قول الصحابي أو تقديم قول الصحابي عليه أو عدم اعتبار هذا ولا هذا أو اعتبار قول الصحابي الذي لا مجال فيه لاجتهاده أو نسبة قول الصحابي إلى السنة أو نسبة قول الخلفاء الراشدين أو أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم أجمعين - ، ونحو ذلك من قضايا وأمور شائكة تحتاج إلى جمع وتوضيح على اختصار في ذلك ومحاولة حصر لبعض ما يتعلق بها على قدر ما أوتيت من جهد في ذلك وفي البحث ، فلا أدعي تعميم كل ما يتعلق بالسنة في دراستها من الناحية الأصولية في بحثي هذا ولكن المضي والسير على أهم ما فيها بوجه مخــتصر .
وقد كانت هذه الفكرة سابقة وقديمة لدي والآن بدأت في إنشائها وإخراجها .
متمنيــًا في الخروج بفصلٍ للأقوال باعتبار أصحـها وما وافق الدليل على ضوء ما درست في أصول الحنابلة وأجمعها لما في السنة من بيان ، فهذا هو الهدف الأساسي من وراء ذلك . والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل .
وسيكون بحثي هذا بمشيئة الله مقسّــمًــا إلى :
مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة ، ( فالباب الأول في بيان معنى السنة وأهميتها ورتبتها وما يتعلق بذلك - والباب الثاني في بيان أقسامها وبيان ما يتعلق بأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم - والباب الثالث في ما يختص بخبر الآحاد وسنن الصحابة رضوان الله عليهم - والباب الرابع في عصمة الأنبياء ووقوع النسيان والمحــرَّم والمكروه منه صلى الله عليه وسلم ) .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .



الباب الأول : في بيان معنى السنة وأهميتها ورتبتها وما يتعلق بذلك
فصلٌ في بيان معناها في اللغة والاصطلاح الأصولي :
- تعر يفها لغةً : أورد ابن منظور - رحمه الله - في لسان العرب ما نصّه : " والأصل فيه الطريقة والسيرة ... وامض على سَــنَـنِـكَ أي وجهك وقصدك . وللطريق سَــنَـنٌ أيضا ، وَسَــنَـنُ الطَّر يق وسُــنَــنُــهُ وسِنـَـنُـهُ وَسُـنُـنُـهُ : نهجه . يقال : خدعك سَــنَـنُ الطَّرِ يقِ وَسُنــَّـتُهُ، وَالسُّــنَّـةُ أيضًا: سُــنَّةُ الوجه ، وقال اللحياني : ترك فلان لك سَــنَنَ الطريق وسُـنـَــنَهُ وَسِنَــنَهُ أي جهته ، قال ابن سيده : ولا أعرف سِنَــنًا عن غير اللحياني ، شمر : السُّنة في الأصل سُـنَّة الطريق ، وهو طريق سَــنّه أوائـل الناس فصار مسلكًا لمن بعدهم . وسَنَّ فلان طر يقا من الخير يـَــسُــنُّـه إذا ابتدأ أمرا من البر لم يعرفه قومه فَاسْتَسَــنُّـوا به وسلكوه ، وهو سَــنِــيـن " ( 1 ) ، ودل على مثل ذلك ما استشهد به ابن النجار - رحمه الله - في شرحه للكوكب المنير حيث استدل لذلك بقوله " ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ) " (2 )- أخرجه مسلم (بلفظ : كان له أجرها ) - و قد وافق عامة اللغويين هذا المعنى وهو الطر يق والطريقة والسيرة ، وأضافوا معاني قر يبة من ذلك.
- وقد قال الخطابي : أصلها الطر يقة المحمودة ( 3 ) .




( 1 ) انظر لسان العرب لابن منظور ( حرف السين : مادة سنن ) .
( 2 ) انظر شرح الكوكب المنير لابن النجار ( باب في السنة - في أوله ) .
( 3 ) انظر إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني ( المقصد الثاني في السنة - البحث الأول معنى السنة لغة وشرعا )

- وتعر يفها باصطلاح الأصوليين :
في عامة ما ذكر الأصوليون بــيّـنـوا أن معنى السنة عمومًا هو : ( ما ورد في الوحي من غير القرآن الكر يم ) ، فكما ذكر الشاطبي - رحمه الله - في موافقاته أنها : " ما جاء منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص ، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز ، بل إنما نص عليه من جهته عليه الصلاة والسلام ، كان بيانا لما في الكتاب أو لا ، ... ويطلق أيضا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة ، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد ، لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا ، أو اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم ... ويدل على هذا الإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " ( 1 ) ثم بــيَّـن أنها بناءً على ذلك تـُــجْمَـعُ في أربعة أقسام هي: " قوله عليه الصلاة والسلام ، وفعله ، وإقراره وكل ذلك إما متلقى بالوحي أو بالاجتهاد ، بناء على صحة الاجتهاد في حقه ، وهذه ثلاثة ، والرابع ما جاء عن الصحابة أو الخلفاء " ( 1 ) .
وأما الآمدي - رحمه الله - فقد اقتصر على أنها " تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو " ( 2 ) .
وهذا الشيخ سعد الشثري - حفظه الله - يُــبَــيِّــن مثل ذلك بقوله : " فحاصله أن للسنة عرفا خاصا في اصطلاح العلماء ، وهو المنـقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا ، وعرفا عاما ، وهو ما نـقل عنه ، أو عن السلـف من الصحابة ، والتابعين ، وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم " ( 3 ) بز يادته سنّة التابعين والأئمة المقتدى بهم ، لكنه قصد بذلك عموم المراد فيها بشمولية أكبر ، لا ما يختص بالوحي الذي ثبت عنه صلى الله عليه وسلم وعن من أشار إليهم صلى الله عليه وسلم ، فهو الدين والوحي وما عداه فإن كان مثله فهو هو ، وإلا فلا .

( 1 ) انظر الموافقات لأبي اسحاق الشاطبي ( كتاب الأدلة الشرعية - الطرف الثاني في الأدلة على التفصيل - الدليل الثاني السنة - المسألة الأولى ) .
( 2 ) انظر الإحكام في أصول الأحكام لعلي الآمدي ( القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي ... - القسم الأول فيما يجب العمل به ... - الأصل الثاني السنة - المقدمة الأولى ) .
( 3 ) انظر شرح الشيخ الشثري على (مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي)( الأصول - السنة والخبر - تعريف السنة ) .



- هذا وقد ذكر غيرهم مثل قولهم وقر يـبـًا منه .
لكن غير واحدٍ من الأئمة بــيّــنــوا بعض إطلاقات الشرع عليها التي لا تـختص بـبحثنا ولا هي من مسائـل الأصوليين وإنما لغيرهم من الفقهاء ونحوهم كـــقولهم أنها ما قابـل البدعة ، و أيضــًا ما كان دون الوجوب وهو النـفل فلنـصطلح على ردها في بحثنا هذا - ينظر في نفس مصدر ما ذكر الشاطبي والآمدي رحمهما الله - .




