المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضميمة إلى بحث (الاستحسان عند المالكية)



د. نعمان مبارك جغيم
13-12-02 ||, 02:55 AM
ضميمة إلى بحث (الاستحسان عند المالكية)

عندما وضعت بحثي عن الاستحسان عند المالكية على هذا الموقع عقّب أحد الإخوة الفضلاء على الخلاصة التي توصلت إليها من التشكيك في ثبوت نسبة الاستحسان بأبعاده الأصولية إلى الإمام مالك، وكان من كلامه أن: "نفي الاصطلاح اللفظي للاستحسان عن مالك مع وروده عنه برواية الثقات وبنص المدونة في أكثر من موطن تدرعا بأن ذلك رواية بالمعنى لا أراه سائغا؛ لأن حمله على المعنى رجم بالغيب، وهو خلاف الظاهر."
ولما استشهدت بإنكار القاضي عبد الوهاب المالكي ورود القول بالاستحسان في أقوال مالك، عقّب على ذلك بقوله: "لا يسوغ إسقاط صريح ألفاظ المدونة في مواضع، وهي أوثق كتاب عند المالكية في النقل عن الإمام بعد الموطأ وبعضهم يقدمها على الموطأ، ثم صريح أقوال أئمة المذهب من تلاميذ مالك وأصحابه لا سيما ابن القاسم الذي صحبه معظم سني عمره، بقول القاضي عبد الوهاب وإن كانت له مكانته."
وما يشير إليه الأخ الفاضل من رواية الثقات أبرزه ما نُسِب إلى الإمام مالك أنه قال: "الاستحسان تسعة أعشار العلم".

والغريب أن هذه الرواية شاعت في كتب المتأخرين، وقد حاولت العثور عليها في المدونة الكبرى فلم أجد لها أثرا. وأقدم مرجع عثرت عليها فيه هو كتاب البيان والتحصيل لابن رشد الجد، حيث جاء في كتاب الاستبراء من الجزء الرابع أن أصبغ قال: "والاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس، وقد سمعت ابن القاسم يقول ويروى عن مالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستحسان". (ابن رشد الجد، البيان والتحصيل، ج4، ص155.)
وفي المجلد الخامس من البيان والتحصيل: "وقد كان ابن القاسم يقول: ويروى عن مالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستحسان". (ابن رشد الجد، البيان والتحصيل، ج5، ص58.)
وهذا الكلام يفيد أن ابن القاسم لم يسمع من مالك هذه العبارة، وإنما سمع ذلك يُروى عن مالك، ولا ندري ما طريق تلك الرواية ومدى صحتها؟ ومعلوم ما في كتب الفقه والأصول من قلة التدقيق في الروايات والنقول.

أما كون ما في المدونة غير منسوب بلفظه إلى الإمام مالك، بل بمعناه فقط لا يخفى، فهو أمر لا يخفى، بل إن مضمون المدونة فيه تأثر واضح باصطلاحات أهل العراق، إما لتأثر بعض أتباع مالك باصطلاحات تلك المدرسة، أو بسبب أصل المدونة، وهو كتاب الأسدية لأسد بن الفرات. وقد وجدت كلاما لابن تيمية يؤيد ذلك، حيث يقول: "ومعلوم أن مدونة ابن القاسم أصلها مسائل أسد بن الفرات التي فرعها أهل العراق. ثم سأل عنها أسد ابن القاسم فأجابه بالنقل عن مالك، وتارة بالقياس على قوله، ثم أصلها في رواية سحنون. فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال أهل العراق وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة." (رسالة لابن تيمية بعنوان: تفضيل مذهب مالك وأهل المدينة وصحة أصوله، تحقيق أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي (القاهرة: دار الفضيلة، د. ت)، ص70).

وقد وجدت كلاما لابن العربي - وهو من المنظرين للاستحسان في المذهب المالكي- يشير إلى أن كلامه في تفريعات الاستحسان من تخريجاته، وليس مرويا عن الإمام مالك؛ وذلك قوله: "واختلف أصحاب أبي حنيفة في تأويله على أربعة أقوال. وأما أصحاب مالك فلم يكن فيهم قويّ الفكر ولا شديد المعارضة يُبْدِهِ إلى الوجود، وقد تتبعناه في مذهبنا وألفيناه أيضا منقسما أقساما...". (ابن العربي، المحصول في أصول الفقه، اعتنى به حسين اليدري، (الأردن: دار البيارق، 1420هـ/ 1999م)، ص131.)

