المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حصري تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ ’’الْتَرْجِيحُ بِفِقْهِ الرَّاوِي‘‘ .. عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ،،



عمرو بن الحسن المصري
14-01-10 ||, 10:30 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصّلاةُ والسّلامُ على أشرَفِ الأنبيَاءِ والمُرسلينَ نبينَا مُحمّدٍ وعلى آلهِ وصَحْبهِ أجمعينَ، وبعدُ..

فهذه مشاركة لي -من آواخر عام 2012- فيها تحريرٌ لمسألة "الترجيح بفقه الراوي" عند الحنفية، فرأيتُ أن أطرح هذا الموضوع لإضافة عدّة فوائد طيّبة عليها، نسألُ الله التوفيقَ والسداد،،

المُشاركة/
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد


لقد اتفق الحنفية مع المُحدثين في تقسيم الرواة إلى معروف ومجهول؛ وذلك من حيث اللفظ، وأما من حيث الدِلالة والأحكام؛ فمُختلف، قسّم الحنفية الرواة إلى: معروف، ومجهول. بتفصيل، سأقتصر على تفصيل القسم الأول -المعروف- لعلاقته بالطرح ولعدم تشتت الموضوع.
فأقول وبالله التوفيق..
المعروف من الرواة عند المُحدثين: هو معروف الوصف. وهو إما مُعدل أو مُجرح، فيُعمل بما عُلم فيهم من الجرح أو التعديل حسب مراتبهما.
والمعروف عند الحنفية: هو من عُرف برواية أكثر من حديثين. وهو نوعان:
الأول/ من عُرف بالفقه والتقدم في الاجتهاد: وهذا يُقبل حديثه اتفاقًا إن وافق القياس أو خالفه، فإن وافقه تأيد به، وإن خالفه تُرك القياس به.
الثاني/ من عُرف بالرواية دون الفقه والفُتيا: وهذا يُقبل حديثه اتفاقًا إذا وافق القياس، وأما إذا خالف القياس؛ فقد اختلف الحنفية فيه: فمنهم من ذهب إلى تقديم القياس على حديثه، وذهب بعضهم إلى تقديم حديثه على القياس. ويُنظر: كشف الأسرار (2/ 384)، (3/ 20)، وأصول السرخسي (1/ 342)، وشرح المنار (2/ 622)، والتلويح على التوضيح (2/ 7)، وقفو الأثر ص(86).
وقد اختلف العلماء في تقديم القياس على خبر الواحد؛ فقال أهل الأثر: إن خبر الآحاد مُقدّم على القياس؛ لأن الرأي لا يكون إلا حيث لا نص وقد وُجد النص فلا مجال للرأي، ولأن الراوي لا يكون إلا في حالة الضرورة، والضرورة تُدفع بوجود أثر منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأن القياس في الجملة ظني، وحديث الآحاد ظني في ثبوته، وإذا تعارض ظني منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بظني منسوب إلى الفقيه؛ فالمنطق يُوجب ترجيح المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وكبار التابعين من بعدهم كانوا يرجعون عن آرائهم إذا نُقل إليهم حديث يُخالفها.
وهذا مسلك عامة فُقهاء الأثر، لا يجعلون للرأي مجالًا عند وجود حديث، ولو كان من أخبار الآحاد، ولا يشترطون فقه الراوي ولا موافقة القياس ولو كان ضعيفًا، ولقد سلك هذا المسلك الشافعي من بعد وبينه في الرسالة بيانًا كاملًا، وقال ذلك القول من فقهاء الحنفية أبو الحسن الكرخي.
وقال عيسى بن أبان: إن كان راوي خبر الآحاد عدلًا فقيهًا وجب تقديم خبره على القياس، وإن كان غير فقيه كان موضع الاجتهاد بمعنى أنه لا يرد خبره المُخالف للقياس جملة؛ بل يجتهد المُجتهد فإذا وجد ذلك الخبر له وجه منا لتخريج أي لا يسند فيه باب الرأي مُطلقًا؛ قُبل، بأن كان يُخالف قياسًا ولكنه يوافق من بعض الوجوه قياسًا آخر لا يُترك بل يُعمل به، وهذا معنى قولهم: لا يُترك خبر الواحد العدل الضابط غير الفقيه إلا للضرورة بأن يسند فيه باب الرأي من كل الوجوه، وهذا كله إذا كان الراوي عدلًا، أما إذا كان الراوي مجهولًا لم تُعرف عدالته، فإن خبره المُخالف للقياس يُرد ويؤخذ بالقياس، ولا يجتهد المُجتهد في تخريجه باستنباط ضرب من ضروب الرأي يوافقه. راجع: أبو حنيفة ص(245).
وأصحاب هذا الرأي يشترطون في قبول خبر الواحد أحد شرطين: فقه الراوي أو موافقة الخبر للقياس، فلو انتفي أحد الشرطين لم يُقبل خبر الواحد إلا بوجود الآخر، فيشترطون فقه الراوي إذا كان الخبر مُخالفًا للقياس، ويشترطون موافقة خبر الواحد للقياس إذا كان الراوي غير فقيه، ولذلك يحتاطون من التغيير المثحتمل عند فقد أحد الشرطين؛ فرواية الفقيه لخبر مُخالف للقياس، وموافقة الخبر للقياس من راوٍ غير فقيه، ينفيان احتمال تطرق الخطأ والتغيير إلى الرواية.
وهذه المسألة قد تسبتت فيما يُشاع عن الإمام أبي حنيفة من تقديمه للقياس إذا تعارض مع خبر الواحد، والحق أن تقديم الخبر على القياس هو الأقرب لمنهج وقواعد أبي حنيفة؛ حيث احتج بالمُرسل وبرواية المستور وبأقوال الصحابة ليستوعب بذلك العمل بجميع السنة المشرفة، وما كان ليُعارض الأخبار بالقياس.
وقبل الخوض في تحرير مذهب أبي حنيفة في تقديم الخبر على القياس، يحسن بنا أن نقف على الأصل الذي من أجله اشتُرط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس؛