فصلٌ في أهميتها وعظم شأنها والاحتجاج والاستدلال بها :بداية ً ينبغي على العبد أن يعلم أن السنة هي وحي كما أن القرآن وحي ، فمن تيقن التعبد بالقرآن فعليه أيضا التقين بالتعبد بما جاء في السنة إذ إن مخرجهما وأصلهما سواء قال عز وجل : ( إن هو إلا وحي يوحى ) - النجم 4 - ، فكان وجوبا بالنـقل والعقل اعتبار السنة كما يُـــعتبرُ القرآن العز يز - بما ورد في السنة بالإجمال بغض النظر في صحة ما ورد أو ضعفه لكن ما يعتقده العبد في اعتبارها - وأيضـًا وجب اتباع ما جاء فيها والائـتمار لأوامرها والانـتهاء عن منهياتها تعبدًا وديانة ً وترك التشكيك في الأخذ بها أو الإنـقاص من حقها لأسباب واهية لم يخالف فيها أهل السنة والجماعة ، فيدل لذلك ما في القرآن نفسه أولا ، فقد قال جل وعز : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) - النساء 59 - وقال تعالى أيضـًا : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) - آل عمران 31 - فهل هو مسلم أو مؤمن مَنْ لا يحب الله تعالى؟! ، فعندئذ يشترط لهذا اتباعه صلى الله عليه وسلم بظاهر الآية ، وأيضـًا قوله سبحانه وتعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) - الحشر 7 - ، وقوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )- النور 63 - ، وهاتين الآيتين صريحتين فيما بيّنا ، وأيضا قوله تبارك وتعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) - النساء 80 - وأيضا من الصر يح بيان أهميتها وأنها تنزّلُ عليه صلى الله عليه وسلم كما يتنزل القرآن ، بقوله تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) - النساء 113 - وقوله عز وجل ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) - الأحزاب 34 - وأصح الأقوال فيها أنها السنة كما في تفسير ابن كثير وقول قتادة - رحمهما الله - في الآية وغيرهما ، وإن قيل كما ذُكر عند الطبري - رحمه الله - في تفسيره أنها العلم بالقرآن بحلاله وحرامه وأحكامه ، فهي أيضا من السنة حيث أن السنة شارحة مبينة موضحة مفسرة لكثير مما جاء في القرآن الكريم ، هذا وقد وردت كل هذه الآيات في كتب الكثير من أهل العلم في بيان فضيلة السنة والاحتجاج بها .
ومن أقواله صلى الله عليه وسلم قد ورد : ( يوشك أن يقعد الرجل على أريكته يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول بيننا وبينـكم كتاب الله عز وجل ما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله ) - أخرجه الحاكم بهذا اللفظ والترمذي وابن ماجة بلفظ آخر قريب وقال الترمذي حسن صحيح - وأخرجه أبو داود بلفظ ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته ...) الحديث ، فأي قول أصرح من هذا الصحيح الثابت عنه صلى الله عليه وسلم في بيان أهمية ما ورد عنه وفي لفظ أبي داود - رحمه الله - بيان المماثلة للقرآن ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ) ، وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام : (دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) - أخرجهما البخاري - ، وورد كذلك : ( أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ) أخرجه الحاكم وقال صحيح لا علة فيه ، وأخر ج هو أيضا ( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ) .
هذا في بيان أهميتها وقوتها والاحتجاج والاستدلال بها والالتزام بما جاء فيها على وجه الإجمال .. إيمانــــًا واعتقادً ا ، وأما في التفصيل بما ورد في السنة فإنها على أضرب كما اتفق أهل الحديث والمصطلح والأثر على تقسيم ما جاء في السنة واعتبار البعض وعدم اعتبار بعضها وذلك لدخول الظنية إليها بسبب الأسانيد الناقلة لها باتصال ونحوه ، لكن لا لقدح فيها أو في أصلها ، فقسّمت إلى صحيح وحسن وضعيف وموضوع فلا يلزم الاحتجاج بالضعيف ولا الإلزام بالقول بذلك ، والموضوع لا عبرة به ، لكن فُصّل في الضعيف بتفصيل كما إذا لم يرد في حكم إلا الضعيف وليس ثمة أي إشارة ونحوها غير الضعيف فيختلف الاحتجاج بذلك لدى قواعد المذاهب والأئمة لما طرأ في الحديث ، وليس لأصله وفحواه وعدم كماله أو ظن نقصه علاقة بذلك ، وأما الحسن والصحيح فبـهما تقوم الحجة ويُــنـكر على من ردهما ولم يرد حديث صحيح أو حسن لدى جميع أهل السنة والجماعة فلا يعتبروه ، إلا أن يكون لم يصل للمجتهد أو المفتي أو أنــه فهمه بوجه فيه - والله أعلم - .
هذا وقد بــيــّـنَ بعض الصحابة رضوان الله عليهم أهميتها والاحتجاج بها والضلال بالانفكاك عنها فنُسِبَ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال " سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالأحاديث ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله" ( 1 ) وعن ابن مسعود رضي الله عنه " ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم ، وإياكم والتبدع ، وإياكم والتنطع ، وعليكم بالعتيق " ( 1 ) وثبت عنه أيضًا رضي الله عنه " لعن الله الواشمات ، والمستوشمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله قال : فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت : يا أبا عبد الرحمن بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت فقال : ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله وهو في كتاب الله ؟ فقالت المرأة لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته ! فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ، قال الله عز وجل ( وما آتاكم الرسول ... ) الآية " ( 2 ) .

- وهؤلاء السلف رحمة الله عليهم جاء عنـهم :
" قال الأوزاعي (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد): الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب .وقال ابن عبد البر : إنها تقضي عليه وتبين المراد منه .وقال يحيى بن أبي كثير : (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)ال سنة قاضية على الكتاب " ( 3 ) ، وهذا المعنى هو قول كثير من أهل العلم .

- ومن أهل العلم مَن لم يفرق بين القرآن والسنة جامعـًـا ذلك بأنه كله قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا معنى من فصل السنة عن القرآن الكريم ، ومن هؤلاء إمام الحرمين الجويني - رحمه الله - وروي عن الشافعي أنها بنفس منزلة القرآن الكريم لحديث ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ) السابق ذكره ( 4 ) - وهذا هو الصحيح الذي ينبغي اعتقاده في السنة ، وأيضـًـا يقوي ذلك ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - سابقـــًا بأن جعل اللعن على الواشمة من كتاب الله عندما سألته المرأة من بني أسد وهو قد ثبت بالسنة . - والله أعلم - .


( 1 ) انظر الموافقات للشاطبي ( كتاب الأدلة الشرعية - الطرف الثاني في الأدلة على التفصيل – الدليل الثاني السنة - المسألة الثالثة ).
( 2 ) نفس المر جع الأول ( المسألة الرابعة ).
( 3 ) انظر إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني ( المقصد الثاني في السنة - البحث الثاني استقلال السنة بالتشر يع )
( 4 ) انظر البحر المحيط للزركشي ( مباحث السنة - المسألة الأولى السنة المستقلة بتشر يع الأحكام ) .



