المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسألة: الحق في العفو للورثة أم للميت قبل موته؟



د. عبدالحميد بن صالح الكراني
14-10-19 ||, 09:51 AM
مسألة: الحق في العفو للورثة أم للميت قبل موته؟
درست هذه المسألة في رسالتي للدكتوراه؛ ومكثت يعييني البحث في تجاذب المسألة بين مآخذها أياماً أأجلها شهراً تلو شهر!
فكان الإشكال في مأخذ القولين بين الاستحسان والقياس!
وقد أوردتها في الترجيح على ما ستراه.

مسألة: الحق في العفو للورثة أم للميت قبل موته؟
— تحرير محل الخلاف:
لا خلاف بين أهل العلم في أَنَّ أولى الناس بدم المقتول هم أولياء الدم، ولكن ما الحكم لو عفى المقتول قبل موته عن دمه وعن قاتله؟.
قال ابن بطال: الأصل المجمع عليه أن عفو الولي لا يكون إلا بعد الموت؛ إذ قد يمكن أن يبرأ فلا يموت، وأما عفو القتيل فإنه قبل الموت([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

— الموافقون على الإجماع:
وعلى هذا الإجماع جمهور العلماء من الحنفية([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))، والمالكية([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))، والشافعية([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))، والحنابلة([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))، والظاهرية([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))، وهو قول الحسن البصري، وطاووس([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))، وقتادة([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))، والأوزاعي([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).

— المخالفون للإجماع:
وخالف بعض أهل العلم فقالوا: عفوه باطل؛ لأن الله عزَّ وجلَّ جعل السلطان لوليه، فله العفو والقصاص إن شاء أو الدية، ولا يجوز ذلك إلا بموته، وهو قول الشافعي في القديم بالعراق، وبه قال أبو ثور([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10))، وداوود الظاهري([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11))، وهو اختيار الإمام ابن الوزير([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)).

— أدلة الإجماع:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة:45].
وجه الدلالة: أَنَّ من تصدَّق بما وجب له من قَود أو قصاصٍ فعفا عنه فأجْره على الله، وعفوه عن الجاني كفّارة لذنب الجاني، كما القِصاص منه كفَّارة له([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)).
ونوقش هذا: بأن قول الله تعالى: (فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) [المائدة:45]، فإِنَّما قال تعالى ذلك عقب قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) [المائدة:45]، وهذا كلُّه كلامٌ مبتدأ بعد تمام قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة:45]، فإِنَّما جاء نص الله تعالى على الصدقة بالجروح بالأعضاء([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)).
فالمراد بقوله: (تَصَدَّقَ بِهِ) المجروح وولي القتيل معاً([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15))، وهو ما اختاره الإمام ابن جرير الطبري، فقال: (وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني به: (فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) المجروح, فلأَنْ تكون الهاء في قوله: (لَهُ) عائدة على من أولى من أن تكون مِنْ ذِكْرِ من لم يجر له ذكرٌ إلا بالمعنى دون التصريح وأحرى, إذ الصدقة هي المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدق عليه في سائر الصدقات غير هذه, فالواجب أن يكون سبيل هذه سبيل غيرها من الصدقات)([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)).
وأجيب عن هذا: بأَنَّه مخالفٌ لما انعقد عليه إجماع أهل العلم، قال ابن عبد البر: (ولم يختلف العلماء أَنَّ المتصدِّق ها هنا هو المقتول يتصدَّق بدمه على قاتله؛ أي: يعفو عنه)([17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17)).

الدليل الثاني: قول الله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى:40].
الدليل الثالث: قول الله تعالى: (وَإِن عاقَبتُم فَعاقِبوا بِمِثلِ ما عوقِبتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصّابِرينَ) [النحل:126].
وجه الدلالة من الآيتين([18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18)): أَنَّ هاتين الآيتين تفيد أَنَّ للمجنيِّ عليه أن يعفو عن الجاني، وإذا ثبت ذلك له وجب أن يكون للعفو أثره تبعاً، وأثره هو سقوط القصاص، ولا شيء لولي الدم بعد ذلك.

