المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (2) مبدأ الاحتكام إلى النص



د. أيمن علي صالح
14-09-18 ||, 02:21 PM
هذه هي الحلقة (2) من المبادئ العامة للفكر الأصول-فقهي الإسلامي في تعامله مع النص:
والحلقة (1) هنا: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

أولاً: مبدأ وجوب الاحتكام إلى النّصّ:


أي أنّ النّصّ، والنّصُّ وحدَه([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))، هو المقرِّر النّهائي للأحكام. فـ «لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حُكم إلاّ ما حَكَم به»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)). قال الشافعي، رحمه الله: «لم أسمع أحداً نَسَبَه النّاس، أو نَسَب نفسه، إلى علمٍ، يخالف في أنّ فرض الله عزّ وجلّ اتّباع أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والتسليمَ لحكمه بأنّ الله عزّ وجلّ لم يجعل لأحدٍ بعدَه إلا اتّباعه، وأنّه لا يلزم قولٌ بكلِّ حال إلا بكتاب الله أو سنّة رسوله، صلى الله عليه وسلّم، وأنّ ما سواهما تبعٌ لهما»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
وأمّا العقل والرّأي والعرف والمصلحة وغير ذلك من مسمّيات يذكرها كثيرون في أدلة الأحكام أو مصادرها، فلها ثلاث حالات:
إحداها : أن تُقرّر أحكاماً تتّفق مع الأحكام التي قرّرها النّصّ، فالعبرة بما قرّره النّصّ، وهذه المصادر، في هذه الحال، إنّما هي مؤيّداتٌ ومؤكّداتٌ لا يضرّ الاستغناء عنها.
والثانية : أن تُقرّر أحكاماً تصطدم مع الأحكام التي يقرّرها النّصّ، وحينئذٍ فلا اعتبار لها.
والثّالثة : أن تُقرّر أحكاماً لم يتعرَّض لها النّصّ بلفظه أو معناه بطريقٍ مباشرة أو غير مباشرة. وهذا الفَرض غير واقع؛ لأنّه يتناقض مع مبدأ «شمول النّص» الذي سنبيّنه بعد قليلٍ.
نعم، قد يُحيل النّصّ على العقل أو الرأي أو العُرف أو الإجماع في تقرير الحكم، لكنّ هذا لا يعني انفراد هذه المصادر بتقرير الحكم دون النّصّ؛ لأنّها لولا الإحالة من النّصّ لما حقّ لها هذا التّقرير، فالمقرّر النّهائيّ إذن هو النّصّ. قال الشّاطبي: «إذا تعاضد النّقل والعقل على المسائل الشّرعيّة، فعلى شرط أن يتقدّم النّقل فيكون متبوعاً، ويتأخّر العقل فيكون تابعاً، فلا يسرح العقل في مجال النّظر إلا بقدر ما يسرّحه النّقل»([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)). وقال: «الأدلّة العقلية إذا استُعمِلت في هذا العلم فإنّما تُستعمل مركّبة على الأدلّة السمعية، أو مُعِينة في طريقها، أو محقِّقة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلّةً بالدّلالة؛ لأنّ النّظر فيها نظرٌ في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
ولا يعكّر على هذا المبدأ سوى قولِ المعتزلة وغيرهم بالتّحسين والتّقبيح العقليّين، لأنّ مؤدّى هذا القول الإيمانُ باستقلال العقل بمعرفة الحكم دون دلالةٍ أو إحالة من النّصّ، أي أنّ النّصّ لا يتعيّن طريقاً وحيداً للوصول إلى الحكم. ولكنّ هذا القول كان ذا أثرٍ محدود جدّاً في الفقه الإسلامي، وذلك لسببين:
أحدهما: أنّ القائلين به يقصرون دور العقل في الوصول إلى الأحكام على الفترة قبل وُرود النّص. أي أنّ النّاس هل كانوا متعبَّدين بالعقل قبل ورود الشّرع أم لا؟ وهي مسألةٌ قليلة الجدوى والخلاف فيها ليس ذا شأن.
والثّاني: أنّهم يعترفون بمحدوديّة العقل في مجال تقرير الأحكام، أي أنّهم يُقرِّون بأنّ الغالبية العظمى من الأحكام إنّما يمكن إثباتها بالنّصّ فقط دون العقل، وأنّ ما يثبته العقل من الأحكام كوجوب العدل، وحرمة الظّلم، ووجوب شكر المنعم، وغير ذلك، قد جاء بها النص وليست هي موضع خلاف بين أحد.
ومن هنا نجد أنّ المعتزلة، وإن خالفوا أهل السّنّة في كثيرٍ من مسائل الاعتقاد، فقد وافقوهم في الفروع والأحكام في الغالب. قال الأنصاريّ: «لا حكم إلا من الله تعالى بإجماع الأمّة، لا كما في كتب بعض المشايخ: إنّ هذا عندنا، وعند المعتزلة الحاكم العقل. فإنّ هذا ممّا لا يجترئ عليه أحدٌ ممَّن يدّعي الإسلام. بل إنّما يقولون: إنّ العقل معرِّفٌ لبعض الأحكام الإلهية، سواءٌ وَرَد به الشّرع أم لا. وهذا مأثورٌ عن أكابر مشايخنا أيضاً»([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
وقال ابن قاضي الجبل: «ليس مرادُ المعتزلة بأنّ الأحكام عقلية: أنّ الأوصاف مستقلّةٌ بالأحكام، ولا أنَّ العقل هو الموجب أو المحرِّم، بل معناه عندهم: أنَّ العقل أدرك أنَّ الله تعالى بحكمته البالغة كلَّف بترك المفاسد وتحصيل المصالح، فالعقل أدرك الإيجاب والتحريم، لا أنَّه أوجب وحرَّم»([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وقال الدكتور عبد العظيم الدِّيب: «وجدنا معظمَ الأصوليين - في مبحث الحكم - يقولون: "لا حاكم إلا الله، خلافاً للمعتزلة؛ فإنّهم يحكِّمون العقل". وعندما قُمنا بتتبُّع نصوص المعتزلة في كتبهم الأصيلة لم نجد هذا صحيحاً بهذا الإطلاق، وإنّما هذا قول المعتزلة قبل ورود الشّرع، أمَّا بعد ورود الشّرع، فلا حكم إلا لله، ولا يوجد مسلمٌ يقول بغير هذا. وعلى ذلك تخرج هذه المسألة من علم أصول الفقه إلى علم أصول الدين»([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)).
ومن أهم ما انبنى على هذا المبدأ إجماعُ الأصوليين على أنّ الاجتهاد بالرأي، بشتّى صُوره، لا يجوز في قضيةٍ دلّ النّصُّ الثابت غير المعارَض على حكمها دلالةً صريحة.
قال الشافعي: «ما كان لله فيه نصُّ حكمٍ، أو لرسوله سُنَّة، أو للمسلمين فيه إجماعٌ، لم يسع أحداً عَلِم من هذا واحداً أن يخالفه. وما لم يكن فيه من هذا واحدٌ كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشُّبْهة [أي: الشِّبَه] بأحد هذه الوجوه الثلاثة»([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)). وقال: «أجمع النّاس على أنَّ من استبانت له سنَّة عن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ من النّاس»([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
وقال زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة: «إنّما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وأخذنا بالأثر»([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)).
وقال الجصّاص: «المتوارث عن الصَّدر الأول، ومَن بعدَهم من فقهاء سائر الأعصار إذا ابتُلوا بحادثة طلبوا حكمها من النّصّ، ثم إذا عدموا النّصّ فزعوا إلى الاجتهاد والقياس، ولا يسوّغون لأحدٍ الاجتهاد واستعمال القياس مع النّصّ»([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)). وقال: «لا خلاف في سقوط الاجتهاد مع النّصّ»([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)).
وقال الغزالي: «القياس على خلاف النّصّ باطلٌ قطعاً»([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)).
وقال الرازي: «الأمّة مجمعةٌ على أنّ من شرط القياس أن لا يردّه النّصّ»([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15)).
وقال ابن القيم: «فصلٌ في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النّصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النّصّ، وذكرُ إجماع العلماء على ذلك»([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)).