فصلٌ في بيان رتبتها وما يندر ج تحت ذلك :
وأما رتبتها فهي تلي الكتاب العز يز ( في الاعتبار ) ( 1 ) ، لذكر الله عز وجل للكتاب أولا في كتابه العزيز ثم يـثــنّـــي بالحكمة وهي السنة وكذلك في أقواله صلى الله عليه وسلم فيبدأ بالكتاب ثم بالسنة كما في حديث (الكتاب ومثله معه ) ، وكذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال كيف تقضي فقال أقضي بما في كتاب الله قال فإن لم يكن في كتاب الله قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ) - أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والدارقطني ، بزيادة عند أبي داود (وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ) ، إلا أنه لم يصح ( أي الحديث ) لكنه صحيح المعنى ، قال ابن الجوزي :" لا يصح ، وإن كان الفقهاء (( كلهم )) يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه ، وإن كان معناه صحيحا " - ( 2 ). وقد جاء في إعلام الموقعين أن طريقة أبي بكر وعمر كانت هي نفسها هذه " فروي عن ميمون بن مهران قال : " كان أبو بكر الصديق (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به ، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ... وكان عمر يفعل ذلك " وبيـّـن ابن قيم الجوزية - رحمه الله - بالأدلة أن هذا كان حال علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم كثير - رضي الله عنهم - ( 3 ) ، وليس من مذهب أهل السنة والجماعة ترك الصر يح المذكور في القرآن والالتفات إلى السنة أو تركهما ولا الأخذ بما خالـف السنة الثابتة الصحيحة كما بينا .
- ( ونقصد بالاعتبار : الاستدلال والاحتجاج والاستشهاد بها في الأحكام الشرعية والحياتية ).


( 1 ) انظر الموافقات للشاطبي ( كتاب الأدلة الشرعية - الطرف الثاني في الأدلة على التفصيل – الدليل الثاني السنة - المسألة الثانية ).
( 2 ) انظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري ( كتاب الأحكام عن رسول الله - 1327باب ما جاء في القاضي كيف يقضي ) .
( 3 ) انظر إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية ( فصل تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي ) .



- يقوي أيضـًــا القول بتقديم القرآن ما صح عنه صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ... ) - أخرجه الحاكم وابن حبان والترمذي وقال الترمذي حسن صحيح - ، فإن كانت الصلاة المحتوية على أحكام وأركان وفروض وآداب من القرآن ومن السنة ، بل إن واجباتها لم تثبت إلا من السنة فقط ، فمع هذا لا يتقدم للإمامة فيها إلا الأقرؤ للكتاب ثم الأعلم بالسنة هكذا على الترتيب بنـص الحديث فهذا المعتبر في الصلاة التي هي عماد الدين فيقاس عليها عامة الاعتبارات والاستدلالات لأحكام الدين .

- مسألة :
مَن توهّـــم لمجرد قول العلماء أن السنة قاضية على الكتاب ، بأنها تقدم عليه في الاعتبار . فــيُرد عليه بأن " قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطّراح الكتاب ، بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب ، كأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب " ( 1 ) إذ كيف يجعل الشرح أعلى منزلة من المتن ولا حتى بنفس المنزلة ، وكيف يجعل الظني في أغلبه بمنزلة القطعي في جميعه، بل وإن ثبت من السنة ما يصح آحادً ا في أغلبه فليس بمنزلة المتواتر في جميعه ، بل حتى وإن كان متواترً ا فليس بمنزلة معنى ولفظ المولى العزيز الحكيم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أيضــًـا المتعبد بتلاوته وترتيله والتبرك والتشفي بما فيه من الذكر الحكيم المخصوص بأحكام كثيرة وآداب جمـّة عند تلاوته ومسّه والنـظر فيه وبيان معانيه وغير ذلك .
وما كان ذلك ( أي هذا البيان ) إلا لأن أكثر القرآن ظاهر لا صر يح ومجمل وعام وأقله هو الصريح والمقيد والمخصص ، كما نُسب إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قوله : " إن القرآن حمـّـال أوجه " .

( 1 ) انظر الموافقات للشاطبي ( كتاب الأدلة الشرعية - الطرف الثاني في الأدلة على التفصيل - الدليل الثاني السنة - المسألة الثانية ).



الباب الثاني : في بيان أقسامها وبيان ما يتعلق بأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم
- بــيـَّنــا سابقــًـا في تعريفها بالاصطلاح الأصولي ما يطلق عليها في الغالب وما تنـقسم إليه في العموم والغالب وعلى وجه الإجمال ، لكنـها تنـقسم حقيقة عند النظر إليها إلى :

فصل في أقسام السنة :
أقوال محضة عنه صلى الله عليه وسلم كقوله : ( الدين النصيحة ) - أخرجه مسلم - .
وأفعال محضة عنه وترك منه صلى الله عليه وسلم كـخروجه للجهاد والمغازي وأفعال الصلاة التي لم تـثبت من أقواله وتـيـمُّـنِـه في طهوره وتنعله وفي أكله للدباء فأخرج البخاري - رحمه الله - (يحب التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله ) ، وأيضا (فأتي بدباء فجعل يأكله ) وفي الترك ما أخرجه الترمذي : ( فبعث إليه يومًا بطعام ولم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتى أبو أيوب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه ثوم ) - حسن صحيح - .
وسكوته المحض صلى الله عليه وسلم بعد قول أو سؤال أو فعل أو ترك من أصحابه رضي الله عنهم ، وهذا كثير جدً ا لأنه صلى الله عليه وسلم رأى وسمع أمورًا كثيرة وسكت عنـها إما تقر يرا منه وإثباتًا للصحة أو انتظارً ا للوحي أو غير ذلك ، ومثاله ما أخرجه مسلم في صحيحه : (وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم) ، فتبسمه سكوت لا كلام وهو دليل الرضا وكذلك أكلهم للضب أمامه صلى الله عليه وسلم فسكت ( 1 ) .



( 1 ) انظر البحر المحيط للزركشي ( مباحث السنة - القسم الثالث التقر ير ) .



فهذه ( المذكورة سابقـــًـا ) هي الأصول في سنته صلى الله عليه وسلم ويندر ج تحتها :
- سؤاله ليـبـيِّـن الحكم صلى الله عليه وسلم وهذا داخل تحت قوله ، كسؤاله صلى الله عليه وسلم للذي قال له : ( إن أختي نذرت أن تحج ، وإنها ماتت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم ، قال : فاقض الله فهو أحق بالقضاء ) - أخرجه البخاري - .
- وتقر يره صلى الله عليه وسلم وإثباته بسكوته ، وهذا داخل تحت سكوته صلى الله عليه وسلم كما بيـّنت سابقا .
- وإشارته صلى الله عليه وسلم وهي داخلة في أفعاله ، كالذي أخرجه مسلم في صحيحه : ( الشهر هكذا وهكذا وهكذا " ، طبق مرتين على اليسرى ، وخنس في الثالثة إ بهامه ) .
- وهمــّه صلى الله عليه وسلم كما قد همّ أن يحرق بيوت من لا يشهدون الجماعة : ( لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة ) - صحيح البخاري - ، وهمه صلى الله عليه وسلم أن ينـكِّس رداءه بالإضافة إلى تحويله في الاستسقاء قال صاحب البحر المحيط " ( أنه عليه السلام استسقى وعليه خميصة سوداء ، فأراد أن يأخذ أسفلها ، فيجعله أعلاها ، فلما ثـقلت عليه قلبها على عاتقه ) قال الشافعي : فيستحب الإتيان بما همّ به الرسول " ( 1 ) ، وهمه صلى الله عليه وسلم إما أن يلحق بالقول كقوله في الحديث الأول أو أن يلحق بالفعل كفعله في الخبر الثاني ، وهو في الحقيقة ( أي الهم ) منزلة بين السكوت والقول أو السكوت والفعل - والله أعلم - .
- وكتابته صلى الله عليه وسلم ككتابته إلى الملوك والأمراء وكتابته إلى عمّاله ( 2 ) ، والنبي في الحقيقة لم و لا يكتب ولكنه يملي ويقول بقوله فما نسب إلى كتابته داخل في قوله ونسبته إلى كتابته مجازً ا - والله أعلم - .
هذه تقر يبا هي أقسام السنة النبوية على التفصيل .

