المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الْخَبَرُ الْمَطْعُونُ .. عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ،،



عمرو بن الحسن المصري
14-10-22 ||, 12:04 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
____________________


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن تقسيم الخبر من حيث المعنى يرجع إلى المعنى باعتبار التفاوت بين أقسامه واختلاف درجاتها في القوة، لا باعتبار اللفظ ودلالته على المعنى؛ إذ المتواتر والمشهور وسائر الأقسام في الدلالة على المعنى سواء، ولا شك أن القوة أمر معنوي لا صوري.
ويقسم البزدوي الخبر من حيث المعنى إلى خمسة أقسام:
1- ما هو صدق لا شبهة فيه وذلك هو المتواتر.
2- ما فيه شبهة وهو المشهور.
3- ما هو محتمل تَرَجَّح جانب صدقه وهو الآحاد المستجمع لشروط القبول.
4- ما هو محتمل عارضَ دليلَ رجحان الصدق منه ما أوجب التوقف فيه فلم يقم به الحجة، وذلك مثل أنواع ما يسقط به خبر الواحد (كخبر الواحد المخالف لظاهر القرآن أوا لسنة المشهورة أو خبر الفاسق).
5- الخبر المطعون الذي رده السلف وأنكروه.

وهذا القسم -5- ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما لحقه الطعن والنكير من راوي الحديث.
وهو أربعة أنواع:
الأول: ما أنكره صريحًا.
الثاني: أن يعمل بخلافه قبل أن يبلغه أو بعد ما بلغه أو لا يعرف تاريخه.
الثالث: أن يعين بعض ما احتمله الحديث من تأويل أو تخصيص.
الرابع: أن يمتنع عن العمل به.
القسم الثاني: ما لحقه الطعن من جهة غير الراوي.
وهو نوعان:
الأول: ما يلحقه من الطعن من قبل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: ما يلحقه من الطعن من قبل أئمة الحديث.
راجع: كشف الأسرار (3/ 59)، والكافي (3/ 1351).


وسأبحث كل قسم من قسمي الخبر المطعون الذي رده السلف في مبحث مستقل.


[من كتاب "منهج الحنفية في نقد الحديث" للدكتور كيلاني محمد خليفة، الصفحات (309-327)]
يتبع..

عمرو بن الحسن المصري
14-10-22 ||, 03:02 PM
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ الْمَبْحَثُ الأَوَّلُ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
الخبر الذي لحقه الطعن والنكير من راوي الحديث

أولًا: إنكار الراوي لما رواه:
إذا أنكر المروي عنه الرواية إنكار جحود وتكذيب بأن قال: ما رويتُ لك هذا الحديث قط أو كذبتَ عليَّ، فهذا يُسقط العمل به بلا خلاف؛ لأن كل واحد منهما مكذب للآخر فيما يدعيه، ولا بد من كذب أحدهما، وهو موجب للقدح في الحديث، غير أن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأن كل واحد منهما عدل، وقد وقع الشك في كذبه، والأصل العدالة فلا تترك بالشك، وتظهر فائدة ذلك في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الخبر.
أما إذا أنكره نسيان وتوقُّف بأن قال: لا أذكر أني رويتُ لك هذا الحديث أو لا أعرفه ونحو ذلك، فقد اختُلف فيه: فذهب أبو الحسن الكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية عنه: إلى أن العمل يسقط به. وذهب مالك والشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه ومحمد بن الحسن وجماعة من المتكلمين وجمهور المحدثين: إلى أنه لا يسقط العمل به كما لو لم ينكر. راجع: كشف الأسرار (3/ 59)، وأصول السرخسي (2/ 3)، والكافي (3/ 1352)، والفصول في الأصول (3/ 183)، والتقرير والتحبير (2/ 266)، وفواتح الرحموت (2/ 292)، والتوضيح على التلويح (2/ 52)، وشرح المنار (ص 660)، وقواعد في علوم الحديث (ص 201)، والبحر المحيط (4/ 321)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (2/ 151)، والمستصفى (1/ 167).
قال ابن الصلاح في علوم الحديث (ص 116، 118): "إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا وروجع المروي عنه فنفاه: فالمختار أنه إن كان جازمًا بنفيه بأن قال: ما رويتُه أو كذب عليَّ أو نحو ذلك فقد تعارض الجزمان، والجاحد هو الأصل فوجب رد حديث فرعه ذلك، ثم لا يكون جرحًا له يوجب رد باقي حديثه؛ لأنه مكذب لشيخه أيضًا في ذلك، وليس قبول جرح شيخه له بأَوْلَى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا. أما إذا قال المروي عنه: لا أعرفه أو لا أذكره أو نحو ذلك فذلك لا يوجب رد رواية الراوي عنه...
ومن روى حديثًا ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطًا للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين، خلافًا لقوم من أصحاب أبي حنيفة.
والصحيح ما عليه الجمهور؛ لأن المروي عنه بصدد السهور والنسيان والراوي عنه ثقة جازم فلا يرد بالاحتمال روايته، وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها عمن سمعها منهم، فكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني عن فلان بكذا وكذا، وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب ((أخبار من حديث ونَسِي))". اهـ. وراجع: إرشاد طلاب الحقائق (ص 115، 116)، وتدريب الراوي (1/ 334)، وفتح المغيث (2/ 77)، والكفاية (ص 541، 542).
-أمثلة إنكار الراوي لما رواه:
المثال الأول: روى أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عبدالعزيز الدراوردي عن ربيعة ابن أبي عبدالرحمن عن سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.
قال عبدالعزيز: فذكرتُ ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أبي حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبدالعزيز: وقد كان أصابت سهيلًا علةٌ أذهبت بعض عقله ونَسِي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه.
ورواه أبو داود أيضًا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان: فلقيتُ سهيلًا فسألتُه عن هذا الحديث فقال: ما أعرفه. فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك. قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني.
قال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (3/ 62): "فأصحابنا لم يقبلوا هذا الحديث لانقطاعه بإنكار سهيل، وتمسك به بعض مَنْ قَبِلَ هذا النوع فقال: لما قال سهيل حدثني ربيعة عني، وشاع وذاع ذلك بين أهل العلم ولم ينكر عليه أحد، فكان ذلك إجماعًا منهم على قبوله وهذا فاسد؛ لأنه ليس فيه ما يدل على وجوب العمل به، غايته أنه يدل على جواز أن يقول الأصل بعد النسيان حدثني الفرع عني، ولا يستلزم وجوب العمل به ولا جوازه".
[* مَسْأَلَةُ القَضَاءِ بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
المثال الثاني: روى أحمد في مسنده (6/ 47)، والترمذي (1125)، وابن ماجه (1879) من طريق سفيان بن عيينه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نكحت المرأة بغير أمر مولاها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان وَلي من لا ولي له).
قال ابن جريج فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه قال: وكان سليمان ابن موسى وكان فأثنى عليه.
قال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (3/ 62): "فلما ردَّه المروي عنه وهو الزهري، لم يقم به الحجة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويجوز أن يكون قول محمد في هذا الأصل على خلاف قولهما كما دلَّ عليه مسألة الشاهدين شَهِدا على القاضي بقضية وهو لا يذكرها وهو الظاهر، ويجوز أن يكون على وفاق قولهما، إلا أنه لم يجوِّز النكاح بغير ولي لأحاديث أخرى".
[تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ ’’النِّكَاحُ بِغَيرِ وَلِيّ‘‘ .. عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ،، (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]

ثانيًا: عمل الراوي بخلاف ما روى:
ذهب جمهور العلماء من الفقهاء والأصوليين والمحدثين إلى أن عمل الراوي أو فتواه بخلاف روايته لا يُوجب طعنًا في الحديث؛ لأن الواجب قبول روايته ونقله عن النبي صلى الله عليه وسلم لا قبول فعله وفتواه. وذهب أكثر الحنفية إلى أن ذلك يُسقط الاحتجاج بالحديث؛ لأنه لا يترك العمل بالحديث إلا لعلمه بأنه منسوخ أو ليس بثابت.
وإطلاق كلام العلماء في المسألة يقتضي أن محل النزاع يشمل مخالفة أي راو من رواة الحديث، إلا أن بعضهم قَيَّد ذلك بمخالفة الصحابي فقط دون غيره؛ لأن الصحابي هو المباشر للنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر التنزيل وشاهد الوحي، فهو أعلم بمراد الشارع من غيره، فلعله شاهد أو سمع ما يقتضي مخالفته للحديث، والأمثلة المذكورة من فروع المسألة كلها في مخالفة الصحابي مما يؤيد صحة هذا التقييد. راجع: مخالفة الصحابي (ص 17، 87)، وحكم الاحتجاج بخبر الواحد (ص 123).
وعمل الراوي أو فتواه بخلاف الحديث الذي رواه له ثلاثة حالات عند الحنفية:
1- أن يكون قبل روايته للحديث أو قبل بلوغه إياه.
2- أن لا يعرف تاريخه، وفي هاتين الحالتين لا يوجب ذلك جرحًا في الحديث.
3- أن يكون بعد روايته للحديث أو بلوغه إياه وهو خلاف بيقين، فإن ذلك يوجب جرحًا في الحديث ويسقط العمل به.
راجع: كشف الأسرار (3/ 63)، وأصول السرخسي (2/ 5)، والكافي (3/ 1354)، والفصول في الأصول (3/ 203)، والتقرير والتحبير (2/ 266)، والتوضيح (2/ 25)، وفواتح الرحموت (2/ 163)، وقواعد في علوم الحديث (ص 202)، وشرح المنار (ص 661)، والبحر المحيط (3/ 246)، والإحكام للآمدي (2/ 165).
فعمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه أو فتواه بخلافه، إِنْ كان قبل الرواية وقبل بلوغه إياه لا يوجب ذلك جرحًا في الحديث بوجه؛ لأن الظاهر أن ذلك كان مذهبه، وأنه ترك ذلك الخلاف بالحديث ورجع إليه، فيحمل عليه إحسانًا للظن به.
وإِنْ لم يُعرف تاريخه، أي لا يُعلم أنه عمل بخلافه قبل البلوغ إليه والرواية أو بعد واحد منهما لا يسقط الاحتجاج به؛ لأن الحديث حجة في الأصل بيقين، وقد وقع الشك في سقوطه؛ لأنه إن كان الخلاف قبل الرواية والبلوغ إليه كان الحديث حجة، وإن كان بعد الرواية أو البلوغ لم يكن حجة،فوجب العمل بالأصل، ويحمل على أنه كان قبل الرواية؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه.
وإنْ كان العمل أو الفتوى منه بخلاف الحديث بعد الرواية أو بعد بلوغه إياه وذلك خلاف بيقين -أي لا يحتمل أن يكون مرادًا من الخبر بوجه- فإن ذلك الخلاف جرح في الحديث؛ لأن خلافه إن كان حقًّا بأن خالف للوقوف على أنه منسوخ أو ليس بثابت وهو الظاهر من حاله فقد بطل الاحتجاج بالحديث؛ لأن المنسوخ أو ما هو ليس بثابت ساقط العمل والاعتبار، وإن كان خلافه باطلًا بأن خالف لقلة المبالاة والتهاون بالحديث كان مغفَّلًا وكلاهما مانع من قبول الرواية. راجع: كشف الأسرار (3/ 63)، وأصول السرخسي (3/ 5).
وأما عند المحدثين فإن عمل الراوي أو فتياه على وفق حديث رواه ليس حكمًا منه بصحته ولا بتعديل رواته، لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطًا، أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر، ومخالفته له ليست قدحًا منه في صحته ولا في رواته، لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وفعل الراوي بخلاف روايته لا يلزم منه الأخذ برأيه وترك ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المعتبر ما رَوَىَ لا ما رأى. راجع: مقدمة ابن الصلاح (ص 111)، وإرشاد طلاب الحقائق (ص 112)، وتدريب الراوي (1/ 315)، وفتح المغيث (2/ 38).
قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/ 370): "إذا روى الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ثم روى عن ذلك الصحابي خلاف لما روى، فإنه ينبغي الأخذ بروايته وترك ما روى عنه من فعله أو فتياه؛ لأن الواجب علينا قبول نقله ونذارته عن النبي صلى الله عليه وسلم لا قبول رأيه".
ويرى الجمهور أن ترك الراوي للعمل بالحديث يحتمل أمورًا أخرى غير علمه بنسخ الحديث أو ضعفه -كما قال الحنفية- إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا حضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه.
ولو قدر انتفاء ذلك كله -ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك. راجع: إعلا الموقعين (3/ 40).
وإذا كان لا بد من توهين إحدى الروايتين فتوهين الرواية عن الصحابي أَوْلَى من توهين روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه هي المفترض علينا قبولها، وأما ما كان موقوفًا على الصاحب فليس فرضًا علينا الطاعة به. النبذ في أصول الفقه (ص 98)، وراجع: الإحكام في أصول الأحكام (2/ 12).
-أمثلة عمل الراوي بخلاف ما روى:
المثال الأول: أخرج البخاري (172)، ومسلم (676) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات).
وفي رواية لمسلم (674): (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار).
وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 23)، والدارقطني في سننه (1/ 66): أن أبا هريرة قال: إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات.
فهذا الحديث من رواية أبي هريرة ورُوي عنه العمل بخلافه، فاختلف العلماء في حكم ولوغ الكلب في الإناء تبعًا لاختلافهم في هذه القاعدة، فذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات، ولم يلتفتوا إلى عمل أبي هريرة بخلافه؛ لأن العبرة بما رواه لا ما رآه. راجع: التمهيد (18/ 268)، والمجموع (2/ 598)، والمغني (1/ 46).
وذهب الحنفية إلى أنه يكفي غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات عملًا بقول أبي هريرة؛ لأنه لما ثبت قول أبي هريرة على خلاف الحديث، حُمل على أنه كان علم انتساخ هذا الحكم، أو علم بدلالة الحال أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم الندب فيما وراء الثلاثة. راجع: أصول السرخسي (3/ 6).
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 23): "فلما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاثة تطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه، وقد رَوى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا، ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به، فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته".
[ما تحرير مذهب السادة الحنفية في مسألة بيع الكلب؟ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
[في حكم بيع الكلاب (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
المثال الثاني: أخرج أبو داود (2083)، والترمذي (1125)، وابن ماجه (1879) عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل -ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).
وروى مالك في الموطأ عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زوجت حفصةَ بنت عبدالرحمن المنذرَ بن الزبير، وعبدُالرحمن غائب بالشام، فلما قدم عبدالرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به؟ ومثلي يفتات عليه؟ فكلمت عائشة المنذر ابن الزبير، فقال المنذر: فإن ذلك بيد عبدالرحمن. فقال عبدالرحمن: ما كنت لأرد أمرًا قضيتيه. فقرت حفصة عند المنذر، ولم يكن ذلك طلاقًا.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها، عملًا بحديث عائشة وغيره، وتأولوا تزويج عائشة لحفصة بنت عبدالرحمن، بأنها مهدت أسباب التزويج فأُضيف إليها، وعليه فإن عائشة لم تخالف ما روت. وذهب الحنفية إلى جواز مباشرة الحرة البالغة العاقلة عقد نكاحها ونكاح غيرها؛ لأن عائشة لما رأت أن تزويجها بنت أخيها بغير أمره جائز، ورأت ذلك العقد مستقيمًا، حتى أجازت فيه التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح وثبوته، استحال أن يكون ترى ذلك مع صحة ما روت، فلا بد أن يكون غير ثابت أو منسوخًا.
[تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ ’’النِّكَاحُ بِغَيرِ وَلِيّ‘‘ .. عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ،، (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
المثال الثالث: أخرج البخاري (735)، ومسلم (887) عن سالم عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
وروى الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 225) عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة.
ثم قال: "فهذا ابن عمر قد رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع ثم ترك هو الرفع بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وقامت الحجة عليه بذلك".
[المثال الخامس: رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد).]


ثالثًا: عمل الراوي ببعض محتملات الحديث:
اتفق العلماء على أن عمل الراوي ببعض محتملات الحديث لا يعتبر قدحًا في الحديث، ولكن اختلفوا في وجوب العمل بهذا الوجه الذي حمل الصحابي الحديث عليه، وفرقوا في هذا الحكم بين الحديث المشترك ونحوه، وبين الحديث الظاهر.
فأما إذا روى الصحابي حديثًا مشتركًا أو نحوه كالمجمل، فحمله على أحد محمليه، فالمتعين ذلك المحمل عند الجمهور؛ منهم الشافعية وبعض الحنفية؛ لأن الظاهر من حاله عدم حمله عليه إلا بقرينة ظهرت له، والصحابي العارف بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم الواقف على أسراره أعرف بذلك من غيره، فكان حمله بيانًا منه أن النبي صلى الله لعيه وسلم أراد ذلك فلا يترك تأويله إلا بالأقوى منه، وخالف فيه أكثر الحنفية؛ حيث قالوا: لا يجب تقليد تأويل الصحابي لجواز أن يكون حمله عليه برأيه فلا يبطل به احتمال آخر شمله النص.
وأما إذا روى الصحابي حديثًا ظاهرًا في معنى فحمله على غيره؛ فالأكثر منهم الشافعية والمالكية والكرخي من الحنفية يحملونه على الظاهر، ولا يعتبرون قول الصحابي، وأكثر الحنفية يحملونه على ما حمل عليه الصحابي من خلاف الظاهر، ويتركون العمل بالظاهر، بناءً على أن ترك الظاهر بلا وجه حرام، فلا يتركه إلا بدليل مرجح لما ليس بظاهر، ومن ذلك تخصيص العام من الصحابي يجب حمله على سماع المخصص. راجع: كشف الأسرار (3/ 65)، وأصول السرخسي (2/ 6)، والكافي (3/ 1356)، والفصول في الأصول (3/ 203)، والتوضيح على التلويح (2/ 25)، والتقرير والتحبير (2/ 266)، وفواتح الرحموت (2/ 163)، وشرح المنار (ص 662)، وقواعد في علوم الحديث (ص 202)، والأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة (ص 222، 223)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (2/ 165).
-أمثلة عمل الراوي ببعض محتملات الحديث:
المثال الأول: أخرج مالك في الموطأ (1364)، والبخاري (2111)، ومسلم (3935): عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار). زاد مسلم: فكان ابن عمر إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هُنيهة ثم رجع إليه.
وهذا الحديث دليل ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس، والتفرق يحتمل أن يكون بالأقوال أو بالأبدان، وعمل ابن عمر راوي الحديث يدل أن المقصود التفرق بالأبدان.
فذهب الشافعية إلى أن المقصود هو تفرق الأبدان كما جاء من فعل ابن عمر؛ لأن الصحابي أعرف بذلك من غيره، فكان حمله بيانًا منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد ذلك، فلا يترك تأويله إلا بالأقوى منه، وذهب الحنفية إلى أن التفرق بالأقوال لرجحانه عندهم؛ لأن تأويل الصحابي في هذه الحالة لا يكون حجة على غيره.
[ثالثًا/ مَسْأَلَةُ الخِيَارِ فِي الْبَيْعِ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
المثال الثاني: أخرج البخاري (3017) عن عكرمة أن عليًّا حرَّق قومًا، فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تعذِّبوا بعذاب الله). ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدَّل دينه فاقتلوه).
اختلف الفقهاء في حكم المرتدة فقال مالك والشافعي وأحمد: تقتل المرتدة كما يقتل المرتد سواء. وهو قول ابن أبي ليلى وعثمان البتة والأوزاعي والليث والزهري والنخعي ومكحول وحماد وإسحاق. وقال أبو حنيفة والثوري: لا تقتل المرتدة. راجع: مختصر اختلاف الفقهاء (3/ 471)، والمبسوط (10/ 108)، وفتح القدير (6/ 71)، وروضة الطالبين (10/ 75)، والتمهيد (5/ 312)، والمغني (9/ 16).
احتج مَنْ قال بقتل المرتدة بعموم هذا الحديث لأنه لم يخص ذكرًا من أنثى، واحتجوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). أخرجه البخاري (6878)، ومسلم (4468).
وتمسك من قال لا تقتل المرتدة بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/ 585) عن ابن عباس أنه قال: لا يقتلن النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن ويدعين إلى الإلسلام فيجبرن عليه.
فلما خص ابن عباس الحديث بالرجل دون المرأة وهو راوي الحديث لزم تخصيصه؛ لأن من روى حديثًا كان أعلم بتأويله، واحتجوا أيضًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والولدان. أخرجه أبو داود (2672).

رابعًا: امتناع الراوي عن العمل بالحديث:
والامتناع عن العمل بالحديث مثل العمل بخلافه حتى يخرج به عن كونه حجة؛ لأن ترك العمل بالحديث الصحيح حرام كما أن العمل بخلافه حرام.
والمراد بالامتناع هو أن لا يشتغل بالعمل بما يوجبه الحديث ولا بما يخالفه من الأفعال الظاهرة، كما إذا لم يشتغل بالصلاة في وقت الصلاة ولا بشيء آخر حتى مضى الوقت، كان هذا امتناعًا عن أداء الصلاة لا عملًا بخلافه، ولو اشتغل بالأكل والشرب في وقت الصوم كان هذا عملًا بخلافه، إلا أن كليهما في التحقيق واحد؛ لأن الترك فعل، فكان الاشتغال به كالاشتغال بفعل آخر فيكون عملًا بالخلاف أيضًا، ولهذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ترك ابن عمر العمل بحديث رفع اليدين في قسم عمل الراوي بخلاف الحديث، وقسم امتناع الراوي عن العمل بالحديث. اجع: كشف الأسرار (3/ 66)، وأصول السرخسي (2/ 7)، والكافي (3/ 1357).
***



يتبع..

عمرو بن الحسن المصري
14-10-22 ||, 09:00 PM
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ الْمَبْحَثُ الثَّانِي ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

الخبر الذي لحقه الطعن من غير الراوي





أولًا: طعن الصحابة في الحديث:
يعني الحنفية بطعن الصحابة في الحديث عملهم بخلافه، ويقسمونه إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون الحديث مما لا يحتمل الخفاء على الطاعن.
القسم الثاني: أن يكون الحديث مما يحتمل الخفاء على الطاعن.
القسم الأول: ما لا يحتمل الخفاء:
يرى الحنفية أن الحديث الذي عمل بعض الصحابة بخلافه، وكان من جنس ما لا يحتمل الخفاء على الطاعن أنه ليس بحجة؛ لأنا تلقينا الدين منهم فيبعد أن يخفى عليهم، ولا يظن بهم مخالفة حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال، فأحسن الوجوه أن من خالف علم انتساخه، أو علم أن ذلك الحكم لم يجب حتمًا فيجب حمله على ذلك. راجع: كشف الأسرار (3/ 67)، وأصول السرخسي (2/ 7)، والكافي (3/ 1358)، والفصول في الأصول (3/ 204)، والتوضيح على التلويح (2/ 27)، والتقرير والتحبير (2/ 267)، وفواتح الرحموت (2/ 164)، وشرح المنار (ص 663).
-أمثلة ما لا يحتمل الخفاء:
-المثال الأول: أخرج مسلم (4509) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).
يرى الحنفية أن حد البكر الجلد، وأما النفي فعقوبة تعزيرية موكولة إلى الإمام، ولم يعملوا بهذا الحديث؛ لأنا لصحابة عملوا بخلافه، وهو مما لا يحتمل الخفاء عليهم، فقولهم بخلافه يدل على علمهم بنسخه أو عدم وجوبه حتمًا.

