المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الزكاة والتضخم النقدي



أم طارق
13-06-23 ||, 09:11 AM
الزكاة والتضخم النقدي
1- الزكاة وتخفيف التضخّم الراجع إلى الارتفاع في النفقات


نعمت عبد اللطيف مشهور

إن التضخّم النقديّ الراجع إلى ارتفاع النفقات يعود إلى ارتفاع ثمن عوامل الإنتاج المشتركة في العملية الإنتاجية؛ وهو ما يساهم في ارتفاع أثمان السلع المنتجة.

ونشير هنا إلى علاقة التداخل الواضحة بين نموّ الطلب وزيادة التكاليف من ناحية وبين الاختلالات الهيكليّة وارتفاع التكاليف من ناحية أخرى [1]، ذلك أن تضخّم الطلب يتحول في الغالب إلى تضخّم تكاليفيّ عبر جسر الاختلالات الهيكليّة المتمثلة في جمود دوالِّ العرض؛ ولذلك فإن علاج ظاهرة التضخّم النقديّ يجب أن يتم من منظور شموليٍّ [2]. وتعتبر فريضة الزكاة تنظيمًا شموليًّا يحقق التخفيف من وطأة التضخّم التكاليفي بمعالجة أهم أسبابه المتمثلة فيما يلي:

ارتفاع أثمان عوامل الإنتاج.

ارتفاع مستوى الأجور.

الطاقات العاطلة.

ارتفاع سعر الفائدة.

وتعالج الزكاة مصادر التضخم تلك من خلال عدة سبل، منها:

دعم القطاعات الإنتاجية المتنامية:

يؤدي تزايد الطلب الفعال على إحدى المنتجات السلعية إلى زيادة الاستثمار في هذا القطاع وزيادة الطلب على عوامل الإنتاج، الذي ينعكس - من خلال آلية السوق - على ارتفاع أسعار هذه العوامل.

وينتقل ارتفاع الأسعار إلى منتجات القطاعات الأخرى التي لا تجد عوامل الإنتاج الكافية لإنتاج المطلوب منها. وتخفف الزكاة من هذا النوع من التضخّم؛ نظرًا لأن القطاعات والمؤسسات ذات الكفاءة المتدنية تقع تحت ضغط تخفيض مواردها لكي تخفض من استحقاق زكاتها، ويؤدي ذلك إلى توفير الموارد الإنتاجية للقطاعات المتنامية وبأسعار أقل منها في حالة الاقتصاديّات الوضعية [3].

مكافحة اللولب التضخمي للأجور والأسعار:

ترتفع معدلات الأجور في الاقتصاديّات الوضعية تحت ضغط ممارسات نقابات العمال، وتستخدم هذه النقابات مختلف الأساليب لتحقيق مطالبها في رفع الأجور، بما في ذلك الإضراب عن العمل الذي يضُرّ بمصلحة الاقتصاد ككلٍّ.

وتمثل الأجور المرتفعة أحد الأسباب الرئيسية لتضخّم النفقات؛ إذ يقابل ارتفاعَ تكلفة عنصر العمل البشريّ رفعُ المنتجين للأسعار مما يشكل عبئًا جديدًا على الدخول فيطالب العمال بزيادة عالية، وهكذا تتوالى عمليات الارتفاع في كل من الأجور والأسعار [4]، وقد لا تُحدث الزيادة في الأجور تضخّمًا إذا صاحبتها زيادة في إنتاجية العمل تعوض الزيادة في الأجر، وهو الوضع الغالب في الاقتصاديّات الإسلاميّة، حيث يؤدي فرض الزكاة كنفقة على رأس المال إلى القضاء على البطالة المقنعة والعمل على الاحتفاظ بمستوى التشغيل الذي يتناسب فيه ناتج عنصر العمل والأجر المدفوع له. ويعزز ذلك ما يسود السوق الإسلاميّة من تشريعات تمنع الإضرار بالنفس أو المجتمع وتمنع التجمع الطائفيَّ الذي يَفرِض أجرًا معينًا لا تقتضيه ظروف السوق، ويكون من واجب الحكومة توفير الفرصة لحرية الأسواق ومرونة الأجور ("الاقتصاد الإسلاميّ" لمحمد عبد المنعم عفر. ص 287)، ومن ناحية أخرى قد تتبع الدولة سياسة عمالة تؤدي إلى حدوث تزايد واضح في الأجور دون أن يتزامن ذلك مع زيادة ملموسة في معدل نمو الإنتاجية، وفي هذه الحالة تكون سياسة التوظف أشبه بنظام للإعانات الاجتماعية [5] ولا تكون المجتمعات الإسلاميّة في حاجة إلى مثل هذه السياسات العملية التي يترتب عليها تضخّم تكاليف التنمية، حيث تتكفل فريضة الزكاة بأداء هذه المهمة خير أداء، فتُعين مَن تُقعده إمكانياته الشخصية على استكمال كفايته بينما تَضطَّرُّ القويَّ القادرَ على الاستزادة من العمل.

