المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (4) مبدأ شمول النّصّ بلفظه ومعناه للوقائع



د. أيمن علي صالح
14-09-28 ||, 01:10 PM
هذه هي الحلقة (4) من المبادئ العامة للفكر الأصول -فقهي الإسلامي في تعامله مع النص
ثالثاً: مبدأ شمول النّصّ بلفظه ومعناه للوقائع:

أي أنّه ما من واقعةٍ حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة إلا والنّصّ متناولٌ لها بالحكم، سواءٌ بطريقٍ مباشرة أو غير مباشرة. فالنّصّ بلفظه ومعناه القريب والبعيد شاملٌ للوقائع كافٍ للحكم عليها، وهو صالحٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ.
قال الشافعي، رحمه الله تعالى: «فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)). وعنه أيضا: «إنّا نعلم قطعاً أنّه لا تخلو واقعةٌ عن حكم الله تعالى معزوٌّ إلى شريعة محمّد، صلى الله عليه وسلم»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وقال ابن سريج: «ليس شيءٌ إلا ولله عزّ وجلّ فيه حكمٌ؛ لأنّه تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} (النساء:86)، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} (النساء:85)، وليس في الدّنيا شيءٌ يخلو من إطلاقٍ أو حظرٍ أو إيجابٍ؛ لأنّ جميع ما على الأرض من مطعمٍ أو مشربٍ أو ملبسٍ أو منكحٍ أو حكمٍ بين مُتَشاجِرين، أو غيره، لا يخلو من حكمٍ، ويستحيل في العقول غيرُ ذلك، وهذا ممّا لا خلاف فيه أعلمُه»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
وقال الجصّاص: «ما من حادثةٍ جليلة ولا دقيقة إلا ولله فيها حكمٌ، قد بيّنه في الكتاب نصّاً أو دليلاً»([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
وقال ابن حزم: «صحَّ يقيناً بخبر الله تعالى الذي لا يُكَذِّبُه مؤمنٌ أنّه لم يفرِّط في الكتاب شيئاً، وأنّه قد بيَّن فيه كلَّ شيء، وأنَّ الدّين قد كَمُل، وأنَّ رسول الله، صلَّى الله عليه وسلّم، قد بيَّن للنّاس ما نُزِّل إليهم»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وقال إمام الحرمين: «الرَّأي المَبتوت المقطوع به عندنا أنَّه لا تخلو واقعةٌ عن حكم الله تعالى مُتلقَّىً من قاعدة الشرع»([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
ورغم اتفاق الأصوليين على شمول النصوص للوقائع بلفظها ومعناها المباشر وغير المباشر، فإنّهم اختلفوا في نسبة ما غطَّته النّصوص من الوقائع بلفظها ومعناها المباشر إلى ما غطَّته بمعناها غير المباشر كالقياس والاستِحسان والاستِصلاح.
فقال بعضُهم: «معظمُ الشريعة صَدَر عن الاجتهاد، والنّصوص لا تفي بالعُشر من مِعشار الشريعة»([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وناقضَهم آخرون، فقالوا: «من المُحال المُمْتنع وجودُ نازلةٍ لا حكمَ لها في النّصوص»([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))؛ وذلك لأنّ «النّصوص قد استوعبت كلَّ ما اختلف النّاس فيه، وكلَّ نازلةٍ تنزل إلى يوم القيامة باسْمِها»([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).
وتوسّط فريقٌ ثالث فقالوا: «الصّواب الذي عليه جمهور أئمّة المسلمين أنّ النّصوص وافيةٌ بجمهور أحكام أفعال العباد. ومنهم من يقول: إنّها وافية بجميع ذلك، وإنّما أنكر ذلك من أنكره؛ لأّنه لم يفهم معاني النّصوص العامّة التي هي أقوال اللهِ ورسوله وشمولَها لأحكام أفعال العباد، وذلك أنّ الله بعث محمّداً، صلى الله عليه وسلم، بجوامع الكلِم، فيتكلّم بالكلمة الجامعة العامّة التي هي قضيّةٌ كلّيّة وقاعدة عامّة تتناول أنواعاً كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعياناً لا تُحصى، فبهذا الوجه تكون النّصوص محيطةً بأحكام أفعال العباد»([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
وعلى أيّة حال فإنّ الأصوليين، وفاءً بمبدأ الشمول، وسَّعوا من دلالة النّص اللفظية، بطريقين:
إحداهما: تعميم حكم النّص في الأشخاص والأزمنة والأمكنة.
والأخرى: إعمال مقاصد النّص.
وهما المبدآن اللّذان سنتناولهما في (الحلقتين القادمتين) إن شاء الله.

