المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (5) مبدأ عموم النّصّ في الأشخاص إلى يوم القيامة



د. أيمن علي صالح
14-10-20 ||, 12:46 PM
هذه هي الحلقة (5) من المبادئ العامة للفكر الأصول -فقهي الإسلامي في تعامله مع النص
رابعاً: مبدأ عموم النّصّ في الأشخاص إلى يوم القيامة:

أي أنّه ما من حكمٍ قرّره النّصّ في حقِّ شخصٍ أو أشخاصٍ زمنَ الرسالة إلا وهو ينسحب على جميع النّاس في ذلك الزمن، وعلى من بعدهم من النّاس إلى يوم القيامة إلا إذا قام دليلٌ على تخصيصه بمن خُوطب به. فمثلا قوله، صلّى الله عليه وسلم، لعُمَر بن أبي سلمة: «سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُل ممّا يليك»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))، وإن كان بلفظه خطاباً لواحدٍ مخصوص إلا أنّه في دلالته خطابٌ لجميع المسلمين زمنَ الرسالة، ولجميع الأمّة إلى يوم القيامة.
قال ابن الصّبّاغ: «خطابه، صلّى الله عليه وسلّم، لواحدٍ خطابٌ للجماعة بالإجماع»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وقال الجصّاص: «كلّ حُكْمٍ حَكَمَ اللهُ ورسوله به في شخصٍ أو على شخصٍ، من عبادةٍ أو غيرها، فذلك الحكم لازمٌ في سائر الأشخاص إلا إذا قام دليل التّخصيص فيه»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
وقال ابن حزم: «الأمّة كلُّها مُجمعة على وجوب حكم النّص وتماديه إلى يوم القيامة، وكذلك حكمُه، عليه السّلام، على زانٍ أو سارقٍ هو حكمٌ منه على كلّ زانٍ أو سارقٍ إلى يوم القيامة، وهكذا كلُّ ما حَكَم به النَّص في عينٍ ما هو حكمٌ في نوع تلك العين أبداً، ولو كان خلافُ ذلك - ونعوذ بالله من هذا الظنّ - لبطلت لوازم نبوَّتِهِ، صلى الله عليه وسلم، في الزمان الآتي بعدَه. وهذا كفرٌ من معتقدِه؛ فصحَّ أنَّ حكمَه، صلى الله عليه وسلم، في زمانه حكمٌ باقٍ في كلّ زمانٍ أبَد الأَبد»([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)). وقال في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم}(النساء: 59): «الأمّة مُجمعةٌ على أنّ هذا الخطاب مُتوجِّهٌ إلينا، وإلى كلّ من يُخلق ويرُكَّب روحُه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس، كتوجُّهه إلى من كان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكلِّ من أتى بعده، عليه السلام، وقبلَنا، ولا فرق»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وقال إمام الحرمين: «أجمع المُسلمون قاطبةً على أنّ ما سبق من الخطاب في عصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متوجِّهٌ على أهل عصره كافّة، فَمَن بعدَهم مندرجون تحت قضيته. إذا لم نَقُلْ ذلك أدَّى ذلك إلى قصْر الشّرع على الذين انقرضوا، فلِدلالة الإجماع عدَّينا الخطاب من السّلف إلى الخَلف»([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
وقال الزّركشيّ: «ممّا عُرف بالضّرورة من دينه عليه السَّلام: أنّ كلَّ حُكمٍ تعلّق بأهل زمانه فهو شاملٌ لجميع الأمّة إلى يوم القيامة»([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وبناءً على هذا المبدأ، تظهر مناقضة ومخالفة ما يدندن حوله كثيرٌ من العَلمانيين في قولهم بـ «تاريخيّة النّص الديني» - بمعنى ارتهانه وقصر دلالته على أسباب نزوله في الزّمان الذي نزل فيه([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)) - لما أجمع عليه أهل الإسلام على مرّ العصور. قال الفخر الرازي: «الأمّة مجمعةٌ على أنّ آية اللِّعان والظِّهار والسَّرقة وغيرها إنّما نزلت في أقوامٍ معينين مع أنّ الأمّة عمّمَوا حكمَها، ولم يقل أحدٌ: إنّ ذلك التعميم خلاف الأصل»([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).
وقال ابن تيمية: «قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لاسيّما إن كان المذكور شخصاً؛ كأسباب النّزول المذكورة في التفسير، كقولهم: إنّ آية الظِّهار نزلت في امرأة أوس بن الصّامت، وإنّ آية اللّعان نزلت في عُويمر العَجْلاني أو هلال بن أُميّة، وإنّ آية الكَلالة نزلت في جابر بن عبد الله... ونظائر هذا كثير مِمّا يذكرون أنّه نزل في قومٍ من المشركين بمكّة، أو في قومٍ من أهل الكتاب اليهود والنّصارى، أو في قومٍ من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصِدوا أنّ حكم الآية مختصٌّ بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإنّ هذا لا يقوله مسلمٌ ولا عاقلٌ على الإطلاق، والنّاس وإن تنازعوا في اللّفظ العامّ الوارد على سببٍ هل يختصُّ بسببه أم لا؟ فلم يقل أحدٌ من علماء المسلمين: إنّ عمومات الكتاب والسنّة تختصّ بالشّخص المعيّن، وإنما غايةُ ما يُقال: إنّها تختصّ بنوع ذلك الشّخص فيعمّ ما يشبهُه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآيةُ التي لها سببٌ معيَّن، إن كانت أمراً ونهياً فهي متناولةٌ لذلك الشّخص ولغيره ممّن كان بمنزلته، وإن كانت خبرًا بمدحٍ أو ذمٍّ فهي متناولةٌ لذلك الشّخص وغيره مِمّن كان بمنزلته أيضًا»([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).

([1]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، رقم (5376)، ج7، ص68. ومسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، رقم (2022) ج3، ص1599.

([2]) نقله عنه، الزركشي. البحر المحيط، مرجع سابق، ج4، ص272.

([3]) الجصّاص. أحكام القرآن، ج4، ص355.

([4]) ابن حزم. الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، ج5، ص59.

([5]) المرجع السابق، ج1، ص97.

([6]) الجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله. التلخيص في أصول الفقه، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، بيروت: دار البشائر الإسلامية، (د.ت)، ج1، ص428.

([7]) الزركشي. البحر المحيط، مرجع سابق، ج4، ص251، وينظر: العلائي: صلاح الدين الكيكلدي. تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، تحقيق ونشر عبد الله آل الشيخ، (د.م): ط1، 1403ه‍، ص339.

([8]) «التاريخية» أو «التاريخانية» مصطلحٌ وافدٌ إلى الساحة العربية والإسلامية من الغرب. وقد سُجِّل أَوَّلُ ظهور لهذا المصطلح في اللغة الفرنسية في القرن التاسع عشر الميلادي وبالتحديد عام 1872م. ورغم أن المعاني الفلسفية والأيديولوجية التي أُلْبِست لهذا المفهوم في العصر الحديث هي أكثر من تُحصى، كما يقول الجابري، إلا أن من أقرب ما عُرِّفت به التاريخانية هو أنها: «العقيدة التي تقول: إن كل شيء أو كل حقيقة تتطوَّر مع التاريخ، وهي تهتم أيضا بدراسة الأشياء والأحداث من خلال ارتباطها بالظروف التاريخية». من خلال هذا التعريف نلاحظ أن التاريخية مذهب فكري يؤمن بأنه لا ثبات للحقائق بل هي في تغيُّر وتطوُّر دائمين. وهذا المذهب، على الصعيد المعرفي، موازٍ للنظرية الداروينية على الصعيد البيولوجي، التي تقول بتطور الكائنات الحية المستمر. ويُنظر: الطحّان: أحمد إدريس. العلمانيون والقرآن الكريم: تاريخية النص، الرياض: دار ابن حزم للنشر والتوزيع، ط1، 2007م، ص296.

([9]) الرازي. المحصول، مرجع سابق، ج3، ص125.

([10]) ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام. مقدّمة في أصول التفسير، بيروت: دار مكتبة الحياة، 1980م، ص16.

وصال ملك
14-12-20 ||, 11:01 PM
السلام عليكم
حفظكم الله
علينا ان نضبط الاجتهاد في هذا المجال بالوقوف على نوع الخطاب الموجه (خاص يراد به العموم أو عام يراد به الخصوص........)
مع الانتباه الى مقامات التشريع التي حكم بها النبي صلى الله عليه و سلم ( قاضي ,او ولي الامر
ملاحظة : هذه الكلمات كتبتها لأعبر عما دار في خاطري لما قرأت هذه الحلقة و جزاكم الله كل خير يا سيدي