تحقيق التشغيل الأمثل لطاقات الإنتاج:

إن وجود جزءٍ من طاقات الاقتصاد الإنتاجية عاطلٍ يمثل أحد الضغوط التضخّمية التي تباشر مفعولها في مجال التضخّم التكاليفي، ويؤدي وجود طاقات عاطلة إلى ارتفاع مُعامِل رأس المال إلى الناتج، مما يعني ارتفاع نفقة الأصول الإنتاجية الثابتة لكل وحدة منتجة، كما يؤدي ذلك إلى ارتفاع مُعامِل رأس المال إلى العمل، فضلاً عن ارتفاع نصيب الوَحدة المنتجة من بنود التكاليف الأخرى [6] وتكون المحصلة النهائية هي تضخّم نفقات الإنتاج.

والمعروف أن فريضة الزكاة هي العلاج الأمثل للقضاء على أية طاقات إنتاجية عاطلة مكنوزة، فهي تطرح اختيارَين لاستخدام رؤوس الأموال النامية فعلاً وتقديرًا: فإما أن يَتمَّ تشغيلها في أوجه الاستثمار المختلفة، وإما أن تتناقص بقسط سنويّ ثابت، هو قيمة الزكاة الواجبة فيها [7]، وعلى ذلك فإن هذه الفريضة تعتبر نفقةً وعبئًا على رؤوس الأموال العاطلة، بينما تنخفض هذه النفقة على رؤوس الأموال العاملة فيتم إخراج الفريضة الواجبة من عائد وأرباح هذه الأموال، بل إن سعر الزكاة يتناسب عكسيًّا والجهدَ المبذول في الاستثمار؛ وهو ما يشجع على ارتياد مختلف المجالات الإنتاجية مهما كانت وُعُورتُها بدلاً من ترك الموارد عاطلة. ويسهم ذلك في التخفيف من الضغوط التضخّمية التراكمية الناجمة عن بقاء جزء من رؤوس الأموال الإنتاجية عاطلاً.

تخفيف أعباء رأس المال:

تُعَدّ التكلفة الناجمة عن احتساب سعر الفائدة عن الأموال المقترَضة أحدَ عناصر تكاليف الإنتاج؛ لذا فإن التقلبات التي تطرأ على هذا السعر يكون لها تأثيرها على سعر المنتج وَفقًا للأهمية النسبية لهذا العنصر في هيكل التكاليف [8]، حيث يؤدي ارتفاع سعر الفائدة المَدِينة إلى إضافة عنصر جديد إلى عناصر التضخّم التكاليفي.

ويؤدي إلغاء سعر الفائدة (الربا) في الاقتصاد الإسلاميّ إلى طرح هذه النفقة التضخّمية عن رأس المال، بينما يؤدي فرض الزكاة على رؤوس الأموال النامية فعلاً أو تقديرًا واحتسابها عند سعر منخفض (ربع العشر في مقابل سعر للفائدة المَدِينة يتراوح بين 11% و16%) على رؤوس الأموال المُعَدّة للتجارة والاستثمار وعائدها وأرباحها ـ يؤدي ذلك إلى تخفيض هذه النفقة من هيكل النفقات.

نخلُص من هذه الدراسة إلى أن تطبيق فريضة الزكاة يسهم في التخفيف من العوامل المسبِّبة للموجات التضخّمية الناتجة عن ارتفاع الطلب الكليّ عن العرض الكليّ، وتلك الراجعة إلى الاختلالات الهيكليّة لا سيما في الاقتصاديّات المتخلفة، وكذلك تلك المترتبة على ارتفاع النفقات.

ويتميز تشريع الزكاة بأن تطبيق هذه الفريضة لا يعمل على علاج الأزمات التضخّمية بعد وقوعها وتضرر الاقتصاد منها، وإنما يسهم في تفادي هذه الأزمات قبل وقوعها أو حدوثها في حدود ضيقة والتخفيف من حدتها وتقصير مدتها وآثارها الضارة على الاقتصاد ككُلّ، وهي عديدة وعميقة. ويكون أثر تطبيق الزكاة على المستوى الإجمالي والمستوى الجزئيّ من جهةٍ دون التضحية بالأهداف طويلة الأمد في سبيل الأهداف قصيرة الأمد من جهة أخرى.