( 1 ) انظر البحر المحيط للزركشي ( مباحث السنة - القسم الرابع : ما هم به الرسول ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط للزركشي ( مباحث السنة - القسم السادس : الكتابة ) .



فصل في ما يختص بقوله صلى الله عليه وسلم وفعله :
أولاً : اعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم هو أوضح البيان إما لـلـقرآن أو لحكم لم ينزل فيه قرآن ، هذا إن كان صر يحـًـا وإن كان ظاهره بيان الحكم فالحمل على الظاهر أولى ، أما إن كان له وجه ليس بالظاهر فالنظر إلى ما احتف بالحكم من قرائن صر يحة فيها الدلالة على الحكم ، كأمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به في الصلاة مع مجمل الأمر بإقامة الصلاة في القرآن الكر يم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) - أخرجه البخاري - فهذا صر يح في صلاة المنـفرد والصلوات السر ية ، لكنه ليس بصر يح مع الأمر بالإنصات لقراءة الإمام للقرآن كما في الصلوات الجهرية ، فهنا النـظر إلى هذا الحديث وإلى القرائن ومحاولة الجمع على وجه من الوجوه هو العمل عند أكثر الأئمة وحتى مع اختلافهم في أقوالهم فهم قد حاولوا الجمع بين النصوص على حد الاجتهاد الذي توصلوا إليه وهو المفروض في نصوص الشرع أعني الجمع لإعمال الوحي على وجه الجملة - والله أعلم -.

ثانـــيًــا : أفعاله صلى الله عليه وسلم من حيث الاعتبار مقسومة إلى :
1 - ما كان من أمور العادة والحركات الجبلية البشر ية كالنوم وحركات الأعضاء كتغميض العينين وكقيامه أو قعوده في غير عبادة ونحو ذلك فهذا.. لا.. اعتبار له ولا اقتداء أو تأسي به لأنه أمر جبلي لم يدل الدليل على التشر يع به قال تعالى عن عيسى وأمه عليهما السلام : ( كانا يأكلان الطعام ) - المائدة 75 - ، في معرض بيان البشر ية لا الألوهية فعندئذٍ يستوي البشر في ذلك فلا تشريع به ، وإلا لما استدل به المولى عز وجل على الآدمية والبشرية .
فما كان من قبيل هذه الأفعال فإنه يفيد الإباحة لفعله وعدم النـهي أو الندب إليه لكن بعموم إباحة الحركات والسكنات ( 1 ) .
2 - " ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع بمواظبته عليه على وجه معروف وهيئة مخصوصة ، كالأكل والشرب واللبس والنوم " ( 2 ) فهذا ظاهره التشر يع على الراجح ( فيستحب الاقتداء فيه به ( 3 )) لخروجه عن الجبلة إلى العادة الدائمة إلا أن تحتف به قرائن فيتحول إليها الحكم فإن دلت القر ينة على الوجوب فالوجوب وهكذا .
3 - " ما علم اختصاصه به صلى الله عليه وسلم " لا يشاركه فيه أحد( 2 ) لقرينة دلت على التخصيص له فقط صلى الله عليه وسلم ، وإلا فالأصل الاقتداء به صلى الله عليه وسلم بعموم قوله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) - الأحزاب 21 - ، فهذه لا يجوز مشاركته فيها لاختصاصه بها.
4 - " ما أبهمه صلى الله عليه وسلم لانتظار الوحي كعدم تعيــين نوع الحج مثلا فقيل يقتدى به في ذلك " ( 2 )
هذا وقد ذكرت غيرها من الأنواع فأقول أما النوع الرابع وما اندر ج بعده من غير الثلاث الأولى فينظر إليه ، فالأصل فيه الاقتداء إلا أن تأتي قر ينة تبـيـن اختصاصه صلى الله عليه وسلم به وإلا فالاقتداء به على الوجه الذي كان عليه وحصول العلة التي كان لها الحكم كما لو كان بين متخاصمين فهو قضاؤه صلى الله عليه وسلم وقضاء لأمته به ( 2 ) على من تنصب للقضاء وهو الحاكم - والله أعلم - .
هذا وقد جاء في البرهان للجويني - رحمه الله - أن أفعاله صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى : ما شهد له عليه السلام بقول يثبته وبنـص يؤكده كقوله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي )- أخرجه البخاري - و ( خذوا عني مناسككم ) - أخرجه مسلم - ،
وإلى مالم يشهد له ولم ينـص عليه بقول ، وفـصّـل فيها كما فصلنا في هذه الأقسام ( 4 ) - والله أعلم - .





( 1 ) انظر إرشاد الفحول للشوكاني ( المقصد الثاني السنة - البحث الرابع أفعاله صلى الله عليه وسلم ) . وأيضا شرح الكوكب المنير لابن النجار ( باب في السنة - فصل ما اختص من أفعاله صلى الله عليه وسلم ) . وأيضا بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب لأبي الثناء الأصبهاني ( الأدلة الشرعية - السنة - فعله صلى الله عليه وسلم ) .
( 2 ) نفس المرجع للشوكاني .
( 3 ) نفس المرجع لابن النجار .
( 4 ) انظر البرهان في أصول الفقه للجويني ( باب القول في أفعال الرسول - 394 حكم أفعال الرسول وأقسامها ) .



ثالثــًــا : إذا تعارض قوله مع فعله صلى الله عليه وسلم ( في الظاهر ) فينقسم إلى أقسام واختلف أهل العلم في بعضها :
فبداية نذكّر بأنه كما بـيّــنا في قوله صلى الله عليه وسلم أنه هو الأقوى والأوضح فهو المقدّم في الأصل ولأن الفعل يلتبس كما قسمنا فيه ففيه ما هو معتبر وفيه ما ليس بذلك ، فلم يرتـقِ لدر جة القول ولو أُخِذَ منه الوجوب فلا يعني أنه الأقوى لما فصلناه .
لكن عند النظر إلى أحواله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله فإنه يتضح لنا ما يأتي ( 1 ) :
1 - ورود قول عام وفعل خاص به دل الدليل على اختصاصه به فهنا يبقى القول على قـوّتــه لنا ولا يؤثر فيه ما اختص بالنبي صلى الله عليه وسلم لتخصصه ، كما في صلاة الليل فدلت أقواله على أنه لا يجب على المسلمين من الصلوات إلا الخمس المفروضة وما عداهن فلا يجب ، ودل فعله وصلاته لليل في مداومته عليها وأدلة القرآن على أمره بالصلاة في الليل ( قم الليل إلا قليلا ً ) - المزمل 2 - على اختصاصه بذلك - والله أعلم - .
فيما إذا كانت الأوامر لم يأتِ فيها اختصاص له صلى الله عليه وسلم فـتنـقسم إلى :
2 - أن يتقدّم القول على الفعل أو الفعل على القول ، فمن أهل العلم من أخذ بالمتأخر وترك ما عارضه من متقدم لبيان نسخ الثاني للأول ، ومنهم من قدّم القول لقوته بالصيغة ومنهم من قدّم الفعل لعدم الاحتمال فيه ( 2 ) ، ومن أهل العلم من قدّم الفعل لاعتباره عموم القول وتخصيص الفعل لذلك القول والاستثناء فيه ، ومن أهل العلم من توقّف في هذا القسم ( 2 ) - والله أعلم - .
3 - أو ألا يعلم الـتاريخ ففيه كما سبق من المذاهب إلا أنه لم يرد التوقـف فيها عند أهل العلم وإنما ذكروا أنهما أمران متعارضان لا يترجح أحدهما على الآخر ( 2 ) - والله أعلم - هذا وقد أوصل بعض العلماء الأقسام في هذه المسألة إلى ستيـن قسـمًـا .