(أصل قاعدة اشتراط فقه الراوي)..
رُوي عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون. انظر: أصول السرخسي (1/ 341)، والفصول في الأصول (3/ 227).
ورَوى عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: حدثنا أبو أُسامة عن الأعمش قال: كان إبراهيم صيرفيًّا في الحديث أجيئه بالحديث. قال: فكتبت مما أخذته عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة. وانظر العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد ص(140).
ورُوي عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئًا وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهي عن شرٍّ جاء القرآن به. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (8/ 109)، والفصول في الأصول (3/ 127).
قال الذهبي في ترجمة إبراهيم النخعي: ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا. انظر: ميزان الاعتدال (1/ 75) وأورده أيضًا في سير أعلام النبلاء (2/ 438) ثم قال: هذا لا شئ؛ بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه وجلالته وإتقانه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ويقول: أفت يا أبار هريرة. اهـ. وقد استوفى الرد على النخعي ومن تبعه من الحنفية في ذلك الأستاذ عبد المنعم صالح العلي في كتابه الجامع "دفاع عن أبي هريرة" فليرجع إليه ص(237- 346).
وقد كان أبو حنيفة رحمه الله يعتمد كثيرًا على ما رواه له شيخه حمّاد ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، ولا شك أن الحنفية تأثروا بكلام النخعي في أبي هريرة عند تأصيلهم لقاعدة اشتراط فقه الراوي.
فهذا عيسى بن أبان يُتابع إبراهيم النخعي فيما قال فيقول: ويُقبل من حديث أبي هريرة ما لم يتم وهمه فيه؛ لأنه كان عدلًا.
وقال: ويُقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يُخالف نظائره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شئ من ذلك قَبِلَهُ الصحابة والتابعون ولم يردوه.
وقال في موضع آخر: ولم ينزل حديث أبي هرير منزلة حديث غيره من المعروفين بحمل الحديث والحفظ، لكثرة ما أنكر الناس من حديثه وشكهم في أشيا من روايته. راجع: الفصول في الأصول (3/ 127).
أوضح عيسى بن أبان أن إنكار الصحابة على أبي هريرة هو سبب الشك فيما رواه أبو هريرة مُخالفًا للقياس. وإنكار الصحابة على أبي هريرة كان لأمرين:
الأول/ إكثاره للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه العموم؛ وقد رد على ذلك أبو هريرة فقال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا قط: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنتِ..) إلى قوله: (الْرَّحِيمُ) [البقرة: 159، 160]. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. رواه البُخاري (1189 ومُسلم (6552).
الثاني/ إنكارهم أحاديث معيَّنة على وجه الخصوص؛ منها:
1- أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء مما مست النار ولو من ثَوْرِ أَقِطٍ -أي قطعية من لبن مُجفف-). فقال له ابن عبَّاس: يا أبا هريرة؛ أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي؛ إذا سمعت حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلًا. أخرجه الترمذي في سننه (79). فلم يقبل ابن عباس هذا الحديث وعارضه بالقياس.
2- وروى مُسلم عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبا هريرة يقص يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم. قال: فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن الحارث؛ فأنكر ذلك، فانطلق عبدالرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألها عبدالرحمن عن ذلك. قال: فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصبح جُنبًا من غير حلم ثم يصوم. فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبدالرحمن فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة -وأبو بكر بن عبدالرحمن حاضر ذلك كله- فذكر له عبدالرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم. ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس. فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك. رواه مُسلم في صحيحه (2645).
3- وروى أبو عبدالله الحاكم من طريق عروة بن الزبير قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن أُمَتَّعَ بسوط في سبيل الله أحب إِلَيَّ من أن أعتق ولد الزنا). وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولد الزنا شر الثلاثة) -رواهما أبو داود الأول موقوفًا والثاني مرفوعًا (3963). وقال الخطابي في معالم السنن (4/ 73): اختلف الناس في تأويل هذا الحديث: فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما جاء في رجل بعينه كان موسومًا بالشر. وقال بعضهم: إنما صار ولد الزنا شرًّا من والديه؛ لأن الحد قد يُقام عليهما فتكون العقوبة تمحيصًا لهما. وفي مُسند أحمد (2/ 311) عن عا ئشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل عمل أبويه). وفي السنن الكبرى للبيهقي (10/ 59) عن الحسن قال: إنما سُمي ولد الزنا شر الثلاثة: أن امرأة قالت له لست لأبيك الذي تدعي له، فقتلها فسُمي شر الثلاثة.- (وإن الميت يُعذب ببكاء الحي) -شارك أبا هريرة في روايته عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة كما في البُخاري (1286، 1290، 1291)- فقالت عائشة: رَحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إصابة، أما قوله: (لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلىَّ من أن أعتق ولد الزنا). إنها لمّا نزلت: (فَلَا اْقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) [البلد: 11، 12] قيل: يا رسول الله؛ ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلىَّ من أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد). وأما قوله: (ولد الزنا شر الثلاثة). فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من يعذرني من فلان). قيل: يا رسول الله؛ مع ما به ولد الزنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو شر الثلاثة). والله عز وجل يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164]. وأما قوله: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي). فلم يكن الحديث على هذا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه فقال: (إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب). والله عز وجل يقول: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]. رواه الحاكم في مُستدركه (2/ 234).
ولم يقتصر استدراك أم المؤمنين عائشة على أبي هريرة وحده؛ بل كان لها استدراكات على جمع من الصحابة، جمعها الزركشي في كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" وقد جابن الحقُّ عائشة في بعض هذه الاستدراكات لا سيّما فيما اتفق على روايته جماعة من الصحابة.
5- روى البُخاري ومُسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا). أخرجه البُخاري في صحيحه (5856)، ومُسلم (5617).
ورُوي أن عائشة كانت تمشي في خف واحد وتُنكر على أبي هريرة هذا الحديث. أخرجه ابن أبي شيبة في مُصنفه (5/ 176).
قال ابن عبدالبر في التمهيد (18/ 179): وقد رُوي عن عائشة مُعارضة لأبي هريرة في حديثه، ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك لضعف إسناد حديثها؛ ولأن السنن لا تُعارض بالرأي. وراجع الإجابة ص(114).
قال أبو بكر الجصَّاص في الفصول في الأصول (3/ 129): جعل عيسى رحمه الله ما ظهر من مقابلة السلف لحديث أبي هريرة بقياس الأصول، وتثبتهم فيه علة لجواز مُقابلة رواياته بالقياس، فما وافق القياس منها قبله، وما خالفه لم يقبله، إلا أن يكون خبرًا قد قبله الصحابة فيُتبعون فيه، ولم يجعل حديث أبي هريرة في ذلك كحديث غيره من الصحابة؛ لأنه لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غيره ومثابلته بالقياس مثل ما ظهر منهم في حديثه، فجعل ذلك أحد الوجوه الموجبة للتثبت في خبره، وعرضه على النظائر من الأصول، فإن لم ترده النظائر من الأصول قبله، وإن كانت نظائره من الأصول بخلافه عمل على النظائر ولم يعمل بالخبر كما اعتبر ابن عباس في روايته في الوضوء مما مست النار بما ذكر من النظائر، وكما فعلت عائشة في مشيها في خف واحد. والأصل في ذلك: أن خبر الواحد مقبول على جهة الاجتهاد وحسن الظن بالراوي كالشهادات، فمتى كثر غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته، كان ذلك مسوغًا للاجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول. اهـ.
هذا أصل قاعدة اشتراط فقه الراوي وهو مبنيٌّ على القول بأن أبا هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة، وقد أنكر أهل العلم على الحنفية ذلك القول وأثبتوا خلافه -راجع دفاع عن أبي هريرة ص(225- 246) فقد استوفى الرد على ذلك-، ومن انكر من الحنفية هذا الأصل لم يقل بالقاعدة والعكس صحيح.
والآن دعونا ننتقل إلى بيان مسألة أخرى لصيقة بهذا الموضوع، وهي:

(الترجيح بفقه الراوي)..
وهي أن أبا حنيفة يعتبر فقه الراوي من وجوه الترجيح بين الأحاديث المُتعارضة، فيُقدّم خبر الفقيه على غيره، ولعل هذا من وجوه الترجيح بين الأحاديث المُتعارضة، فيُقدِّم خبر الفقيه على غيره، ولعل هذا من الأسباب التي دعت البعض إلى القول بأن أبا حنيفة يشترط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس، أو أن أبا حنيفة يرد خبر الواحد إذا خالف القياس.
اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون عن الركوع والرفع منه. فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شئ. فقال الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حمّاد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشئ من ذلك. فقال الأوزاعي: أُحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه؛ وتقول حدثني حمّاد عن إبراهيم؟ فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزُّهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون من ابن عمر في الفقه، وإن كان لابن عمر صحبة وله فضل صحبة؛ فالأسود له فضل كثير، وعبدُ الله: عبدُ الله. ذكر هذه المُناظرة الكمال ابن الهمام في فتح القدير (1/ 311)، والسرخسي في المبسوط (1/ 14)، والسيد مُحمد مرتضى الزبيدي في كتابه عقود الجواهر المنيفة (1/ 58) نقلًا عن الحارثي في مُسنده.
قال الكمال ابن الهمام بعد ذكر هذه المُناظرة: فرجَّح بفقه الراوي كما رجَّح الأوزاعي بعلو الإسناد، وهذا المذهب المنصور عندنا.
وقال السرخسي: فرجَّح الأوزاعي حديثه بعلو إسناده، ورجَّح أبو حنيفة حديثه بفقه رواته وهو المذهب؛ لأن الترجيح بفقه الرواة لا علو الإسناد.
وقال الفخر البزدوي: قصرت رواية من لم يُعرف بالفقه عند مُعارضة من عُرف بالفقه في باب الترجيح، وهذا مذهبنا في الترجيح. راجع: كشف الأسرار (2/ 397)، والكافي (3/ 1272).
وقال علي القاري في شرح النُخبة ص(104): المذهب المنصور عند علمائنا الحنفية: الأفقهية دون الأكثرية.
وقال الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار ص(39): الوجه الثالث والعشرون -أي من وجوه الترجيح-/ أن يكون رواة أحد الحديثين -مع تساويهم في الحفظ والإتقان- فقهاء عارفين باجتناء الأحكام من مثمرات الألفاظ؛ فالاسترواح إلى حديث الفقهاء أَوْلَى.
وحكى علي بن خشرم قال: قال لنا وكيع: أي الإسنادين أحب إليكم؟ الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله؟ أو سُفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة؟ فقلنا: الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله. فقال: يا سُبحان الله؛ الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ وسُفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه، وحديث تتداوله الفقهاء خير من أن تتداوله الشيوخ. رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص(11) وذكره ابن الأثير في جامع الأصول (1/ 62) ثم قال: فهذا من طريق الفقهاء رباعي إلى ابن مسعود وثنائي من طريق المشايخ، ومع ذلك قدّم الرباعي لأجل فقه رجاله.
وقال السيوطي في تدريب الراوي (2/ 198): ثالثًا -أي من وجوه الترجيح-/ فقه الراوي؛ سواء كان الحديث مرويًّا بالمعنى أو باللفظ؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حتى يطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي.
وقال أبو زهرة بعد مناظرة أبي حنيفة والأوزاعي: وهذه المُناظرة تدل على أن أبا حنيفة كان يُلاحظ فقه الراوي عند الترجيح فهو يُقدِّم رواية الأفقه على من دونه فقهًا، ولذلك تقصر رواية غير الفقيه عن أن تُعارض رواية الفقيه؛ إذ الأول أشد وعيًا وأقوى ضبطًا وأكمل إدراكًا وأَوْلَى بالاتباع. وانظر: أبو حنيفة ص(245).

