المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تَجْمِيعٌ لِمَسَائِلِ ’’النَّسْخِ، وَالجَمْعِ، وَالتَّرْجِيحِ‘‘ _ من كتاب ((الأجوبة الفاضلة))#



عمرو بن الحسن المصري
14-01-26 ||, 04:56 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الَحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلاةً وسلامًا على المبعوثِ رحمةً للعالمينَ، سيّدنا محمدٍ وعلى آله وصحيه أجمعينَ، وبعدُ:

فقد جاء في ((الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة)) للإمام عبدالحي اللكنوي، وعليه [التعليقات الحافلة على الأجوبة الفاضلة] للشيخ عبدالفتاح أبو غدّة:
((ص(182)/
السؤال الخامس
في النسخ والجمع والترجيح
إذا ترجَّح قولُ أحدِ المتعارِضَينِ في التصحيح والتضعيف بالنظر إِلى قوَّة المأخذِ أو بوجهٍ آخر، وتعيَّن كونُ الحديثِ صحيحًا، فإنْ وُجِدَ حديثٌ آخرُ صحيحٌ مثلُه يُعارضُه، فهل يُطلَبُ التاريخ أوَّلاً ليكون المتأخِّرُ ناسخًا والمتقدِّمُ منسوخًا مع إِمكان الجمع كما عليه الحنفية؟ أم يُطلَبُ الجمعُ أوَّلاً كما عليه المحدِّثون والشافعية؟ فإنْ كان المختارُ هو الشقَّ الأوَّل فما الجوابُ عن أحاديث متعارضةٍ ثبتَ فيها تقديمٌ وتأخيرُ ولم يحكموا عليها بالنسخ؟ وإِن كان المختارُ هو الشقَّ الثاني فما الجوابُ عن أحاديثَ حكموا عليها بالنسخ بمجرَّد قول الصحابي: "آخِرُ الأمرينِ"؟ مع أنه يمكن الجمعُ بينهما بوجوهٍ أيسرُها حَمْلُ أحدهما على العزيمة والآخَرِ على الرُّخْصَة، على أنَّ إِمكان الجمع ليس له حدٌّ ينتهي بانتهائه، ولم يتعينْ لتحقيقه قَدْرُ فهمٍ ينتفي بانتفائه، فكان الجواب إِذًا على مَنْ أشكل عليه المتعارِضان أن يرجُوَا الفتحَ من الله بوجوهِ الجمع، وأن يَعتقد إِمكانَهُ بل وجودَهُ عند غيره من حُمذَالِ الآثار ونُقَّادِ الأسرار.
الجـواب
اختارَ جمعٌ من الحنفية تقديمَ النَّسخ على الجمع، كما في ((التلويح)) [للسعد التفتازاني (2/ 103) وهو حاشيته على ((التوضيح)) لصدر الشريعة في (باب المعارضة والترجيح)]: "إِنْ عُلِمَ المتأخِّرُ منهما فناسخٌ، وإِلا فإن أمكنَ الجمعُ بينهما باعتبار مَخْلَصٍ من الحكم أو المحلِّ أو الزمانِ فذاك، وإِلا يُترَك العملُ بالدليلين". انتهى.
وفي ((مُسَلَّم الثبوت)) [(2/ 189)]: "حُكمُهُ النسخُ إِنْ عُلِمَ المتقدِّمُ والمتأخيِّرُ، وإِلا فالترجيحُ إِن أمكَنَ، وإِلا فالجمعُ بقَدْرِ الإِمكان، وإِن لم يُمكن تسَاقَطًا". اهـ.
لكنْ فيه خدْشةُ من حيث إِنَّ إِخراجَ نصٍّ شرعي عن العمل به مع إِمكان العمل به غيرُ لائق، فالأوْلى أن يُطلَبُ الجمعُ بين المعارِضَينِ بأبي وجهٍ كان بشرطِ تعمُّقِ النظرِ وغَوْصِ الفِكَر، فإن لم يمكن ذلك بوجهٍ من الوجوه، أو وُجِدَ هناك صريحًا ما يدلُّ على ارتفاعِ الحكمِ الأولِ مطلقًا: صِيرَ إِلى النَّسخ إِذا عُرِفَ ما يَدلُّ عليه. وهذا هو الذي صرَّحَ به أهلُ أصول الحديث.
قال ابنُ الصلاح [في ((مقدمته)) (ص 244))]: "اعلم أنَّ ما يُذكَرُ في هذا الباب ينقسم إلى قسمين:
أحدهما/ أن يمكنَ الجمعُ بين الحديثين ولا يتعذَّرَ إِبداءُ وجهٍ ينتفي به تنافيهما، فيتعيَّنُ حينئذ المصيرُ إِلى ذلك والقولُ بهما معًا، وقد رَوَيْنا(*) عن محمد بن إِسحاق بن خُزيمة: لا أعرِفُ أنهُ رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثانِ بإسنادين صحيحين مُتضادَّين، فمَنْ كان عندَهُ فليأتني بهِ لأؤلِّف بينهما.
والثاني/ أن يتضادَّا بحيث لا يُمكنُ الجمعُ بينهما، وذلك على ضربين/
أحدهما: أن يظهر كونُ أحدِهما ناسخًا والآخَرِ منسوخًا فيُعملَ بالناسخ ويُترَكَ المنسوخِ.
والثاني: أن لا تقومَ دلالة على الناسخِ أيِّهما، والمنسوخِ أيهما، فيُفْزَعُ حينئذ إِلى الترجيح". انتهى.
[(*) "في لفظة (رَوَيْنا)": يجوز ضبط هذا الفعل بتفح الراء والوار، مبنيًّا للمعلوم، ويجوز ضبطه بضم الراء وكسر الواور المشدَّدة مبنيًّا للمجهول. وكنتُ سمعت من تقرير شيخنا العلامة المحدِّث المؤرخ الأديب الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى حينما قرأنا عليه ((مقدمة ابن الصلاح)) في المدرسة الخسروية ببلدتنا حلب: أنه يقال: روِّينا عن فلان _بالبناء للمجهول مشدَّدًا_ إِذا لم يكن المرويُّ عنه شيخًا للراوي حقيقة، فإن كان شيخه مشافهةً أو إجازةً قيل: رَوَيْنا عن فلان. وأفاد كلامه رحمه الله تعالى _فيما أذكر_ التزامَ هذه التفرقه.
ثم سألتُ _أثناء إِتمام دراستي في مصر_ شيوخي الأعلام: الكوثري، وأحمد شاكر رحمهما الله تعالى، وعبدالله بن الصديق الغماري فرَّج الله عنه: عن رأيهم في هذه التفرقةِ والتزامِها؟ فقالوا: لا حاجة إليها، ولا يَرونها لازمة. ومعنى ثولك: (رَوَيْنا عن جابر) أو (رَوَيْنا عن البخاري) وأنت لم تدركهما: رَوَيْنا بسندنا إلى جابر عنه، ورَوَيْنا بسندنا إلى البخاري عنه.
ولدى مُراجعتي كتب اللغة : ((الصحاح)) للجوهري، و((المُغرِب) للمطرزي، و((المصباح المنير)) للفيومي، و((لسان العرب)) لابن منظور، و((تاج العروس)) للزبيدي في مادة (رَوَى) وجدتُ ما قاله شيخنا العلامة الطباخ سائغًا مقبولاً، ولكن التزامه غير لازم. وقد رأيته: (رُوِّينا) ضَبْطًا شائعًا في كثير من الكتب الخطية التي وقفتُ عليها.
ثم رأيتُ العلامة ابن حجر الهيتمي المكي قد صرَّح في أوائل كتابه: ((الفتح المبين بشرح الأربعين)) (ص 26): "أنَّ الأكثر على ضبطه (رَوَيْنا)، وقال جمعٌ: الأجودُ: رُوِّينا، أي رَوَتْ لنا مشايخنا، أي نقلوا إلينا فسمعناه". ونحوه في شرح العلامة علي القاري على ((الأربعين النووية)) أيضًا (ص 11-12). إلا أنه زاد على ذلك قولَه: "واختار بعضُ المحقِّقين أنه بصيغة المجهول مخفَّفًا على طريق الحذف والايصال نقلاً، أي رُوِيَ إلينا، ونُقِل لدينا سماعًا أو قراءة...". ثم قال: "أو بصيغة المعروف لكونِ قولهِ أنَّ مع صلتها مفعولاً".
والذي أراه بعد هذا كله متابعةُ قولِ الأكثر، لرجاحته ويُسره، وإن كان الضبط الثاني مقبولاً جائزًا، ولهذا صَدَّرتُ كلاً من الضبطين بقولي: يجوز. والله تعالى أعلم.
وبعد كتابتي هذه وفَّقني الله لحج بيته هذا العام 1383 ، فزرت مكتبة الشيخ عارف حكمت بالمدينة المنورة، ورأيتُ في حاشية نسخة ((نكت الزركشي)) على ((مقدمة ابن الصلاح)) تعليقةً هذا نصُّها: "قال ابن حجر في ((الافصاح)): الذي يليقُ التفرقةُ، فإن كان قد حَدَّث بماله به سماع أو إجازة ولو مرة: ساغ له أن يقول: رَوَيْنا، بالتخفيف، وإن لم يُحدَّث به أصلاً فالأولى أن يقوله بالتشديد". فالحمد لله ربي على حُسن توفيقه].
ومثله في ((نخبةِ الفكر)) [(ص 57-61) بحاشية ((لقط الدرر)) للعدوي في بحث (المقبول)]، و((مختصرِ ابن جماعة))، و((التقريبِ)) [(ص 387-388) بشرح ((التدريب))] وغيرِها.
وفي كتاب ((الاعتبار)) للحازمي [(ص 69)]: "ادِّعاء النَّسْخ مع إِمكان الجمع بين الحديثين على خلاف الأصل، إِذ لا عبرة بمجرَّد التراخي". اهـ. كلامُه في باب (الرجل يُؤَذِّنُ ويُقيمُ غيرُه).
وقال في باب (النهي عن الرُّقَى) [ص 255]: "لا حاجة بنا إِلى النَّسْخ، بإمكان الجمع بين الإِخبارين". اهـ.
وقالَ في باب (قتل النسائ والولدان من أهل الشرك) [ص 226]: "مهما أمكن الجمعُ بين الأحاديث تعذَّر النَّسْخ". انتهى.
وقال في مقدمة الكتاب [ص 7-9]: "إِنْ كان منفصلاً نظرتَ هل يُمكنُ الجمعُ بينهما أم لا؟
فإن أمكن الجمْعُ جُمِعَ، إِذ لا عبرة بالانفصال الزَّماني مع قطع النظر عن التنافي، ومهما أَمكنَ حَمْلُ كلام الشارع على وجهٍ يكون أعمَّ للفائدة كان أولى، صونًا كلامه صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأُمي- عن سِمَات النقص، ولأنَّ في ادّعاءِ النَّسخ إِخراجَ الحديث عن المعنى المفيد، وهو على خلاف الأصل.
وإن لم يُمكن الجمعُ بينهما، وهما حُكمانِ منفصلانِ نَظَرْتَ هل يمكنُ التمييزُ بين السابق والتالي، فإنْ أمكن وجبَ المصيرُ إلى الآخِرِ منهما، وإِنْ لم يُمكِن التمييزُ بينهما بأنْ أُبهِمَ التاريخُ وليس في اللفظِ ما يدلُّ عليه تعذَّرَ الجمعُ بينهما فحينئذ يَتعيَّنُ المصير إلى الترجيح". انتهى ملخصًا.
وقال الطحاوي في ((معاني الآثار)) في (باب شُرب الماء قائمًا) [2/ 358]: "أَولى الأشياء إِذا رُوي حديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتَمَلا الاتفاقَ واحتَمَلا التضادَّ: أن نحملهما على الاتفاق لا على التضادّ". انتهى.
وفي ((المنهاج شرح مسلم بن الحجاج)) (13/ 195) للنووي في بحث شُرْب الماء قائمًا: "كيف يُصار إِلى النَّسْخ مع إِمكان الجمْع بين الأحاديث؟". انتهى.
وفي ((حاشية المِشكاة)) للطِّيبي في بحث مَسّ الذكر: "ادِّعاء النَّسْخ فيه مبنيٌّ على الاحتمال، وهو خارجٌ عن الاحتياط". انتهى.
وفي ((دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب)) في الدراسة الثالثة (ص 113): "ومِنْ أشنعِ هذا الاستشكالِ [اسمُ الإشارة يعود إلى كلامٍ سابقٍ نقَلهُ صاحبُ ((دراسات اللبيب)) في (ص 111) عن القسطلاني في كتابه: ((المواهب اللدنية)) في الفصل الثامن مِن المقصد الخامس (2/ 79-80) ، ونصُّهُ: "ومِن الأدب معه صلى الله عليه وسلم: أن لا يُستَشكلَ قولُه صلى الله عليه وسلم بل تُستَشكلُ الآراءُ بقوله...". ويقعُ هذا النصُّ في ((شرح المواهب اللدنية)) للزرقاني في الجزء (6/ 289)] وأشدِّ ما يكون فيه المستشكِلُ اجتراءً على الشريعة: القولُ بنَسْخ أحدِ الحديثين بالتعارض.
أما كونهُ مِن بابِ الاستشكال بالرأي فلأنَّ التعارضَ المفضي إِلى النَّسْخ فَهْمُ رَجُلٍ من الرجالِ لم يَعْرِفْ وجهَ الجمع بين الحديثين وعَلِمَ تأخُّرَ أحدِهما عن الآخَر، فلم يرجع إِلى نفسِه بالعجز، وإِلى الفيض الإِلهى المتجدّد والفتحِ الرَّهين عند وقته بالرجاء وأنه عَسَاه أن تأتيه وجوهٌ من الجمع في اللمحة التي تمُرُّ عليه بُعَيْدَ الغَلَق، وأنَّ لكل قبضٍ من اسمِ القابض بسطًا عند الباسط، وأنَّ ما يعجِزُ عنه واحدٌ ربما يقْدِرُ عليه آلافٌ من الرجال، وفوقَ كل ذي علمٍ عليم، ولم يَدْرِ أنَّ كلَّ ناسخِ ثابتٍ نسخُهُ عن الشارع المعصوم: متأخِّرٌ عن منسوخه، وليس كلُّ متأخرٍ مُعارضٍ لمتقدِّمِه في الظاهر: ناسخًا له، وأنَّ التعارُضَ في نظر الرجال لا يُخرجُ الدليلن عن العملِ بهما معًا، فيُعملُ بكلٍّ منهما إِما عزيمةً ورُخصةً -وهو جُلُّ ما يُوجَدُ في المتعارِضَيْنِ- أو بأحدهما ترجيحًا للإباحة الأصلية على الحرمة العارضة، والأولُ أحوَطُ دِينًا، والثاني أقوَى دليلاً، وقد قال بعضُ المحقِّقين [تقدم قريبًا في كلام ابن الصلاح(ص 184) أنَّ قائلَ هذا هو محمدُ بن إسحاق بن خُزَيمة]: ليس في الشريعة دليلانِ متعارضان يَتراءَيانِ مُتعارضَينِ إِلا وأنا أقْدِرُ على جَمْعِها.
وأما كونه أشنعَ النوع وأشدّه فلأنه استشكالٌ أفضى إِلى رَفعِ حكمٍ من أحكامِ الشريعة رأسًا بالرأي [قال العلامة عبداللطيف السِّندي في ((ذبّ ذُبَابات الدراسات)) (1/ 309) نقدًا لكلامِ صاحب ((الدراسات)): "لم يقل أحدٌ من العلماء بنسخ أحدِ الحديثينِ بمجرَّد التعارض ما لم تَقُم بيِّنةٌ على ذلك. فنسبةُ هذا القول إلى البعض والردُّ عليه كلاهما سَقطٌ من الكلام". ثم استوفى رحمه الله تعالى نَقْدَ أصلِ كلام صاحب ((الدراسات)) الذي لخَّصَ المؤلِّفُ منه هذا النصَّ استيفاءً تامًا، فيحسُنُ الوقوف عليه ففيه علمٌ جمّ] بعد ثبوتهِ عن الشارع صلى الله عليه وسلم". انتهى ملخصًا.
ثم النَّسْخُ قد ذكّرَ ابنُ الصلاح[في ((المقدمة) (ص 239)] والعراقي [في ((شرحه على ألفيته)) (2/ 291)]وابنُ جماعة وغيرُهم ممن تبِعَهُم لمعرفته أمورًا:
منها/ أن يُعرَفَ ذلك بقولِ النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ هذا ناسخ لذلك [وذلك كالحديثِ الذي رواه بُرَيدةُ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كنتُ نيتُكم عن زيارةِ القبول، فزوروها..." رواه مسلم (7/ 46)] أو بما في معناه.
ومنها/ أن يُعرَفَ ذلك بقولِ الصحابي: هذا آخِرُ الأمرين [وذلك كالحديثِ الذي رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه: (كان آخِرُ الأمرينِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرْكَ الوضوءِ مما مَسَّت النارُ). رواه أبو داود (1/ 49) والنسائي (1/ 108)، واللفظ له].
ومنها/ أن يُعرَفَ ذلك بعلمِ التاريخ [وذلك كالحديثِ الذي رواه شدَّادُ بنُ أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفطَرَ الحاجمُ والمحجوم). رواه أبو داود (2/ 308) وابن ماجه (1/ 265). وحديثِ ابن عباس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم: (احتَجَمَ وهو صائم). رواه مسلم (8/ 123). فإنَّ الثاني ناسخٌ للأول، فقد جاء في بعض طُرُقِ حديثِ شدَّاد انه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم زمانَ الفتح، فرأى رجلاً يحتجِمُ في شهر رمضان فقال: (أفطَرَ الحاجمُ والمحجوم). وجاء في حدي ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم: (احتجَمَ وهو مُحرِمٌ صائم). فبانَ بذلك أنَّ الحديثَ الأول كانَ زمنَ الفتح في سنةِ ثمان، وأنَّ الحديثَ الثاني كان في حجة الودَاع في سنة عشر].
ومنها/ أن يُعرَف ذلك بالإِجماع، وهو لا يَنْسَخُ لكنه لَصْلُحُ معرِّفًا [وذلك كحديثِ قَتْل شارب الخمرة في الرابعة، فإنه منسوخٌ عُرِفَ نسخُهُ بنعقاد الإجماع على تركِ العملِ به. (انظر: ((شرح الألفية)) للعراقي (2/ 292-295). ثم انظر ما تقدمت الإشارة إليه تعليقًا في (ص 70-71) من بحث الشيخ أحمد شاكر في نفي نسخ هذا الحديث].
وذكَرَ الحازميُّ [في ((الاعتبار (ص 8)] منها/ أن يكون لفظُ الصحابي ناطقًا بالنَّسخ نحوُ أُمِرْنا بالقيام للجنازة ثم نُهِينا عنه.
وذكَرَ ابنُ الأثير في ((جامع الأصول)) (1/ 84- 85) أنه لا يُنْسَخُ الحكمُ بقولِ الصحابي: نُسِخَ حكمُ كذا، ما لم يقل: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهُ ربما قاله عن اجتهاده، وكذا ذكَره ابنُ الحاجب في ((مختصره)) (2/ 196).
وردَّه العراقيُّ[في ((شرحه على ألفيته)) (2/ 291-292)] ، واختار كَونَه معرِّفًا للنَّسْخ، بناءً على أنَّ الصحابيَّ لا يقولُ ذلك إِلا بعدَ معرفةِ التاريخ، لأنه ليس للاجتهاد فيه مَسَاغ.
والحقُّ الحقيقُ بالقبول الذي يرْتضيه نُقَّادُ الفحولِ في هذا الباب: أن يُقال: عِلْمُ التاريخ لا يُوجِبُ كونَ المؤخَّرِ ناسخًا والآخَرِ منسوخًا ما لم يتعذَّر الجمعُ بينهما، وليس للجمْع حدٌّ ينتهي به، فإن لم يَظهر لواحدٍ طريقُ الجمْع لا يَلزَمْ منه التعُّرُ لإمكان ظهوره لآخَر.
وكذا قولُ الصحابي: آخِرُ الأمرينِ إِنما يُعرِّفُ التاريخ، وهو أمرٌ آخرُ، ولا يلزَمُ منه النَّسْخ، ومَنْ جعَلهما مُعَرِّفًا للنَّسْخ لم يُرِد به أنهما كلَّما وُجِدا وُجِدَ النسخُ، بل أرادَ أنهما من أَمَاراته، فقد يُوجَدُ معهما النَّسْخُ وقد لا يُوجَد.
ومِنْ هُنا نَرى آراءَ العلماءِ في المسائلِ الفرعية المبنيةِ على الأخبار النبوية مختلِفةً، فكم من مَبْحَثٍ جَعلَ فيه طائفةٌ من العلماء النصَّ المتأخرَ ناسخًا؟ مُسْتنِدًا بالتاريخ أو بشهادةِ الصحابيّ بأنه آخِرٌ من حيث التاريخ، بناءً على أنه لم يظهر له وجْهُ الجمع، وظَهر للطائفةِ الأخرى فيه الجمْعُ، فتركوا القولَ بالنَّسْخ كما لا يخفى على مَنْ وسَّع النظر ودقَّق الفِكرَ.
والنَّسْخُ حقيقةً لا يتحقَّقُ إِلا بنصٍّ مِن الشارع بأنَّ هذا ناسخٌ لهذا، أو بما يَدُلُّ عليه دلالةً واضحة، أو بما قامَ مقامَ نصِّ الشارع إشقامةً ظاهرة، وفيما سوى ذلك لا يُتَجاسَرُ على القول بنسْخِ النصوص الشرعية، بل يُطلَبُ طُرُق الجمْع بينهما بالإشارات الشرعية.
قال عبدالوهاب الشَّعْراني في ((كشف الغُمَّة عن جميع الأمَّة)) (1/ 6): "ولم أَمِل فيه إِلى تأويلِ حديث، ولا إِلى النَّسخِ بالتاريخ كما يفعلُه بعضُهم، أدبًا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن يتَقيَّدَ كلامُه فيما فَهِمه عالمٌ دون آخر، وأن ينْسخَ غيرُه كلامَه، إِذ لا ناسخَ لكلامه إِلا هو كقولهِ: (كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُورُوها). وكقولِه: (كنتُ نهيتُكم عن لحومِ الأضاحي فادَّخروا، وكنتُ نهيتكم عن الانتباذ في الحَنْتَم والنَّقِير فانتبذوا)[تُوهم سياقه الحديث هنا أنَّ هذه الجمل الثلاثة ليست حديثًا واحدًا، والواقع أنها حديث واحد، رواه مسلم في ((صحيحه)) عن بُريدة رضي الله عنه (4/ 46) بنحو هذا اللفظ. وقد سبَقَ قريبًا ذكر الجملة الأولى في (ص 190)]. ونحوِ ذلك.
وكيف يذهبُ أحدٌ إِلى نسخ كلامه صلى الله عليه وسلم من غيرِ وَحْيٍ إِلهيّ؟! ولا سيما إِن كان ذلك الحديثُ أخذَ به إِمامٌ من أئمة الدين وتبِعهُ عليه المقلِّدون؟! فإن ذلك سوء أَدَب معهُ صلى الله عليه وسلم ومع ذلكَ الإِمامِ الذي أَخذَ به. وقولُ بعضِهم: (آخِرُ الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعولُ به وهو الناسخُ المُحْكم): أكثريٌّ لا كُليٌّ، لأنه لو كان كليًّا لحَكمنا بنسْخ أحدِ الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو مسْحِهِ رأسَهُ كبَّه في الوضوء أو بعضَهُ، أو مِن الوضوء من لمْسِ المرأة أو الذكَر، أو عدم الوضوء من ذلك، لأنه لا بدَّ أن يكون قد انتهى آخِرُ أمرِهِ إِلى واحدٍ دون الآخر، وإِذا نسخنا الأول حكمنا ببطلان صلاةِ صاحبه، وقِسْ على ذلك". انتهى.
وقال في ((الميزان)) [أي الشعراني في ((الميزان)) (1/ 15)]: "أما قولُ سيِّدنا ومولانا عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: إِنَّ آخِرَ الأمرين مِن فِعْلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الناسخُ المُحْكم، فهو أكثريٌّ لا كُليّ. وكان الإمامُ محمد ابن المُنْذِر يقول: إِذا ثبَتَ عن الشارع فِعلُ أمرينِ في وقتينِ فهما على التخيير ما لم يثبُت النَّسْخ". انتهى ملخصًا.
وفي ((الإِتقان في علوم القرآن)) (2/ 24) للسيوطي: "قال ابنُ الحصَّار: إِنما يُرجَعُ في النَّسْخ إِلى نقلٍ صريحٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن صحابيٍّ يقول: آيةُ كذا نَسَختْ كذا، ولا يُعتمَدُ في النسْخ قولُ عَوامِّ المُفسِّرين، بل ولا اجتهادُ المجتهدين من غيرِ نقلٍ صحيحٍ ولا معارضةٍ بيِّنة". انتهى.
ومن شاء زيادة التحقيق في هذا الباب، فليرجع إِلى ((ميزان عبدالوهاب)) [يعني ((الميزان)) لعبدالوهاب الشعراني رحمه الله تعالى] فإنه نِعم العون على انكشافِ أسرارِ الصواب، وفيه تنصيصاتٌ في مواضعَ عديدةٍ مؤيَّدةٌ لما ذكرنا ومفيدة لأولي الألباب.
ص(196)/
السؤال السادس
في تقدم الجمع على الترجيح وبالعكس
الجمعُ مُقدَّمٌ على الترجيح كما عليه المحدِّثون والشافعية؟ أو الترجيحُ مقدَّمٌ على الجمع كما عليه الحنفية؟
الجـواب

لكلٍ وجهةٌ هو مُوَلِّيها، وكلُّ مسْلكٍ مُبرهَنٌ بالبراهين المذكورة في موضعها، والذي يَظْهرُ اختيارُه هو تقديمُ الجمْع على الترجيح، لأنَّ في تقديم الترجيح يلزم ترْكُ العمل بأحدِ الدليلين من غيرِ ضرورة داعيةٍ إِليه، وفي تقديم الجمْع يمكنُ العملُ بكلٍّ منهما على ما هو عليه، فإن تعذَّر صِير إِلى الترجيح والنَّسْخ، وعند تعذرهما يلزمُ الفسخُ.
قال محمد بن عبدالرسول بن عبدالسيد البَرْزَنجي المدني في ((الإشاعة في أشراط الساعة)) (ص 161) في بحث المهْدي عليه السلام: "الجمعُ أولى من إِسقاطِ بعض الروايات، ولا شكَّ أنه مُقَدَّم على الترجيح مهما أمكن". انتهى.
وفي ((حَلْبَةِ المُجلِّي شرح مُنْية المُصَلِّي))(*) لابن أمير حاج في بحث الدعاء بعد الفراغ من بعد الصلاة: "الجمعُ مُتعيِّنٌ عند الإِمكان إِذا دار الأمرُ بينه وبين إِهدارِ العمل بأحدِهما بالكليَّة". انتهى.
[(*) "في اسم الكتاب": أقول: (الحَلْبَة) بالباء الموحدة وفتح الحاء: مجالُ الخيلِ للسِّباق. و(المُجلِّي): الفرسُ السابق الأولُ منها... فإن اسم الكتاب كما هو مسطور في النذُسَخ المخطوطة الموثوقة: (حَلْبَة المُجَلِّي وبغية المهتدي، في شرح مُنْسيَة المصلي وغُنيَة المبتدي). وقد رجعتُ إلى النسختين المحفوظتين منه في ((دار مكتبات الأوقاف الإسلامية)) ببلدتنا حلب: نسخةِ الأحمدية، ورقما 506، ونسخةِ العثمانية، ورقمها 355، فرأيتُ فيها التصريحَ بالاسم -كما ذكرتُه- مشكولاً مضبوطًا واضحًا جليًا في وجه النسختين وفي خاتمة النسخة العثمانية أيضًا.
ونسخة العثمانية هذه مكتوبةٌ في حياة المؤلف ابن أمير حاج، ومِن أصلهِ المبيَّض بخطه، ومقابلةٌ بنسخته ومقروءة عليه أيضًا، وعليها خطُّه في مواضع كثيرة جدًّا، وفي هذه النسخة أيضًا بعضُ تعليقات عن المؤلف أضافها تلميذه أثناء قراءتها عليه، كما في الورقة ذات الرقم 118 .
وقد تكرَّر إثباتُ مقابلِتها بنسخة المؤلِّف وقراءتِها عليه بتكرا هذه العبارةِ ونحوِها: (الحمد لله: إِلى هنا بلغَت المقابلةُ قراءةً على شيخنا الشارح أبقاه الله). مكتوبةً تلك العبارةِ بخط قارئها عليه: الإمام العالم البارع الشيخ بدر الدين محمود العيني الحلبي في الأوراق التالية: 5، 10، 14، 17، 22، 30، 34، 40، 46، 49، 69، 86، 92، 95، 103، 114، 120، 125، 147، 279 . وجاءت العبارة في الورقة ذات الرقم 49 بالنص التالي: (الحمد لله: ثُمَّ إلى هنا بلغَت المقابلةُ قراءةً وبحثًا وتصحيحًا على شيخنا الشارعِ أبقاه الله تعالى ونفع بعلومه). وجاءت في الورقة ذات الرقم 147 تحوي تاريخَ القراءة والمقابلة بالنصِّ التالي: (قلبتُ من هنا قراءةً على مؤلِّفِه شيخنا المؤلِّف أبقا الله تعالى في ثاني عشر من شعبان من شهور سنة سبعين وثمانمائة).
وجاء فيها خطُّ المؤلِّف ابن أمير حاج في غيرِ موضع، وهذه المواطنُهُ ونصوصُ جُمَله التي كتبَها بيده:
1- في الورقة 53: (الحمد لله رب العالمين، بلَغَ صاحبُه الإمام العالم البارع الشيخ بدر الدين محمود العيني الحلبي، نفع الله تعالى به وبفوائده، وأجراه على حميد عوائده من أول الكتاب إلى هنا، قراءةَ تصحيحٍ وتحرير، وتحقيقٍ وتقرير، وإفادةٍ واستفادة على مؤلِّفه عفا الله عنه).
2- وفي الورقة 58: (الحمد لله، ثم بَلغ نفع الله تعالى به إلى هنا على النهج الموصوف، والأسلوب المعروف، على مؤلفه عفا الله عنه).
3- وفي الورقة 68: (الحمد لله، ثم بلغ نفع الله تعالى به كذلك إلى هنا، على مؤلفه عفا الله تعالى عنه).
4- وفي الورقة 77: (الحمد لله، ثم بلغ نفع الله تعالى به كذلك إلى هنا، على مؤلفه عفا الله عنه).
5- وفي الورقة 88: (الحمد لله، ثم بلغ الأخ الشيخ بدر الدين نفع الله تعالى به المسلمين إلى هنا، على الوجه السالف الموصوف، والنهج الحسن المعروف على مؤلفه عفا الله عنه).
6- وفي الورقة 96: (الحمد لله، ثم بلغ نفع الله تعالى به إلى هنا، كذلك على مؤلفه، عفا الله عنه).
7- وفي الورقة 107: (الحمد لله، ثم بلغ نفع الله تعالى به، ونفعه كذلك إلى هنا، على مؤلفه عفا الله عنه).
8- وفي الورقة 118: (الحمد لله رب العالمين، ثم وصل دامَتْ معاليه، وطابتْ أيامه ولياليه إلى هنا، على نهجه المعروف، وسبيله المألوف، على مؤلفه غفر الله تعالى له).
9- وفي الورقة 152: (الحمد لله، ثم بلغ نفع الله تعالى به كذلك، على مؤلفه محمد بن أمير حاج الحلبي، لطف الله تعالى به).
10- وفي الورقة 168: (الحمد لله، ثم بلغ نفع الله تعالى به كذلك، على مؤلفه محمد بن أمير حاج الحلبي، لطف الله تعالى به).
11- وفي الورقة 175: (الحمد لله، ثم بلَغَ الأخُ الشيخ بدر الدين نفع الله تعالى به إلى هنا، قراءة تحرير على مؤلفه، عفا الله تعالى عنه).
وجاء في خاتمة هذا المجلد في الورقة 371 إعادةُ تسمية الكتاب أيضًا باسم (حَلْبَة المُجَلِّي) كما تقدمت الإشارة إليه أولَ هذه التعليقة، كما جاء فيها ما نصُّه: (وقع الفراغ من تكميل تحرير هذا السفر المبارك المنيف، بعد القدوم من السفر إلى القدس الشريف، والمودةِ إلى الديار المأنوسة، بمدينة حلب المحروسة، بعون الله حسن توفيقه، وتيسير نقله كله وتنميقه، من الأصل المبيض بخط مؤلفه الكريم، شيخنا العلامة أبي اليُمن ذي الفصل الجسيم، أبقاه الله تعالى لنشر ما آتاه من الفضل العميم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، في ثالث شهر الله تعالى الواصِب رجب الفرد الحرام، من شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، ويتلوه في السفر الثاني إن شاء الله: وأما الشرط الرابع فهو استقبال القبلة).
وجاء في آخر هذه الورقة: (كاتبه الفقر إلى ربه...محمود بن إسماعيل العيني الحلبي، غفر الله له ولجميع المسلمين).
فهذه النسخةُ المنقولةُ عن مُبيَّضة المؤلف، والمقابلةُ بها، والمقروءةُ عليه والمتحليَّةُ بخَطّه وتوقيعه بقراءتها عليه -في غير موضعٍ- من ذلك الإمام العالم البارع الشيخ بدر الدين محمود بن إسماعيل العيني الحلبي الحنفي: لا تَدعُ أيَّ مجالٍ للتردُّدِ في أن اسم الكتاب الذي سماه به مؤلِّفُه: (حَلْبَة المُجَلِّي) بفتح الحاء من (حَلْبَة) وسكون اللام، يليها باء موحدة، و(المُجَلِّي) بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشدَّدة.
وقد جاءت بهذا الضبط مشكولةً في طبعةِ ((كشف الظنون)) المنقولةِ عن خط المؤلِّفه (2/ 1887). وجاءت كذلك في أوائل حاشية العلامة الشيخ ابن عابدين: (رَدِّ المحتار على الدُّرُ المختار)) عند قول الشارح (1/ 9): (بعد الاذن منه صلى الله عليه وسلم)، قال ابن عابدين: "وجَزَم العلامة ابنُ أمير حاج في شرحه على ((التحرير))... واستدلَّ عليه في شرحه المسمى: حَلْبَة المُجَلِّي في شرح مُنْيَة المُصلي". انتهى.
ولكنه _للأسف_ قد وقع في الحاشية المذكورة اسمُ الكتاب بعد هذا الموطنِ محرّفًا تحريفًا مستمرًا إلى (الحلية) ! هكذا بالياء المثناة من تحت. وقد تمكنَ هذا التحريفُ من طبَعَات ((الحاشية)) كلِّها، مِن طبعة بولاق فما بعدها ! وهو تحريف عجيب يستسيغه القاريءُ غيرُ العالم باسم الكتاب كلَّ الاستساغة !
وكنتُ قدَّرتُ أن هذا التحريف وقع في حاشية الشيخ ابن عابدين من تصرفات المصحح الذي أشرف على تصحيح الطبعة البولاقية الأولى، فوَجَد الاسمَ في مخطوطة الشيخ ابن عابدين: (الحلبة) هكذا كان مقطوعًا عن المضاف إليه فظنَّه تحريفًا نَشأ من تعجُّل الشيخ ابن عابدين في كتابته وخطِّه، فأثبته باستمرار (الحلية) بالياء !
هكذا كنتُ قدَّرتُ وظننتُ، وخشاةَ أن يكون ظني هذا من بعض الظنّ: رجعتُ إلى مخطوطة الحاشية التي كتبها الشيخ ابن عابدين رحمه الله تعالى بيده، وجرَى طبعُ الحاشية في مصر بمطبعة بولاق عليها مباشرة، وهي مجزَّأة بخطه إلى أربعة أجزاء كبيرة، ينتهي الجزء الأولُ منها في آخر كتاب الحجّ الواقعِ في المطبوعة البولاقية الأولى (2/ 258). وسَقط من آخر ختامه في المطبوعة لفظُ (في جما) يعني في جمادي الأولى. ويوجدُ هذا الجزء الأولُ من نسخة المؤلِّف ابن عابدين عند سماحة المفتي العام السابق للجمهورية السورية الشيخ أبو اليسر عابدين حفظه الله تعالى في مدينة دمشق، رجعتُ إليه فرأيتُ العبارة التي جاءت في الحاشية المطبوعة (1/ 9) بلفظ (حَلْبَة المُجَلِّي) رأيتُها جاءت في الورقة السابعة من المخطوطة المذكورة هكذا: (حلبة المجلي). وجاءت لفظةُ (حلية) بالياء ذات النقطتين واضحةً جليَّة، فرجعتُ إلى آخر الجزء من المطبوعة المذكورة فرأيتُ فيه: (قُوبِلَ بخط المؤلِّف ما عدا الملازم الستّ الأوَل منه). والمَلازم الستُّ الأوَل تبلغُ 24 صفحة من الكتاب المطبوع، إذ كلُّ أربع صفحات فيه (مَلزَمة). وهذا القدرُ الذي لم يُقابَلْ ينتهي عند لفظ الشارح: (مقدِّمة). فعلى هذا إثباتُ ما جاء في المطبوعة (1/ 9) بلفظ (حَلْبَة المُجَلِّي) إنما هو من صنيع المصحح قبل أن تكون مخطوطة الشيخ ابن عابدين بيده، ولمَّا وصلت المخطوطةُ إلى يده أثبتَها حينئذ (حلية) بالياء متابعةً منه لخط الشيخ ابن عابدين نفسه !
وأنا أجزمُ أنَّ هذا التحريف سَرَى على الشيخ ابن عابدين رحمه الله تعالى من المخطوطة التي كانت بيده ولا ريب ! وفي جوزتي نسخة مخطوطة من الكتاب المذكور وقع التحريفُ في تسميتها أيضًا، فجاء على وجهها وفي مقدمتها: (حلية المجلي). وهو تحريف يقع مثلُه كثيرًا في المخطوطات، وصوابُهُ: (حَلْبَة المُجَلِّي) بالباء الموحدة مع فتح الحاء، كما سبق إثباته ونقلهُ من النسخة المنقولةِ عن مبيضة المؤلف، والمقابلةِ بها، والمقروءة عليه، وعليها خطُّه في غير موضع، وكتبها قارئها عليه الإمامُ العيني محمودُ بن إسماعيل رحمهما الله تعالى.
ومِن هذا كله: وجب الجزمُ بأن ما وقع في ((حاشية ابن عابدين)) أو غيرها من تسمية الكتاب (حلية المجلي) بالإضافة، أو: (حلية) من غير إضافة إنما هو تحريفٌ من النساخ يجبُ تصحيحُه وإثباتُه -حيث جاء- بلفظ (حَلْبَة المُجَلِّي)، أو (حَلْبَة) بالباء الموحَّدة، والله وليُّ التوفيق.]



...ص202/
السؤال السّابع
في أن تخريجَ الشيخين وكثرةَ الطرق وفِقه الراوي هل هي من وجوه الترجيح؟
تخريجُ الشيخين: البخاريّ ومُسْلم، وكثرةُ طُرُق الحديثِ مِن دون الوصول إلى حد الشُّهرة والتواتر، وفِقْهُ الراوي، هل هي من ووجُوهِ الترجيح؟ أم لا؟
الجـواب
لكلٍ منها دَخْلٌ في الترجيح، على الرأي النجيح.
فأما تخريج الشيخين: فلِمَا صرَّحوا به أن أعلى أقسام الصحيح ما اتَّفَقَ عليه الشيخان، ثم ما انفرَد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما هو صحيحٌ على شرطهما ولم يُخْرجهُ واحدٌ منهما، ثم ما هو على شرْط البخاري وحده، ثم ما هو صحيحٌ على شرْط مُسْلم، ثم ما هم صحيحٌ عند غيرهما. [وأوَّلُ من رأى هذا التقسيم هو الشيخُ ابن الصلاح في ((مقدمته)) ص(28). وقد لقي قولُهُ هذا قيولاً وردًا من العلماء كما ستأتش الإشارة إليه تعليقًا بعد قليل .]
فهذا الترتيبُ قد أطبقتْ عليه كلماتُ المحدِّثين بل يكادُ أن يكونُ مجمعًا عليه بين المتبرحين، ولم يخالِف فيه إِلا ابن الهُمام
[في كتابهِ ((فتح القدير)) على ((الهداية)) في باب النوافل: (1/ 317) ، وكتابهِ ((التحرير)) في أصول الفقه في (فصلٌ في التعارض): (3/ 30) حيث قال في ((فتح القدير)) بعد أن حكَى ما قاله ابنُ الصلاح: "هذا تحكُّمُ لا يجوز التقليدُ فيهِ، إِذ الأصَحيّةُ ليستْ إلا لاشتمالِ رُواتِهما على الشروط التي اعتبراها، فإن فُرِضَ وجودُ تلك الشروط في رُواةِ حديثٍ في غير ((الكتابينِ))، أفلا يكونُ الحكمُ بأصحيَّة ما في ((الكتابين)) عينَ التحكم؟ ...".
وأيَّده تلميذُه الشيخ ابنُ أمير حاج رحمه الله تعالى في ((التقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير)): (3/ 30) ثم قال: "ثم مما ينبغي التنبيهُ له أنَّ أصحيَّتهما على ما سواهما تنزُّلاً إِنما تكونُ بالنظرِ إلى مَنْ بعدُهما، لا المجتهدين المتقدمين عليهما، فإن هذا مع ظهوره قد يخْفق على بعضِهم أو يُغالِطُ به. والله سبحانه أعلم". انتهى بتصرفٍ يسير.
قال شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى فيما علَّقه على ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي (ص 59) بعد أن نَقَلَ عبارةَ ابنِ أمير حاج هذه: "يُريدُ أنَّ الشيخين وأصحابَ ((السنن)) جماعةٌ متعاصِرون من الحُفاظِ أتوا بعد تدوين الفقه الإسلامي، واعتنوا بقسمٍ من الحديث، وكان الأئمةُ المجتهدون قبلَهم أوفرَ مادةً وأكثرَ حديثًا، بين أيديهم المرفوعُ والموقوفُ والمرسلُ وفتاوى الصحابة والتابعين.
ونظرُ المجتهد ليس بقاصرٍ على قسمٍ من الحديث، ودونك ((الجوامع)) و((المصنَّفات)) ، في كل باب منها تُذكرُ هذه الأنواعُ التي لا يَستغني عنها المجتهد. وأصحابُ ((الجوامع)) و((المصنَّفات)) قبل (السِتّةِ) من الحُفاظ: أصحابُ هؤلاء المجتهدين وأصحابُ أصحابِهم. والنظرُ في أسانيدها كان أمرًا هيّنًا عندهما لعلوْ طبقتهم، لا سيما واستدلالُ المجتهد بحديث تصحيحٌه له. والاحتياجُ إلى (ألسِتّة) والاحتجاجُ بها إِنما هو بالنظر إِلى من تأخَّر عنهم فقط. والله أعلم".]
وابنُ أمير حاج العلام،
[في كتابه: ((التقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير)): (3/ 30). ثم دعوى حَصْرِ المخالفةِ في ابنش الهُمام وابنِ أمير الحاج... لا بُرهانَ عليها، فقد جاء ما يدفعُ هذا الترتيبَ عن جمهرةٍ كبيرة من أئمة المحقّقين الذين تقدموا ابنَ الصلاح أو تأخَّروا عنه. وقد أوسعَ البيانَ في ذلك أيما إِيساعٍ الأخُ العلامة المحققُ الناقدُ الشيخ محمد عبدالرشيد النعماني الهندي حفظه الله تعالى في تعليقاتِهِ على كتاب ((دراسات اللبيب)) المسماة: ((التعقيبات على صاحب الدراسات)): (ص 374 حتى 390) ، وفي تعليقاته على ((ذبّ ذُبَابات الدراسات)): (2/ 240-242) فانظرهما لزامًا ففيهما المَقْنَع لكلِّ عالمٍ مُنصف.]
ومن تبِعَهما في هذا المَرام [أي وافقَهما على ما يَدفع هذا الترتيب، كالحافظِ ابن كثير، والعلامة القسطلاني شارح البخاري، والعلامة عليّ القاري، والعلامة أكرم السنِّندي في شَرْحَيْهما على ((شرح نخبة الفكر))، والعلامة عبدالحق الدهلوي المحدث، وغيرِهم من الأجلَّة. انظر: ((التعقيبات على صاحب الدراسات)) (ص 374-390) ، و((ذبّ ذُبَابات الدراسات)) للعلامة عبداللطيف السندي (2/ 242).] . وقد تعقبَ عليه صاحبُ ((دراسات اللبيب)) [في الدراسة الحادية عشرة ( ص 328-374) ، وأطال في ذلك جدًّا حتى استوعَبَ 46 صفحة وقد تعقَّبهُ صديقنا العلامة الشيخ محمد عبدالرشيد الهندي -كما سبق الإشارةُ إليه- بحواشٍ طويلة علَّقهما هناك كانت كما قال الزمخشري: "الزيتُ مُخُّ الزيتون، والحواشِي مَخمخَةُ المتون". فجزاه الله خيرًا عن العلم وأهلهِ] بتعقباتٍ جيدة وإِيرادات قوية فليُرْجَع إِليه.
فإذا وُجِدَ حديثٌ في ((الصحيحين)) غيرُ مُنتقد، وحديثٌ معارِضٌ له مثلُهُ في السحة بتصريحِ مُعتمَد: يُرجَّحُ الأوَّلُ من حيث الأصحيَّة على الثاني لوجود اتفاق الأمَّة على الأوَّل دون الثاني، وإِن لم يكن مثلَه في الصحةِ فتقديمُ ما في ((الصحيحين)) عليه ظاهر.
ولذا قال العضد في ((شرح مختصر ابن رجب)) -(2/ 311)-: "السابعُ -أي من وجوه الترجيح- أن يكون مُسْنَدًا إِلى كتابٍ مشهورٍ عُرِفَ بالصحة كـ((البخاري)) و((مسلم)) على ما لم يُعْرَف بالسحة كـ((سُنن أبي داود)) ". انتهى.
نعم قد يرجَّح المُخْرَّجُ في غير ((الصحيحين)) على المُخْرَّج في أحد ((الصحيحين)) بوجوهٍ أُخَر تُوجبُ الترجيح كما قال السيوطي في ((التدريب)) -(ص 65)-: "قد يَعْرِضُ للمَفُوقِ ما يجعله فائقًا كأن يتفقا على إِخراجِ حديثٍ غريب، ويُخْرجَ مسلمٌ أو غيرُه حديثًا مشهورًا أو مما وُصِفاْ ترجمتُه بكونها أصحّ الأسانيد. قال الزركشي: ومِن ههنا يُعْلَم أن ترجيح كتاب ((البخاري)) على ((مسلم)) المرادُ به ترجيحُ الجملة على الجملة لا كلّ فردٍ من أحاديثه على كلِّ فردٍ من أحاديثِ الآخَر". انتهى.
وفي ((شرح نخبة الفكر)) -(ص 47) بحاشية ((لقط الدرر))-لابن حجر: "أما لو رُجِّح قسمٌ على ما هو فوقه بأمورٍ أخرى تقتضي الترجيحَ: فإنَّه يُقدَّمُ على ما فوقه، إِذ قد يَعْرِض للمفوقِ ما يجعله فائقًا، كما لو كان الحديثُ عند مسلم مثلًا، وهو مشهورٌ قاصرٌ عن درجة التواتر، لكنه حفَّتْهُ قرينةٌ صارَ بها مفيدًا للعلم، فإنه يُقدَّمُ على الحديثُ الذي لم يُخْرجه البخاري إِذا كان فردًا مطلقاً، وكما لو كان الحديثُ الذي لم يُخْرجاه مِن ترجمةٍ وُصِفَتْ بكونها أصحّ الأسانيد، كمالك عن نافعٍ عن ابن عمر فإنه يُقدَّم على ما انفرَدَ به أحدُهما مثلاً، ولا سيما إِذا كان في إِسنادهِ مَنْ فيه مقال". انتهى.
وأما كثرةُ طُرُقِ الحديثِ: فاختَلَفوا فيها على قولين:
الأوَّلُ: أنها ليست من أَماراتِ الترجيح، وإِليه ذَهب عامَّةُ الحنفية وبعضُ أصحاب الشافعي، كذا قال البُخاري[هو العلاّمة عبدالعزيز بن أحمد بن محمد البُخاري مؤلِّفُ ((كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، وغيرِه، المتوفى سنة 730 .] في ((التحقيق شرح المنتخَب الحُسامي)) ووَجَّههُ بأنَّ كثرةَ العَدَد لا تكون دليلَ القوة ما لم يَخرُج عن حيِّز الآحاد إِلى حيز التواتر أو الشهرة، وأوضحهُ بأنه لا يَترجَّحُ في الشهادةِ إِحدى الشهادتين بكثرة العَدد.
والثاني: أنها مِن أَمارات الترجيح، وهو قولُ أكثرِ الشافعية، وبه قال أبو عبدالله الجُرْجاني من أصحابنا وأبو الحسَن الكَرْخي في رواية؛ لأن الترجيح إِنما يحصُلُ بقوةٍ لأحدِ الخبرين لا تُوجَدُ في الآخر، ومعلومٌ أنَّ كثرةَ الرواةِ نوعُ قوة في أحدِ الخَبرين؛ لأن قولَ الجماعة أقوى وأبعدُ من السهو، وأقربُ إِلى إِفادة العلم مِن قول الواحد، فإنَّ خبر كلّ واحدٍ يُفيد ظنًّا، والظنونُ المجتمعةُ كلما كانتْ أكثرَ كان الصدقٌ أغلبَ حتى ينتهي إِلى القطع. كذا ذكر البُخاري[عبدالعزيز] في ((التحقيق)) أيضاً -وقال مثلَه أيضًا في ((كشف الأسرار)): (3/ 102)-.
وفي ((مُسلَّم الثبوت)) مع شرْحِه للمولوي وليِّ الله اللكنوي: "لا ترجيحَ بكثرةِ الرواة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لأكثر العلماء كالأئمة الثلاثة وغيرِهم ومنهم محمد، فيترجَّحُ بكثرة الأدلَّةِ والرواةِ عندهم وإِن لم تبلغ الشهرةَ، فما في ((كشف المنار))من نسبة الخلاف إِلى بعض أهلِ النظر: ليس على ما ينبغي". انتهى.
والذي يقتضيه رأيُ المُنْصِف، ويرتضيه غيرُ المتعسِّف، هو اختيارُ ما عليه الأكثر، وأنه بالنسبة إِلى الأوَّل أظهر، وقد مال إِليه صاحبُ ((مُسلَّم الثبوت)) ، حيث ضعَّفَ دلائلَ المذهبِ الأوَّل، وأشار في دليلِ المذهب الثاني إِلى الثبوت، واختارَهُ أيضًا الزيلعيُّ حيث قال في ((نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية)) في بحث (جهر البسملة) -(1/ 359)-: "مع أنَّ جماعةً من الحنفية لا يرون الترجيحَ بكثرة الرواة، وهو قولٌ ضعيفٌ لبُعد احتمال الغلط على العَددِ الأكثر، ولهذا ج‘ِلَت الشهادةُ على الزنا أربعةً؛ لأنه أكبر الحدود". انتهى.
وفي كتاب ((الاعتبار)) -(ص 9)-للحازمي: "مما يُرجَّح به أحدُ الحديثين على الآخر كَثرةُ العَدَد في أحدِ الجانبين، وهي مؤثرةٌ في باب الرواية؛ لأنها تُقَرِّبُ مما يُوجِبُ العِلمَ وهو التواتر، وقال بعضُ الكوفيين: كثرةُ الرواةِ لا تأثير لها في باب الترجيحات؛ لأن طريقَ كل واحدٍ منهما غلبةُ الظن فصار كشهادة الشاهدينِ مع شهادةِ الأربعة.
يُقالُ على هذا: إِلحاقُ الرواية بالشهادةِ غيرُ ممكن؛ لأنَّ الرواية وإِن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقَتْها في أكثر الوجوه، ألا ترى أنه لو شهد خمسون امرأةً لرجلٍ بمالٍ لا تُقْبلُ شهادَتُهُنَّ، ولو شَهِدَ به رجلانِ قُبِلَت شهادتُهما؟ ومعلومٌ أنَّ شهادة الخمسين أقوى في النفس من شهادة رجلين؛ لأنَّ غلبة الظن إِنما هي معتبرة في باب الرواية دون الشهادة.
وكذا سَوَّى الشارعُ بين شهادةِ إِمامين عالمينِ وشهادةِ رجلين لم يكونا في منزلتهما. وأما في بابِ الروايةُ ترجذَح رواية الأعلم على غيرِه من غيرِ خلافٍ يُعرَفُ في ذلك، فلاحَ الفَرْقُ بينهما". انتهى.
ومما ينبغي أن ُعلَم أَنَّ الاعتمادَ على كثرةِ الرواةِ وتعدُّدِ الطُّرٌقِ، والترجيح بها: إِنما يكون بعدَ صِحّةِ الدليلينِ، وإِلا فكم من حديثٍ كثُرَتْ رُواتُهُ وتعدَّدتْ طُرُقُهُ وهو ضعيف. وإِنما يُرجَّح بكثرةِ الرواةِ إِذا كانوا مُحْتجًّا بهم من الطَّرَفينِ، كذا ذكَرَ الزيلعيُّ في ((تخريج أحاديث الهداية)) -(1/ 360)- والعينيُّ في ((البناية شرح الهداية)) -(1/ 627)- وغيرُهما.
وأما فقه الراوي: ...


ص(210) -وما بعدها-/
وأما فقه الراوي: فقال الحازمي -في كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار": ص(16)-: "الوجْهُ الثالثُ والعشرون -أي من وجوه الترجيح- أن يكون رُواةُ أحدِ الحديثين -مع تساويهم في الحفظِ اولاتقان- فقهاءَ عارفين باجتِناءِ الأحكام من مُثمِراتِ الألفاظ، فالاسترواحُ إلى حديثِ الفقهاءِ أَولى. وحكَى عليُّ بن خَشْرَم قال: قال لنا وكيع: أيُّ الإِسنادين أحبُّ إليكم؟ الأعمشُ عن أبي وائلٍ عن عبدالله؟ أو سُفيانُ عن منصورٍ عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله؟ فقلنا: الأعمشُ عن أبي وائل عن عبدالله، فقال: يا سبحان الله! الأعمشُ: شيخ، وأبو وائل: شيخ. وسفيانُ: فقيه، ومنصورٌ: فقيه، وإبراهيم: فقيه، وعلقمةُ: فقيه. وحديثٌ تداولُهُ الفقهاءُ خيرٌ من أن تتداوله الشيوخ -رواه الحاكم في نعرفة علوم الحديث ص(11)، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: (1/ 62): بعد ذكره: "فهذا من طريق الفقهاء رُباعي إلى ابن مسعود، وثُنائي من طريق المشايخ، ومع ذلك قُدِّم الرُّباعي لأجل فقه رجاله.- ". انتهى.
وفي "التدريب" -للسيوطي ص(389)-: "ثالثها -أي من وجوه الترجيح- فِقْهُ الراوي سواء كان الحديثُ مرويًّا بالمعنى أو اللفظ، لأن الفقيه إذا سَمِعَ ما يمتنع حَمْلُه على ظاهره بحَثَ عنه حتى يطَّلِعَ على ما يزولُ به الإِشكالُ بخلاف العامي". انتهى.
وفي "مُسلَّم الثبوت" -(2/ 206): "وفي السَّنَد: بفقهِ الراوي وقوَّةِ ضبطهِ ووَرَعِه". اهـ.
قال اللكنوي في "شرحه": اعلم أنَّ حصولَ الترجيح بالفقاهة إِنما هو لأنَّ الفقه يميزُ بين ما يجوزُ روايتُه وما لا يجوز، فإذا سمعَ كلامًا لا يجوزُ إِجراؤه على الظاهر لا يجْترِئ على روايته في أوَّل النظر بل يفحصُ عن معناه ويَسْأَلُ عن سببِ ورُودِه، فيطَّلعُ على ما يُزيلُ إِشكالَهُ ثم ينقُلُه، بخلاف غيرِ الفقيه فإنه لا يَقْدِرُ على ذلك فينقل القَدْرَ المسموع، وهذا بعينه يقتضي ترجيح الأَفقهِ على من هو أدنى منه في الفقاهة، فيرجَّحُ رواية من هو أكثرُ فِقهًا على رواية من ليس بتلك المرتبة". انتهى.
وقال أيضًا: "اعلم أنَّ الترجيح بالفقاهة يقع مطلقًا لما عرفتَ، فما قيل إن هذا الترجيحَ يُعتبرُ في خبرينِ مَرْوِيَّيْنِ بالمعنى لا في المَرْويَّيْنِ في اللفظ تحكُّمٌ". انتهى.
وفي "أصول البزدوي" -(2/ 379)-: "قَصُرَتْ رِوايةُ من لم يُعرَف بالفقه عند مُعارضةِ من عُرِفَ بالفقهِ في باب الترجيح، وهذا مذهبُنا في الترجيح". انتهى.
وفي "حاشيته": "قياس مذهب أهل الحديث عدمُ الترجيح بفقه الراوي لأنَّ نقْل الحديث بالمعنى لا يصحُّ عندهم أصلا فيستوي في النقل الفقيهُ وغيرُ الفقيه. وقال قوم هذا الترجيحُ إنما يُعتبرُ في خبرين مَرْوِيينِ بالمعنى؛ أَما باللفظ فلا، والحقُّ أنه يقع به الترجيح مطلقًا". اهـ.
وفي "تنوير المنار" لبحر العلوم اللكنوي: "الحديثُ الذي رُواتُه أفقَهُ مُقدمٌ في العمل على الحديث الذي ليست رُواتُه كذلك" انتهى، مُلخَّصًا مُعربًا.
وفي "فتح القدير" -(1/ 219)، بعد ذكر مناظرة أبي حنيفة مع الأوزاعي-: "فرجَّح بفقه الرواة كما رجَّح الأوزاعيُّ بعلوِّ الإِسناد، وهو -أي الترجيح بفقه الراوي- المذهبُ المنصورُ عندنا". اهـ. ومثلُه في "حلْبة المُجَلِّي شرح مُنْيَة المُصلِّي" -ص(197- 201)- لابن أمير حاج الحلبي.
والمناظرةُ التي جرت بين أبي حنيفة والأوزاعي المشهورةُ بين الفقهاء هي:
اجتمَعَ هو والأوزاعيُّ في دارِ الحَنَّاطين بمكة، فقال الأوزاعيُّ لأبي حنيفة: ما بالُكم لا ترفعو أيديَكم في الصلاةِ عند الركوعِ وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأجلِ أنه لم يصحَّ عن رسول الله فيه شيء، فقال: كيف لم يصحَّ وقد حدثني الزهريُّ عن سالمٍ عن أبيه عن رسول الله أنه كان يرفعُ يديه إِذا افتتح الصلاةَ، وعند الركوعِ، وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حمادٌ عن إِبراهيم عن علقمةَ والأسودِ عن عبدالله بن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفعُ يديه إِلا عند افتتاح الصلاة ولا يعودُ لشيءٍ من ذلك، فقال الأوزاعي: أُحدِّثك عن الزهريّ عن سالم عن أبيه وتقولُ: حدَّثَنا حمَّادٌ عن إِبراهيم؟! فقال أبو حنيفة: كان حمادٌ أفقهَ من الزهريّ، وكان إِبراهيمُ أفقهَ من سالمٍ، وعلقمةُ ليس بدون ابنِ عُمر في الفقه، وإن كانت لابن عُمَر صُحْبَةٌ وله فضلُ صُحْبة. فالأسود له فضلٌ كبير، وعبدُالله: عبدالله، فسكتَ الأوزاعيّ. -فتح القدير: (1/ 219) والجواهر المنفية: (1/ 61)-.
قلتُ: قد اشتهر بين العوامّ أنَّ هذه المناظرة مما لا سَنَدَ لها لا صحيحًا ولا ضعيفًا حتى إِنَّ صاحب "الدراسات" قال -في "دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب" ص(205) منها-: "إِن هذه الحكاية عن سفيان بن عُيَيْنَة معلَّقة، ولم أرَ من أسندها، ومَنْ عنده السند فليأتِ به". انتهى.
وليس كذلك، فقد أسنَدَها أبو محمد بن عبدُالله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثيُّ البخاريُّ المعروفُ بالأستاذ، تلميذُ أبي حفصٍ الصغير، ابنِ أبي حفصٍ الكبير، تلميذ الإِمام محمد بن الحسن في "مُسْنَده" بقوله: حدَّثنا محمد بن إِبراهيم بن زياد الرازي، حدثنا سليمان بن الشَّاذكُوني، قال سمعتُ سفيانَ بن عيينة يقول: اجتمَعَ أبو حنيفة والأوزاعيُّ في دارِ الحنَّاطين بمكة... إِلى آخرِ ما مرَّ ذكرُهُ. كذا نقَلَهُ السيد مرتضى الحُسيني في كتابه "عُقود الجواهر المُنيفة في أَدلَّةِ الإِمام أبي حنيفة" -(1/ 60- 61)، وقال المرتضى بعدها: "والشاذكُونيُّ: واهٍ مع حفظه، إِلا أنَّ القصة مشهورة"-.
[وقد أسندها عن الحارثي الإمامُ الموفقُ المكيُّ في "مناقب الإمام الأعظم": (1/ 130). والحارثيُّ إمامٌ حافظ مشهورٌ من كبار فقهاء الحنفية. ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" في ترجمة القاسم بن أصبغ ص(854). فقال: "وفي سنة أربعين وثلاثمائة: مات عالمُ ما وراء النهر ومحدّثُه الإمامُ العلامة أبو محمد عبدالله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثي البخاري، الملقب بالأستاذ، جامع "مسند أبي حنيفة الإمام"، وله اثنتان وثمانون سنة. أفاده المحقق محمد عبدالرشيد النعماني في تعليقه على "دراسات اللبيب": (ص 205) .]
وفي "شرح النخبة" لعلي القاري -ص(104)-: "المذهبُ المنصورُ عند علمائُنا الحنفية: الأفقهيةُ دون الأكثرية". انتهى.
فهذه عبارتُ العلماء قد دلَّتْ على اعتبار الترجيح بالفقه، وأن فيه ثلاثَ مذاهب: عدمُ اعتباره مطلقًا، واعتبارُهُ مطلقًا، واعتبارهُ فيما إِذا كان مَرْويًّا بالمعنى دون ما إِذا كان مَرْويًّا باللفظ، وأنَّ مختارَ الحنفيةِ وبعضِ المحدّثين هو المذهبُ الأخير.
وقد أَتى صاحبُ "دراسات اللبيب" ههنا بكلام ينفي اعتبار الترجيح بالفقه عند الحنفية حيث قال -في ص(206) منها، عند ذكر وجوه الإِغراب في المعارضة المشهورة بين أبي حنيفة والأوزاعي في بحث رفع اليدين ما نصُّه-: "الثالثُ: فِقْهُ الرواةِ لا أثرَ له في صحة الحديث. إِذ قِلَّةُ الفقهِ لا تُوجِبُ الوَهْنَ في شرائط التحملِ وما يُلازمُه الوُثوقُ بالرواية، وإذا انتفى ذلك بقيَ العلوُّ لسَنَد ابنُ عمَر مع ما له مِن الصحة، والحنفيةُ لا يعتقدون أيضًا أنَّ قلةَ فِقهِ الراوي مما يتطرَّقُ به الوهْنُ إِلى مرْويه، بل يرَوْن أَنَّ روايةَ قليل الفقه من الصحابة إِذا خالفها القياسُ مِن كلِّ وجهٍ يُقدَّمُ القياسُ عليها مِن غير أن يتطرَّقَ عندهم وهن بعدَم فِقْهِ الراوي في صحَّة مَرْويّه، أو يحصُلَ زيادةُ وُثوقٍ بفقهِ الراوي لصحَّةِ مَرْويه مِن مَرْوِيّ مَنْ دونَه في الفقه.
وما ذهبوا إِليهِ مِن تقديم القياسِ على روايةِ مثلِ أبي هريرة، وأنسٍ، وجابرٍ، وهم عندهم ممن يقلُّ فِقهُهم من الصحابة، قد وقَعَ عليهم بذلك الطعْنُ الشديدُ، لا سيما في حُكمهم على أبي هريرة بقلَّة الفقه". اهـ.
ثم قال -ص(212)- بعد كلامٍ طويلٍ: "وإِذ قد تبيَّنَ أنهُ لا أثرَ لفِقْهِ الراوي في صحة الحديث وقُوَّته على حديثِ غير الفقيه، وأنَّ أصحاب أبي حنيفة إِنما يرَوْن الأثرَ لكثرةِ الفِقه وقِلتِه من جهةٍ أخرى غير ترجيح المرْوِيّ وهي تقديمُ القياس، فنسبةُ القولِ بترجيح رواية الفقيه على غير الفقيه إِلى أبي حنيفة في هذه الحكاية من أمَارات الاختلاق عليها". انتهى.
وهذا الكلامُ فيه نظرُ لا يخفى، فإنه -وإن أصاب في أنه لا أثر للفقه في صحَّة المرويّ، إِنما مَدارُها على العدالة وغيرها من الشروط المذكورة في موضعها، وفي أنَّ قلَّة الفقه لا توجبُ الوَهْنَ في شرائط التحمُّل، وفي أنَّه قد وقعَ الطعنُ على الذين قالوا بعَدَم قبولِ رواية غير الفقيه المخالفة للناس وهم جمعٌ من الحنفية لا كلُّهم كما هو مبسوط في "الكشف" [للعلامة عبدالعزيز البخاري: (2/ 383)] و"التحقيق" و"التلويح" [للسعد التفتازاني (2/ 5)] و"التحرير" [للكمال ابن الهُمَام (2/ 250)] وغيرها- لكنه لم يُصبْ في أنه لا أثرَ لفِقهِ الراوي في قوَّة الحديث على حديثِ غيرِ الفقيه عند الحنفية، وأنهم إِنما يَروْن الترجيح بالفقه من جهة أخرى لا من هذه الجهة. فإنَّ كُتبَ أصول الحنفية متواردةٌ على اعتبار ترجيح مَروي الفقهاء على مروي غيرِ الفقهاء، وليس ابنُ الهُمام متفرِّدًا بنسبته إِلى أبي حنيفة، بل قد صرَّحَ به جمعٌ ممنقَبله ومَنْ بعده، كما لا يخفى على من وسَّعَ نظره وفتَّح بصره.
وقد يتراءى في هذا المقام أنَّه لا أثرَ للفقه في المروي أصلاً، إِنما المؤثرُ في ضعفهِ وقوَّته تفاوتُ درجات الراوي في شروط الصحة نقصانًا وكمالا، وإِنما الفقهُ أمرٌ يتفاضَلُ به الفقيه في نفسهِ على غير الفقيه، فينبغي ألا يقع ترجيحُ مروي الفقيه على مروي غير الفقيه.
والجوابُ عنه: أنَّ التفاوت في الفقه يقع التفاوت في المروي أيضًا، لا أنه لا يقع به فيه أمرٌ أصلا، وذلك لأن الرواية بالمعنى قد شاعَتْ بينهم وقلَّ من لم يُجَوِّزها منهم، فإذا كان الراوي فقيهًا يجتهدُ في فهْم معاني اللفظ المرويّ، ويتأَمَّلُ في المعنى الظاهر والخفي، بخلاف غيرِ الفقيه، فإنه يأخذ ظواهرَ المعاني ولا يصِلُ إِلى بواطن المباني، فمن هذه الجهة يترجَّحُ الأوَّل على الثاني، ولا يكون عند التعارض ترجيحٌ للثاني؛
فإن قلتَ: إِنَّ الصحابة كانوا أكثرَ اعتناءً بحفظ ألفاظ الحديث بعينها وتبليغ الأحاديث بهيئتها، ولذا يُنقَلُ عنهم كثيرًا: الشكُّ بين اللفظينِ والتردُّدُ بين الجملتين، وكانوا أشدَّ نكيرًا على من بدَّلَ لفظَ الخبرِ بلفظٍ آخَرَ وإِن لم يحصُل فسادُ المعنى ولم يتغيَّر، كما لا يخفى على من طالبعَ كتب الفنّ، وتأمَّل روايات "السُّنن"، فمع هذا يُسْتبعَدُ عنهم وإِن كانوا غير فقهاء أن يُبدِّلوا الألفاظَ ولا يتأمَّلوا مواقع الألحاظ.
قلتُ:مع ذلك كان كثيرٌ من الصحابة مكتفين برواية المعنى غيرَ ملتزمين للمبنى ، فيظهر التفاوتُ بالفقهِ عند ذلك وإِن لم يظهر هنالك، مع أن الاعتناء بالألفاظ وإِن كان موجودًا في الصحابة لكنه مفقود فيمن بعدهم من الرواة والأئمة فإنهم جوَّزوا الرواية بالمعنى من دون الاعتناء بالمبنى، وهو مذهبُ أكثر الفقهاء والمحدِّثين خلافًا لطائفة من الفقهاء والمُحدثين، فلا بُدَّ أن يُعتبر الترجيحُ بنَقادتِهم [يريد بنَقْدِهم] في الفقه ومقدارِ تأمُّلِهم وأفهامِهم؛
على أن ههنا وجهًا آخَرَ لاعتبارِ الترجيح بالفقهاة يشمَلُ ملتزمي الألفاظ وغيرَهم من الأئمة والصحابة، وهو أنه قد يكون للحديث مَوْرِدٌ يختصُّ به ولا يتجاوزُ إِلى غيره، وقد يكون له متعلَّقٌ ينكشفُ بضمِّهِ المقصودُ، أو متعلَّقٌ يَنْحَلُّ به المعقودُ، فالفقيهُ إِذا رَواه بعد إِحاطة الأطراف، وغيرُ الفقيه يقتصرُ على رواية الأطراف، فتترجَّحُ عند التعارضِ مِن هذه الحيثية رِوايةُ الفقيهة على غيرِ الفقيه وإِن تَساويَا في الضبط والعدالةِ وسائر شروط الصحة.)) . انتهى.



ص(220)/
السؤال الثامن
هل يُقبلُ الجمعُ بالرأي أم لا؟
هل يُقبَلُ الجمْعُ والتطبيق بمجرَّد الرأي من غيرِ دلالةِ النصّ عليه على وجه من الوجوه؟
الجـواب

لا يُقبَل الجمعُ ما لم يَشْهدْ به نصٌّ شرعيٌّ شهادةً ظاهرةً أو خفيَّةً، أو ضابطٌ شرعيٌّ ثَبَتَ بدليلٍ شرعيّ، وأما بالرأي المحضِ بدونِ دلالةِ الشرعِ فيه من وجهٍ من الوضجوه فغيرُ مقبول عند نُقَّادِ الفحول، ومِن ثَمَّ صرَّحوا بأنه لا يكمُلُ للقيامِ بالجمعِ إِلا الجامعون بين صنَاعتي الحديث والفقه، الغوَّلصون على المعاني الدقيقة كما في ((مقدمة ابن الصلاح)) وغيره.
[((مقدمة ابن الصلاح)) (ص 244) في نوع (معرفة مختلِف الحديث). وعبارةُ النووي في ((التقريب)) (ص 378) أتمُّ مما هنا، ونصُّها: "وإِنما يكمُلُ له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأُصوليون الغوَّاصون على المعاني".
وقال الحافظ العراقي في ((شرح الألفية)) (2/ 302): "صنَّفَ في (مختلف الحديث): أبو محمد بن قُتيبة، فأتى بأشياء حسنة، وقَصُرَ باعُهُ في أشياء قصَّر فيها. وصنَّف في ذلك محمدُ بن جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي كتابَهُ: ((مشكل الآثار))، وهو مِن أجلِّ كتبه". وقال الحافظ السخاوي في ((فتح المغيث)) (ص 363): "وممن صنَّفَ فيه أيضًا: أبو بكر بن فُوْرَك، وأبو محمد القَصْري _الأندلسي_".
قال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في المقدمة الحافلة التي كتبها لكتاب ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ص: ي): "وكتابُ الإمام أبي بكر محمد بن الحسن ابن فُوْرَك في تأويل أحاديث الصفات: معروف، لكن لو اقتصر على الأحاديث الثابتة بدون تعرُّضٍ للواهيات لما أبعد في التأويل". وقال أيضًا في تعليقةٍ له على (ص 411) من الكتاب المذكور: "وأبو بكر بن فورك على جلالة قدره في علم الكلام، كثيرًا ما يطيشُ سهمُهُ في باب التأويل". وقال رحمه الله تعالى في كتابه ((الامتاع بسيرة الإمامين؛ الحسن بن زياد، ومحمد بن شُجاع)) (ص 64): "وتأويلُ بعضِهم لبعض الأخبار الموضوعة مما لا داعي إليه عند من اعترف بوضعها، ولا حاجة في افتراض صحَّتها والاسترسالِ في تأويلها، كما فعل ابنُ فُوْرَك وغيرُه" يعني لأن التفسير فرع الصحة والثبوت. ولا حجة ولا ثبوت لها، فأغنى ذلك عن تفسيرها.])) انتهى النقل.



والله الموفق.

عمرو بن الحسن المصري
14-01-26 ||, 06:12 PM
السلام عليكم

ويُنظر للفائدة:
مسألة النسخ بالزيادة عند الحنفية (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

والله أعلم.

عمرو بن الحسن المصري
14-01-28 ||, 05:09 AM
السلام عليكم

للفائدة:
فَصْلٌ: فِي أُصُولِ التَّعَارُضِ بَيْنَ الأَدِلَّةِ والتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا _ من كتاب ((قواعد في علوم الحديث))# (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)