المصدر (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

أم طارق
13-06-23 ||, 01:50 PM
الزكاة والتضخم النقدي
2- الزكاة وتخفيف التضخم الراجع إلى ارتفاع الطلب


يرجع التضخّم في هذه الحالة إلى زيادة الطلب الكليّ عن العرض الكليّ، حيث يكون تيار النقد المتاح داخل المجتمع أكبر من قيمة السلع المعروضة؛ مما يدفع الأسعار للزيادة، كما ترتفع الأجور - خاصة في حالة التشغيل الكامل (المقصود بالتشغيل الكامل حالة انعدام البطالة) - ويرتفع الدخل النقديّ دون زيادة في الناتج المادي.

إن تطبيق فريضة الزكاة يكون له أثره في كبح جماح الطلب التضخّمي، وذلك من خلال:

1 - توفير التدفقات النقدية:

فانتظام انسياب حصيلة الزكاة مع بداية كل حَول قمَريّ يوفر كميات النقد اللازمة للتداول دون الحاجة إلى لجوء السلطات النقديّة لعمليات الإصدار النقديّ.

2 - ضبط الطلب الكلي:

إن زيادة الطلب الكليّ عن العرض الكليّ من السمات اللصيقة بالاقتصاديّات الرأسماليّة، حيث يكون هدف النظام الاقتصاديّ هو تحقيق أعلى مستويات الرفاهية، ويرتبط ذلك بزيادة الإشباع الشخصيّ وإجماليّ الإشباع لأفراد المجتمع. ويرتَّب على هذا التوسع في الاستهلاك زيادةُ الإنفاق الكليّ في المجتمع.

أما في الاقتصاد الإسلاميّ فإن تطبيق تشريع الزكاة يضمن توفير حدّ الكفاية لجميع أفراد المجتمع، ويتمثل ذلك في اشتراط النصاب في مال الزكاة. ويتعلق هذا الشرط بالحاجات الأصلية - دون الكماليّة - التي تحقق المقاصد الشرعية. كما يتمثل في توفير كفاية مصارف الزكاة دون الارتفاع إلى مستويات الاستهلاك الكماليّ.

كذلك فإن ارتفاع الميل الحَدِّيّ للاستهلاك (أحد معدلات الاستهلاك) لدى غالبية مصارف الزكاة، يتميز بالاتجاه إلى الانخفاض مع زيادة الدخل، حتى يصل إلى الصفر عندما تدخل دالّة الاستهلاك منطقة الإسراف والتبذير المنهيّ عنهما شرعًا. ففي الاقتصاد الإسلاميّ يتجه الميل المتوسط للاستهلاك إلى الانخفاض في المدى الطويل، مما يسقط الحجة القائلة باحتمال إقبال المسلمين على إنفاق كل دخولهم وثرواتهم تفاديًا لإخراج الزكاة، وهو اعتراض لا يمكن أن ينطبق على السلع التجارية والصناعية والخدمية، حيث لا يُعقل أن يبدِّد مالكُها كل ربحه ورأسماله لمجرد تفادي دفع الزكاة، كما أنه لا ينطبق على الإنفاق الاستهلاكي حيث تكون سلَّة الاستهلاك Consumption Basket للمسلم أصغر منها بالنسبة لمستهلك الاقتصاد الوضعيّ، ذلك بالإضافة إلى وجود حدود على استهلاك محتويات هذه السلة بعيدًا عن الإسراف والتبذير(1).

3 - زيادة العرض عبر الدور الإنمائي للزكاة:

إن هدف توزيع الزكاة هو تحقيق الإغناء لمصارفها، ولا يتحقق ذلك بحصول المستحقين لها على حاجاتهم من السلع والخدمات فحسب، وإنما بتوفير كفايتهم في الحال والمستقبل، عن طريق توفير الأدوات ورؤوس الأموال الإنتاجية الملائمة لمواهبهم الطبيعية وقدراتهم المكتَسَبة. ويعني ذلك عدم اتجاه كل الدخول الموزعة إلى الطلب الاستهلاكيّ، وإنما يتجه جزء هامّ منها إلى مجالات استثمارية، وبخاصة في المدى الطويل، فإذا كان الأثر الديناميكي للزكاة في الاقتصاد الإسلامي يؤدي في المدى القصير إلى زيادة الميل للاستهلاك، فإنه يؤدي في المدى الطويل إلى زيادة الميل للادخار وبالتالي للاستثمار(2).