ولخشية الإطالة في تفصيل تلك المسألة عمومًا وتحرير مذهب أبي حنيفة في تقديم الخبر على القياس خصوصًا؛ أعزو القارئ الكريم إلى مُراجعة كتاب منهج الحنفية في نقد الحديث الفصل الخامس: تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجة. والصفحات من (255) إلى (284) عمومًا وخصوصًا الصفحات (257) إلى (274).


جاء في "الأَجْوبَة الفَاضِلة لِلأَسئِلةِ العَشْرة الكَامِلةِ" للإمام اللكنوي، مع [التعليقات الحافلة على الأجوبة الفاضلة] للشيخ عبدالفتاح أبو غدّة، ط. (دار السلام) السادسة [2009]:
((ص(202)/
السؤال السابع
في أن تخريجَ الشيخينِ وكثرةَ الطرق وفشقه الراوي هل هي من وجوه الترجيح؟
تخريجُ الشيخين: البخاريّ ومُسْلم، وكثرةُ طُرٌقٌ الحديثِ مِن دون الوصول إِلى حدّ الشُّهرة والتواتر، وفِقْهُ الراوي، هل هي من وجُوه الترجيح؟ أم لا؟
الجـواب
...
ص(210) -وما بعدها-/
وأما فقه الراوي: فقال الحازمي -في كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار": ص(16)-: "الوجْهُ الثالثُ والعشرون -أي من وجوه الترجيح- أن يكون رُواةُ أحدِ الحديثين -مع تساويهم في الحفظِ اولاتقان- فقهاءَ عارفين باجتِناءِ الأحكام من مُثمِراتِ الألفاظ، فالاسترواحُ إلى حديثِ الفقهاءِ أَولى. وحكَى عليُّ بن خَشْرَم قال: قال لنا وكيع: أيُّ الإِسنادين أحبُّ إليكم؟ الأعمشُ عن أبي وائلٍ عن عبدالله؟ أو سُفيانُ عن منصورٍ عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله؟ فقلنا: الأعمشُ عن أبي وائل عن عبدالله، فقال: يا سبحان الله! الأعمشُ: شيخ، وأبو وائل: شيخ. وسفيانُ: فقيه، ومنصورٌ: فقيه، وإبراهيم: فقيه، وعلقمةُ: فقيه. وحديثٌ تداولُهُ الفقهاءُ خيرٌ من أن تتداوله الشيوخ -رواه الحاكم في نعرفة علوم الحديث ص(11)، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: (1/ 62): بعد ذكره: "فهذا من طريق الفقهاء رُباعي إلى ابن مسعود، وثُنائي من طريق المشايخ، ومع ذلك قُدِّم الرُّباعي لأجل فقه رجاله.- ". انتهى.
وفي "التدريب" -للسيوطي ص(389)-: "ثالثها -أي من وجوه الترجيح- فِقْهُ الراوي سواء كان الحديثُ مرويًّا بالمعنى أو اللفظ، لأن الفقيه إذا سَمِعَ ما يمتنع حَمْلُه على ظاهره بحَثَ عنه حتى يطَّلِعَ على ما يزولُ به الإِشكالُ بخلاف العامي". انتهى.
وفي "مُسلَّم الثبوت" -(2/ 206): "وفي السَّنَد: بفقهِ الراوي وقوَّةِ ضبطهِ ووَرَعِه". اهـ.
قال اللكنوي في "شرحه": اعلم أنَّ حصولَ الترجيح بالفقاهة إِنما هو لأنَّ الفقه يميزُ بين ما يجوزُ روايتُه وما لا يجوز، فإذا سمعَ كلامًا لا يجوزُ إِجراؤه على الظاهر لا يجْترِئ على روايته في أوَّل النظر بل يفحصُ عن معناه ويَسْأَلُ عن سببِ ورُودِه، فيطَّلعُ على ما يُزيلُ إِشكالَهُ ثم ينقُلُه، بخلاف غيرِ الفقيه فإنه لا يَقْدِرُ على ذلك فينقل القَدْرَ المسموع، وهذا بعينه يقتضي ترجيح الأَفقهِ على من هو أدنى منه في الفقاهة، فيرجَّحُ رواية من هو أكثرُ فِقهًا على رواية من ليس بتلك المرتبة". انتهى.
وقال أيضًا: "اعلم أنَّ الترجيح بالفقاهة يقع مطلقًا لما عرفتَ، فما قيل إن هذا الترجيحَ يُعتبرُ في خبرينِ مَرْوِيَّيْنِ بالمعنى لا في المَرْويَّيْنِ في اللفظ تحكُّمٌ". انتهى.
وفي "أصول البزدوي" -(2/ 379)-: "قَصُرَتْ رِوايةُ من لم يُعرَف بالفقه عند مُعارضةِ من عُرِفَ بالفقهِ في باب الترجيح، وهذا مذهبُنا في الترجيح". انتهى.
وفي "حاشيته": "قياس مذهب أهل الحديث عدمُ الترجيح بفقه الراوي لأنَّ نقْل الحديث بالمعنى لا يصحُّ عندهم أصلا فيستوي في النقل الفقيهُ وغيرُ الفقيه. وقال قوم هذا الترجيحُ إنما يُعتبرُ في خبرين مَرْوِيينِ بالمعنى؛ أَما باللفظ فلا، والحقُّ أنه يقع به الترجيح مطلقًا". اهـ.
وفي "تنوير المنار" لبحر العلوم اللكنوي: "الحديثُ الذي رُواتُه أفقَهُ مُقدمٌ في العمل على الحديث الذي ليست رُواتُه كذلك" انتهى، مُلخَّصًا مُعربًا.
وفي "فتح القدير" -(1/ 219)، بعد ذكر مناظرة أبي حنيفة مع الأوزاعي-: "فرجَّح بفقه الرواة كما رجَّح الأوزاعيُّ بعلوِّ الإِسناد، وهو -أي الترجيح بفقه الراوي- المذهبُ المنصورُ عندنا". اهـ. ومثلُه في "حلْبة المُجَلِّي شرح مُنْيَة المُصلِّي" -ص(197- 201)- لابن أمير حاج الحلبي.