[ثالثًا/ مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ فِي زِنَا الْبِكْرِ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
روى عبدالرزاق في مصنفه (7/ 312) عن إبراهيم قال: قال ابن مسعود في البكر يزني بالبكر: يجلد مائة وينفيان. قال: وقال عليٌّ: حسبهما من الفتنة أن ينفيا.
وروى عبدالرزاق أيضًا في مصنفه (9/ 230)، ومن طريقه النسائي (5676) عن ابن المسيب قال: غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب بعده مسلمًا.
وهذا الحديث من جنس ما لا يحتمل الخفاء عليهما؛ لأن إقامة الحدود من حظ الأئمة ومبناه على الشهرة، وعمر وعلي من أئمة الهدى، فلو صح لما خفي عليهما، وهذا لأنا تلقينا الدين منهم، فيبعد أن يخفى عليهم، فيحمل على الانتساخ. راجع: أصول البزدوي (3/ 66)، وأصول السرخسي (2/ 7).
المثال الثاني: أخرج البخاري (4235) عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: أما اولذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس بَيَّانًا -البيَّان: الشيء الواحد والمراد معدمون- ليس لهم شيء، ما فتحت على قربة إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها لهم خزانة يقتسمونها.
فلما امتنع عمر من القسمة في سواد العراق، مع أنه لم يخف عليه قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بين أصحابه افتتحها، عُلم أن القسمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن حكمًا حتمًا منه صلى الله عليه وسلم على وجه لا يجوز غيره في الغنائم. راجع: أصول البزدوي (3/ 67)، وأصول السرخسي (2/ 8).
ولهذا اختلف العلماء في المدينة إذا فتحت عنوة، هل تقسم أرضها بين المسلمين كسائر الغنائم أو توقف؟ فقال أبو حنيفة وأحمد -في أصح الروايات عنه-: الإمام مخير بين أن يقسمها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر، أو يقر أهلها عليها ويضع عليهم الخراج، كما فعل عمر بسواد العراق بموافقة جمع من الصحابة.
وقال الشافعي: "تقسم بين الغانمين، ولو رأى الإمام أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر، إذا استطاب قلوب الغانمين في النزول عنها، بعوض أو بغير عوض.
وقال مالك: "لا تقسم الأرض وتكون وقفًا يُصرف خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسم الأرض".
راجع: مختصر اختلاف الفقهاء (3/ 494)، وأحكام القرآن للجصاص (5/ 318)، وفتح القدير (5/ 470)، وبداية المجتهد (1/ 293)، وروضة الطالبين (10/ 277)، والمغني (2/ 308).
القسم الثاني: ما يحتمل الخفاء:
رأينا في القسم الأول أن الحنفية لا يحتجون بالحديث الذي لا يحتمل الخفاء على الطاعن فيه من الصحابة، أما القسم الثاني وهو ما يحتمل خفاؤه على الطعن، فإنهم يرون أن ذلك لا يخرج الحديث عن كونه حجة؛ لأن الحديث الصحيح واجب العمل به فلا يترك العمل به بمخالفة بعض الصحابة إذا أمكن الحمل على وجه حسن، وقد أمكن هاهنا بأن يقال: إنما عمل أو أفتى بخلافه؛ لأنه خَفِي عليه النص، ولو بلغه لرجع إليه؛ فالواجب على من بلغه الحديث بطريق صحيح أن يعمل به. راجع: كشف الأسرار (3/ 68)، وأصول السرخسي (2/ 8)، والكافي (3/ 1360)، والفصول في الأصول (3/ 207)، والتوضيح على التلويح (2/ 27)، والتقرير والتحبير (2/ 267)، وفواتح الرحموت (2/ 164)، وشرح المنار (ص 663).
-أمثلة ما يحتمل الخفاء:
المثال الأول: أخرج البخاري (4401)، ومسلم (3286) عن عروة وأبي سلمة عن عائشة قالت: حاضتْ صفيةُ بين حُيَيٍّ بعد ما أفاضتْ فذكرتُ حيضتَها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَحَابِسَتُنَا هِيَ). قالت: فقلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَلْتَنْفِرْ).
وأخرج البخاري (1755)، ومسلم (3284) عن طاوس عن ابن عباس قال: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض.
ذهب عامة الفقهاء إلى أنه ليس على الحائض طواف الوداع؛ منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري وإسحاق وأبو ثروٍ وغيرهم. راجع: فتح القدير (2/ 504)، والتمهيد (17/ 270)، وروضة الطالبين (3/ 116)، والمغني (3/ 238).
ورُوي عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروا ببقائها لطواف الوداع، ورُوي عن ابن عمر وزيد الرجوع عن ذلك، وتُرك قول عمر للأحاديث الصحيحة السابقة؛ لأنه مما يجوز خفاؤه عليه، فلا يُعترض بخلافه على الخبر ولا يوهنه.
أخرج مسلم (3285) عن طاوس قال: كنتُ مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت تفتي أن تَصْدُرَ الحائضُ قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت. فقال له ابن عباس: إمَّا لا فَسَلْ فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقتَ.
وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 234) عن طاوس قال: كان ابن عمر قريبًا من سنتين ينهى أن تنفر الحائض حتى يكون آخر عهدها بالبيت، ثم قال: نُبئت أنه قد رُخِّص للنساء.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 173) عن القاسم بن محمد: أنه سئل عن امرأة زارت البيت يوم النحر ثم حاضت يوم النحر؟ فقال: يرحم الله عمر، قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد فرغتْ إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت.
وأخرج أحمد في مسنده (3/ 416)، وأبو داود في سننه (2004) عن الحارث بن عبدالله بن أوس قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض؟ قال: ليكن آخر عهدها بالبيت. قال فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقال عمر: أَرِبْتَ عن يديك -أربت عن يديك: أي سقطت آرابك من اليدين خاصة. وقال الهروي: معناه ذهب ما في يديك حتى تحتاج. قال ابن الأثير: وفي هذا نظر؛ لأنه قد جاء في رواية أخرى للحديث. خررت عن يديك، وهي عبارة عن الخجل مشهورة كأنه أراد أصابك خجل أو ذم، ومعنى خررت سقطت. راجع النهاية (35)- سألتني عن شيء سألتَ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لِكَيْمَا أُخَالِفَ.
فقد ثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ليس على الحائض طواف الوداع، ورجع إلى ذلك قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان يقول بخلافه، كزيد بن ثابت وعبدالله بن عمر، وهذا الحكم رخصة للحائض من وجوب طواف الوداع على سائر الناس، فثبت بذلك نسخ حديث الحارث بن أوس، وما كان ذهب إليه عمر في ذلك. راجع: شرح معاني الآثار (2/ 235)، وفتح الباري (3/ 587).
المثال الثاني: أخرج الدارقطني في سننه (1/ 161) عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه قال: بينما نحن نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل ضرير البصر فوقع في حفرة فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الوضوء كاملًا وإعادة الصلاة من أولها.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (1/ 340)، والدارقطني أيضًا في سننه (1/ 171) عن حميد بن هلال قال: كانوا في سفر فصلى بهم أبو موسى، فسقط رجل أعور في بئر أو شيء، فضحك القوم غير أبي موسى والأحنف، فأمرهم أن يعيدوا الصلاة.
وما روي عن أبي موسى لا يوجب جرحًا في الحديث؛ لأن ذلك من الحوادث النادرة فاتحمل الخفاء على أبي موسى فلذلك لم يعمل به.