4 – الزكاة العينية تحُدُّ من الإنفاق غير الضروري للنقود:

كذلك فإن جباية وتوزيع زكاة الزروع والثمار وزكاة بهيمة الأنعام في صورتها العينية يسهم إلى درجة كبيرة في الاحتفاظ للنقود بقيمتها الشرائية دون تدهور، ويسهم في ذلك أيضًا جوازُ إخراج الزكاة عينًا إذا كان في ذلك تحقيقُ منفعةِ آخِذِ الزكاة(3).

5 - السيطرة على توقعات الاستهلاك لصالح الإنفاق الاستثماري:

ومن ناحية أخرى يكون للتطبيق الأمين لفريضة الزكاة أثر بعيد على عنصر التوقعات الذي اهتمت به المدرسة السويدية، حيث تسهم هذه التوقعات في تخفيف الاختلال بين الطلب الكليّ والعرض الكليّ، من خلال التقريب بين خطط الادخار وخطط الاستثمار. ويكون للزكاة دور غير مسبوق في تحويل الادخار الاكتنازي إلى استثمار تفاديًا لإخراجها من رأس المال وتعريضه للتآكل بالزكاة، ورغبة في إخراجها من عائد الاستثمار (الأرباح)، وذلك من خلال تحسين توقعات أصحاب رؤوس الأموال إلى درجة بعيدة.

فتطبيق فريضة الزكاة يزيد من اتساع نطاق النشاط الاستثماريّ وتنوّعه، حيث يكون للاستثمار الخاص دور هام في توفير الاحتياجات الأساسية لكافة أفراد المجتمع مع تزايدهم، والاستمرار في الإنفاق الاستثماريّ طالما كان المعدل الحَدِّيّ للعائد 2.5% (ربع العشر) وهو أقل سعر للزكاة المقررة سنويًّا على الأموال النامية فعلاً أو تقديرًا(4).

6 - توجيه النقود للاستثمار المستمر (زيادة جانب العرض):

كذلك فإن فرض الزكاة كنفقة واجبة الاستحقاق على رأس المال النامي فعلاً أو تقديرًا يدفع بأصحاب رؤوس الأموال إلى الاستمرار في الاستثمار، حتى لو كان المعدل الحَدِّيّ المتوقَّع للربح أقلَّ من نسبة الزكاة المقرَّرة على الأموال القابلة للنماء (2.5%)، طالما كان هذا المعدل أكبر من الصفر. ويرجع ذلك إلى أن الاختيار الممكن أمام المستثمرين في هذه الحالة هو بين استثمار أموالهم أو اكتنازها، وليس الاختيار بين استثمارات متعددة؛ ونظرًا لأن الاكتناز اختيار غير مطروح على المسلم، فإنه أفضل للمسلمين أن يستمروا في الاستثمار من ألاَّ يستثمروا على الإطلاق؛ لأن ذلك يجعل خسارتهم بسبب الزكاة أقلَّ من معدل الزكاة الإجماليّ(5).

__________________

أم طارق
13-06-23 ||, 01:55 PM
والتضخم النقدي
3- الزكاة ومعالجة التضخم النقدي الراجع إلى الاختلالات الهيكلية


ينتشر هذا النوع من التضخم في الاقتصاديات الضعيفة، التي تعاني أوضاعًا هيكلية متردية اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا. فمن ناحيةٍ نجد أنها لا تَملِك الهياكل الإنتاجية المتطورة فنيًّا، والتي تتمتع بدرجة كافية من المرونة، بحيث تسمح لها بزيادة عرض المنتجات الصناعية التي يزيد الطلب عليها. كما تعاني من الطبيعة الهيكليّة للتخصص في إنتاج المواد الأولية، وضآلة مرونة عرض المنتجات الغذائية. ويضاف إلى هاتين السمتين سمة جمود الجهاز الماليّ للحكومة، فضلاً عما يتولد عن طبيعة عملية التنمية من اختلالات في مراحلها الأولى.

ويساهم تطبيق فريضة الزكاة في التخفيف من هذا النوع من التضخم بمعالجة الاختلالات الهيكليّة الأساسية، التي تكون سببًا في حدوثه.