( 1 ) ينظر بنفس المعنى في : البحر المحيط للزركشي ( مباحث السنة - التعارض بين القول والفعل ) . وَ الإحكام للآمدي ( القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي .. - القسم الأول - الأصل الثاني في السنة - المسألة الخامسة التعارض بين قول النبي وفعله ) .
( 2 ) ينظر في نفس ما سبق في البحر المحيط .



- ففيما سبق إذا تبيّن وظهر عموم قول أو فعل وأمكن دخول المتعارض له فيه بخصوص له واستثناء ، فهو المعتبر وعلى هذا الوجه يؤخذ جميع ما سبق إعمالاً للأدلة وعدم إهمال أي منـها ، للقاعدة المتقررة " إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما أو إهمالهما " ولما بينا قبل في أن نصوص الوحي الأولى فيها الإعمال لأنه الأصل ولا نظر إلى أحدها فقط وعدم النظر إلى الآخر إلا لمرجح ، وهذا الصحيح من كلام العلماء ، وأكثر خلاف العلماء فيما لم يمكن الجمع بين ما تعارض من الأدلة فيه لبذلهم الجهد والوسع في الجمع فلما لم ينـكشف لهم وجه للجمع ظهر إهمال القول أو الفعل بحسب ما سبق - والله أعلم -. هذا ومن أوضح الأمثلة التي ضرب بها العلماء في مثل هذه المسألة ( أعني التعارض بين القول للفعل ) هي في مسألة استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة فورد فيها نص وروي فعلٌ له صلى الله عليه وسلم بخلافه . وكذلك في لمس النساء باعتباره ناقضـًــا للوضوء والنصوص الواردة في ذلك وحصول لمسه صلى الله عليه وسلم وفعله له وعدم وضوئه منه .

* تنبيه : على المسلم ألا يعتقد أبدًا تعارضــًـا بين نصوص الوحي إلا في الظاهر الذي لم ينـكشف له وإلا فإنه لا تناقض في الوحي ولا اختلاف لأن الأصل واحد والقصور والعجز كان فينا فيما لم ندركه بما علمنا وجهلنا .









رابعــًـا : إذا تعارض قوله مع قول آخر له صلى الله عليه وسلم ( في الظاهر ) :
هنا يتأكد نسخ الآخِر للسابق فيما إذا كانا صريحين وأما إن كان أحدهما ظاهرً ا أو نحو ذلك فيخصص الصر يــح فيه جمعا للدليلين أو يستثنى الوجه الصر يح - والله أعلم - والمثال على ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في مس الذكر وهل يعد ناقضــًـا للوضوء ، فقد جاء : ( من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ ) - أخرجه مالك والشافعي وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي - ، وورد : ( إنما هو بضعة منـك ) - أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان -

خامسـًــا : إذا تعارض فعله مع فعل آخر له صلى الله عليه وسلم ( في الظاهر ) :
كاستقباله بيت المقدس للصلاة ثم التحوّل إلى المسجد الحرام ، فهنا يتضح عيانــــًــا كما سبق في التعارض بين أقواله سابقـــًـا ظهور النسخ لشهود القرآن بذلك في نسخ استقبال بيت المقدس للصلاة ، وإن انعدمت الصراحة في أحداهما فكما سبق بالجمع بينهما ( وفي مسألة الأفعال تضيق الدائرة أكثر لعدم احتمال أو تصور إلا القليل مما ورد في التعارض الذي تبين نسخه أحده للآخر كما ذُكِرَ في نفس المرجع السابق للآمدي - رحمه الله - ) - والله أعلم - .










الباب الثالث : فيما يختص بخبر الآحاد وسنن الصحابة رضوان الله عليهم
فصل في الكلام على خبر الآحاد :
خبر الآحاد: هو كل ما لم يصل لرتبة التواتر مما لا يفيد علــمًـا ( أي القطع ) - على الصحيح من الأقوال - ( 1 ) ، والتواتر لغةً هو التتابع . واصطلاحـًــا هو : إخبار قوم يمتنـع تواطؤهم على الكذب لكثرتهم ( 2 ) .
إذا اتضح هذا فإن علينا أن نبـيـن حجية خبر الآحاد واعتباره وما يختص به فنـقول :
زعمت طوائـف ومنهم طوائـف من الرافضة وبعضٌ من المعتزلة عدم العمل بخبر الآحاد والسبب عند بعضهم هو عدم ثبوت العمل والقطعية به ( 3 ) . والرد عليهم بالآ تي :
- ما المانع في عدم قبول الظني وارتضائه ديـنـًـا يدين العبد به لر به لأنه أوجبه عليه وأمره بالأخذ به ( وسنبـيـن كيف أمرنا بالأخذ بالظني والتعبد به واعتباره ) ، هذا مع عدم وجود دليل لا من عقل ولا نقل يدل على عدم قبوله ، بل دل العقل على النـقيض وهو قبوله ، فـــلو قلنا على سبيل الافتراض " أن يقول الله تعالى لعباده إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابا فقد أوجبت عليكم كذا وكذا وجعلت ظنـكم علامة وجوب العمل كما جعلت زوال الشمس علامة وجوب الصلاة ، فيكون نفس الظن علامة الوجوب والظن مدرك بالحس وجوده ، فيكون الوجوب معلوما ، فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعا وأصاب . فإذا جاز أن يجعل الزوال أو ظن كونه غرابا علامة فلم لا يجوز أن يجعل ظنه علامة ؟ فيقال له : إ ذا ظننت صدق الراوي والشاهد والحالف فاحكم به ولست متعبدا بمعرفة صدقه ولكن بالعمل عند ظن صدقه وأنت مصيب وممتثل صدق أو كذب " ( 4 ) هذا في الرد بالعقل على من لا يعترف بالشرع وعلى من اعترف به .