([1]) المقصود بالنص هو الكتاب والسنة بغض النظر عن الدلالة على أن تحكيم المقاصد والقرائن بشتى أنواعها في فهم المراد بالنص لا ينافي الاحتكام إلى النص، بل الذي ينفيه هو رفض النص والوحي مرجعيةً للحكم، والاحتكام إلى مصادر وضعية بشرية.


([2]) الآمدي: سيف الدين علي بن أبي علي. الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، بيروت: المكتب الإسلامي، (د.ت)، ج1، ص79.


([3]) الشافعي: محمد بن إدريس. الأم، بيروت: دار المعرفة، (د.ط)، (د. ت)، ج7، ص287.


([4]) الشّاطبي: إبراهيم بن موسى الغرناطي. الموافقات، تحقيق وشرح عبد الله دراز، بيروت: دار المعرفة، ج1، ص87.


([5]) المرجع السابق، ج1، ص35.


([6]) الأنصاري: عبد العلي محمد بن نظام الدين. فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، بيروت: دار الكتب العلمية، ط2، ج1، ص25.


([7]) نقله عنه المرداوي: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان. التحبير شرح التحرير، تحقيق: عبد الرحمن الجبرين وعوض القرني وأحمد السراج، الرياض: مكتبة الرشد، ط1، 1421هـ=2000م، ج2، ص721.


([8]) الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله. نهاية المطلب في دراية المذهب، تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، جدة: دار المنهاج، ط1، 1428هـ=2007م، المقدمة، ص247. ومن الجدير ذكره أنّ قول المعتزلة بالتحسين والتقبيح في مجال الأحكام الشرعية متفرِّعٌ عن قولهم بالتحسين والتقبيح في مجال أفعال الباري سبحانه، وهي مسألة وجوب الصلاح والأصلح عليه سبحانه. والمسألة الأصل - أي التحسين والتقبيح العقلي في مجال الأفعال - ذات أثرٍ كبيرٍ في الخلاف بينهم وبين غيرهم في جملةٍ كبيرةٍ ومنتشرةٍ من المسائل الاعتقادية والأصولية، وهذا بخلاف المسألة الفرع ـ أي التحسين والتقبيح العقلي في مجال الأحكام ـ فهي ذات أثرٍ محدودٍ ولم ينبنِ عليها إلا خلافٌ في مسائل معدودةٍ مثل الحكم قبل ورود الشّرع، ووجوب شكر الباري عقلا، وغيرها من المسائل التي لا يُعدّ الخلاف فيها ذا فائدة عَمَليّة ملموسة.


([9]) الشافعي. الأم، مرجع سابق، ج7، ص300.


([10]) نقله عنه ابن القيم. إعلام الموقعين، ج2، ص201. ولم أجده في المطبوع من كتب الشافعي.


([11]) الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت. الفقيه والمتفقه، تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، المملكة العربية السعودية: دار ابن الجوزي، ط2، (د.ت)، ج1، ص510.


([12]) الجصاص: أحمد بن علي الرازي. الفصول في الأصول، الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية، ط2، 1414هـ=1994م، ج2، ص319.


([13]) المرجع السابق، ج4، ص38.


([14]) الغزالي. المستصفى، بيروت: دار الكتب العلمية، ط2، ص341.


([15]) الرازي. فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي. المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق: طه جابر العلواني، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط3، 1418هـ=1997م، ج3، ص100.


([16]) ابن القيم الجوزية: محمد بن أبي بكر. إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ=1991م، ج2، ص192.

محمد أحمد فتوح
14-09-18 ||, 11:20 PM
جزاكم الله كل الخير يا دكتور ونفع بكم ..
متابع ..

