المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (3) مبدأ صِدْق النّصّ ومعقوليته



د. أيمن علي صالح
14-09-22 ||, 08:24 PM
هذه هي الحلقة (3) من المبادئ العامة للفكر الأصول -فقهي الإسلامي في تعامله مع النص


ثانياً: مبدأ صِدْق النّصّ ومعقوليته:

أي أنّ النّصّ الثّابت صادقٌ فيما أخبر به من العقائد والقصص والأحداث الماضية والمستقبليّة. وصِدق النّص ناجمٌ عن صدق المخبِر به، وهو الرّسول، صلّى الله عليه وسلّم، عن الله تعالى. قال ابن حزم: «قد وافَقَنا المعتزلةُ وكلُّ من يخالفنا في هذا المكان على أنّ خبر النّبيّ، صلى الله عليه وسلّم، في الشّريعة لا يجوز فيه الكذب، ولا الوهم؛ لقيام الدّليل على ذلك»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
وقال الزركشي: «اتّفقوا على استحالة الكذب والخطأ فيه»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)) أي في النَّص الذي بلَّغه النبي، صلى الله عليه سلم.
وقال الغزالي: «ما أخبر الله تعالى عنه فهو صِدقٌ بدليل استحالة الكذب عليه. ويدلّ عليه دليلان:
أقواهما: إخبار الرّسول، عليه السّلام، عن امتناع الكذب عليه تعالى.
والثّاني: أنّ كلامه تعالى قائمٌ بنفسه، ويستحيل الكذب في كلام النّفس على من يستحيل عليه الجهل»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
ولذلك لم يجوِّز الأصوليّون نسخ الخبر؛ «لأنَّ نسخه والرّجوع عنه يُفضي إلى الكذب»([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
وبناءً على هذا المبدأ فليس بمقبولٍ أصولياً: منهج بعض الفلاسفة: «الذين يقولون: إنَّ الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنّة والنّار، بل وعن الملائكة، بأمورٍ غير مطابقةٍ للأمر في نفسه، ولكنَّهم خاطبوهم بما يتخيَّلون به ويتوهَّمون به أنّ الله جسمٌ عظيم، وأنّ الأبدان تُعاد، وأنَّ لهم نعيماً محسوساً، وعقاباً محسوساً، وإنْ كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر، لأنَّ من مصلحة الجمهور أن يُخاطبوا بما يتوهَّمون به ويتخيَّلون أنَّ الأمر هكذا، وإنْ كان هذا كذباً فهو كذبٌ لمصلحة الجمهور؛ إذ كانت دعوتُهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطّريق. وقد وضع ابنُ سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية. وهؤلاء يقولون: الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرَها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منها هذه الظّواهر، وإن كانت الظّواهر في نفس الأمر كذباً وباطلاً ومخالفةً للحقّ، فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وكذلك ليس بمقبولٍ: منهج القائلين من بعض المعاصرين بأنّ النّصّ استخدم «الأسطورة»، والقَصّ الرّوائي (=غير الحقيقي)، مراعاةً لأحوال العرب وقت نزول النّصّ، كما دندن حوله نصر أبو زيد([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)) وغيره. قال تعالى: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُول}(ص:84)، وقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}(النساء:87)، وقال: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(يوسف:111).
وقد انبنى على مبدأ صدق النص أنّه معقول أي أنّه لا يأتي بما تحيله أو تأباه العقولُ أبداً، ولا بما يصادم حقائق العلم أو الواقع أو التاريخ. وإذا وُجد ثَمَّ ما قد يعارض العقل البيِّن من النّصوص فهو: إمَّا ليس بثابتٍ، وإمّا المقصود به معنىً غيرُ ما ظهر منه.
قال ابن عقيل: «أجمع أرباب العقول من أهل الشّرائع أنّه لا يجوز أن يَرِد الشّرع بغير مُجوَّزات العقول»([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)). ولذلك قال تلميذُه ابنُ الجوزي: «كلُّ حديثٍ رأيتَه يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنّه موضوع»([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)).
وقال الجصّاص: «مِمّا يُرَدُّ به أخبار الآحاد من العِلل أن ينافيَ موجبات أحكام العقول؛ لأنَّ العقول حجّةٌ لله تعالى، وغيرُ جائزٍ انقلابُ ما دلَّت عليه وأوجبته. وكلُّ خبر يضادُّه حجّةٌ للعقل فهو فاسدٌ غير مقبول، وحجَّةُ العقل ثابتةٌ صحيحة، إلا أن يكون الخبر محتمِلاً لوجهٍ لا يخالف به أحكامَ العقول، فيكونَ محمولاً على ذلك الوجه»([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)). وذلك، كما يقول التفتازاني؛ «لأنّ النّقل يقبل التأويل بخلاف العقل، ولأنّه [أي النّقل] فرعُ العقل لاحتياجه إليه من غير عكس، فلا يجوز تكذيبُ الأصل لتصديق الفرع المتوقّفِ صِدقُه على صدق الأصل»([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
ورغم اتّفاق الأصوليّين، وأهل العلم عموماً، على هذا المبدأ من حيث الجملة إلا أنّهم يتفاوتون فيما بينهم فيما يُعدّ ثابتاً بالعقل، وما لا يعدو كونَه ظنّا أو حتّى وهماً، فبعضهم يتوسّع في تحكيم العقل في مجال النّظريات، وبعضُهم يضيّق، وتبعاً لهذا يبالغ المتوسّعون في تأويل النّصوص بدعوى التوفيق بينها وبين دلائل العقول، وينكر المضيّقون ذلك. ولهذا فإنَّ ابن تيمية، وهو من المضيّقين، يشترط في الدّليل العقلي الذي يُؤوّل أو يُردُّ به النّص أن يكون صريحاً أو بيّناً، لا ممّا يخفى ويشتبه، ويكونُ مَدعاةً للخلاف بين العقلاء، قال رحمه الله: «لا يُعلم حديثٌ واحدٌ يخالف العقل أو السّمع الصّحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع...ولكنَّ عامَّة موارد التعارض هي من الأمور الخفيّة المشتبهة التي يحار فيها كثيرٌ من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثّواب والعقاب والجنّة والنّار والعرش والكرسي، وعامَّة ذلك من أنباء الغيب التي تقصُر عقولُ أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرّد رأيهم، ولهذا كان عامَّة الخائضين فيها بمجرّد رأيهم: إمّا متنازعين مختلفين، وإمّا حيارى مُتَهوِّكين»([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11))، و«النّصوص الثابتة في الكتاب والسنّة لا يعارضها معقولٌ بَيِّنٌ قطّ»([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)).