والمناظرةُ التي جرت بين أبي حنيفة والأوزاعي المشهورةُ بين الفقهاء هي:
اجتمَعَ هو والأوزاعيُّ في دارِ الحَنَّاطين بمكة، فقال الأوزاعيُّ لأبي حنيفة: ما بالُكم لا ترفعو أيديَكم في الصلاةِ عند الركوعِ وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأجلِ أنه لم يصحَّ عن رسول الله فيه شيء، فقال: كيف لم يصحَّ وقد حدثني الزهريُّ عن سالمٍ عن أبيه عن رسول الله أنه كان يرفعُ يديه إِذا افتتح الصلاةَ، وعند الركوعِ، وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حمادٌ عن إِبراهيم عن علقمةَ والأسودِ عن عبدالله بن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفعُ يديه إِلا عند افتتاح الصلاة ولا يعودُ لشيءٍ من ذلك، فقال الأوزاعي: أُحدِّثك عن الزهريّ عن سالم عن أبيه وتقولُ: حدَّثَنا حمَّادٌ عن إِبراهيم؟! فقال أبو حنيفة: كان حمادٌ أفقهَ من الزهريّ، وكان إِبراهيمُ أفقهَ من سالمٍ، وعلقمةُ ليس بدون ابنِ عُمر في الفقه، وإن كانت لابن عُمَر صُحْبَةٌ وله فضلُ صُحْبة. فالأسود له فضلٌ كبير، وعبدُالله: عبدالله، فسكتَ الأوزاعيّ. -فتح القدير: (1/ 219) والجواهر المنفية: (1/ 61)-.
قلتُ: قد اشتهر بين العوامّ أنَّ هذه المناظرة مما لا سَنَدَ لها لا صحيحًا ولا ضعيفًا حتى إِنَّ صاحب "الدراسات" قال -في "دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب" ص(205) منها-: "إِن هذه الحكاية عن سفيان بن عُيَيْنَة معلَّقة، ولم أرَ من أسندها، ومَنْ عنده السند فليأتِ به". انتهى.
وليس كذلك، فقد أسنَدَها أبو محمد بن عبدُالله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثيُّ البخاريُّ المعروفُ بالأستاذ، تلميذُ أبي حفصٍ الصغير، ابنِ أبي حفصٍ الكبير، تلميذ الإِمام محمد بن الحسن في "مُسْنَده" بقوله: حدَّثنا محمد بن إِبراهيم بن زياد الرازي، حدثنا سليمان بن الشَّاذكُوني، قال سمعتُ سفيانَ بن عيينة يقول: اجتمَعَ أبو حنيفة والأوزاعيُّ في دارِ الحنَّاطين بمكة... إِلى آخرِ ما مرَّ ذكرُهُ. كذا نقَلَهُ السيد مرتضى الحُسيني في كتابه "عُقود الجواهر المُنيفة في أَدلَّةِ الإِمام أبي حنيفة" -(1/ 60- 61)، وقال المرتضى بعدها: "والشاذكُونيُّ: واهٍ مع حفظه، إِلا أنَّ القصة مشهورة"-.
[وقد أسندها عن الحارثي الإمامُ الموفقُ المكيُّ في "مناقب الإمام الأعظم": (1/ 130). والحارثيُّ إمامٌ حافظ مشهورٌ من كبار فقهاء الحنفية. ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" في ترجمة القاسم بن أصبغ ص(854). فقال: "وفي سنة أربعين وثلاثمائة: مات عالمُ ما وراء النهر ومحدّثُه الإمامُ العلامة أبو محمد عبدالله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثي البخاري، الملقب بالأستاذ، جامع "مسند أبي حنيفة الإمام"، وله اثنتان وثمانون سنة. أفاده المحقق محمد عبدالرشيد النعماني في تعليقه على "دراسات اللبيب": (ص 205) .]
وفي "شرح النخبة" لعلي القاري -ص(104)-: "المذهبُ المنصورُ عند علمائُنا الحنفية: الأفقهيةُ دون الأكثرية". انتهى.
فهذه عبارتُ العلماء قد دلَّتْ على اعتبار الترجيح بالفقه، وأن فيه ثلاثَ مذاهب: عدمُ اعتباره مطلقًا، واعتبارُهُ مطلقًا، واعتبارهُ فيما إِذا كان مَرْويًّا بالمعنى دون ما إِذا كان مَرْويًّا باللفظ، وأنَّ مختارَ الحنفيةِ وبعضِ المحدّثين هو المذهبُ الأخير.
وقد أَتى صاحبُ "دراسات اللبيب" ههنا بكلام ينفي اعتبار الترجيح بالفقه عند الحنفية حيث قال -في ص(206) منها، عند ذكر وجوه الإِغراب في المعارضة المشهورة بين أبي حنيفة والأوزاعي في بحث رفع اليدين ما نصُّه-: "الثالثُ: فِقْهُ الرواةِ لا أثرَ له في صحة الحديث. إِذ قِلَّةُ الفقهِ لا تُوجِبُ الوَهْنَ في شرائط التحملِ وما يُلازمُه الوُثوقُ بالرواية، وإذا انتفى ذلك بقيَ العلوُّ لسَنَد ابنُ عمَر مع ما له مِن الصحة، والحنفيةُ لا يعتقدون أيضًا أنَّ قلةَ فِقهِ الراوي مما يتطرَّقُ به الوهْنُ إِلى مرْويه، بل يرَوْن أَنَّ روايةَ قليل الفقه من الصحابة إِذا خالفها القياسُ مِن كلِّ وجهٍ يُقدَّمُ القياسُ عليها مِن غير أن يتطرَّقَ عندهم وهن بعدَم فِقْهِ الراوي في صحَّة مَرْويّه، أو يحصُلَ زيادةُ وُثوقٍ بفقهِ الراوي لصحَّةِ مَرْويه مِن مَرْوِيّ مَنْ دونَه في الفقه.