وضاح أحمد الحمادي
14-09-19 ||, 01:52 AM
أحسن الله إليكم شيخنا
فيما يتعلق بما نقلتم عن المعتزلة فتحقيق مذهبهم خلاف ما ذكر، فهم لا يجعلون العقل حاكماً لا قبل التشريع ولا بعده، فإن الشريعة عندهم تثبت لكونها مصالح والأحكام تثبتُ تبعاً لصفات الأفعال الذاتية (من حسن وقبح أو ما يُسَهِّلُ فعل الحسن واجتناب القبيح) فالعقل لا يُعطي حكماً بل يكشف عن صفة الحسن والقبح، وهم يسلمون أن عامة فروع الشريعة لا يستقل العقل بمعرفة ما فيها من مصلحة أو حسن وقبح كأعداد الركعات ومقادير الصدقات والحج وغير ذلك وأنه لا يستقل إلا بمعرفة القليل النادر كحسن الصدق وقبح الكذب.
بل والشريعة عندهم ليست بحاكمة ـ على معنى أنها تفيد الأفعال أحكاماً لم تكن لها ـ بل كاشفة عن الأحكام، أما الأحكام فمستفادة كما تقدم من صفاتها الذاتية ـ أو المعنوية على رأي بعضهم ـ فالحكم لا يوجد لا عن العقل ولا عن النص الشرعي بل عن الصفة التي للفعل، ولا فرق في ذلك بين وقتٍ ووقت، فالحكم ثابت قبل التشريع وبعده ـ وإن تغير (كما في النسخ) تبعاً لتغير المصلحة ـ .
والله أعلم
وأنا أتعجب كل التعجب عندما أقرأ لأئمة كبار لهم قدرهم ووزنهم حين ينقلون عن المعتزلة خلاف ما هو مذهبهم.
وقد بين المقبلي ـ وهو معتزلي عند التحقيق إلا في مسائل ـ مذهب المعتزلة في هذا الباب وأطال فيه وكرره في حاشيته على مختصر ابن الحاجب و(العلم الشامخ) و(الأبحاث المسددة) وعاب من ينقل مذاهبهم على خلاف ما هو عليه، كما بين محمد بن إبراهيم الوزير في (العواصم) و(الروض الباسم) أنهم يجعلون الشرع كاشفاً لا حاكماً عائباً عليهم ذلك، وبين ابن متويه في (المحيط الأعظم) وجه ثبوت الأحكام للأفعال مفصلاً.
وعلى كل حال هي مسألة لا يترتب عليها كبير خلاف يتعلق بأحكام الفروع الشرعية لا عند المعتزلة ولا عند خصومهم وإن كان الحق في غير قولهم، ولكن لم أكد أرى من ينقل مذهب المعتزلة على التحقيق، بل بعضهم يتفلسف في توجيه مذهبهم بما يدل على جهله وسخافة عقله بالاعتماد على النقل من كتب خصومهم، مستروحاً إلى عدم وجودهم، فأحببتُ التنبيه، فإنه لا ينبغي الإسترواح إلى التشنيع على الخصوم لمجرد الخصومة، أو الاختلاف في الاعتقاد.
وأعتذر عن المقاطعة