ولعل من الإخوة الفضلاء من اطلع على غير هذا فيفيدنا به مشكورا مأجور.

د. أيمن علي صالح
14-11-27 ||, 11:57 AM
عزيزي دكتور نعمان وفقكم الله
قال ابن حزم:
الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 16)
"قال المالكيون بالاستحسان في كثير من مسائلهم. روى العتبي محمد بن أحمد قال ثنا أصبغ بن الفرج قال سمعت ابن القاسم يقول قال مالك تسعة أعشار العلم الاستحسان. قال أصبع بن الفرج الاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس ذكر ذلك في كتاب أمهات الأولاد من المستخرجة".
ومحل الاعتراض في الاستشكال الذي ذكرناه على بحثكم ليس هو مجرد ثبوت لفظ الاستحسان عن مالك أو لا، لأن الاستحسان عند مالك يعبر عنه بالرأي أكثر من الاستحسان، والمهم هو المعنى. ومذهب مالك مشحون بالاستحسانات الاستصلاحية التي تأخذ شكل تخصيص العمومات والاستثناء من القواعد القياسية بالمصالح والأعراف.
فسواء ثبت الاستحسان عن مالك في مدونته لفظا ـ وهو الظاهر ـ أو لا، فالمحصلة أنه يقول بالاستحسان بمعناه.
والله أعلم.

د. أيمن علي صالح
14-11-27 ||, 12:05 PM
ربيعة الرأي شيخ مالك يقول: إذا بشع القياس فدعه
وهذا هو عين الاستحسان: ترك القياس إذا لزمت عنه مفسدة.
وهذا طبعا موجود بكثرة في فقه الصحابة والتابعين وكان يُعبّر عنه بالرأي.
فإنكار اللفظ ـ حتى لو سلمناه ـ لا يعني شيئا.

د. نعمان مبارك جغيم
14-12-11 ||, 04:41 AM
ومحل الاعتراض في الاستشكال الذي ذكرناه على بحثكم ليس هو مجرد ثبوت لفظ الاستحسان عن مالك أو لا، لأن الاستحسان عند مالك يعبر عنه بالرأي أكثر من الاستحسان، والمهم هو المعنى. ومذهب مالك مشحون بالاستحسانات الاستصلاحية التي تأخذ شكل تخصيص العمومات والاستثناء من القواعد القياسية بالمصالح والأعراف.
فسواء ثبت الاستحسان عن مالك في مدونته لفظا ـ وهو الظاهر ـ أو لا، فالمحصلة أنه يقول بالاستحسان بمعناه.
والله أعلم.

محل البحث والتحرير هو قول مالك بالاستحسان بوصفه مصطلحا أصوليا، أعطاه الأصوليون معنى خاصا وجعلوه دليلا مفردا. أما المسائل التي ينطبق عليها مضمون مصطلح الاستحسان عند من يستعمله، فتجد منها عند مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء، بل عند عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، وقبل ذلك هي في القرآن والسنة. ألم يستثن القرآن –مثلا- جواز أكل الميتة في المخمصة، والنطق بكلمة الكفر تحت الإكراه، وهذا عين الاستحسان بالضرورة. والرسول صلى الله عليه وسلم استثنى العرايا والسلم، وهذا عين الاستحسان. لا تقل هذه سنة أو قرآن؛ لأني أقول: وما المانع من أن نسميها استحسانا، كما سمينا التخصيص استحسانا؟
والمحصلة أن الاستحسان عمل بمعناه القرآن الكريم والسنة النبوية والصحابة وفقهاء الأمصار، فما الداعي إلى تخصيص طائفة به؟

د. أيمن علي صالح
14-12-11 ||, 09:32 AM
محل البحث والتحرير هو قول مالك بالاستحسان بوصفه مصطلحا أصوليا، أعطاه الأصوليون معنى خاصا وجعلوه دليلا مفردا. أما المسائل التي ينطبق عليها مضمون مصطلح الاستحسان عند من يستعمله، فتجد منها عند مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء، بل عند عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، وقبل ذلك هي في القرآن والسنة. ألم يستثن القرآن –مثلا- جواز أكل الميتة في المخمصة، والنطق بكلمة الكفر تحت الإكراه، وهذا عين الاستحسان بالضرورة. والرسول صلى الله عليه وسلم استثنى العرايا والسلم، وهذا عين الاستحسان. لا تقل هذه سنة أو قرآن؛ لأني أقول: وما المانع من أن نسميها استحسانا، كما سمينا التخصيص استحسانا؟
والمحصلة أن الاستحسان عمل بمعناه القرآن الكريم والسنة النبوية والصحابة وفقهاء الأمصار، فما الداعي إلى تخصيص طائفة به؟
المختلف فيه هو الاستحسان بالرأي (أي المصلحة المرسلة)، لا الاستحسان بالنص ولا حتى بالقياس (على طريقة الحنفية)، وهو الذي ألّف الشافعي فيه إبطال الاستحسان. وإذا تأملت كلام الشافعي في إبطال الاستحسان تجده يرد به على المالكية أكثر من الحنفية.
وأنا أتفق معك بأن الاستحسان ليس دليلا مفردا، وهكذا كل المصادر التبعية تقريبا هي قواعد في الفهم والتنزيل لا أكثر. ولكن هذا كله، سواء اتفقنا عليه أو اختلفنا فيه، لا ثمرةَ فقهيةً له، والخلاف فيه ترف علمي. المهم في النهاية الذي تترتب عليه الثمار الفقهية والاجتهادية الحقيقية، ويستحق البحث والتنقيب، هو الفصل في مسألة هل يجوز تخصيص العمومات والقواعد القياسية بالاستصلاح المرسل أم لا. (بغض النظر عن التسمية). ومثاله: قبول شهادة الصغار فيما يكون من الجراحات بينهم قبل أن ينفضوا، استثناء من أدلة الشهادة {شهيدين من رجالكم}، {ممن ترضون من الشهداء}، {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، واستثناء المرأة الشريفة في قومها من عموم {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}، وغير هذه من المسائل التي يظهر فيها انحراف المجتهد عن القول بالعموم أو القياس لمصلحة يراها دون أن يسندها إلى أصل محدد. وهذا في مذهب مالك أكثر من أي مذهب سواه، ولا يكاد يسمح به الشافعية على الإطلاق، والحنفية متوسطون ومثلهم الحنابلة. هذا هو ما ينبغي أن يكون محل البحث والترجيح، لا أن مالكا أو أبا حنيفة أو الشافعي أو أحمد أو غيرهم قال بلفظ الاستحسان باللفظ أو المعنى أو لا. والله أعلم.

د. نعمان مبارك جغيم
14-12-16 ||, 01:27 AM
وهكذا كل المصادر التبعية تقريبا هي قواعد في الفهم والتنزيل لا أكثر. ولكن هذا كله، سواء اتفقنا عليه أو اختلفنا فيه، لا ثمرةَ فقهيةً له، والخلاف فيه ترف علمي. المهم في النهاية الذي تترتب عليه الثمار الفقهية والاجتهادية الحقيقية، ويستحق البحث والتنقيب، هو الفصل في مسألة هل يجوز تخصيص العمومات والقواعد القياسية بالاستصلاح المرسل أم لا. (بغض النظر عن التسمية). ومثاله: قبول شهادة الصغار فيما يكون من الجراحات بينهم قبل أن ينفضوا، استثناء من أدلة الشهادة {شهيدين من رجالكم}، {ممن ترضون من الشهداء}، {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، واستثناء المرأة الشريفة في قومها من عموم {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}، وغير هذه من المسائل التي يظهر فيها انحراف المجتهد عن القول بالعموم أو القياس لمصلحة يراها دون أن يسندها إلى أصل محدد.
صدقت! أحسن الله إليك يا دكتور. البحث ينبغي أن يتوجه إلى معرفة ما استند إليه مثلا الإمام مالك أو غيره في تلك الأقوال. فهم كانت لهم مدارك فقهية في تلك الأقوال غير تلك الألفاظ الفضفاضة التي أطلقها المتأخرون في سعيهم للتنظير لمذاهبهم الفقهية مثل "الاستحسان" و"المصلحة المرسلة"، ثم أضاف المعاصرون مصطلح "مقاصد الشريعة، والاجتهاد المقاصدي"، وهي عبارات مرسلة تشبه الأشباح التي يصورها من يعتقدونها في صور متعددة.

ولكن تلك الاصطلاحات المرسلة، التي تشبه الأشباح، قد شاعت عند المتأخرين، وأصبح الحكم على أقوال المتقدمين يتم عندهم من خلالها، كما أن بعضهم صار يستخدمها لتسويغ ما يأتي به من شذوذ فقهي. وقد أصبحت تلك الاصطلاحات المرسلة حاجزا أمام معرفة المدارك الفقهية الحقيقية للمتقدمين من العلماء، فلزم كشف عوار هذه الاصطلاحات وردها إلى حقيقتها، حتى لا يغتر بها من لا يدرك حقيقتها، ويتوجه البحث إلى المدارك الفقهية الحقيقية بدلا من الكلام المرسل الذي يستخدم تلك الاصطلاحات المرسلة. وهذا الذي دفعني إلى كتابة ما كتبت عن الاستحسان عند الحنفية والمالكية، لبيان أنه مصطلح "شبح" ليس له ماهية حقيقية مستقلة، وأنه لا فائدة من وجوده في مباحث أصول الفقه، وأن إبعاده من المصطلحات والمفاهيم الأصولية أنفع في استنباط الأحكام الفقهية وفقهمها. وفي الطريق بحث آخر على نفس المنوال حول شبح "المصلحة المرسلة"، وقد أجيز للنشر في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت.

د. نعمان مبارك جغيم
14-12-16 ||, 05:10 AM
[quote=د. أيمن علي صالح;1394مسألة هل يجوز تخصيص العمومات والقواعد القياسية بالاستصلاح المرسل أم لا. (بغض النظر عن التسمية). ...المسائل التي يظهر فيها انحراف المجتهد عن القول بالعموم أو القياس لمصلحة يراها دون أن يسندها إلى أصل محدد. [/quote


وهذا كلام مرسل يحتاج إلى ضبط.
ولعل تحرير أقوال مالك أو غيره من الفقهاء الأوائل سيظهر أنهم استندوا إلى أصل محدد فيما قالوا به في مقابل تلك النصوص، وهو الذي سماه أصحاب الكلام المرسل بالمصلحة المرسلة أو الاستحسان

د. نعمان مبارك جغيم
16-01-24 ||, 02:12 AM
قال ابن حزم:
الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 16)
"قال المالكيون بالاستحسان في كثير من مسائلهم. روى العتبي محمد بن أحمد قال ثنا أصبغ بن الفرج قال سمعت ابن القاسم يقول قال مالك تسعة أعشار العلم الاستحسان. قال أصبع بن الفرج الاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس ذكر ذلك في كتاب أمهات الأولاد من المستخرجة".
كتاب المستخرجة (العتبية) معروف برواياته الضعيفة والشاذة، وكان صاحبه يجمع كل ما وجده دون عناية بصحة الرواية.
جاء في ترتيب المدارك عن العتبي وكتابه المستخرجة: "قال ابن لبابة: وهو الذي جمع المستخرجة، وكثّر فيها من الروايات المطروحة والمسائل الشاذة، وكان يؤتى بالمسألة الغريبة، فإذا أعجبته قال: أدخلوها في المستخرجة. وقال ابن وضّاح: سألت أبا وهب عن مسألة، فذكر لي فيها عن أصبغ رواية، فمررت بالعتبي فسألته عنها فلم يحفظ فيها رواية، فأخبرته بما قال لي عبد الأعلى عن أصبغ، فدعا بالمستخرجة فكتبها فيها، ثم لقيت بَعْدُ عبد الأعلى، فقال لي: وهمت في المسألة عن أصبغ، ليس كذلك. وقال ابن وضاح: وفي المستخرجة خطأ كثير." القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، طبعة المغرب 1403هـ/ 1983م، ج4، ص253-254.
وربما يكون ذلك هو السبب في أن ابن رشد الجدّ لم يجزم بنسبة الروابة إلى مالك، بل أوردها بصيغة "وقد كان ابن القاسم يقول: ويروى عن مالك أنه قال..."، وهي صيغة تشكِّك في سماع ابن القاسم ذلك من مالك مباشرة.