([1]) الشافعي: محمد بن إدريس. الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، مصر: مكتبة الحلبي، ط1، 1358هـ=1940م، ص20.

([2]) عزاه إليه الجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله. البرهان في أصول الفقه، تحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ=1997م، ج2، ص162، وليس هو في المطبوع من كتب الشافعي، ومن عادة إمام الحرمين عزو أقوالٍ للشافعي غير منصوصة له وإنما مخرّجة من معنى أقواله أو من الفروع التي حكم فيها وطريقته في الاجتهاد.

([3]) نقله عن كتابه إثبات القياس: الزّركشيّ. البحر المحيط، مرجع سابق، ج1، ص217. وإثبات القياس لابن سريج مفقودٌ فيما أعلم.

([4]) الجصاص: أبو بكر أحمد بن علي الرازي. أحكام القرآن، تحقيق محمد صادق قمحاوي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1405ه‍، ج5، ص10.

([5]) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي. النبذة الكافية في أحكام أصول الدين، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1405هـ، ص61.

([6]) الجويني. البرهان في أصول الفقه، مرجع سابق، ج2، ص3.

([7]) الجويني. البرهان في أصول الفقه، مرجع سابق، ج2، ص37. أي النصوص بألفاظها، لا بعللها ومعانيها المستنبطة، التي يقوم عليها الاجتهاد أصلا.

([8]) ابن حزم. الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، ج6، ص33.

([9]) المرجع السابق، ج8، ص17.

([10]) ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المدينة النبوية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ=1995م، ج19، ص280.

عبد النور بن نوار بريبر
15-12-01 ||, 12:32 PM
وعلى أيّة حال فإنّ الأصوليين، وفاءً بمبدأ الشمول، وسَّعوا من دلالة النّص اللفظية، بطريقين:
إحداهما: تعميم حكم النّص في الأشخاص والأزمنة والأمكنة.
والأخرى: إعمال مقاصد النّص.
جزاك الله خيرا على المقالة.
استشكلت منها المقطع المقتبس،
فهل توسيع دلالة النص دافِعُه الوفاء بمبدأ الشمول كما ذكرت؟ أم أنه موافقةُ واقعِ الدلالة اللغوية وكشفُه؟
ظاهر تقريرك أن مباحث الألفاظ التي شملت بها النصوص أفعال المكلفين ونوازلهم، هي من تواضع الأصوليين، لا من أت الدلالة اللغوية.
أو أني لم أهضم مقالتك. جزاكم الله خيرا.

د. أيمن علي صالح
15-12-09 ||, 07:26 AM
جزاك الله خيرا على المقالة.
استشكلت منها المقطع المقتبس،
فهل توسيع دلالة النص دافِعُه الوفاء بمبدأ الشمول كما ذكرت؟ أم أنه موافقةُ واقعِ الدلالة اللغوية وكشفُه؟
ظاهر تقريرك أن مباحث الألفاظ التي شملت بها النصوص أفعال المكلفين ونوازلهم، هي من تواضع الأصوليين، لا من أت الدلالة اللغوية.
أو أني لم أهضم مقالتك. جزاكم الله خيرا.
جزاكم الله خيرا على التعليق:
مبدأ الشمول ـ في كثير من صوره ـ دلالته شرعية لا لغوية، فمثلا لو قال قائل يا أيها الناس افعلوا كذا وكذا، فخطابه هذا لا يشمل من لم يخلق من الناس بحسب اللغة، بل هو خاص بأهل زمنه لأنهم هم الذي يتوجه إليهم الخطاب، لكن إذا قال الشارع ياأيها الناس فخطابه هذا يشمل جميع الناس إلى يوم القيامة، فهذه دلالة شرعية لا لغوية دلت عليها نصوص كثيرة وقام عليها الإجماع، وليست هي من تواضع الأصولين كما قد قد فهم خطئًا. وما قيل في "يا أيها الناس" يشمل بصورة أوضح قضايا الأعيان كقضاء النبي صلى الله عليه وسلم أو حكمه في واقعة بعينها بحكم، فتعميم هذا الحكم على الأمة والأزمنة والأمكنة إنما هو تعميم شرعي لا لغوي. والله أعلم.

عبد النور بن نوار بريبر
17-07-13 ||, 08:58 PM
جزاك الله خيرا ، واعتذاري البليغ على تأخّر المتابعة.
وقد فهمت جوابكم.