د. أيمن علي صالح
14-09-22 ||, 08:15 PM
أحسنت أخي وضاح على الاستدراك.
المهم أنا نتفق أن قول المعتزلة بتحسين العقل وتقبيحه - بغض النظر عن طبيعته ومداه - لم يكن له أثر يذكر في مجال الأحكام الشرعية والتحليل والتحريم.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
14-09-22 ||, 10:53 PM
بارك الله في شيخنا الكريم د . أيمن على هذا التحرير والتأصيل الرائع وبارك في شيخنا وضاح على إضافته وليسمح لي الشيخان أن أخالفهما جزئياً في قضية موقف المعتزلة من العقل وكونه حاكماً أو مجرد كاشف فأقول النقولات عند الأصوليين مختلفة فهناك من قرر ما قرره الشيخان الفاضلان ونفى أن يكون قول المعتزلة أن العقل حاكم وهناك من نسب لهم الإيجاب والتحريم بالعقل بل وتقديمه على النقل ولن نجد تحريراً وتحقيقا للمسألة - حسب علمي - أفضل مما ذكره أخونا الشيخ الفاضل الدكتور عايض الشهراني في رسالته للدكتوراه ( التحسين والتقبيح العقليان وأثرهما في مسائل أصول الفقه ) وتقع في ثلاثة مجلدات قضى في كتابتها وتحريرها واستقراء النصوص وتحليلها وقتاً طويلاً وأطال الكلام في تحرير قول المعتزلة وثمة نصوص كثيرة تؤكد ما نقله عنهم بعض الأصوليين من كونهم يرون أن العقل يوجب ويحرم وهي صريحة لا سيما النصوص المنقولة عن القاضي عبد الجبار المعتزلي ويمكن النظر فيها في الكتاب المذكور وتعقيب الدكتور عليها وتحليله لها .
أمر آخر أحب إضافته لما ذكره الدكتور أيمن وهو عند تقسيم الأدلة العقلية من حيث الموافقة والمخالفة للنصوص أقول التقسيم الأدق في نظري أن يقال إنها ثلاثة أقسام :
1 - ما يوافق النص الخاص .
2 - ما يخالف النص الخاص .
3 - ما سكت عنه النص وهو قسمان :
أ - ما دل النص على جنسه في الجملة لا على الخصوص ومنه المصلحة المرسلة ونحوها
ب - ما لا يدل النص عليه مطلقاً لا على الخصوص ولا على الإجمال فهذا هو الذي يرد .
والتفصيل هذا لتحرير الموقف من القسم الثالث وأنه ليس الرد مطلقاً لأن الدكتور وإن أشار للاحتراز فيه إلا أن الحكم بالقبول أصبح محصوراً بالموافقة التي يكتفى فيها بالنص وهذا لا يتحقق في حال دلالة النص الإجمالية على جنس المعنى .
وأمر ثالث وهو أن المخالفة قد تكون كلية فهنا يرد الدليل العقلي وقد تكون جزئية بمعنى أن النص يكون عاماً فيأتي الدليل العقلي بما يقتضي تخصيصه فيخصصه ومن ذلك تخصيص النصوص بالقياس والمصلحة والعرف والاستحسان ونحوها وهو معمول به عند جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وأتباعهم .
وأمر أخير ولا أظن كلام الدكتور يعارضه لكنه يحتاج لمزيد إيضاح وهو أن النص قد لا تظهر دلالته على الحكم عند المجتهد فيخفى عليه وجه الاستدلال فيكون معتمده الدليل العقلي من قياس ونحوه أو أن النص لا يصله أصلاً فيعتمد الدليل العقلي وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
الكلام على الاكتفاء بالنص وعدم استقلالية بقية الأدلة أو عدم صلاحيتها بحث طويل تعرض له العلماء منذ القدم فضيقه بعضهم حتى جعل الدليل الوحيد هو القرآن فقط وأن السنة لا تخرج عنه ولا تستقل كما هو مذهب ابن حزم والشاطبي ، ومنهم من توسع فسرد أدلة كثيرة ومنهم من توسط بينهما وفي الجملة - كما ذكر الدكتور - النصوص هي أصل الأحكام الشرعية ولا يوجد دليل معتبر إلا أن يكون نصاً أو أحد مقدماته النص وقد أشار إلى هذا الشاطبي حينما تكلم عن الأدلة العقلية واحتياجها للنصوص .
من الكتب النافعة الجيدة في طرح هذه المسألة كتاب ( الحكم الشرعي بين أصالة الثبات والصلاحية ) للدكتور عبد الجليل زهير ضمرة

د. أيمن علي صالح
14-09-23 ||, 12:01 PM
شرفتنا بمررورك وتعقيباتك المتميزة - كالعادة - يا دكتور بدر
ما تفضلتم به كله جدير بالملاحظة، لكن أرجو الأخذ بعين الاعتبار أن البحث مقتضب في هذه المبادئ يخاطب بالدرجة الأساس غير المتخصص في الأصول، ولذلك فإني تجنبت الدخول في التفاصيل والتقسيمات قدر الإمكان، واعتمدت مبدأ "البساطة" و "الوضوح" في عرض الأفكار.
نعم يمكن لباحث متخصص أن يتناول هذه المبادئ بعمق ويضعها في كتاب أو رسالة علمية، وحينئذ ستكون إضافاتكم وإضافات الإخوة المختصين في هذا الملتقى على ما سطرته هنا نافعة له جدا. ولذلك نحن ننتظر إثراءاتكم للحلقات الأخرى ياشيخنا الكريم.
وفي نهاية هذه الحلقات سيكون نافعا جدا لو أمكن الإخوة الاستدراك على المبادئ التي ذكرتها مبادئ أخرى تنطبق عليها الشروط وقد أكون أغفلتها. أو تكون هناك اقتراحات بتعديلات في صيغ هذه المبادئ.
وجزى الله الجميع عني وعن عموم قراء هذا الملتقى خير الجزاء.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
14-09-23 ||, 12:52 PM
بورك فيكم شيخنا د . أيمن ما كتبتُه هو بمثابة شرح لمتنكم الكريم فحسب ، وقد ظننته مبحثاً مستلاً من أحد بحوثكم المتميزة والمفيدة دوماً ولم أعلم أنه موجه لغير المختصين .
دمتم موفقين شيخنا الكريم

وضاح أحمد الحمادي
14-09-23 ||, 04:52 PM
بارك الله فيك دكتورنا، ليس الأمر كما قلتَ، وخير من بين مذهب المعتزلة في هذا الباب هم المعتزلة، وكتبهم متوفرة المطبوع منها والمخطوط، والزيدية الذين هم امتداد لهم في متناول الأيدي ـ لكن لا يعتمد كلام متأخريهم وينسب إلى المعتزلة، بل الاعتماد على نحو ابن المرتضى والرصاص ويحيى بن حمزة ومن نحى نحوهم ـ فإن هؤلاء لا نقول قضوا وقتاً طويلاً في تتبع نصوص المعتزلة، بل قضوا أعمارهم يقررنها.
وبما أنكم قلتم:
وهي صريحة لا سيما النصوص المنقولة عن القاضي عبد الجبار المعتزلي فعليه نعتمد لنقض ما ذكرتم
قال القاضي عبد الجبار في (متشابه القرآن) ص 35: "واعلم أن الخطاب على ضربين: أحدهما يدل على ما لولا الخطاب لما صح أن يعلم بالعقل، والآخر: يدل على ما لولاه لأمكن أن يعرف بأدلة العقول. ... فالأول: الأحكام الشرعية، فإنها إنما تعلم بالخطاب وما يتصل به، ولولاه لما صح أن يعلم بالعقل الصلوات الواجبة ولا شروطها ولا أوقاتها، وكذلك سائر العبادات الشرعية" انتهى المراد.
في (الأصول الخمسة) لعبد الجبار مع تعليقات مانكديم ص 510 : "وحقيقته ـ أي التكليف ـ إعلام الغير في أن له أن يفعل أو لا يفعل نفعاً أو دفع ضرر ، مع مشقة تلحقه في ذلك على حد لا يبلغ الحال به حد الإلجاء ... والإعلام إنما يكون بخلق العلم الضروري أو بنصب الأدلة ، وأي ذلك كان لم يصح إلا من الله تعالى؛ ولهذا قلنا: إنه لا يكلف على الحقيقة غير الله تعالى، وإذا استعمل في الواحد منا .. فإنما يستعمل على طريقة التوسع والمجاز، فهذا هو حقيقة التكليف"
أما نفس الأحكام فهي متقررة في نفس الأمر عندهم لا بالشرع ولا بالعقل كما نص عليه المقبلي في (الأبحاث المسددة) ص 510 وأشار إليه في (نجاح الطالب) ص 35 بتحقيق محمد صبحي حلاق.
وقال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله في معرض عيبه على المعتزلة: "وقولهم: أن جميع الواجبات وجبت لأنفسها وجميع المحرمات ذلك من غير إيجاب موجب ولا تحريم محرم، وأن الله غير مختار في التحليل والتحريم؛ وإنما هو حاكٍ فقط ..." (الروض الباسم) ط دار الكتب العلمية ص 242.
وتصريحهم بابتناء الشريعة على المصالح وأن العقل لا يدرك منها إلا النزر اليسير، ووجوب تسليم المكلف لخطاب الشارع بعد تسليمه له بالحكمة وكنا نقلنا هذا وكررناه عن الزمخشري في بعضو مواضيعنا، وهذا على عجالة إذ لا يسمح المقام بالزيادة، لذا اقتصرنا في البعض على الإحالة دون تمام النقل مع قربه.
والله أعلم
ونعتذر مرة أخرى، وألتزم أن لا أستمر في هذا بعدها.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
14-09-23 ||, 05:51 PM
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي : ( إن اختلاف الطريق لا يقدح في حصول ما يكون طريقا إليه فسواء علمنا عقلاً أن هذا مصلحة وذلك مفسدة أو علمناه سمعاً فإنا في الحالين جميعاً نعلم وجوب هذا وقبح ذلك ) شرح الأصول الخمسة ص 565
وقال أيضاً : ( والدلالة أربعة : حجة العقل ، والكتاب ، والسنة ، والإجماع ...) شرح الأصول الخمسة ص 88
وقال أيضاً : ( إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكِّداً لما في العقول فأما أن يكون دليلاً بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال ) المغني ( 4 / 174 - 175 )
وقال : ( واعلم أن الواجبات على ضربين : موسع فيه مخير ومعين مضيق ... ولكل واحد منهما مثال في العقل والشرع ) شرح الأصول الخمسة ص 41 - 42
وقال في موضع آخر في تقسيم الواجبات : ( فالعقلي ما استفيد وجوبه بالعقل ...والشرعي هو ما استفيد وجوبه بالشرع ) شرح الأصول الخمسة ص 327
وعقد فصلاً في كتاب المغني ( 14 / 151 ) بعنوان ( فصل في أن المكلف يعلم بعقله ما كلف به من دون سمع )
وقال تحت هذا الفصل : ( وبعد فإن الذي يعلمه العاقل باضطرار لا يفتقر فيه إلى سمع كالعلم بقبح الظلم وكفر النعمة ووجوب الإنصاف والشكر ، وكذلك لا يحتاج إلى السمع فيما عليه دليل معلوم من جهة العقل ؛ لأنه يمكنه أن ينظر فيه فيعرف المدلول ...) .
ويقول كذلك : ( فإن قال : ألستم تقولون في الشرعيات إنها تجب لأجل الثواب والنفع وما ذكرتموه قائم فيها ؟ قيل له : لسنا نقول بما ذكرته بل نقول فيها : إنما تجب لكونها لطفاً ومصلحة فيتضمن ذلك دفع مضرة ؛ لأنه متى لم تقع أخل بالواجبات العقلية فاستحق العقاب ..) المغني ( 14 / 32 )
وعقد فصلاً في الواجبات العقلية وقال : ( وكما أن إقدامه على القبيح يقتضي الذم والعقاب على بعض الوجوه فكذلك إخلاله بالواجب ويمكنه أن لا يخل به كما يمكنه أن لا يخل بالقبيح ) المغني ( 14 / 161 )
وعقد فصلاً في ( بيان كيفية ما يستحق بالقبيح من الواجبات ) ثم قال : ( أما الذم فإنه يستحق به إذا كان قبيحاً وفاعله يعلمه كذلك أو يتمكن من كونه عالماً به وأن يكون مخلى بينه وبينه فمتى فعله والحال هذه استحق الذم ، وإنما شرطنا كونه قبيحاً ؛ لأن العقل يشهد بأن الفعل إذا لم يكن كذلك لم يحسن ذم فاعله عليه بل يقبح ذلك فلا بد من اعتبار قبحه ) المغني ( 14 / 173 )
وقال : ( ولا شبهة في وجوه الواجبات كما لا شبهة في وجوه القبائح وذلك نحو كونه دافعاً للضرر عن النفس ورداً للوديعة وكونه إنصافاً من قضاء الدين وتوفية الغير حقه ، فيدخل فيه الثواب والتعويض وكونه شكراً للنعم قولاً واعتقاداً وكونه تفرقة بين المحسن والمسيء وكونه اعتذاراً من الإساءة - والتوبة محمولة على ذلك - وكونه مما لا ينفك المرء عن القبح إلا به ولا يمكن العلم بهذه الأحكام إلا بعد العلم بوجوبها إما جملة أو تفصيلاً وهذا مستمر فيما طريق العلم به العقل ) المحيط بالتكليف ص 242
وقال أبو الحسين البصري المعتزلي : ( أما التوصل إلى الأحكام الشرعية فهو أن المجتهد إذا أراد معرفة حكم الحادثة فيجب أن ينظر ما حكمها في العقل ثم ينظر هل يجوز أن يتغير حكم العقل فيها وهل في أدلة الشرع ما يقتضي تقدم ذلك الحكم أم لا فإن لم يجد ما ينقله عن العقل قضي به والشرط في ذلك هو علمه بانه لو كانت المصلحة قد تغيرت عما يقتضيه العقل لما جاز أن لا يدلنا الله تعالى على ذلك فإن وجد في الشرع ما يدل على نقله قضي بانتقاله لأن العقول إنما دلت على تلك الأحكام بشرط أن لا ينقلنا عنه دليل شرعي ) المعتمد ( 2 / 343 )
وعن رأي الزيدية يقول أحمد بن محمد الشرفي : ( إن العقل يقضي بأحكام عقلية هي القبح والحسن وأنواعهما من الوجوب والندب والكراهة والحظر ويعترف بها ... ويقطع بصحتها من غير حاجة إلى ورود الشرع في تقريرها أي هي متعلقة للذم والعقاب والمدح والثواب فهذا الذي يدركه العقل بفطرته ) شفاء صدور الناس بشرح الأساس ( 1 / 152 )
وأما نسبة هذا لهم فيقول الفخر الرازي - وهم من أعلم الناس بالمعتزلة - في تحرير محل النزاع في التحسين والتقبيح : ( وتارة قد يراد بهما كون الفعل موجباً للثواب والعقاب والمدح والذم وهما بهذا المعنى شرعيان عندنا خلافاً للمعتزلة ) المحصل ص 479
ويقول ابن تيمية - وهو من أعلم الناس بالطوائف - : ( إن أعظم الناس تعظيماً للعقل هم القائلون بأنه يوجب ويحظر ويحسن ويقبح كالمعتزلة ) درء تعارض العقل والنقل ( 9 / 65 )

وضاح أحمد الحمادي
14-09-23 ||, 07:14 PM
لو أنك تنقل هذا الموضوع إلى موضع آخر فقد طال الاستطراد.
وأثناء ذلك أرجوا أن تتفكروا في المقصود بالأحكام العقلية عند المعتزلة والأحكام الشرعية، فإني كنتُ استطردت على الدكتور أيمن في الأحكام الشرعية التي هي الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام، أما الأحكام العقلية التي تنقسم إلى الواجب والممتنع والممكن فلم أتكلم فيه. ومع ذلك فحتى الأحكام العقلية عندهم لا يوجبها العقل على معنى أنه ينشئها بعد أن لم تكن بل يكشف عنها فقط، فإن أحببتم بيانه فافتحوا لنا موضوع يخصه بارك الله فيكم.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
14-09-23 ||, 07:35 PM
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ
بل أكتفي بهذا القدر فقد نقلت النصوص التي أراها كافية فيما ذهبت إليه والأمر كما ذكرت في أول مشاركة أنه مما اختلفت فيه أفهام الأصوليين لكن في الختام أشير إلى قضيتين تؤيدان ما ذكرت عن المعتزلة وهما :
الأولى : أن المعتزلة أوجبوا على ( الله ) عز وجل أموراً كاللطف والصلاح والأصلح وثواب المطيع ومعاقبة العاصي وقد أوجبوها كلها بطريق العقل فإيجاب الأحكام على ( الخلق ) عن طريق العقل من باب أولى .
الثانية : أن المعتزلة ومن تبعهم من المتكلمين يقدمون العقل على النقل عند ( التعارض ) فتحكيم العقل إذا ( انفرد ) من باب أولى .

سما الأزهر
14-09-28 ||, 12:59 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم جميعاً الأساتذة الأفاضل
بناءً على مقصد د . أيمن في عرضه للمسألة أنها مبسطة لغير المتخصص فلنخرج بخلاصة موجزة تحدد دور العقل تجاه الاستدلال على الحكم الشرعي ؛ لأنه للأسف تنتشر في الآونة الأخيرة إشكالية خطيره لدى بعض الدارسين أو الباحثين في العلم الشرعي وهي عرض النص الشرعي على العقل ، فإن تعارضا ، طُعن في دلالة النص أو ثبوته - ولو كان من صحيح السنة - بحجة عدم الاتفاق مع مايقتضيه العقل ، لأن العقل عندهم حاكماً وليس كاشفاً وتابعاً للنص .

د. أيمن علي صالح
14-09-28 ||, 01:02 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم جميعاً الأساتذة الأفاضل
بناءً على مقصد د . أيمن في عرضه للمسألة أنها مبسطة لغير المتخصص فلنخرج بخلاصة موجزة تحدد دور العقل تجاه الاستدلال على الحكم الشرعي ؛ لأنه للأسف تنتشر في الآونة الأخيرة إشكالية خطيره لدى بعض الدارسين أو الباحثين في العلم الشرعي وهي عرض النص الشرعي على العقل ، فإن تعارضا ، طُعن في دلالة النص بحجة عدم الاتفاق مع مايقتضيه العقل ، لأن العقل عندهم حاكماً وليس كاشفاً وتابعاً للنص .
أرجو فهم هذا المبدأ في حدود المبدأ الثاني: وهو مبدأ صدق النص ومعقوليته، وهو هنا:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

محمد بن عبد الله العبدلي
14-12-25 ||, 06:49 AM
موضوع طيب جزيت خيرا أخي الكريم بارك الله فيك

عبد الفتاح حسين همام
15-04-08 ||, 12:35 PM
شكرا لك دكتور أيمن ونفع بعلمكم