الدليل الرابع: عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: سَمِعْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دُونَهُ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ بِهِ»([19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19)).
نوقش هذا: بأَنَّه حديثٌ لا يصحّ، فسقط به الاستدلال([20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20)).

الدليل الخامس: عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ دَعَا قَوْمَهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ فَمَاتَ فَعَفَا عَنْهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَجَازَ عَفْوَهُ، وَقَالَ: «هُوَ كَصَاحِبِ يَاسِينَ»([21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21)).

الدليل السادس: عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ وَبَيْنَ حَيٍّ مِنْ الْأَحْيَاءِ قِتَالٌ، وَرَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ، وَضَرْبٌ بِالنِّعَالِ، فَأُصِيبَ غُلَامٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، فَأَتَى عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهِ قَالَ: إنِّي قَدْ عَفَوْت رَجَاءَ الثَّوَابِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ قَوْمِي، فَأَجَازَهُ ابْنُ عُمَرَ([22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22)).
نوقش: بأَنَّه حديثٌ منقطع؛ لأَنَّ أَبا بكر بن حفص لم يدرك ابن عمر رضي الله عنهما([23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23)).

الدليل السابع: بعض الآثار الواردة في ذلك، منها:


عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إذَا عَفَا الرَّجُلُ عَنْ قَاتِلِهِ فِي الْعَمْدِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَهُوَ جَائِزٌ([24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn24)).
وَعَنْ ابْنِ طاووس قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: الرَّجُلُ يُقْتَلُ فَيَعْفُو عَنْ دَمِهِ، قَالَ: جَائِزٌ، قَالَ: قُلْتُ: خَطَأً، أَمْ عَمْدًا؟ قَالَ: نَعَمْ([25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn25)).
وَعَنِ الْحَسَنِ فِيمَنْ يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا ثُمَّ يَعْفُو عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ؟ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ فِي الثُّلُثِ([26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn26)).

ففي هذه الأدلة دلالة قوية على أَنَّ الحقَّ في العفو يكون للقتيل، لا للورثة، وأَنَّه حقٌ أصيلٌ له.

الدليل الثامن: من المعقول: وهي خمسة أدلة:
أحدها: أن الجرح متى اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلاً من حين وجوده، فكان عفواً عن حق ثابت، فيصح، ولهذا لو كان الجرح خطأً، فكفَّر بعد الجرح قبل الموت ثم مات جاز التكفير([27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn27)).
ثانيها: أَنَّ القتل إن لم يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده، وهو الجرح المفضي إلى فوات الحياة، والسبب المفضي إلى الشيء يقام مقام ذلك الشيء في أصول الشرع؛ كالنوم مع الحدث، والنكاح مع الوطء، وغير ذلك([28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn28)).
ثالثها: أَنَّه إذا وجد سبب وجود القتل كان العفو تعجيل الحكم بعد وجود سببه، وأَنَّه جائز؛ كالتكفير بعد الجرح قبل الموت في قتل الخطأ([29] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn29)).
رابعها: أَنَّ الولي لا يقوم إلا بما كان للمقتول القيام به، ولولا استحقاق المقتول بدم نفسه ما كان لوليِّه القيام فيه([30] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn30))، وأَنَّ المقتول هو المجني عليه؛ فهو أولى بنفسه([31] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn31)).
خامسها: أَنَّ الشَّيءَ الذي جعل للولي إِنَّما هو حقُّ المقتول فناب فيه منابه وأقيم مقامه؛ فكان المقتول أحقَّ بالخيار من الذي أقيم مقامه بعد موته؛ لأن من بعده يكون نائباً عنه في المطالبة بدمه أو ديته، فكيف يقبل من نائبه ولا يقبل منه؟!([32] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn32)).