وما ذهبوا إِليهِ مِن تقديم القياسِ على روايةِ مثلِ أبي هريرة، وأنسٍ، وجابرٍ، وهم عندهم ممن يقلُّ فِقهُهم من الصحابة، قد وقَعَ عليهم بذلك الطعْنُ الشديدُ، لا سيما في حُكمهم على أبي هريرة بقلَّة الفقه". اهـ.
ثم قال -ص(212)- بعد كلامٍ طويلٍ: "وإِذ قد تبيَّنَ أنهُ لا أثرَ لفِقْهِ الراوي في صحة الحديث وقُوَّته على حديثِ غير الفقيه، وأنَّ أصحاب أبي حنيفة إِنما يرَوْن الأثرَ لكثرةِ الفِقه وقِلتِه من جهةٍ أخرى غير ترجيح المرْوِيّ وهي تقديمُ القياس، فنسبةُ القولِ بترجيح رواية الفقيه على غير الفقيه إِلى أبي حنيفة في هذه الحكاية من أمَارات الاختلاق عليها". انتهى.
وهذا الكلامُ فيه نظرُ لا يخفى، فإنه -وإن أصاب في أنه لا أثر للفقه في صحَّة المرويّ، إِنما مَدارُها على العدالة وغيرها من الشروط المذكورة في موضعها، وفي أنَّ قلَّة الفقه لا توجبُ الوَهْنَ في شرائط التحمُّل، وفي أنَّه قد وقعَ الطعنُ على الذين قالوا بعَدَم قبولِ رواية غير الفقيه المخالفة للناس وهم جمعٌ من الحنفية لا كلُّهم كما هو مبسوط في "الكشف" [للعلامة عبدالعزيز البخاري: (2/ 383)] و"التحقيق" و"التلويح" [للسعد التفتازاني (2/ 5)] و"التحرير" [للكمال ابن الهُمَام (2/ 250)] وغيرها- لكنه لم يُصبْ في أنه لا أثرَ لفِقهِ الراوي في قوَّة الحديث على حديثِ غيرِ الفقيه عند الحنفية، وأنهم إِنما يَروْن الترجيح بالفقه من جهة أخرى لا من هذه الجهة. فإنَّ كُتبَ أصول الحنفية متواردةٌ على اعتبار ترجيح مَروي الفقهاء على مروي غيرِ الفقهاء، وليس ابنُ الهُمام متفرِّدًا بنسبته إِلى أبي حنيفة، بل قد صرَّحَ به جمعٌ ممنقَبله ومَنْ بعده، كما لا يخفى على من وسَّعَ نظره وفتَّح بصره.
وقد يتراءى في هذا المقام أنَّه لا أثرَ للفقه في المروي أصلاً، إِنما المؤثرُ في ضعفهِ وقوَّته تفاوتُ درجات الراوي في شروط الصحة نقصانًا وكمالا، وإِنما الفقهُ أمرٌ يتفاضَلُ به الفقيه في نفسهِ على غير الفقيه، فينبغي ألا يقع ترجيحُ مروي الفقيه على مروي غير الفقيه.
والجوابُ عنه: أنَّ التفاوت في الفقه يقع التفاوت في المروي أيضًا، لا أنه لا يقع به فيه أمرٌ أصلا، وذلك لأن الرواية بالمعنى قد شاعَتْ بينهم وقلَّ من لم يُجَوِّزها منهم، فإذا كان الراوي فقيهًا يجتهدُ في فهْم معاني اللفظ المرويّ، ويتأَمَّلُ في المعنى الظاهر والخفي، بخلاف غيرِ الفقيه، فإنه يأخذ ظواهرَ المعاني ولا يصِلُ إِلى بواطن المباني، فمن هذه الجهة يترجَّحُ الأوَّل على الثاني، ولا يكون عند التعارض ترجيحٌ للثاني؛
فإن قلتَ: إِنَّ الصحابة كانوا أكثرَ اعتناءً بحفظ ألفاظ الحديث بعينها وتبليغ الأحاديث بهيئتها، ولذا يُنقَلُ عنهم كثيرًا: الشكُّ بين اللفظينِ والتردُّدُ بين الجملتين، وكانوا أشدَّ نكيرًا على من بدَّلَ لفظَ الخبرِ بلفظٍ آخَرَ وإِن لم يحصُل فسادُ المعنى ولم يتغيَّر، كما لا يخفى على من طالبعَ كتب الفنّ، وتأمَّل روايات "السُّنن"، فمع هذا يُسْتبعَدُ عنهم وإِن كانوا غير فقهاء أن يُبدِّلوا الألفاظَ ولا يتأمَّلوا مواقع الألحاظ.
قلتُ:مع ذلك كان كثيرٌ من الصحابة مكتفين برواية المعنى غيرَ ملتزمين للمبنى ، فيظهر التفاوتُ بالفقهِ عند ذلك وإِن لم يظهر هنالك، مع أن الاعتناء بالألفاظ وإِن كان موجودًا في الصحابة لكنه مفقود فيمن بعدهم من الرواة والأئمة فإنهم جوَّزوا الرواية بالمعنى من دون الاعتناء بالمبنى، وهو مذهبُ أكثر الفقهاء والمحدِّثين خلافًا لطائفة من الفقهاء والمُحدثين، فلا بُدَّ أن يُعتبر الترجيحُ بنَقادتِهم [يريد بنَقْدِهم] في الفقه ومقدارِ تأمُّلِهم وأفهامِهم؛
على أن ههنا وجهًا آخَرَ لاعتبارِ الترجيح بالفقهاة يشمَلُ ملتزمي الألفاظ وغيرَهم من الأئمة والصحابة، وهو أنه قد يكون للحديث مَوْرِدٌ يختصُّ به ولا يتجاوزُ إِلى غيره، وقد يكون له متعلَّقٌ ينكشفُ بضمِّهِ المقصودُ، أو متعلَّقٌ يَنْحَلُّ به المعقودُ، فالفقيهُ إِذا رَواه بعد إِحاطة الأطراف، وغيرُ الفقيه يقتصرُ على رواية الأطراف، فتترجَّحُ عند التعارضِ مِن هذه الحيثية رِوايةُ الفقيهة على غيرِ الفقيه وإِن تَساويَا في الضبط والعدالةِ وسائر شروط الصحة.)) . انتهى.