( 1 ) انظر المستصفى للغزالي ( القطب الثاني - الأصل الثاني سنة رسول الله - القسم الثاني - الباب الأول في إثبات التعبد ... )
( 2 ) انظر مخـتصر الروضة للطوفي ( الأصول - السنة والخبر - أقسام الخبر - الأول التواتر وبيان مسائل فيه - المسألة الأولى )
( 3 ) انظر البرهان في أصول الفقه للجويني ( باب الأخبار - فصل تقاسيم الأخبار - 538 مسألة في العمل بخبر الواحد )
( 4 ) انظر المستصفى للغزالي ( القطب الثاني - الأصل الثاني سنة رسول الله - القسم الثاني - الباب الأول في إثبات التعبد.. - مسألة أنكر منـكرون جواز التعبد بخبر الواحد .. ) .



- وأما إن كان معترفا بالشرع فيزاد له : كيف وقد ورد في الشرع ما يدل على قبوله كما جاء : " أن الرسول عليه السلام كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربـما كان يصحبهم الكتب ، وكان نقلهم أوامر رسول الله عليه السلام على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم . فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا به متواترً ا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر " ( 1 ) وقد قامت به الحجة على من بلغه ذلك ورَدُّ ذلك هو رَدُّ للمتواتر المقطوع كما بين الجويني - رحمه الله - ، ويزاد على ذلك أيضا " إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بأخبار الاحاد منقول متواترا فإنا لا نستريب أنهم في الوقائع كانوا يبغون الأحكام من كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا للمطلوب ذكرا مالوا إلى البحث عن أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا يبتدرون التعويل على نقل الأثبات والثقات بلا اختلاف " ( 1 ) . فكيف يصح ردُّ خبر الآحاد بعد كل هذا وغيره كثير في قبوله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه كأبي بكر وعمر وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين .

- مسألة : يشترط في قبول خبر الآحاد شروط معلومة معروفة عند أهل المصطلح والأثر سواءً في السند أم في المتن ، وعند توفرها في خبر فإنه تقوم به الحجة ويكون قر يبا من رتبة التواتر ولا يجوز مخالفته ( وهو الصحيح ) ويقبل حتى فيما تعم به البلوى وفي الحدود ونحوها على الصحيح من الأقوال - والله أعلم - . ومن السنة ما وصل لنا متواترا من غير القرآن ، وأكثر الأخبار والآثار والسنة هو من قبيل الآحاد ( 2 ) . وعن البعض أن السنّة لا تواتر فيها وإنما كلها آحاد .

- مسألة في الأخبار الموضوعة المختلقة المكذوبة وَ الضعيفة :
فأما الموضوع فمعلومٌ، ويحرم نشره إلا لتعليم إتّـقائِه ، وإذا حرم نشره حرم الاستدلال والاحتجاج به لـحرمة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بـل هو من الكبائر لورود الحديث المتواتر ( 2 ) الذي يـبـيـن الوعيد على الكاذب على النبي.


( 1 ) انظر البرهان للجويني ( باب الأخبار - فصل تقاسيم الأخبار - أخبار الآحاد - 540 والمختار عندنا مسلكان ).
( 2 ) انظر شرح الكوكب المنير لابن النجار ( باب في الإجماع - فائدة الفرق بين الخبر والإنشاء - مسألة ومنه تواتر وهو لغة ... ).



- وهو إما أن يظهر الوضع فيه بإقرار الواضع نفسه كما قد أقر بعض الزنادقة على بعض ما أخبروا به - والعياذ بالله - ، أو بالركاكة في الألفاظ لأنه صلى الله عليه وسلم أفصح الناس فيعرف قوله عن غيره بالفصاحة ، ويعرف كذلك بأمر فيه واضح جلي يعرف به أن هذا الخر موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم وتـتجلى لبعض أهل العلم وطلبته ، قال الربيع بن خيثم - رحمه الله - : " إن للحديث ضوءا كضوء النهار يعرف ، وظلمة كظلمة الليل تنـكر " وقال ابن الجوزي – رحمه الله - : " الحديث المنـكر يقشعر منه جلد طالب العلم ، وينفر منه قلبه في الغالب " أو تعرف بأمور أخرى في السند عند من عرف عنـهم الوضع ونحو ذلك ، هذا وقد اشتهر عن بعض الطوائف الوضع كالشيعة في أكثر أصنافها كالخطابية وكثير من الرافضة والخطابية من الرافضة ( 1 ) . ولعلّ الله ربـط هذا بأقواله صلى الله عليه وسلم إعجازًا لقوله ، ولعله لا يعرفه إلا من ارتضاه الله لنصر هذا الدين والدفاع عنه ، كيف لا ومعجزاته لا تحصى ، صلى الله عليه وسلم

- وأما الضعيف : فهو ما اختل فيه شرط من شروط الصحيح ( وسيأتي بـيان الصحيح ) ، ولم يبلغ رتبة الحسن ( 2 ) .
وهو لا يستدل به إلا في غير الأحكام من القصص والفضائـل ونحوها ( 3 ) ، ولكن قد يستدل به في أحوال كما لو كان في بيان علة لحكم ثبت بالقياس ( 4 ) ، أو مع نــص عام أو مطلق فيقويه ونحو ذلك . والضعيف كثير في السنة.




( 1 ) انظر فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للسخاوي ( أقسام الحديث - الموضوع - طريق معرفة الوضع وَ أصناف الواضعين ) .
( 2 ) انظر فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للسخاوي ( أقسام الحديث - الضعيف ).
( 3 ) انظر المجموع شر ح المهذب للنووي ( مقدمة النووي - باب في فصول مهمة تتعلق بالمهذب - فصل الحديث ثلاثة أقسام ) .
( 4 ) انظر شرح الكوكب المنير لابن النجار ( باب ترتيب الأدلة والتعادل ..- الكلام على الترجيح فيما دل ..- مسألة وترجح علة).




- مسألة في الحديث الصحيح والحسن :
فأما الصحيح فهو : ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ، من غير شذوذ ولا علة قادحة ( 1 ) .
ولا يجوز العدول عنه ولا إهماله ؛ لـثبوته . إلا لأمر يتجلى فيه للمجتهد أن له خصوصـًــا في مواطن ونحو ذلك فيخالف فيما خص وإلا فالأصل الأخذ به وهو واجب لما قدّمنا في ما سبق - والله أعلم - .

- وأما الحسن فهو : مثل الصحيح لكن لا يخلو إسناده من إحدى أمر ين : إما أن يأتي " فيه مستور لم يتحقق أهليته . أو يقصر في الحفظ والإتقان عن رجال الصحيح بعض القصور " ( 1 ) .

- " أفرد ابن الجوزي نوعا آخر سماه الـمُـضَــعَّــف ، وهو الذي لم يجتمع على ضعفه بل فيه إما في المتن أو في السند تضعيف لبعض أهل الحديث ، وتقوية لآخرين ، وهو أعلى مرتبة من الضعيف المجمع عليه " ( 2 ) .


( 1 ) انظر المجموع شر ح المهذب للنووي ( مقدمة النووي - باب في فصول مهمة تتعلق بالمهذب - فصل الحديث ثلاثة أقسام ) .
( 2 ) انظر فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للسخاوي ( أقسام الحديث - الضعيف ).