— أدلة المخالفين للإجماع:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلّا بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظلومًا فَقَد جَعَلنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كانَ مَنصورًا) [الإسراء:33].
وجه الدلالة: أَنَّه صحَّ بنص كلام الله تعالى وحكمه الذي لا يردُّ أَنَّه جعل لولي المقتول سلطانًا، وجعل إليه القود، وحرم عليه أن يسرف، فمن الباطل المتيقن أن يجوز للمقتول حكمٌ في إبطال السُّلطان الذي جعله الله تعالى لوليه، ومن الباطل البحت إنفاذ حكم المقتول في خلاف أمر الله تعالى؛ وهذا هو الحيف والإثم من الوصية، فحرامٌ على كلِّ أحدٍ أن ينفذ حكم المقتول في إبطال تسليم الدية إلى أهله؛ فهذا بيان لا إشكال فيه([33] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn33)).
نوقش: بأَنَّ هذا صحيحٌ في عموم القتل الذي لم يعف فيه المجني عليه؛ أَمَا وقد عفى المجني عن الجاني، وصرَّح عن عفوه حتَّى في حال سراية الجناية إلى القتل فهذه حالٌ غير التي ذكرتم؛ فهو أحقُّ بالعفو.

الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:«لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولاَهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ اليَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ أَبِي أَبِي، فَوَ اللهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ: حُذَيْفَةُ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ»([34] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn34)).
وجه الدلالة: أَنَّ حذيفة عفا عن دم والده، ولم ينتظر عفو والده اليمان، فدلَّ على أَنَّ الحقَّ في العفو لأولياء الدم، لا للقتيل.
ونوقش: بأَنَّه قد يكون أدرك والده وقد قتل، وليس به رمقٌ ليعفو، فانتقل الحقُّ لولي الدِّم، وهو ولده.

الدليل الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ»([35] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn35)).
وجه الدلالة: أَنَّ الله تعالى جعل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لأهل المقتول الخيار في القود، أو الدية، أو المفاداة، فنشهد بشهادة الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أَنَّه لا يحل للمقتول أن يبطل خياراً جعله الله ورسوله عليه الصلاة والسلام لأهله بعد موته، وأَنَّه لا يحلُّ لأحدٍ إنفاذ حكم المقتول في ذلك، وأَنَّ هذا خطأ متيقَّن عند الله تعالى([36] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn36)).

الدليل الرابع: من المعقول: أَنَّ الفعل لا يصير قتلًا إلا بفوات الحياة عن المحلِّ، ولم يوجد، فالعفو لم يصادف محلَّه؛ فلم يصحّ([37] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn37)).

— الراجـــــــــــح:
ما يترجح للباحث -والله أعلم- أَنَّ القول في المسألة قول الجمهور، وهو ما عليه إجماع أهل العلم؛ لقوة أدلتهم، واستنادها على الإجماع؛ ولأَنَّه إسقاط لحقِّه، فصحَّ؛ كما أَنَّه لو عبَّر عن عفوه بلفظ: (عفوت عن الجناية وما يحدث منها) لصحَّ العفو؛ لأَنَّه إسقاطٌ للحقِّ بعد انعقاد سببه([38] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn38)). قال ابن القيم -رحمه الله-: (لو عفا عن القصاص قبل الجرح؛ فلغو، وبعد الموت عفو الوارث معتبر، وبينهما ينفذ أيضاً)([39] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn39)).

ومأخذ القولين معتبرٌ([40] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn40))؛ وهما: القياس والاستحسان؛ فالقياس يقضي بألا يصحَّ عفو المجنيِّ عليه، ولكن الاستحسان يقضي بصحته، فمن جعل الحقَّ في العفو للميت قبل موته فمأخذه الاستحسان؛ ومن جعل الحقَّ في العفو للورثة ولو عفى الميت قبل موته فمأخذه القياس.