هذا، والله الموفق والمستعان.

عمرو بن الحسن المصري
14-01-10 ||, 10:59 PM
السلام عليكم

إضافة أخرى (هامّة)/
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد


..، فالضابط أو المعيار ليس بالتفقه العام في الدين أو في الأحكام عامة، وهذا ما يتبادر إلى أذهان الكثيرين ولذلك قال الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال (1/ 75) في ترجمة إبراهيم النخعي: ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا. اهـ. ويقصد بقوله ما رُوي عنه أنه قال: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون. اهـ. كما ذكره السرخسي في أصوله (1/ 341)، والجصاص في الفصول في الأصول (3/ 227) وغيرهما. ولذلك أورده الذهبي رحمه الله أيضًا في سير أعلام النبلاء (2/ 438) ثم قال: هذا لا شئ؛ بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه وجلالته وإتقانه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ويقول: أفت يا أبا هريرة. اهـ. قُلت: ولو كان الصواب ما تبادر لأذهان الكثيرين من أن مُراد التفرقة هو الفقه العام بالأحكام والفُتيا؛ لصار خطأ الحنفية جليًّا وكان الأمر كما قال الذهبي رحمه الله وغيره، وليس بذاك، فإنما مُراد الحنفية بالفقه هو ذلك الفقه الخاص بالحديث (فقه الحديث) كمعرفة النسخ بين النصوص عمومًا ونحو ذلك وهذا ما يظهر جليًّا من عموم قواعدهم، فعلى سبيل المثال تجد أنهم يردون الحديث لمُجرد مُخالفة الراوي ما رواه وحجتهم أنه -من المؤكد- قد اطّلع على ناسخ خالف به ما روى، ومما يدل على ذلك ما يذكرونه من إنكار ابن عباس رضي الله عنه على أبي هريرة رضي الله عنه من روايته لحديث: الوضوء مما مست النار. ومُخالفة ابن عباس رضي الله عنه له، وإلى غير ذلك من أمثلة يطول ذكرها.

والله أعلم.

عمرو بن الحسن المصري
14-01-11 ||, 12:56 AM
السلام عليكم


الفقيه يضمن بنقله صحة المعنى والمنتهى ..
أحسنتَ أحسنَ اللهُ إليكَ.

عمرو بن الحسن المصري
14-01-11 ||, 12:59 AM
السلام عليكم

بالنسبة لمسألة "الرواية بالمعنى" فيُمكنكم الآن الإطلاع على تفصيلها من الرابط أدناه:
تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ - فِي ’’الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى‘‘ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

والله ولي التوفيق،،

صلاح الدين
14-01-11 ||, 05:20 PM
الترجيح بفقه الراوي في حالة التعارض بين خبرين مذهب معتبر ليس عند الحنفية فحسب بل عامة الأئمة من المحدثين على الترجيح بذلك.أما عزو اشتراط فقه الراوي إلى الحنفية ليقدم الخبر على القياس فليس مذهبهم ولا عامتهم عليه بل هو لعيسى بن أبان وبعض المتأخرين قال ابن ملك L اعلم أن اشتراط فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس مذهب عيسى بن أبان، واختاره القاضي أبو زيد، وخرج عليه حديث المصرّاة، وتابعه أكثر المتأخرين، وأما عند الكرخي ومن تابعه من أصحابنا فليس فقه الراوي شرطًا للتقديم، بل خبر كل عدل مقم على القياس إذا لم يكن مخالفًا للكتاب، والسنة المشهورة؛ لأن تغيير الراوي بعد ما ثبت عدالته موهوم، والظاهر أنه يروي كما سمع، ولو غير لغير على وجه لا يتغير المعنى، وإليه مال أكثر العلماء، فلا يعتبر؛ ولهذا قَبِل عمر t حديث حمل ابن مالك، مع أنه لم يكن فقيهًا في الجنين، وقضى به، وإن كان مخالفًا للقياس؛ لأن الجنين إن كان حيًّا وجبت الدية، وإن كان ميتًا لا يجب فيه شيء.
وأجابوا عن حديث المصراة بأنه إنما لم يعملوا به لمخالفته الكتاب؛ وهو قوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ويمنع أن أبا هريرة t لم يكن فقيهًا؛ لأنه كان يفتي في زمان الصحابة، وما كان نفتي في ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد).وقال البخاري: (واعلم أن ما ذكرنا من اشتراط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس مذهب عيسى بن أبان واختاره القاضي الإمام أبو زيد وخرج عليه حديث المصراة وخبر العرايا وتابعه أكثر المتأخرين.
فأما عند الشيخ أبي الحسن الكرخي ومن تابعه من أصحابنا فليس فقه الراوي بشرط لتقديم خبره على القياس بل يقبل خبر كل عدل ضابط إذا لم يكن مخالفا للكتاب والسنة المشهورة ويقدم على القياس قال أبو اليسر وإليه مال أكثر العلماء؛ لأن التغيير من الراوي بعد ثبوت عدالته وضبطه موهوم. والظاهر أنه يروي كما سمع ولو غير لغير على وجه لا يتغير المعنى هذا هو الظاهر من أحوال الصحابة والرواة العدول؛ لأن الأخبار وردت بلسانهم فعلمهم باللسان يمنع من غفلتهم عن المعنى وعدم وقوفهم عليه وعدالتهم وتقواهم تدفع تهمة التزايد عليه والنقصان عنه قال: ولأن القياس الصحيح هو الذي يوجب وهنا في روايته، والوقوف على القياس الصحيح متعذر فيجب القبول كي لا يتوقف العمل بالأخبار)

عمرو بن الحسن المصري
14-01-12 ||, 07:32 PM
السلام عليكم

أصبتَ أخي الفاضل صلاح الدين، وقد سبق تفصيل ما أشرتم إليه.. والله الموفق.

عمرو بن الحسن المصري
14-01-28 ||, 07:47 AM
السلام عليكم

للفائدة:
فَصْلٌ: فِي أُصُولِ التَّعَارُضِ بَيْنَ الأَدِلَّةِ والتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا _ من كتاب ((قواعد في علوم الحديث))# (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

وضاح أحمد الحمادي
14-03-28 ||, 08:02 PM
وقد يتراءى في هذا المقام أنَّه لا أثرَ للفقه في المروي أصلاً، إِنما المؤثرُ في ضعفهِ وقوَّته تفاوتُ درجات الراوي في شروط الصحة نقصانًا وكمالا، وإِنما الفقهُ أمرٌ يتفاضَلُ به الفقيه في نفسهِ على غير الفقيه، فينبغي ألا يقع ترجيحُ مروي الفقيه على مروي غير الفقيه.
والجوابُ عنه: أنَّ التفاوت في الفقه يقع التفاوت في المروي أيضًا، لا أنه لا يقع به فيه أمرٌ أصلا، وذلك لأن الرواية بالمعنى قد شاعَتْ بينهم وقلَّ من لم يُجَوِّزها منهم، فإذا كان الراوي فقيهًا يجتهدُ في فهْم معاني اللفظ المرويّ، ويتأَمَّلُ في المعنى الظاهر والخفي، بخلاف غيرِ الفقيه، فإنه يأخذ ظواهرَ المعاني ولا يصِلُ إِلى بواطن المباني، فمن هذه الجهة يترجَّحُ الأوَّل على الثاني، ولا يكون عند التعارض ترجيحٌ للثاني
لطالما تردد لي خاطر في هذا المعنى ، فإن المراد بالثقة العدل في دينه الضابط لروايته ، وقد سمع الحديث بلغته ، فلو لم يفهمه ما جازت له الرواية بالمعنى ، ويمتنع مع عدالته الإقدام على تغيير لفظ لم يدرك معناه إلى لفظ لا يعلم هل يفي بالمعنى المقصود أم لا.
وهذا بخلاف الفقيه الذي قد يستجيز ذلك بناءً على اجتهاده ، والذي قد يخالفه فيه غيره ، فإن الإجتهاد الفقهي داعٍ إلى الإقدام ، وبخاصة أن اللفظ قد يكون عسراً بعيداً عن ذهن المخاطب مع تأخر زمانه فيستجيز الفقيه روايته بألفاظ أقرب إلى فهمه ، ويقتصر غيره على رواية اللفظ كما هو.
ثم ينبغي أن يكون الترجيح حيث لم يكن خبر غير الفقيه يقينياً أو قريب منه ، فلو أنه رُوِيَ متواتراً أو مستفيضاً من طريق أبي هريرة وأنس وجابر مثلاً ، فلا ينظر إلى فقه وعدم فقه الراوي ، لأنهم إنما فرضوا المسألة في الحديث الآحادي ، وهو قسيم المتواتر والمستفيض .
وفي معنى المتواتر والمستفيض الحديث الآحادي الذي تلقته الأمة بالقبول عند من يقطع بصحته حينئذٍ ، إذ هو في معنى المتواتر والمستفيد كما فصلتموه جيداً هنا (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) و هنا (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد).
كما ينبغي أن لا ينظر إلى فقه الراوي حيث كانت الراوية حكاية فعل أو وصف أو تقرير إذ لا مدخل للرواية بالمعنى هنا.
كما ينبغي أن لا ينظر إلى فقه الراوي حيث كانت الرواية بالمعنى مما لا يحتاج إلى أكثر من المعرفة باللسان دون حاجة إلى الفقه ، كما لو أبدل الرغيف بالخبز ، فلا يحتاج معه الراوي إلا أن يعرف تفاصيل أحكام المساقاة والإجارة الصلح وغير ذلك.
وما تقدم إنما هو حيث تعارض خبر غير الفقيه مع القياس إذا صححنا اشتراط الفقه حينئذٍ .
على أنه لا بد من النظر أيضاً في القياس ، فما كل قياس يعارض به خبر الواحد ، وإنما ذلك حيث كان القياس في قوة الخبر عند من يفرض التعارض ، كأن يكون منصوصاً على علته أو في حكم المنصوص وغير ذلك.
وهذا بالنظر إلى كلام الأحناف أنفسهم كما تراه في (بذل النظر) ص 468 وما بعدها للأسمندي رحمه الله .

وإطلاق رد حديث الآحاد إذا خالف القياس مما حمل جماعات على إساءة الظن بالأحناف ، وإذا رؤوا التفصيل وأن هذه المسألة واردة في حيز ضيق جداً كما ترى ، لما شطوا في النقد

والله أعلم

عمرو بن الحسن المصري
14-03-30 ||, 08:35 PM
بارك الله فيكم شيخنا وضاح على هذه الإضافة المفيدة.