1- زيادة مرونة عرض المنتجات الصناعية:

إن حدّ الكفاية الذي تعمل الزكاة على توفيره لمصارفها وجميع أفراد المجتمع يتضمن نصيبًا أساسيًّا لتوفير الأدوات ورؤوس الأموال الإنتاجية. وتتجه هذه الأصول الرأسماليّة إلى الاستثمار في المجالات الإنتاجية التي يزيد الطلب على منتجاتها. ومن أهم هذه المجالات: توفيرُ الحاجات الأساسية لكافة أفراد المجتمع. ويُقبل أصحاب رؤوس الأموال على هذه الاستثمارات لارتفاع الكفاية الحَدّيّة لرأس المال في هذه المجالات الإنتاجية لتحسُّن توقُّعات رجال الأعمال الخاصة بالإيرادات المستقبلة لهذه الاستثمارات. ويسهم ذلك في زيادة مرونة عرض المنتَجات الصناعية التي يزيد الطلب عليها.

2- إعادة توزيع الفائض النقدي وفق توجهات إنتاجية:

إن تخصص الاقتصاديّات في إنتاج المواد الأولية يترتب عليه تعاظم أهمية قطاع الصادرات في الاقتصاد القوميّ، وهو ما يعرّض هذه الاقتصاديّات دائمًا لموجات متجددة من عدم الاستقرار النقديّ عند تعرض أسعار هذه المنتجات للتذبذب في الأجل القصير. ففي حالة ارتفاع أسعار الموادّ الخام الأولية التي تنتجها هذه البلاد بمعدلات أعلى من معدلات ارتفاع أسعار وارداتها، فإن هذا التحسن في شروط التبادل الدوليّ يكون مصحوبًا بموجات تضخمية يصعب إيقافها، حتى بعدما تتجه أسعار المنتجات الأولية للانخفاض(1)، وذلك نظرًا لعدم مرونة الجهاز الإنتاجي، وعجزه عن مقابلة زيادة الطلب في المنتجات المحلية، ونتيجة لزيادة أجور ودخول أصحاب عوامل الإنتاج المشتغلة في هذا القطاع، وهو ما يترتب عليه ارتفاع تكاليف الإنتاج من ناحية، وزيادة الطلب على المنتجات المحلية- وهو ما يدفعها بشدة نحو ارتفاع الأسعار- من ناحية أخرى.

ويُسهم مبدأ محلية الزكاة في التخفيف من هذا الاختلال الهيكليّ؛ حيث يكون لزامًا توزيع حصيلة الزكاة في البلد الذي جُمع منه. فإذا ما توافرت لاقتصادٍ ما ميزة نسبية عالية في إنتاج إحدى المواد الأولية، فإن إخراج الزكاة المفروضة على عائد هذه الصادرات يسهم في التخفيف من الآثار التضخّمية للتغير في معدلات التبادل الدولية، وذلك بعدم انصراف جزء يُعتَدّ به من عائد التصدير إلى تمويل شراء الواردات من السلع الاستهلاكية المختلفة، وبتوجيه الاستثمار إلى المجالات الإنتاجية المحلية لمقابلة زيادة الطلب الفعال على زيادة الأجور والدخول الموزعة على العاملين في هذه القطاعات الاستخراجية أو قطاعات إنتاج المواد الأولية. ويسهم ذلك في تغيير هيكل الإنتاج القومي وتنويعه وتقويته، بما يحرر الاقتصاد من عبودية الخضوع للمحصول الواحد، كما يُخلِّص البلاد من التبعية الاقتصاديّة للخارج، وهو هدف بعيد المنال، ينادي الاقتصاديّون الوضعيون بتحقيقه كحلٍّ أمثل، لما يترتب على هذه الاختلالات الهيكليّة من تضخّم ضارٍّ بالاقتصاديات للمواد الأولية(2).

3- توجيه استثمارات الزكاة جهة السلع المطلوبة محليًّا:

إن مبدأ محلية الزكاة هو توجيه رؤوس الأموال والدخول إلى الاستثمار، ويعني ذلك اتجاه رؤوس الأموال للدخول إلى الاستثمار في القطاعات التي يزيد الطلب عليها داخليًّا. ومن أهم هذه القطاعات: القطاع الزراعيّ، الذي يسهم في توفير الاحتياجات الغذائية المتنامية للسكان، وهو ما يسهم في الوقت نفسه في الاحتفاظ بأسعار الأطعمة والمشروبات بعيدًا عن الارتفاع المستمر؛ وبذلك تسهم فريضة الزكاة في التخفيف من حدة المشكلة الغذائية، التي تعاني منها الاقتصاديّات الوضعية الآخذة في النمو، وتُعَدّ سببًا رئيسيًّا من أسباب الموجات التضخّمية التي تشهدها هذه الدول.