فأَمَّا وجه القياس([41] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn41)): فإِنَّ عفو المجنيِّ عليه عن القتل يستدعي وجود القتل، والفعل لا يصير قتلا إلا بفوات الحياة عن المحلِّ ولم يوجد، فالعفو حينئذٍ لم يصادف محله بعد!

وأَمَّا وجه الاستحسان([42] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn42)): فإِنَّ القتل ولو لم يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده: وهو الجرح؛ المفضي إلى فوات الحياة؛ والسبب المفضي إلى الشيءِ يقام مقام ذلك الشيء في أصول الشرع.

وإِنَّما رجَّحت تقديم القول بالاستحسان على القياس لثلاث اعتبارات ظهرت لي:
الاعتبار الأول: حكاية الإجماع وانعقاده على خلاف القياس.
الاعتبار الثاني: جرياً على أصول الشريعة في حبِّ العفو والنَّدب إلى الصفح.
الاعتبار الثالث: أَنَّ الجناية إن سرت للنفس بعد عفو المجنيِّ عليه فلا قصاص في نفس ولا طرف؛ لأَنَّ السراية تولَّدت من معفوٍّ عنه؛ فصارت شبهةً دافعةً للقصاص، والشُّبهة أبلغ في الدفع بعفو المقتول -قبل موته- عن قاتله من باب أولى([43] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn43)).