فصل في سنن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وتبعـيّــة بعضها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم :
اعلم أن الصحابة رضوان الله عليه كلهم عدول " بتعديل المولى عز وجل لهم فقال تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجر ين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) - التوبة 100 - ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ثم ..) - متفق عليه - ، فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم " ( 1 ).
وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم الصراحة في تعديلهم كما في قوله : (.. وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا ومن هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي ) - أخرجه الحاكم والترمذي وقال الترمذي حسن غر يب - .
- اختلـف أهل العلم في إلحاق الصحابة بالسنة وقيام الحجة بأقوالهم ، فقد جاء في الروضة ما نصه : " فروي: أنه حجة - أي قول الصحابي - يقدم على القياس، ويخص به العموم وهو قول مالك ، والشافعي في القديم، وبعض الحنفية .. ووجه الرواية الأولى - أي هذه - قوله صلى الله عليه وسلم : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) - ضعيف قال فيه ابن حزم موضوع وقال بضعفه السيوطي - .
وروي ما يدل على أنه ليس بحجة . وبه قال عامة المتكلمين، والشافعي في الجديد، واختاره أبو الخطاب؛ لأن الصحابي يجوز عليه الغلط والخطأ والسهو، ولم تثبت عصمته .
وقال قوم : الحجة قول الخلفاء الراشدين ؛ لقوله عليه السلام : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ) - أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح - .
وذهب آخرون إلى أن الحجة قول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - لقوله عليه السلام : ( اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ) " ( 2 ) - أخرجه الحاكم والترمذي وقال الترمذي حديث حسن - .


( 1 ) انظر روضة الناظر لابن قدامة ( باب في أدلة الأحكام- الأصل الثاني من الأدلة .. - فصل في ذكر الأدلة على عدالة الصحابة )
( 2 ) انظر روضة الناظر لابن قدامة ( بيان أصول مختلف فيها - الثاني من الأصول المختلف فيها : قول الصحابي ) .



- أقول والذي لا مر ية في اعتباره هو في الخلفاء الراشدين وهو القول بالقول السابق الثالث ، والرابع يلحقه لزومًــا ، لورود الصحيح من الـخبر فيه ووجه الدلالة قوله عليه السلام ( سنة ) فدل على اعتبار كل ما يطلق عليه سنة في ما ورد عنـهم ولذلك أفرد أكثر وأغلب أهل الحديث والمسانيد في مرويات وسنن الخلفاء الأربعة - رضوان الله تعالى عليهم - سواءً فيما لا يتصور اجتهاده فيه أو يتصور اجتهاده فيه ، وما لا يتصور اجتهاده فيه هو ما يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول الصحابي أو فهمه لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام .
ولا يخفى قوة القول بما قاله الصحابة وأن له مرجع ، وأيضا تقوي أقوالهم الأدلة التي يستدل بها لإثبات حكم ( هذا في غير الخلفاء الأربعة الذين تنـفرد الأحكام بالاستدلال بأقوالهم كما بيـنّـا ) ويستأنس بأقوالهم أيضـًــا ، كل ذلك عائد إلى أنه قد ثبت تعديلهم في الكتاب والسنة - والله أعلم - .
- قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : " اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " ، وقال حذيفة - رضي الله عنه - : " اتبعوا آثارنا ; فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا بينا ، وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا " ، وقال عمر بن عبدالعز يز - رحمه الله - : " سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله ، من عمل بها مهتد ، ومن استنصر بها منصور ، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا " ( 1 ) .



( 1 ) الموافقات للشاطبي ( كتاب الأدلة الشرعية - الطرف الثاني في الأدلة على التفصيل - الدليل الثاني السنة - المسألة التاسعة ) .



- مسألة في مراسيل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - :
مراسيل الصحابة مقبولة عند الجمهور من العلماء وشذت طائفة فقالت لا تـقبل لأمور فيها من الوهم عندهم ( 1 ) ، والصحيح قبولها لأنهم رضوان الله عليهم قد عدلهم المولى عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم ، فانظر إلى ما يندر ج تحت تعديل الوحيين لهم من أمور لا يكون فيها أبدً ا إلا أن يقبل ما قالوا سواءً في صدقهم أو في فهمهم أو فيما خفي علينا مما أدركوا رضوان الله عليهم لفهمهم للعر بية وعدم دخول الرأي عليهم وقوتهم في الفهم والعلم (( ومعاصـرتــهم لزمن الوحي )) - والله أعلم - .

بعد كل هذا بقي لنا أن نعـرف الصحابي الذي تندرج بسببه هذه الأحكام ، فنـقول هو : " من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنا به ولو ساعة ، سواءً روى عنه أم لا "( 2 ) على الصحيح من الآراء .
ويـُعـرف الصحابة إما بالـتواتر أو بالاستفاضة سواءً من الأحاديث أو من أخبار أخرى تدل على ذلك أو بكونه من المهاجر ين أو الأنصار أو بخـبر صحابي آخر ثبتت صحبته ( 3 )، فبذلك يـُعرفوا .




( 1 ) انظر روضة الناظر لابن قدامة (باب في أدلة الأحكام- الأصل الثاني من الأدلة سنة .. - فصل مراسيل الصحابة ) .
( 2 ) انظر إرشاد الفحول للشوكاني ( المقصد الثاني في السنة - البحث الحادي عشر - النوع الرابع - فصل في تعريف الصحابي ) .
( 3 ) نفس المرجع السابق للشوكاني ( النوع الرابع - فرع آخر في طريق المعرفة ) .



الباب الرابع : في عصمة الأنبياء ووقوع النسيان والمحــرَّم والمكروه منه صلى الله عليه وسلم
فصل في عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - :
وهي من الأمور التي أكثر الأصليون من ذكرها فيما صنـفوه .
- معنى العصمة : جاء في البحر المحيط " ثم القائلون بالعصمة ، اختلفوا في معناها ، فقيل المعصوم من لا يمكنه الإتيان بالمعاصي ، وقيل يمكنـه " ، والصحيح الواضح الصحة هو : " أن الله منعهم منها بألطافه بهم من صرف دواعيهم عنها بما يلهمهم إياه من ترغيب أو ترهيب أو كمال معرفة ونحوه " ( 1 ).
ذلك أنهم من البشر ومن بني آدم فكيف لا يمكنـهم ، بل يمكنـهم ولكن بلطف من الله ومشيئة صرفهم عن العصيان ، فهذا هو الصحيح - والله أعلم - .

- ثم إنه قد نـقـل إجماع العلماء على عصمتهم من الكبائر ورذائـل الأخلاق والدناءات والخسة ( 2 ) .
وأما المختلف فيه بين أهل العلم هو في صغائر الذنوب ، فقالت طائـفة بتجويز وقوعهم في الصغائر بشرط تنبيههم على ذلك وعدم إقرارهم عليه وادّعى البعض أنه مذهب الجماهير ( 3 ) - والله أعلم - .
وقالت طائفة أخرى عصمتهم من الكبائر والصغائر جميعا ومنـهم المعتزلة وبعض الأشعر ية وادعى البعض أن هذا هو قول الجمهور وهذا الأقرب بل الإجماع ( 2 ) - والله أعلم - .
ومن أدلة القائلين بـتجويز وقوعها قالوا : إنه لا دليل صريح في إثبات ذلك والظواهر تشعر بوقوعهم فيها ( 3 ).
ومن أدلة القائلين بالعصمة منها قالوا : لأنها منفرة عن اتباعهم فيستحيل وقوعهم فيها والاجماع ( فادعوا الاجماع ) على امتناعهم عنـها وعدم وجود الدليل الدال على تعمدهم أو قصدهم إليها إن قيل بـثبوتها عنـهم فلا تقع إلا سهوا أو خطأ ً(2).