([1]) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي. الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: أحمد شاكر، بيروت: دار الآفاق الجديدة، (د.ت)، ج1، ص120.


([2]) الزركشي. البحر المحيط، مرجع سابق، ج6، ص14.


([3]) الغزالي. المستصفى، مرجع سابق، ص112.


([4]) أبو يعلى الفراء: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف. العدّة في أصول الفقه، تحقيق: أحمد بن علي المباركي، (د.م): (د.ن)، ط2، 1410هـ=1990م، ج3، ص825.


([5]) ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، المملكة العربية السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط2، 1411هـ= 1992م، ج1، ص8. ويُنظر: ابن رشد: محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (الحفيد). فصل المقال فيما بين الشّريعة والحكمة من الاتصال، تحقيق: محمد عمارة، الرياض: دار المعارف، ط2، (د.ت)، ص48.


([6]) يُنظر كتابه: النص، السّلطة، الحقيقة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1995م.


([7]) ابن عقيل: علي بن عقيل بن محمد. الواضح في أصول الفقه، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1422هـ=1999م، ج3، ص377.


([8]) ابن الجوزي: جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد. الموضوعات، المدينة المنورة: المكتبة السلفية، ط1، 1386هـ=1966م، ج1، ص106.


([9]) الجصاص. الفصول في الأصول، مرجع سابق، ج3، ص121.


([10]) التفتازاني: سعد الدين مسعود بن عمر. شرح التلويح على التوضيح، مصر: مكتبة صبيح، (د.ط)، (د.ت)، ج1، ص247.


([11]) ابن تيمية. درء تعارض العقل والنقل، مرجع سابق، ج1، ص150.


([12]) المرجع السابق، ج1، ص155.

سما الأزهر
14-09-28 ||, 01:17 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته د . أيمن على صالح
لعلك فهمت مقصدي على غير وجهه الصحيح فمبدأ الاحتكام إلى النص ، وصدق النص ومعقوليته ، لا أختلف معك فيهما ، ولكن كما قلت يوجد من الباحثين من أُشكل عليه الأمر ، ولعلك لو طالعت الملتقى الفقهي العام في مسألتين : نفي الولد باللعان ، وولد الزنا لمن ينسب لاتضح لك مقصدي . والله الموفق

د. أيمن علي صالح
14-09-28 ||, 01:35 PM
الأخت الكريمة "سما الأزهر"
أنا في هذه المبادئ أوصِّف منهج الأصوليين لا أكثر. فكلهم يسلم بالاحتكام إلى النص الثابت في مجال الأحكام لكن في مجال الأخبار يتفاوتون في التسليم لذلك تبعا لتحكيم العقل فمنهم موسع في تحكيم العقل ومنهم مضيق. وهذا شيء قديم ومستمر حتى اليوم، فمن الطبيعي أن تجدي اليوم من يرد بعض النصوص الآحادية أو يؤولها ويؤول النصوص قطعية الثبوت بدعوى مخالفة العقل أو الواقع أو التاريخ. وهذا - في رأيي - لا يُجابه بالرفض المطلق ولا القبول المطلق بل يُنظر في كل دعوى وكل نص على حياله، لأن كثيرا مما يُدعى أنه مقتضى العقل ليس أكثر من نظريات أو حتى خيالات علمية، فمن الضروري هنا التمييز بين ما هو حقيقة علمية وبين ما هو نظرية قابلة للأخذ والرد.
أما المواضيع التي أحلت عليها فقد اطلعت عليها سابقا وشاركت في بعضها وبينت للأخ الفاضل كاتب هذه المقالات بأنه تعوزه العُدّة الأصولية والدقة في فهم كلام الفقهاء على وجهه وأن دعواه بأنهم خالفوا العقل في هذه المسائل ليست سوى مجرد دعوى ناشئة عن الجهل في فهم كلامهم ومنطلقاتهم في التأصيل والتعليل.

سما الأزهر
14-09-28 ||, 01:53 PM
لأن كثيرا مما يُدعى أنه مقتضى العقل ليس أكثر من نظريات أو حتى خيالات علمية
هذا هو بارك الله فيك ، ومع ذلك لابد من المحاورة والمناقشة لتتضح الصورة جلية ، وتزول دعوى الإشكال . وهذا هو دورنا مااستطعنا إلى ذلك سبيل .

نورة ابراهيم
15-02-15 ||, 07:11 PM
شكرا