([1]) يُنظر: شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/512).
([2]) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (26/157).
([3]) يُنظر: التهذيب في اختصار المدونة (4/604).
([4]) يُنظر: الأم للشافعي (6/16).
([5]) يُنظر: المغني (8/286).
([6]) يُنظر: المحلى (11/133).
([7]) هو: أبو عبد الرحمن، طاووس بن كيسان، الفارسي، اليمني، شيوخه: سمع من زيد بن ثابت، وعائشة، وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وجابر، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، تلاميذه: روى عنه ابنه عبد الله، وعطاء، ومجاهد، وابن شهاب، وإبراهيم بن ميسرة، وأبو الزبير المكي، وسليمان التيمي، وعمرو بن دينار، وفاته: توفي سنة 106هـ. [يُنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (6/66)، وطبقات خليفة (ص516)، والثقات لابن حبان (4/391)، وسير أعلام النبلاء (5/38)].
([8]) هو: أبو الخطاب، قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، السدوسي، وقيل: قتادة بن دعامة بن عكابة، شيوخه: روى عن عبد الله بن سرجس، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وسفينة، وأبي هريرة مرسلًا، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، وأبي عثمان النهدي، وعكرمة مولى ابن عباس، وأبي المليح، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي، تلاميذه: روى عنه أيوب السختياني، وابن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن حازم، وحماد بن سلمة، والصعب بن حزن، وفاته: توفي سنة 117هـ. [يُنظر ترجمته في: طبقات ابن خياط (ص213)، وطبقات الفقهاء، للشيرازي (ص89)، وسير أعلام النبلاء (5/269)، والأنساب، للسمعاني (3/235)].
([9]) يُنظر: الاستذكار (8/ 178).
والأوزاعي: هو: أبو عمرو، عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، الأوزاعي، شيوخه: عطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر الباقر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وقتادة، والقاسم بن مخيمرة، وربيعة القصير، وبلال بن سعد، والزهري، وعبدة بن أبي لبابة، ويحيى بن أبي كثير، وحسان بن عطية، وعبد الرحمن بن القاسم، وعطاء الخراساني، وعكرمة بن خالد، وعلقمة بن مرثد، ومحمد بن سيرين، وابن المنكدر، وميمون بن مهران، ونافع مولى ابن عمر، تلاميذه: أخذ عنه أبو إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك، وهقل بن زياد، والوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد، وعقبة بن علقمة، ومحمد بن يوسف الفريابي، وفاته: توفي سنة 157هـ. [يُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء، للشيرازي (ص76)، والطبقات الكبرى، لابن سعد (7/488)، وطبقات خليفة (ص586)، وسير أعلام النبلاء (7/107)].
([10]) هو: أبو ثور، الكلبي، البغدادي، الفقيه، ويكنى أيضاً أبا عبد الله، شيوخه: سمع من: سفيان بن عيينة، وأبي معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح، وابن علية، ويزيد بن هارون، ومعاذ بن معاذ العنبري، وروح بن عبادة، تلاميذه: حدث عنه أبو داوود، وابن ماجه، وقاسم بن زكريا المطرز، وأحمد بن الحسن الصوفي، وأبو القاسم البغوي، ومحمد بن إسحاق السراج، وفاته: توفي سنة 240هـ. [يُنظر: سير أعلام النبلاء (12/72)].
([11]) يُنظر: الاستذكار (8/ 178).
([12]) يُنظر: القواعد لابن الوزير (ص223).
([13]) يُنظر: تفسير الطبري (8/475).
([14]) يُنظر: المحلى بالآثار (11/135).
([15]) يُنظر: تفسير الطبري (8/472).
([16]) تفسير الطبري (8/479).
([17]) الاستذكار (8/179).
([18]) يُنظر: الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون (ص165-168).
([19]) ضعيفٌ، أخرجه أبو يعلى في مسنده (12/284)، ح(6869)، وسعيد بن منصور في السنن من التفسير (4/1495)، ح(762)، وضعَّفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (2/69).
([20]) يُنظر: المحلى بالآثار (11/137).
([21]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (14/214)، ح(28177).
([22]) أخرجه ابن حزم في المحلى، بسنده إلى ابن أبي شيبة (11/133)، ولم أقف عليه في المسند والمصنف وباقي كتب ابن أبي شيبة.
([23]) يُنظر: المحلى بالآثار (11/138).
([24]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (14/214)، ح(28176).
([25]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (14/214)، ح(28175).
([26]) ذكره ابن عبد البر بسنده إلى الحسن في الاستذكار (8/180).
([27]) يُنظر: بدائع الصنائع (7/248).
([28]) يُنظر: بدائع الصنائع (7/248).
([29]) يُنظر: بدائع الصنائع (7/248).
([30]) يُنظر: الاستذكار (8/178).
([31]) يُنظر: المحلى بالآثار (11/138).
([32]) يُنظر: بداية المجتهد (2/403).
([33]) يُنظر: المحلى بالآثار (11/138، 139).
([34]) أخرجه البخاري في صحيحه (4/125)، في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ح(3290).
([35]) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (3/126)، في كتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة، ح(2434)، ومسلم في صحيحه (4/110)، في كتاب الحج، باب تحريم مكة، ح (3284).
([36]) يُنظر: المحلى بالآثار (11/139).
([37]) يُنظر: بدائع الصنائع (7/248).
([38]) يُنظر: كشاف القناع (5/546).
([39]) يُنظر: بدائع الفوائد (1/4).
([40]) يُنظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (30 /177-178)، الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون (ص165-168).
([41]) يُنظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (2/95)، بدائع الصنائع (7/248-249).
([42]) يُنظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (2/95)، بدائع الصنائع (7/248-249).
([43]) يُنظر: مغني المحتاج (4/50-51)، شرح المحلى على منهاج الطالبين (4/127).

هالة خفاجة
15-04-03 ||, 09:20 PM
جزاك الله خيرا دكتور.. لي بعض الاستفسارات لو تسمح:
هل مخالفة هؤلاء العلماء (الشافعي في القديم بالعراق، وبه قال أبو ثور، وداوود الظاهري، والإمام ابن الوزير، والامام ابن جرير الطبري ..) لا يعتد بها حتى يصير قول الجمهور اجماعاً؟

هالة خفاجة
15-04-03 ||, 09:38 PM
ومناقشة الدليل الأول مشكلة علي .. إذ يفترض ان المناقش يريد إثبات عكس استدلال المخالف .. فكيف يأتي في مناقشته بإثبات كلام المخالف بقوله : (فالمراد بقوله : (تَصَدَّقَ بِهِ) المجروح وولي القتيل معاً)؟ أليس المجروح والمقتول قبل زهوق روحه سواء؟؟

عبد الفتاح بن اليماني الزويني
15-04-08 ||, 01:36 PM
السلام عليكم أخي عبد الحميد، مجهودات قيمة ومنهجية موفقة إن شاء الله تعالى،لي مداخلة بسيطة مضمونها أن الفقهاء قد اتفقوا على مشروعية العفو عند القصاص، وأن ذلك أفضل من في الجملة، وقد احتجوا على ما ذهبوا إليه من النصوص الواردة في الكتاب والسنة، المتضمنة الترغيب في العفو والحث عليه، كقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [سورة : البقرة - آية 178]، وقوله تعالى :? وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?[ سورة : المائدة-آية 45] ، وقوله تعالى : ? وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ? [ سورة : الشورى- آية 40] ، وقد جاءت السنة مؤكدة على ما نص عليه القرآن، روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) ، وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: " ما من رجل يصاب بشيء في جسده، فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة، وحط به عنه خطيئة" ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عزاً" ، وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (ثلاث والذي نفس محمد بيده إن كنت لحالفاً عليهن: لا ينقص مال من صدق، فتصدقوا، ولا يعفوا عبد عن مظلمة يبغي بها وجه الله عز وجل إلا زاده الله عزاً يوم القيامة، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) ، والعفو عن القصاص عند الشافعي وأحمد هو التنازل عن القصاص إلى الدية أو إلى غير مقابل ، أما مالك وأبو حنيفة فلا يعتبران التنازل عن القصاص إلى الدية عفواً، وإنما يعتبران أنه صلحاً، ولذلك اشترطا لنفاذ التنازل رضاً الجاني لدفع الدية، وأساس الخلافة بين هذين الفريقين اختلافهما فيما يجب القتل العمد،ويرى الإمام أحمد في رواية عنه ، ويرى الشافعي في المشهور ومالك في رواية عنه والأوزاعي وإسحاق وابن سيرين وأبو ثور وأهل الظاهر أن القتل العمد يوجب القصاص والدية، ويكون الخيار بينهما حقاً لولي القصاص دون غيره ، محتجين بقوله تعالى: ? فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ? ، قال ابن عباس: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله عليهم هذه الآية : ?كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى? إلى قوله: ? فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ? ، والعفو أن يقبل في العبد الدية، فاتباع المعروف، يتبع الطالب بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم مما كتب على من قبلكم) . فهذا تفسير ابن عباس للآية، ولصحابة أعلم من غيرهم بالمراد من كتاب الله لمعاصرتهم النبي - صلى الله عليه وسلم- وتلقيهم عنه يستبعد أن يقول ابن عباس بهذا القول في تفسير الآية دون أن يكون علمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول تعالى: ?وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ?[ سورة : النساء -آية 29 ] ، فقد نهى الله في هذه الآية عن قتل النفس، وتعريضها إلى مواطن الهلاك، مما يدل على وجوب استنقاذ الإنسان نفسه ما وجد إلى ذلك سبيلاً، فإذا عرض عليه أولياء الدم افتدى بنفسه عملاً بالآية.والله تعالى أعلم .

إبراهيم محمد خليل
17-09-05 ||, 06:47 AM
بارك الله فيكم ونفع بكم
لو أذنتم لي
فالظاهرية ممن أنكر أن يكون له عفوا

أنظر: المحلى بالآثار (11/ 139)
قال أبو محمد: ولم يأت قط نص من الله تعالى، ولا من رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أن للمقتول سلطانا في القود في نفسه، ولا أن له خيارا في دية، أو قود، ولا أن له دية واجبة.
فبطل أن يكون له في شيء من ذلك حق، أو رأي، أو نظر، أو أمر.

وقال في المحلى بالآثار (11/ 140)
فبطل أن يكون للمقتول خطأ، أو عمدا: عفو، أو حكم، أو وصية في القود، أو في الدية