( 1 ) انظر البحر المحيط للزركشي ( مباحث السنة - معنى العصمة ).
( 2 ) انظر إرشاد الفحول للشوكاني ( المقصد الثاني في السنة - البحث الثالث عصمة الأنبياء ) .
( 3 ) انظر نفس مرجع البحر المحيط ( - العصمة من الصغائر ) .



وعند النظر في بـعـض ما جاء في كتاب الله العز يز نـقول :
قد ثبتت معاتبة الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم كما في قبوله الفداء في أ ُسارى بدر و معاتبته في ابن أم مكتوم لما عبس في وجهه ونحو ذلك فيه صلى الله عليه وسلم وفي غيره من الأنبياء ، فيظهر أولاً أن الوحي والشرع والدين معصوم بلا نزاع ولا شك أو ريب فإن من الوحي هذه المعاتبة له صلى الله عليه وسلم فعندئذ ينـكشف أن هناك فعل أولى من آخر والأولى هو المطلوب في الشرع ، فعلى ذلك لا يكون الوحي إلا معصومًــا .
أما بالنسبة له صلى الله عليه وسلم ولذاته فهل هذا الخطأ وقع وثبت فيه ، فنـقول لم لا يكون في بيان الأولى فقط ، أو أن يكون في مسألة للاجتهاد ورأى النبي رأيه فيها ، فإن كان الرجل من أمته إن اجتهد فأخطأ فله أجر فكيف بـنـبـي الأمة وخير الخلق ، أليس هو الأعلم بذلك فباب الاجتهاد له مفتوح كما لأمته والخطأ قد يرد، فإن قيل فكيف بمسألة العبوس في وجه ابن أم مكتوم قلنا لعله اجتهد عليه الصلاة والسلام بين أن يحدّث المشركين ويترك ابن أم مكتوم أو يتركهم ويتحوّل إلى ابن أم مكتوم فاختار التحدث مع المشركين لأمر ترجح عنده من تعميم الخير بأن يهتدوا ويسلموا ، ونحو ذلك .
وإن قيل فكيف بقوله تعالى : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) - الفتح 2 - ، قلنا لعله علم بعض اللمم الذي لم يثبت في كتاب أو سنة فأراده بالمغفرة ، أو لعله حتى يطمئن قلبه فقط أو لبيان الفضل له صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن كثير في تفسيره للآية - لكنه ليس بصريح فيما نر يد - ، والأمر في هذا واسع تتطرق له الاحتمالات وليس بصر يــــح في الدلالة على عدم العصمة ، والحق أن يقال أيضا أنه ليس بصر يـح في إثبات العصمة لكن من ظواهر النـصوص أخذنا معرفة العصمة التي ثبتت لهم وبالعقل ، وأما من الوقائع فلا صراحة لنـفي العصمة ولا حتى في الصغائر فقد يكون من باب التوجيه للأمة وبيان الأكمل والأولى أو يعتريه الخطأ إن كان لاجتهاد أو يعتريه النسيان ونحو ذلك ، فالأهم أن نعرف أن الوحي معصوم بلا شك لكن الخلاف حصل في ذات الأنبياء - والله أعلم -

* لا يعني العبد هل كان ذات النبي صلى الله عليه وسلم لا يذنب بقدر ما يعنيه فهم مسألة عصمة الوحي والشرع .
* الكلام عن العصمة يـقصد به لما بعد البعثة والنبوة في كل ما سبق .
فصل في وقوع النسيان والمكروه والمحرّم منه صلى الله عليه وسلم :
- أما النسيان فقد ورد فيه الصر يح عنه صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) - متفق عليه - .
- وأما المكروه فكيف يتوقع حصوله منه وهو أي المكروه في أغلبه أنه ما لم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم وتركه لأمر ونحوه أو دل الدليل على تركه ولكنه قد ثبت جواـز فعله أو العكس في الترك . فكيف يتوقع اجتماع الفعل وعدم الفعل في النبي صلى الله عليه وسلم ، والمكروه أيضا هو ما يكون نقيض التأسي به صلى الله عليه وسلم في مسائل الترك فكيف يثبت فعله له صلى الله عليه وسلم .
- وأما المحرم فليس بواقع منه صلى الله عليه وسلم لما بيّنا قبل ولمخالفته مقتضى أوامره صلى الله عليه وسلم فكيف يستقيم هذا، والأهم الذي يجب على العبد معرفـته أن الوحي لا خطأ فيه ولا عدم كمال ،
كل هذا باعتقاد لذلك وإيمان . والله تعالى أجل وأعلى وأعلم .











الخـاتمـــــة
ختاما أسأل المولى العلي القدير أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والسداد والحق والصواب ، وأن يجعلنا خَدمةً لدينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم آخذين بها ناشر ين لها وداعين إليها .

وقد نــتج لنا ببحثنا هذا فكرة عامة ولو غير تامة بل هي بالتأكيد غير تامة ويعتريها ما يعتري غيرها من الخطأ لكنها في أهم وأعم مسائـل السنة النبوية من الناحية الأصولية باختصار على قدر الإمكان والحمد لله الموفـق أولا وآخرً ا.

فنسأل الله أن نكون قد أفدنا واستفدنا . والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل .
اللهم ما كان من خطأ في كلامي ، فاغفره فإنك أهل العفو والمغفرة ، وما كان فيه من صواب فأنت وحدك المعين عليه فلك الحمد أولا وآخرًا . اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك مما لا أعلم .
وصلى الله على الإمام المجتبى والرسول المصطفى محمد بن عبدالله من حاز الشرفا وعلى آله وصحبه رموز الوفا .. وسلم تسليمــًا كثيرًا .



المراجع :
1 - الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن محمد الآمدي .
2 - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول لمحمد بن علي الشوكاني .
3 - إعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبدالله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية .
4 - البحر المحيط لبدر الدين بن محمد بهادر الزركـشي .
5 - البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين أبـي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني .
6 - بــيان المختصر شرح مختصر ابـن الحاجب لشمس الدين أبـي الثناء محمود بـن عبدالرحمن الأصبهاني .
7 - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركـفوري .
8 - روضة الناظر وجنة المناظر لموفق الدين أبـي محمد عبدالله بن محمد بن قدامة القرشي المقدسي الجماعيلي .
9 - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث لأبـي عبدالله محمد بن عبدالرحمن السخاوي .
10 - شرح الكوكب المنير لتقي الدين أبو البقاء الفتوحي المعروف بابـن النجار .
11 - لسان العرب لابن منظور .
12 - المجموع شرح المهذب لمحيـي الدين أبـي زكريا يحيـى بـن شرف النووي الدمشقي .
13 - مختصر الروضة لنجم الدين أبو الربيع سليمان بن سعيد الطوفي .
14 - شرح مختصر الروضة لسعد الشـثـري .
15 - المستصفى لحجة الإسلام أبـي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي .
16 - الموافقات لأبـي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي .