المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هام أصول الفقه بين التمايز الوظيفي والأسر الاستمدادي



ايهاب محمد جاسم السامرائي
14-09-16 ||, 07:04 PM
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .


أما بعد :
السادة المتابعون
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أرجو أن تكون مشاركاتي تلقى القبول لديكم ، وأسعد بأي تصحيح وتقويم ، وفقنا الله وإياكم لخدمة دينه وشريعته .
أود في هذه الكلمة أن أشير إلى مسألتين خطيرتين :
الأولى : دعوى أن أصول الفقه عبارة عن علوم مجتمعة ، وضع له لقب العلم ، وفي حقيقته عبارة عن علوم مجتمعة كالتفسير والحديث وعلم الكلام واللغة والمنطق . فهل لهذه النظرية من مصداقية ، لذلك سأطبق ذلك على الجانب اللغوي .
الثاني : دعوى انفصال بين الدرسين الأصولي والمقاصدي ، سأشير لهذه المسألة ببعض الاشارات لعلي أعود لها في وقت آخر .
لذلك سأحاول تجنب نقل الأقوال الكثيرة ، فساقتصر على بعضها ، ونترك الكثير لكي لا نثخن المسألة بها .ولذلك لأجل الاختصار نطويها ولا نرويها .
والمسألة الأولى خطرها كما هو معلوم كبير ، فقد أثارها أحد الباحثين المعاصرين ، لذلك سنحاول دفع تهمة عن الدرس الأصولي بأنه ليس عبارة عن علوم متناثرت جمعت فأسست منها علم أطلق عليه "أصول الفقه" فهي نوع من اثبات الاستقلالية الحقيقية لقواعد الدرس الأصولي .
فهل إن الدرس الأصولي هو عبارة عن علوم مجتمعة كونت تلك القواعد ومن بينها الدرس المقاصدي ؟، أم هو علم استمد من العلوم ما يحتاج وضرب لنفسه جملة من القواعد الخاصة به ؟.
مما هو معلوم بأن الدرس الأصولي كان مصادر استمداه على نوعين :




داخلي : وهي تلك العلوم الاسلامية التي كان بينها وبين بعضها تفاعل كبير .


خارجي : وهي تلك العلوم التي جاءت من خارج الدائرة الاسلامية ؛ كالمنطق ، والتي استمد منها الدرس الأصولي جملة من القواعد المفيدة ووظفها في بنيته الداخلية والخارجية.


وبتعبير الفيلسوف الاسلامي طه عبد الرحمن فإنه يضع تصوراً ذا بعدين لعملية التكامل المعرفي في الحقول الاسلامية ، فيطلق على الأول تنقل الآليات الانتاجية ، والثاني : تشبع التراث بالآليات الانتاجية .
فيقول عن الأول: الآليات الانتاجية تختص بكونها تقبل أكثر من غيرها التنقل من حقل فكري إلى آخر ، والتجول بين مختلف حقول المعرفة وأصناف العلوم ، حتى إن الآلية الواحدة قد تشترك في استخدامها علوم متباينة في مقاصدها ووسائلها ، ولا يُخرجها عن وصف الشمولية ما قد يلحقها من تلونات حقلية([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)) .
وبالتالي فإن وحدة المصدر المؤسس للحقل المعرفي الاسلامي وكذا وحدة الغاية ، تؤسس للاندماج في الحقول المعرفية لتقع تلك العلوم على حسب مقصود المصدر المؤسس (المولى سبحانه وتعالى) وتلامس غايته ، فإن وحدة المصدر المعرفي أتاح فرصة للتلاقح الفكري لضمان تحقق الغاية على وفق ما تملية القيادة المصدرية .
أما الثاني : وهو تشبع التراث بآليات الانتاج فيقول عنها : بأن الآليات الانتاجية دقيقة ومتنوعة استحكمت في مضمون النص التراثي استحكاماً يدل على أن واضع هذا النص متمهر في هذه الآليات بحيث لا يمكن فهم هذا النص التراثي حق الفهم ولا تفهيمه حق التفهيم بغير معرفة تامة بأصول وفصول هذه الآليات ([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وهذا يعني بأن نصوص التراث متعاضدة ومرتبطة ارتباط المصطلح بضميمته ، فهو عبارة عن سلك منتظم الأجزاء ، لا يمكن فك الارتباك منهجياً ، ولا يمكن فهم أجزائه إلا بمعرفة متعلقاته ، بمعنى أن هذا الارتباط يمكن التعبير عنه بالميدان العملي ، وذلك باعتبار أن النص التراثي المكون للحقل المعرفي الاسلامي ذا البعد المصدري الالهي هو كالكي والمشترك ، فالكلي يتضح باعتباره مصدراً كليا له تعلقات جزئية في ميدان الحقل المعرفي الاسلامي ، وكالمشترك فهو متحد اللفظ ومتعدد المجالات ، ولا يمكن فهمه كالكل الا بفهم متعلقه الجزئي معاً ، فالكلي مع الجزئي يشكلان مصدر الثراء التوظيفي للنص التراثي .
فعلى سبيل المثال : مصطلح "الواجب" نجده من المصطلحات "الرحالة" الذي يمكن أن يجده القارئ في أغلب العلوم الشرعية ، لكن الجانب الوظيفي يعبر عن التمايز في المفهوم ، فمثلاً في الفقه له مدلول ، وفي النحو له مدلول ، وفي علم التلاوة له مدلول ، فهذا الواجب الصناعي ، وإن كان يدخل في أكثر من حقل معرفي إلا أنه متفاوت في مستوى الالزام ، وتعلق الأجر والعقاب .
ولبيان الجانب التمايزي والاستقلال المنهجي للدرس الأصولي عن مصادر استمداده ننقل نص على طوله لبيان أرباب هذا العلم لم يكونوا ملتزمين دائماً ما ينقلونه من العلوم بل يضيفون إليه ما فهمومه من نصوص الشريعة وقواعدها ، لذلك يقول الامام الزركشي (رحمه الله) : (فإن قيل : هل أصول الفقه إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة؟ نبذة من النحو كالكلام على معاني الحروف التي يحتاج الفقيه إليها، والكلام في الاستثناء، وعود الضمير للبعض، وعطف الخاص على العام ونحوه، ونبذة من علم الكلام كالكلام في الحسن والقبح، وكون الحكم قديما، والكلام على إثبات النسخ، وعلى الأفعال ونحوه، ونبذة من اللغة، كالكلام في موضوع الأمر والنهي وصيغ العموم، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، ونبذة من علم الحديث كالكلام في الأخبار، فالعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في شيء من ذلك، وغير العارف بها لا يغنيه أصول الفقه في الإحاطة بها، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع، والقياس، والتعارض، والاجتهاد، وبعض الكلام في الإجماع من أصول الدين أيضا، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه، ففائدة أصول الفقه بالذات حينئذ قليلة.
فالجواب : منع ذلك، فإن الأصوليين دققوا النظر في فهم أشياء من كلام العرب لم تصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي.
مثاله : دلالة صيغة افعل على الوجوب، و لا تفعل على التحريم، وكون كل وأخواتها للعموم، ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة لو فتشت لم تجد فيها شيئا من ذلك غالبا وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده، وغير ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقراء خاص، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، وسيمر بك منه في هذا الكتاب العجب العجاب)([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
ويؤكد ذلك المعنى قبله الامام السبكي بقوله : (هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة وإن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم وهو مما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة )([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) .
ويذكر الشيخ عبد الكريم الخضير في شرحه للورقات للإمام الجويني تأييداً لمن سبق ، بتميز البحث الأصولي عن نظيره اللغوي ، وتأكيداً على التطور البحثي للمادة اللغوية لتتوافق مع متطلقات البحث الأصولي فيقول : (لذلك هناك مباحث بحثها أهل اللغة بشكل مبسط فاشتغل بها الأصوليون, وقعدوا لها من جديد وبحثوها مباحث أوسع من أهل اللغة حتى أصبح علماء اللغة عالة عليهم يرجعون إلى علماء الأصول في هذه المباحث ... مثل علم الدلالة من الألفاظ يعني من حيث العموم والخصوص والأمر والنهي والإطلاق والتقييد والحقيقة والمجاز . وهذه النحويون يبحثونها لكن لم يستوفوا البحث فيه فاشتغل فيها علماء الأصول حتى أصبح أهل اللغة في هذه المباحث عيالاً على أهل الأصول يستفيدون منهم ويرجعون إليهم)([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وقد وجدنا بعض المعاصرين لما رأى هذا التطور البحثي في الدرس الأصولي وتجاوز حدود الاستمداد من الدرس اللغوي وجدناه يحكم حكماً عاماً على الدرس الأصولي بأنه قام على نقيض الدرس اللغوي وذلك لأنه رأى بعض الاجتهادات ناقضت القواعد اللغوية ، فيقول : ( فربما خالف الأصوليون القواعد العربية لحاجة في نفس يعقوب ، وللانتصار للمواقف المبيتة ... فالقول بأن العربية ركن أساسي في أصول الفقه هو قول لا يبعد صدق نقيضه . وهو أن أصول الفقه وقوانينه قاما ضداً على اللغة العربية وقوانينها ) .
ويقول : ( فالقواعد الأصولية غالباً ما ينظر إليها كبحوث لغوية وليس فيها من اللغة العربية إلا الأسماء ، وهذه الأسماء أيضاً وضع لها الأصوليون معاني ليست هي معانيها بحسب اللغة ، مثل ألفاظ الأصل والعام ... أما ما سوى ذلك فهي معانٍ وقوانين عقلية تكرس تعريفاً خاصاً للأدلة ، فتصنفها إلى معان خاصة مما تترتب عنه أحكام خاصة وفهم خاص ، ولا نشتط بعيداً عن الصواب ، إذا قلنا بأن أصول الفقه هو قوانين ضد اللغة . فهي لا تعمل إلا من أجل إقصاء أدلة واضحة وبينة ومستقيمة في المعنى والمبنى من أجل أدلة أخرى)([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
إن الشيخ أحمد قد قارب الصواب من جهة ، وابتعد عن الصواب من جهة أخرى :
الصواب في مقولته هذه _حسب رأيي _ بأن في الدرس الأصولي قواعد يمكن وصفها بقوانين عقلية ، وذلك لأن الاستقراءات الأصولية توصلت إلى جملة من المحاور التي لا يهتم لها أرباب النحو ، اضافة إلى ذلك وجود عوامل ساعدت للوصول إلى مثل هذه القواعد ؛ وهي طبيعة ورود النصوص الشرعية ودلالتها على المعاني ، وتعدد أوجه التعبير عنها ، ومن ذلك تقديم الخبر المتواتر على الخبر الآحاد ، وتخصيصه به ، فليست هناك قواعد مستمدة من اللغة أو غيرها تشير لهذه القاعدة ، فهي قواعد تستمد شرعيتها بجملة من القواعد العقلية المنطقية ، اضافة إلى شمولية مفهوم العام وانطباقه على أفراده والاختلاف بين المدارس الأصولية بين القطع والظن ، وترتيب جملة من القواعد على هذه القاعدة واختلاف الفروع الفقهية ، كل هذه القواعد وغيرها لا يمكن ارجاعها إلى دليل لغوي ؛ بل لا بد من اضافة البعد التعاضدي للعقل المنضبط بضوابط المنطق .
أما الجهة الأخرى فيمكن حصرها بجملة من الملامح :




إنه وإن نقض أصل مرجعية هذه القواعد أو التعريفات للدرس اللغوي فقد ربطها بالدرس المنطقي ، الذي يريد أن يبرهن من خلال دراسته وجه الارتباط بين العلمين ، وبالتالي فإن الأصوليين لم يقوموا بعمل خاطئ فهم وظفوا الدرس المنطقي في عملية النظر في القواعد اللغوية ومن خلال الاندماج بينهما خرجت لدينا هذه القواعد بهذه الشكل .


تغافل عن نص الإمام الزركشي رغم أنه ذكره ، وذلك لأن الإمام الزركشي بين بأن البحث الأصولي في الدرس اللغوي كان أكثر عمقاً واستقراء لطبيعة ما يتطلبه الدرس الأصولي ، ولذلك كانت بحوث اللغويين تتوافق مع متطلبات البحث واحتياجاته ، أما المنهجية الأصولية فهي تحتاج من اللغة أكثر من الاعراب والبناء .


هذا التوصيف للدرس الأصولي يحاول اثبات القول الذي بدأنا الحديث عنه بأن الدرس الأصولي عبارة عن علوم مشتركة ، وفي هذه الحالة يفقد الدرس الأصولي ميزة التمايز المنهجي الذي تفرضة طبيعته التكوينية ، وبالتالي : فنحن إذن ليس أمام علم نضجت مسائله ، وإنما نحن أمام علوم مجتمعة في كلي اصطنعه أربابه لكبر حجمة ولكثرة متعلقاته ، لا لكونه حقل معرفي كامل ومتكامل ، يأخذ بقدر ما يعطي .


أفقد هذا الطرح الفضل الذي قام به أرباب هذا الفن بتوسيع النظر في الحقل المعرفي اللغوي ، بإضافة محاور جديدة وقواعد استنبطوها بكثرة التأمل والنظر .


من الحيف وصف علاقة الدرس الأصولي بالمادة اللغوية بعلاقة الاسماء لا بمسمياتها ، وكأن العلاقة علاقة الأشكال لا الارواح ، والقوالب لا المحال


اضافة إلى ذلك فإن ما دفع الشيخ إلى قول ما قاله إنما هو بسبب بعض التعصب الذي وقع بين المذاهب الاسلامية مما جعل البعض يتكلف في توجيه رأي إمامه ، ومع ذلك فهذه الاجتهادات لا تؤسس مفوماً كلياً وقاعدة يحتكم إليها ، والأولى عدم تعميم الحكم ، {ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلو}.


وقد وضح العلامة البوطي (رحمه الله) هذا اللون من الدعاوى ورد عليه بقوله : ( إن في الناس اليوم من يظنون أن أولئك الأئمة الذين احتكموا في خلافاتهم وآرائهم المذهبية إلى علم أصول الفقه ، الذي هو في حقيقته منهج لتفسير النصوص وفهمها ، إنما وضعوا ذلك المنهج كما شاءته أهوائهم ، ثم استخرجوا منه النتائج والأحكام التي تعلقت بها أحلامهم ، فحق لمن بعدهم أن يستقلوا هم الآخرون بوضع المنهج الذي يريدون ، ليتوصلوا به إلى الرغائب التي يشتهون . ومن هنا سولت لهم أنفسهم أن بوسعهم أن يجددوا ما تقادم ، في نظرهم ، من هذا المنهج وأن يستبدلوا به غيره مما يطيب لهم الأخذ به ، وهذا كمن يدعو اليوم إلى تجديد قواعد اللغة العربية ، وتغيير ما تقادم منها ... !! )([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))
وبناء على ما سبق فإن المادة أو الآلة التي تدخل في منهجية علم آخر ، لا يمكن أن تعتبر مؤثرة بقوة في منهجية العلم الآخر ، وإنما يمكن أن تعتبر أدوات توظيفية تقوم بعمل منهجي في الحقل المعرفي الذي دخلت فيه ، فلا بد أن تتطبع تلك الأوصاف للعلم الوافد بالعلم الذي إلتحقت به ، وهذا لا يعني تغيير معالمه ، وإنما هي نوع من التحريك المنهجي ليتلائم مع العلم الذي دخلت في مضمونه ، وخير دليل على ذلك الحقل اللغوي .
وإذا ألقينا نظرة لجانب الدرس المقاصدي فإنه منذ بدايته كان متعلقاً بالدرس الأصولي ، يتفاعل معه ويلتزم بالمنهجية الأصولية ، لكنه تأخر إخراجه ، واعترته جوانب التوظيف البسيط فنجده عبارة عن رقائق وترغيبات ومرامز تقل وتكثر بين الفينة والأخر ، إضافة إلى جانب الدعاوى الباطلة حوله فعاد إلى الضمور حتى أخرجه أربابه ، ووضعوا على السكة المستقيمة .
وقد حصر الدكتور طه عبد الرحمن جوانب التفاعل المنهجي في الحقول المعرفية بثلاثة توظيفات آلية يتم من خلالها التفاعل المنهجي والتكامل الوظيفي : الخدمة ، والعمل ، والمنهج .
البعد الخدمي للتفاعل المنهجي والوظيفي :
ويتمثل جانب الخدمة في الحقول المعرفية من خلال تحصيل جانب المنفعة التي تتحصل من جانب التكامل المنهجي والوظيفي ، وتقع نسبة الخدمة من العلوم لا باعتبارها تمثل بعداً تبعياً في مراتب العلوم ؛ وإنما تعبر عن البعد التكاملي من جهة وحدة المصدر المؤسس ، والتمايز والتباين الوظيفي والمنهجي ، وإلا لكنا نتكلم عن الشيء وذاته ، وهنا التناقض بعينه ، وإنما نقصد بالخدمة ذلك البعد الغائي الوظيفي والمنهجي لتحقيق غايات المصدر المؤسس .
ويوضح الدكتور طه عبد الرحمن البعد الخدمي للتداخل المعرفي للعلوم بقوله : ( نقصد بالخدمة صفة الشيء الذي يقوم بما تحصل به المنفعة لشيء آخر ؛ وإذا وصف العلم بكونه "خادماً" لغيره ، فمعنى ذلك أن العلم قائم للغير بأمر من شأنه أن يستفيد منه ، ويكون هذا الغير في الممارسة التراثية ، إما علماً من العلوم النقلية أو العقلية ، وإما مبدأ من المبادئ الأصلية للتراث الإسلامي العربي .
ففي الحالة الأولى : إن العلم الخادم هو ما كان آلة من الآلات التي يتوصل بها العلم المخدوم إلى تقرير أحكامه واستخراج مسائله ، فيكون المنطق بحسب هذه الحالة أكثر العلوم آلية ، يليه في ذلك علم اللغة ثم الأمثل فالأمثل .
وفي الحالة الثانية : فإن العلم الخادم هو ما كان وسيلة لتحصيل وتوصيل المبادئ العقدية والشرعية للحقيقة الاسلامية ، علماً بأن هذه الحقيقة في الممارسة التراثية باتت تستتبع الحقيقة العلمية بحيث لا يُقْبَل من العلم إلا ما كان موافقاً لمقتضياتها ، بل تستتبع الحقيقة اللغوية بحيث لا يُقْبَل من الاستعمال إلا ما كان ملائماً لقيمها ؛ فتكون بذلك العلوم التي نقلها إلينا التراث معارف لم تنقطع في كل أطوارها التي تقلبت فيها وفي كل المظاهر التي تشكلت بها ، عن مبدإ الحقيقة الاسلامية ، وإن تفاوتت هذه الخدمة فيما بينها)([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)) .
اضافة إلى ذلك فنقول : إن العلوم الشرعية عموما _ كما سبق أن ذكرنا _ متحدة المصدر والغاية ، ومع ذلك فإن العلم الواحد نجده راحلاً بين تلك العلوم التي تتحد معه بالمصدر والغاية ، لكن الملفت للنظر بأن هذا العلم تبقى له الاستقلالية التامة في ميدانه الخاص ، وتختلف وظائفه باختلاف تعلقاته وميادين خدماته ، فالحقل المعرفي اللغوي ذو انتشار واسع في ميدان العلوم الشريعة في التفسير والعقيدة والأصول ، فنجده يشملها جميعها لكن الجانب الوظيفي يختلف ، ففي العقيدة يتعلق الأمر بتفسير النصوص المرتبطة بالإلهيات واليوم الآخر والايمان الرسل وهكذا دواليك ، وفي التفسير يتعلق الأمر بدلالات الألفاظ على معانيها ويتشابه مع الدرس الأصولي في جوانب كبيرة في المنهجية ، لكن تبقى لجانب التمايز البحثي في الدرس الأصولي ذا العمق البحثي ، وقد أشرنا سابقاً لطرف من جانب القصور التقعيدي في ميدان الحقل التفسيري .
البعد التكاملي في التوظيف العملي والمنهجي :
إن القصد من الاشتراك والتظافر العملي بين العلوم ؛ ليس لقصد التنوع والاثراء الصوري ، ولقصد اثخان العلم ببحوث لا تحقق المقصد الخدمي ولا تثمر تلاقحاً عملياً ، وإنما القصد منها إيجاد وظائف عملية تخدم العلوم وتطورها ، وتحقق جانب الارتباط والتكامل لتحقيق الغايات .
وتظهر الصبغة العملية من خلال التظافر المنهجي والتكامل الوظيفي من خلال ثلاثة وجوه :
الأول : تتعلق الآليات بكيفيات عمل : كل ما كان آلة لغيره يكون متعلقاً بكيفيات عمل ، وهذا الاقتران بين "الكيفيات" و "العمل" يدل على أن الآلية لها خاصية عملية ، وتقوم هذه الخاصية في كون الآلية ترتبط أساساً بــــ "الاجراءات" ؛ وتبين أن كل "إجراء" تتحد قيمته بالنتائج التي تترتب عليه والفوائد التي يأتي بها ، وكل ما يقاس بمعيار الفائدة يكون ثابت الاتصاف بالخاصية العملية ؛ فتكون الآلية ، بوصفها متعلقة بوجوه الإجراء متغلغة في العمل .
الثاني : التمييز بين الخير والشر : لا تقتصر الآلية" على القيام بالتمييز بين الصدق والكذب كما هو الشأن في العلوم النظرية ، وإنما كذلك بالتمييز بين الخير والشر .
الثالث : تعلق العلم بالعمل : يتميز العلم في التراث الاسلامي بكونه لا ينفك عن العمل ، ولا نكاد نجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا ووقف عند هذا الترابط معبراً عنه بهذه الصيغة أو تلك([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)) .
فالبعد العملي أضاف للعلوم المساندة بعداً منهجياً جديداً فرضه العلم المخدوم ، اضافة إلى بعد وظيفي جديد يضاف إلى البعد الأصلي الذي يعتبر فيه العلم خاداً لذاته ، وبالتالي نحن أمام علوم آلية تعبر عن مجالها أصالة ، وتقوم بأدوار وظيفية تبعاً ، وهذه التبعية لا يعتبر انتقاصاً في المرتبة بل هما يطلبان على درجة واحدة وكأنهما قصدا ابتداءً .
البعد المنهجي في التكامل الوظيفي :
وهذ البعد يتمحور الجانب الوظيفي فيه بسلوك جملة من الأساليب والطرق العملية والخادمة لتحقيق المقاصد الغائية ، وإلا كانت عملية التلاقح الفكر والتضامن العملي عبارة عن مفاهيم متراكمة لا تؤسس فكراً ولا تنتج علماً ، وبالتالي فنحن في هذه الحالة لا نتكلم عن العلوم الاسلامية .
ويمكن اختصارها بالآتي :



إن المعرفة التراثية الاسلامية معرفة خادمة تقوم بوظيفة التوسل لقصد تحقيق الغاية الالهية ، فهي علوم تخدم بعضها بعضاً لتحقيق الغايات .


أن المعرفة التراثية هي معرفة تستشرف تحقيق المعرفة العملية لتنقل مضامينها إلى حيز التطبيق ، وتوسيع مجالات تطبيقها من خلال التداخل المنهجي والتنوع الوظيفي .


ان المعرفة التراثية معرفة تقوم على منهجية منضبطة وواضحة الرؤية تتحدد بطرق الناظر وطرق المناظر مع غلبة طرق التناظر .([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10))


وإذا أردنا تطبيق هذه الوظائف الثلاث على الدرس المقاصدي باعتباره خادماً للدرس الأصولي وبينهما تشابه كبير في البرنامج العملي ، اضافة إلى الالتزام بالمنهجية الأصولية .
ونحن إذا نعقد المقارنة بين العلمين لا يعني أننا نجعلهما منفصلين عن بعضهما ، بحيث يكون كعلم مستقل ، بل هما لا ينفكان عن بعض .
وسواء وقع الانفصال وتمايزت المباحث والأقسام بين العلمين ، لكن تبقى المحددات الثلاث التي ذكرها الفيلسوف الاسلامي الدكتور طه عبد الرحمن معياراً لضبط العلاقة بين العلوم فيما بينها ، فإذا وجدت هذه الثلاث بينهما فإن الانفصال في المؤلفات والاستقلال في المباحث لا يعدو أن يكون جانباً تنظيمياً اقتضته الحاجة ، ولا يجوز تحميل الموضوع أكبر من ذلك .
البعد الخدمي :
وإذ نعتبر الدرس المقاصدي خادماً للدرس الأصولي لا يعني أنه آلة من الآلات الرحالة ، وإنما هي جزء منه لا يمكن أن يفصل عن بعض ، لكن طبيعة العلوم بعد نضجها واتضاح معالمها وتحديد برنامج عملها ووضوح منهجيتها تختط لنفسها كيان مستقلاً لا من حيث الانفصال الوظيفي وإنما من حيث استقلال المباحث بمؤلف مستقل لحصر مسائله وضبطها .
فان انفصال العلمين لا يعني الانقطاع وإنما هي عملية منهجية اقتضتها الجهة التنظيمية للدرسين لكي لا تختلط مسائله وتتسع مباحثه فيضيق بها المجال حتى تصبح كأنها استطرادات فينقطع ذهن القارئ بما كان قد سبق أن طالعه بما سيأتي بعد لبعد الشقة بينهما من الكم الكبير من المسائل المتداخل ، حتى انه ليرى بأنا لا علاقة لها بالدرس الأصولي وذلك لعدم وضوح جهة الارتباط بينهما ممن ليس من أهل التخصص .
لذلك يشير الشريف الريسوني إلى جانب من أسباب الانفصال بقوله : ( العلوم تنمو وتتسع وتتشعب ، وقد يندمج بعضها في بعض أو يستقل بعضها من بعض ، هذا معروف في تاريخ جميع العلوم ، والعلوم الاسلامية ليست بدعاً وليست استثناء في هذا ، في زمن معين لم يكن هناك شيء محدد من هذه العلوم التي نعرفها بأسمائها ، كان الفقيه أو العالم يخوض في كل شيء ، في القرآن وعلومه وتفسيره ، وفي الحديث والفقه ، وفي السيرة والتاريخ ... ولكن عندما تكثر التدقيقات والمباحث والتفصيلات ، قد يتميز جانب معين ، فيسمسه العلماء علم كذا ... ثم إن انفصال بعض العلوم عن بعض لا يزيد ولا ينقص في العلم ، لا يزيد ؛ لأن الزيادة تكون قد حصلت ، ولا تنقص لأن ما انفصل عن علم بقي بجانبه ملتصقاً به ، وربما يكون في الانفصال زيادة ونمو أكثر )([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)).
وبالتالي فإن علاقة الدرس المقاصدي في الدرس الأصولي تتعدى وظيفة الخدمة ؛ لأنهما شيء واحد فبمقدار تلك الخدمة التي يؤديها الدرس المقاصدي للدرس الأصولي فهو يكسب نفس النتيجة من الخدمة ، وذلك لأننا نتكلم عن الشيء وذاته .
فالخدمة التي يقدمها الدرس المقاصدي للدرس الأصولي يمكن أن نذكر بعضها :



التمييز في مراتب الأحكام : ومما هو معلوم بأن الدرس الأصولي من أبجديات أبحاثه الوصول إلى الحكم الشرعي ، من حرمة وإباحة ووجوب وكراهة وندب ، ويقوم الدرس المقاصدي ببيان تلك المراتب من الوجوب من خلال ثلاثي : الضروري ، والحاجي ، والتحسيني ، فيميز بين الواجبات ومراتبها من مقصود الشارع ، وما يترتب عليها من تحقيق مصالح ودرء مفاسد .


توسيع أوعية الاستنباط : وذلك من خلال جانب التعليل ، من خلال أدوات الالحاق القياسي ، وقد سبق وأن تكلم عن تلك الأبعاد .


التنوع في توليد الأحكام : ويتم ذلك من خلال محاولة لإيجاد الحكم الشرعي للفروع الجزئية المسكوت عنها لتندرج تحت كلي يعمها وأصل يضمها ، بين القياس التمثيلي ، والشمولي ، والاستقرائي .


وسنشير لاحقاً لجملة من أوجه الارتباط الخدمي والتعاول العملي بين الدرس الأصولي والمقاصدي وإبراز جانب التعاضد الوظيفي والمنهجي لبيان الجانب التكميلي بينهما .
البعد العملي :
إننا لا يمكن لنا أن ندلل على وجود ترابط كبير بين الدرس الأصولي والمقاصدي بمجرد البعد الخدمي بينهما ، وذلك لأن البعد الخدمي قد يكون قليلاً ليحصل على تلك الصفة ، لكن المعيار الأمثل للبرهنة على الترابط المنهجي والوظيفي يظهر بجلاء عندما نرى بين الحقلين المعرفيين جملة من المباحث العملية المشتركة لتحقيق الغايات المنشودة ، وهذا هو معيار الترابط .
وقد سجل شيخنا بن بيّة أكثر من ثلاثين منحاً للترابط بين العلمين ، وهي ترابطات عملية تهدف إلى تحقيق الغايات المنشودة المناطة بهما في توليد الأحكام ، وبيان الجهات المشتركة في الوظائف العملية لتحقيق تلك الغايات .
البعد المنهجي :
إن جهة التأثير والتأثر بينهما تفرض نوعاً من الطرق العملية التي تمثل الوسائل المنهجية لتحقيق الغايات المنشودة ، وقد كان الدرس الأصولي إلى قبيل انتهاء عصر التجديد يمثل قمة النضوج المعرفي ، وقد اعتبرت المنهجية التي قدمتها المعرفة الإسلامية خير آلية للتعامل مع النصوص ، فلايزال يستفيد منها القانونيون من الغرب والعرب .
وقد قدمت المنهجية في الدرس الأصولي أفضل الطرق والأساليب التي تحقق الغايات ، مما جعل أي مباحث من الحقول المعرفية الاسلامية تتأثر بها وتلتزمها كمنهجية ثابتة في قراءة النصوص وتوليد الأحكام وتوسيع أوعية الاستنباط .
اضافة إلى ذلك فإن المنهجية الأصولية هي تلك الطرق والمسالك المستبطة من "وحدة المصدر " لتحقيق "وحدة الغاية" وبالتالي فإن أي محاولة تعاونية مشتركة لا بد أن تنطوي على أدوات تعينها على أن تتكيف مع تلك الأدوات والمسالك ، لكي تسير عملية الاشتراك الخدمي والعملي بدون تعاند مع المنهجية المتقررة مسبقاً ، وإذا كان الدرس المقاصدي ولد من رحم تلك المنهجية الأصولية ، فالحديث عن إثبات العلاقة المنهجية بينهما من باب التسلسل ، الذي لا يثبت جديداً ، ولا ينقض قديماً .





([1]) تجديد المنهج في تقويم التراث ، (82) .


([2]) تجديد المنهج في تقويم التراث ، (82) .


([3]) البحر المحيط ، (1/9) .


([4]) الإبهاج ، (1/21) .


([5]) شرح الورقات في أصول الفقه ، عبد الكريم الخضير ، (5 ، 6) . من مؤلفاته : الحديث الضعيف :عبد الكريم الخضير ، دار المنهاج


([6]) المنطق وأصول الفقه ، الشيخ أحمد ولد محمد محمود ، ط (1) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، (1435هـ 2014م) ، (150 ، 151)


([7]) قضايا ساخنة ، (60) .


([8]) تجديد المنهج في تقويم التراث ، (84 ، 85) .


([9]) تجديد المنهج في تقويم التراث ، (85 ، 86) .


([10]) ينظر : تجديد المنهج في تقويم التراث ، (87) .


([11]) محاضرات في مقاصد الشريعة ، (270) .

نورة ابراهيم
15-02-15 ||, 07:12 PM
يسر الله امرك