4- تجاوز جمود النظم الضريبية:

تتسم النظم الضريبية للبلاد المتخلفة اقتصاديًّا بالتخلف والجمود، وهو ما يعبَّر عنه في الكتابات الحديثة بضآلة حجم الجهد الضريبيّ Tax Efforts؛ حيث نجد أن متوسط الأنصبة الضرائبية إلى إجمالي الناتج القوميّ يتذبذب حول 15%، بينما تمثل الضرائب على الدخول نصيبًا ضئيلاً نسبيًّا من إجمالي المتحصلات الضريبية إذا ما قُورِنَت بالنصيب النسبيّ للضرائب غير المباشرة. أما عدد السكان الذين يدفعون الضرائب فلا تزيد نسبتهم في المتوسط عن 5% من إجمالي السكان(3).

ويُرجع الاقتصاديون جمود الجهاز المالي إلى تخلف الأجهزة الإدارية للنظام الضريبي، وعدم كفايتها، فضلاً عن سيطرة أصحاب المصالح الخاصة على المؤسسات التشريعية، ووقوفهم حجر عثرة أمام كل محاولة لتطوير هذا النظام ("مشكلة الادخار مع دراسة خاصة عن البلاد النامية" لرمزي زكي. الدار القوميّة للطباعة والنشر - القاهرة 1966م. ص131 - 143).

ولا يَخفى ما يتمّ به تشريع الزكاة من مرونة وكفاية في الموارد الزكائية، فانخفاض أنصبة الزكاة يؤدي إلى اتساع القاعدة السكانية المؤدية لفريضة الزكاة. كما تتسع الأموال المفروضة عليها الزكاة؛ لتشمل كلَّ مالٍ نامٍ فعلاً أو تقديرًا، تقليديًّا كان أم مستَحدَثًا. ويترتب على ذلك ارتفاع متوسط نسبة الموارد الزكائية إلى إجمالي الناتج القومي بنسبة تزيد عليها الاقتصاديات الوضعية؛ المتخلفة والمتقدمة على السواء (تبلغ هذه النسبة 30% في الدول المتقدمة)(4).

ومن ناحية أخرى فإن فريضة الزكاة هي أساسًا التزام مَنُوط بالدخول، وما يترتب عليها من عوائد وأرباح، وهو ما يَعني ارتفاع نسبة المتحصلات على الدخول إلى إجمالي المتحصلات الماليّة، مقارنةً بالضرائب غير المباشرة، وتناسُب الزيادة في الحصيلة الزكائية والمتطلبات الاقتصاديّة المتزايدة، دون الحاجة للجوء إلى زيادة حصيلة الضرائب غير المباشرة، وما يترتب على ذلك من أضرار بمتطلبات الاستقرار النقدي والسعري.

إن استحقاق فريضة الزكاة في مال كل مسلم حرّ، بصرف النظر عن سنّه أو جنسه أو رشده، يعني ارتفاع متوسط نسبة عدد السكان الدافعين للزكاة إلى إجمالي السكان في الاقتصاديات الإسلامية بنسبة تزيد عنها في الاقتصاديات الوضعية؛ المتخلفة والمتقدمة على السواء (تبلغ هذه النسبة من30% إلى 40% من إجمالي عدد السكان بالدول المتقدمة)(5).

يضاف إلى ذلك أن تشريع الزكاة تشريع إلهيّ لا يتيح مجالاً لتدخل أصحاب النفوذ أو سيطرة أصحاب المصالح الخاصة على المؤسسات التشريعية، وهو ما يضمن عند التطبيق السليم لهذه الفريضة تحقُّقَ ما يتسم به هذا التشريع من المرونة.


يتبع،،

أم طارق
13-06-23 ||, 01:57 PM
5- تلافي التضخم المقرون بعجز الموازنة:

إن ضآلة مرونة الحصيلة الضريبية Elasticity of Tax Revenue تجاه التغير في حجم الدخل تزيد من مشكلة جمود الجهاز المالي وآثاره على الاقتصاد؛ حيث يُترجَم هذا الأمر بعدم نمو الحصيلة الضريبية، بما يتناسب وحجمَ الإنفاق اللازم لتحقيق معدلات التنمية المطلوبة، ويؤدي بالتالي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة، وهو ما يسهم في زيادة عرض النقود في الاقتصاد القومي بسبب لجوء الدولة إلى الجهاز المصرفي لتمويل هذا العجز.

