المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إبطال القياس



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
08-11-27 ||, 07:50 PM
قال الإمام العامل أبو الحسن الكرجي القصاب في نكت القرآن ج2ص90 :
" ذكر القياس :
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
حجة في إبطال القياس واضحة لمن وفقه الله لفهمها وأضرب عن اللجاج والمعاندة وما ألفته نفسه من حلاوة قياسه والتحريم به والتحليل .
وذلك أنه ابتدأ الآية بالحث على كل ما رزقنا الله من الحلال وأخبر أنها نعمة علينا وأمرنا بالشكر عليها ثم فصل ما حرم منه فقال : " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ" فصار كل ماعدا هذا داخلا في الرزق والحلال الطيب المعدود في النعم التي يجب الشكر عليها ولا يذهب على مميز إنما يعد ما تقدمه فصل في معنى الإستثناء من الجملة لا ابتداء ثم لم يقنع جل جلاله بذلك حتى قال على إثره : (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
فليس لأحد من البشر أن يزيد في هذه الأنواع الأربعة المستثناة من جملة الرزق الحلال الطيب إلا من طاعته مفروضة لايحرم ولايحلل إلا ما أمره الله جل جلاله وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وحرم التفاضل في أشياء مسماة مذكورة معدودة () وحرم مهر البغي وثمن الكلب وعسب الفحل ونهى عن بيوع بأعيانها مروية برواية الثقات () فكل ما وجد نصا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مضموم إلى الأربع ومالم يوجد فيه نص وكان تحريمه آراء الرجال فهو في حكم الآية افتراء عند من تدبرها وغاص على نكتها .فإن قال قائل : أفتجعل سعد بن أبي وقاص في تحريم البيضاء بالسلت – والسلت ضرب من الشعير- وابن عباس في لإعداد ما عدا الطعام بمنزلة الطعام قبل القبض والإستيفاء مفترين على الله ؟
قيل : معاذ الله أن يكونا مفترين بل كانا فيما قالا موفقين مصيبين فأما سعد بن أبي وقاص فإنه كان من مذهبه أن الحنطة بالشعير لايصلح إلا مثلا بمثل فلما سئل عن البيضاء بالسلت – والسلت ضرب من الشعير رقيق القشر صغار الحب – قال : أيها أفضل ؟
قال : البيضاء فنهى عنه .
ولعل السلت يصغر حبه إذا يبس ونقص فسئل عن البيضاء بالسلت الرطب فعلم أن السلت إذا يبس نقص عن البيضاء في الكيل فيكون صنف من أنواع الستة بصنف منها متفاضلا والدليل على ذلك ما قال : " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرى التمر بالرطب " والرطب رطب ينقص عن التمر – فإذا نقص السلت الرطب إذا يبس عن البيضاء وهما جميعا منصوصين . وعند سعد مستويان فكان التفاضل بينهما ربا.
فإن قيل : فما وجه إعداد سعد الشعير بمنزلة الحنطة في أن لايجيز التفاضل فيهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجازه ؟
قال : ليس ذلك من جهة القياس وقد وافقه على ذلك عبد الرحمن بن الأسود بن يغوث وابن معيقيب الدوسي وإليه ذهب أهل المدينة ويلحقون بهما سائر الأصناف ولايجيزون واحدا باثنين وإن كانا من جنسين مختلفين .
فأما قول سعد وعبد الرحمن بن الأسود فله وجه وهو أن سعدا فني علف حماره وعبد الرحمن علف دابته فأمرا غلاميهما أن يأخذا حنطة يبتاعان به شعيرا ولا يأخذ إلا مثلا بمثل ولعلهما أرادا أن لا يأخذا إلا مقدار ما يكفي الحمار والدابة كل يوم فمنعا التفاضل فيه من أجل تأخير قبض جميعه فكان يصير نسيئة فامرا غلاميهما أن لايربيا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أباح فيهما نقدا وحرمه نسيئة فهذا وجه متوجه من قول سعد وهو أحسن وجه يوجه فيه.
وأما قول ابن عباس في أنه قال : " كل شئ بمنزلة الطعام " فهو نص في قول حكيم بن حزام حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الرجل يريد مني البيع ليس منعندي أفأنفقه له ؟ قال : "لاتبع ماليس عندك" فإن قيل : أفليس وإن وافق قوله النص من حديث حكيم فقد قاله وهو لايعرف النص ؟
قيل : قاله على الظن . فقال : " ولاأحسب كل شئ إلا بمنزلة الطعام" ولم يحتم به فوافق ظنه الحق.
وما في قول صحابي تكلم بكلمة وفقه الله فيها للحق في شئ بعينه من الحجة للقائلين أترى قول ذلك الصحابي في شئ بعينه أكثر من أمر الله العدلين بالمثل في جزاء الصيد الذين لايعدوا به موضعه ولا يحمل غيره عليه () وقد قال عمر بن الخطاب في أشياء نزل القرآن بتصديقه ....
ومن الدليل على أن هذا من قول ابن عباس لم يكن قياسا ولا رأى القياس دينا مستعملا في كل ما عدم فيه النصوص : أنه جعل أجل الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين ولم يقسها على المطلقة وأجاز لها أن تعتد حيث شاءت ولا تمكث في بيتها ولم يقسها على المطلقة وأجاز لها أن تعتد حيث شاءت ولا تمكث في بيتها ولم يقسها على ما أمر الله المطلقة من المكث في بيتها وترك الخروج إلى انقضاء أجلها إلا لفاحشة مبينة.
وفي ذلك دليل أيضا أن الصحابي قد تذهب عليه السنة التي يعرفها غيره فلا تنحط بذلك درجة فضله وحق صحبته فقد خفي على ابن عباس في هاتين المسألتين حديث سبيعة الأسلمية وحديث الفريعة أخت أبي سعيد الخدري بخلاف ما أفتى به .