ويَعتبر الهيكليون أن التخلص من جمود الحصيلة الضريبية- كسبب مهم وراء زيادة عرض النقود التضخمي- يكون عن طريق زيادة كفاءة النظام الضريبي في رفع نسبة الضرائب إلى الدخل القومي، وعن طريق سياسة مالية فعالة تؤدي إلى تشجيع الادخار وزيادة الاستثمار، وتنعكس في النهاية في قوة دفعها لعجلات التنمية للأمام(6). وتتميز فريضة الزكاة بارتفاع درجة مرونة الحصيلة الزكائية تجاه التغير في حجم الدخل. فمن ناحية نجد أن زيادة الدخول، بما يوفر لأصحابها نصاب الزكاة، يترتب عليها إضافة موارد جديدة إلى الحصيلة الزكائية. كما أن زيادة دخول من يتوافر لديهم النصاب يعني زيادة المستحَق عليها من زكاة على عوائد وأرباح استثمارها، أو على رأس المال إذا لم يتم استثماره.

وعلى ذلك فإن فرض الزكاة على الأموال النامية، فعلاً أو تقديرًا، يؤدي إلى اتِّسام حصيلتها بدرجة عالية من المرونة والانتظام. فلو فرضنا أن الأرباح قد وصلت إلى الصفر في المجتمع، فإن حصيلة الزكاة تظل رقمًا موجبًا(7).

ونخلص من ذلك إلى أن تشريع الزكاة يوفر للاقتصاد الإسلامي حصيلة زكائية وفيرة، مقارنة بالحصيلة الضريبية في الاقتصاديات الوضعية، وخاصة المتخلفة منها، وذلك لما رأيناه من:

أ - ارتفاع الجهد الزكائي لشمول الزكاة كلَّ مسلم حرٍّ، توافر له النصاب. كما يسهم انخفاض أنصبة الزكاة في أن تشمل قطاعًا كبيرًا من أفراد المجتمع.

ب - كفاية تشريع الزكاة وإحاطته لجميع الأموال النامية؛ فعلاً أو تقديرًا، تقليديةً أو مستَحدَثةً.

جـ - مرونة الحصيلة الزكائية تجاه التغير في حجم الدخل.

ويضاف إلى وفرة الحصيلة الزكائية أمور عقائدية هامة من حيث الأثر:

أ - الاقتصاد في تكاليف جباية الزكاة؛ حيث وضع التشريع الإلهيّ مبادئَ وقواعدَ تضمن تحقيق استقضاء الزكاة كاملةً في أمانة تامة، دون أية زيادة في نفقات الجِبَاية، ودون رصد مبالغَ طائلةٍ كحوافزَ للعاملين عليها – كما هو الحال في الأجهزة الضريبية المتضخّمة للاقتصاديات الوضعية – فقد جعل الشارع للعاملين على الزكاة، جبايةً وتوزيعًا، مَصْرِفًا من مصارف الزكاة الشرعية؛ ليشعرهم بأنهم يقومون بعمل دينيّ يستحقون عليه جزءاً من الحصيلة في دنياهم، فضلاً عن الثواب في الآخرة، وهذا يدفعهم إلى تقوى الله، والإحسان في الجمع.

ب - إسهام تشريع الزكاة في التقليل من التهرب من أداء هذه الفريضة؛ إذ فضلاً عن اتِّسامها بالصبغة العقائدية، فقد أجمع جمهور العلماء على تحريم الاحتيال لإسقاط الزكاة بأية طريقة من طرق التحايل: كتفريق المال ليصبح دون النصاب، أو قطع الحَول، أو إبدال الماشية بأخرى من نوعها أو من غيره، أو ذبحها فرارًا من الزكاة، فإن هذا الإبدال لا يُسقط عن المال الزكاةَ المفروضة(8). ويضمن هذا التصدي للتحايل بأنواعه انتظامَ حصيلة الزكاة، وعَدَمَ إنقاصها، بحيث تسهم في تمويل مختلف القطاعات الإنتاجية القائمة بالعملية التنموية، وذلك بصورة منتظمة ومتجددة حولاً بعد آخر(9).

6 - تفادي اختلالات عملية التنمية:

ومن الاختلالات الهيكليّة التي تعاني منها الاقتصاديات الآخذة في النمو وتُعرِّضها لضغوط تضخمية، تلك التي تصاحب البدء في العملية التنموية، وتُعتبَر لصيقة بها(10). وتتمثل هذه الاختلالات الهيكلية في وجود فترة زمنية Time lag بين تكوين رأس المال الاجتماعي Infrastructure وانعكاس آثاره على رفع مستوى الإنتاجية في مختلف القطاعات. وهذا الاختلال يجد مصدره في:

أ- الطبيعة المزدوجة للاستثمار؛ حيث تكون الطاقة الإنتاجية الجديدة ذات طبيعة متخصصة Specific، بينما تؤدي الدخول النقدية التي توزعها إلى توليد طلب فعال أكثر عمومية General، طول فترة الإنشاء Gestation Period للمشروعات الإنشائية الجديدة، وخاصة في حالة الصناعات الثقيلة، في حين تقوم بتوزيع دخول نقدية تمثل طلبًا متزايدًا على السلع التي لم يَزِدْ عرضها بعد.

ب- عدم تزايد المقدرة على استيراد المكوِّن الأجنبيِّ اللازم لصناعة السلع الصناعية المحلية بمعدل أسرع من معدل نموِّ الإنتاج، وبصفة خاصة بالنسبة للصناعات التي تنتج إنتاجًا يَحل محل الواردات Import substitution.

جـ- تحولات بنيان العرض والطلب لبعض منتجات قطاعات خاصة، في الوقت الذي تنخفض فيه المرونة السعرية لهذه المنتجات.

د- وأخيرًا، قضية التفاوت في توزيع الدخول التي تصاحب عملية التنمية؛ حيث تستحوذ قلة صغيرة من بعض الشرائح الاجتماعية الغنية على معظم ثمار التنمية، وتتسم هذه القلة بسلوكها الإنفاقي: الترفي، والبذخي.

ويرى الهيكليون أن التضخم الطفيف والمعتدل الذي ينشأ عامةً في أُولَى مراحل التنمية لا يمثل خطرًا كبيرًا، طالما اتبَعَت السياسة الاقتصادية السعرية والتوزيعية الرشيدة، التي تخفف منه، وتعمل على مكافحته. وتتمثل المعالجة الجذرية للتضخم في هذه الحالة في الإسراع بمعدلات النموِّ الاقتصادي عن طريق سياسة حازمة ورشيدة لتوزيع الدخل القومي فيما بين الاستهلاك والاستثمار، سياسة تهدِف - فيما تهدف - إلى الاستغلال الأمثل لموارد المجتمع، وتشغيل طاقاته الإنتاجية عند أعلى المستويات. ومثل هذه الصناعة لا يمكن تحقيقها إلا إذا قامت الدولة بالتضييق على استهلاك الطبقات والشرائح الغنية، وزيادة الضرائب المفروضة عليها، واستخدام الفائض الناجم عن ذلك في زيادة معدلات الاستثمار، ومن ثَمَّ زيادة كفاءة الاقتصاد القوميّ في التنمية المستمرة لعرض السلع والخدمات(11). وتُعتبَر فريضة الزكاة الأداةَ المُثلَى لتنفيذ هذه السياسة الاقتصادية والتوزيعية لكبح جماح التضخم المرتبط بعملية التنمية في مراحلها الأولى؛ حيث تضمن عدمَ تركُّز ثمار التنمية في أيدي قلة من أفراد المجتمع في زيادة استهلاكهم إلى مستويات الترف والبذخ، فتعيد توزيع جزء مهمّ من هذه الدخول على قاعدة عريضة من أفراد المجتمع، ينفقونها على استهلاك سلع وخدمات كفائية ضرورية، تمثل أساس القاعدة الإنتاجية للعملية التنموية. كما تسهم الزكاة في إعادة توزيع الدخول في صالح الاستثمار بعيدًا عن كلٍّ من الادخار (الاكتناز) والاستهلاك الترفي والبذخي. وكذلك يؤدي تطبيق فريضة الزكاة كنفقة على كل مالٍ نامٍ فعلاً أو تقديرًا إلى توجيه رؤوس الأموال إلى الاستثمارات ذات الطلب الفعال المتزايد؛ تحقيقًا لمزيد من الأرباح، التي يتم إخراج الزكاة منها؛ مما يضمن تزايد التدفقات السلعية لهذه القطاعات المنتجة للاحتياجات الأساسية بصفة خاصة، في أقصر فترة مكنة، ويسهم في تضييق الفجوة التضخمية، والتخفيف من الاختلالات الهيكلية المترتبة على إنشاء التجهيزات الأساسية في الاقتصاد(12). وفي ذلك تقليل لنطاق التضخم، وتقييد له من التصاعد فترة بعد أخرى.
------------------