ثانيًا: الطعن من أئمة الحديث:
يرى الحنفية أن الطعن من أئمة الحديث لا يُقبل مبهمًا؛ لأن العدالة في المسلمين ظاهرة خصوصًا في القرون الأولى، فلو وجب الرد بمطلق الطعن لبطلت السنن؛ لأن الجارح ربما اعتقد ما لا يصلح سببًا للجرح جارحًا وليس بجرح في نفس الأمر.
كما أن الطعن المفسَّر بما يكون موجبًا للجرح، إن حصل ممن هو معروف بالتعصب أو متهم به، لظهور سبب باعث له على العداوة فإنه لا يوجب جرحًا، وذلك نحو طعن الملحدين والمتهمين ببعض الأهواء المضلة في أهل السنة، وطعن أتباع المذاهب بعضهم على بعض؛ لأنه ناشئ عن تعصب وعداوة. راجع: كشف الأسرار (3/ 68)، وأصول السرخسي (2/ 10)، والكافي (3/ 1358)، والتوضيح على التلويح (2/ 27)، والتقرير والتحبير (2/ 258)، وفواتحا لرحموت (2/ 154)، وشرح المنار (ص 664)، والرفع والتكميل (ص 79).
يتحصل من هذا أن شروط قبول الجرح عند الحنفية ثلاثة:
1- أن يكون الجرح مفسَّرًا بذكر سبب الجرح.
2- أن يكون السبب مما يصلح الجرح به بالاتفاق.
3- أن لا يكون صادرًا عن عصبية أو عداوة.
ومذهب الحنفية في ذلك يتفق مع مذهب أكثر الفقهاء وجمهور المحدثين. راجع: تدريب الراوي (1/ 305)، وفتح المغيث (3/ 21)، وأصول الجرح والتعديل (ص 80).
يقول ابن الصلاح في علوم الحديث (ص 106): "الجرح لا يُقبل إلا مفسَّرًا مبيَّن السبب؛ لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناءً على أمر اعتقده جرحًا وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه ليُنظر فيه أهو جرح أم لا، وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله، وذكر الخطيب الحافظ -في الكفاية (ص 108)- أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم".
وذكر الحنفية أمثلة للجرح بما لا يصلح جرحًا منها:
1- من طعن في الإمام أبي حنيفة بأنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد ابن أبي سليمان عند وفاته فكان يروي منها، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه -رحمه الله تعالى- كان أعلى حالًا، وأجل منصبًا من أن يُنسب إليه ذلك، ويتنافى مع دقة نظره في دقائق الورع والتقوى، وعلو درجته في العلم والفتوى، وإن سلمنا صحة أخذه لكتب شيخه ليروي منها فلا بد أن يكون أخذها بطريق صحيح، إما بتملك أو عارية ليراجع ما سمعه من شيخه، وهذا دلالة إتقانه؛ لأنه كان لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ وإتقان، ولا يأمن الحافظ الزلل وإن وجد حفظه وحسن ضبطه؛ فالرجوع إلى كتب أستاذه آية إتقانه لا قدح فيه.
2- ومن ذلك ما لا يُعَدُّ ذنبًا في الشريعة؛ كمثل يما يُروى أن محمد بن الحسن سأل عبدالله بن المبارك أن يقرأ عليه أحاديث سمعها فأبى، فقيل له في ذلك فقال: لا تعجبني أخلاقه. فهذا إن صح فليس به بأس؛ لأن أخلاق الفقهاء تخالف أخلاق الزهاد؛ لأن هؤلاء أهل عزلة وأولئك أهل قدوة، وقد يحسن في منزل القدوة ما يقبح في منزلة العزلة، ومما يدل على عدم صحة هذا الطعن ما قاله فيه عبدالله بن المبارك: لا يزال في هذه الأمة من يحمي الله به دينهم ودنياهم. فقيل له: ومن ذلك اليوم؟ فقال: محمد بن الحسن.
3- ومن ذلك الطعن بالاستكثار من فروع الفقه ومسائله، كما ذكر بعض المحدثين في حق أبي يوسف أنه كان إمامًا حافظًا متقنًا إلا أنه اشتغل بالفقه. ووجهه أنه لما اشتغل بالفقه وصرف همته إليه، لا بد من أن يقع خلل في حفظ الحديث وضبطه، وليس الأمر كما قالوا؛ لأن ذلك دليل الاجتهاد وقوة الذهن، فيستدل به على حسن الضبط والإتقان فكيف يصلح أن يكون طعنًا.
4- ومن ذلك الطعن بركض الدواب، فإن ذلك من عمل الجهاد؛ لأنا لسباق على الأفراس والأقدام مشروع ليتقوى به المرء على الجهاد، فما يكون من جنسه مشروع لا يصلح أن يكون طعنًا. راجع: كشف الأسرار (3/ 68)، وأصول السرخسي (2/ 10)، والكافي (3/ 1358).
وعقد الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية (ص 110) بابًا في ذكر بعض أخبار من استُفسر في الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة، ومما ذكر ما روي عن شعبة أنه قيل له: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون فتركت حديثه.
ومن أمثلة الجرح الصادر عن تعصب طعن المحدثين في الإمام أبي حنيفة بأنه ضعيف في الحديث، فهذا ناشئ قطعًا عن عصبية من المحدثين على أهل الرأي بوجه عام، وعلى إمامهم بوجه خاص.

[مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!) (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
قال شارح مسلم الثبوت: "لا بد للمزكي أن يكون عدلًا عارفًا بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفًا وناصحًا، لا أن يكون متعصبًا ومعجبًا بنفسه، فإنه لا اعتداد بقول المتعصب، كما قدح الدارقطني -في سننه (1/ 323)- في الإمام الهمام أبي حنيفة بأنه ضعيف في الحديث، وأي شناعة فوق هذا، فإنه إمام ورع تقي نقي خائف من الله، وله كرامات شهيرة، فبأيِّ شيء تطرق إليه الضعف.
فتارة يقولون: إنه كان مشتغلًا بالفقه، انظر بالإنصاف، أي قبح فيما قالوا؛ بل الفقيه أَوْلَى بأن يؤخذ الحديث منه.
وتارة يقولون: إنه لم يُلاق أئمة الحديث إنما أخذ ما أخذ من حماد، وهذا أيضًا باطل فإنه روى عن كثير من الأئمة؛ كالإمام محمد الباقر والأعمش وغيرهما، مع أن حمادًا كان وعاء للعلم؛ فالأخذ منه أغناه عن الأخذ عن غيره، وهذا أيضًا آية على كمال ورعه وتوقاه وعلمه، فإنه لم يكثر الأساتذة لئلا تتكثر الحقوق فيَخاف عجزَه عن إيفائها.
وتارة يقولون: إنه كان من أصحاب القياس والرأي، وكان لا يعمل بالحديث، حتى وضع أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه بابًا للرد عليه ترجمة: باب الرد على أبي حنيفة.
وهذا أيضًا من التعصب، كيف وقد قبل المراسيل وقال: ما جاءنا عن رسول الله فعلى الرأس والعين، وما جاء عن أصحابه فلا أتركه". انتهى من فواتح الرحموت (2/ 154).

حكم التدليس عند الحنفية:
التدليس عند المحدثين ينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وأنه من الأمور التي يطعن بها في الحديث.

[حُكمُ (الحَدِيثِ الْمُرْسَلِ).. عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ،، (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)]
أما التدليس عند الحنفية فقد اعتبروه من الطعن المفسر الذي لا يصلح أن يكون جرحًا ووجه ذلك في تدليس الشيوخ أن عدالة الراوي تقتضي أنه ما ترك ذكر الراوي إلا لأنه عدل ثقة عنده كما في المرسل، ويرجي ذلك مجرى تعديله تصريحًا، والصحابة كانوا يروون أحاديث ويتركون أسامي رواتها، فلو كان ذلك يوجب سقوط الخبر لما استجازوا ذلك، وإنما يصير هذا جرحًا إذا استُفسر الراوي فلم يفسر.
ووجه ذلك في تدليس الشيوخ أن الكناية عن الراوي كما تحتمل أن تكون لكون المروي عنه متهمًا، تحتمل أن تكون لأجل صيانته عن الطعن الباطل فيه، ولأجل صيانة الطاعن عن الوقوع في الغيبة والمذمة لمسلم من غير حجة، ثم هذه الكناية وإن كان مذمومة للمعنى الأول، فهي للمعنى الثاني أمر لا بأس به، فيحمل عليه بدلالة عدالة الراوي، كما أن الكناية عن الراوي قد تكون للاختصار، أو بسبب كون الراوي يروي عمن هو دونه في السن، أو قرينه أو هو من أصحابه، ويصير هذا جرحًا إذا فعله الراوي بقصد إخفاء ضعف المروي عنه.
وحكم المدلِّس عند الحنفية أنه إن كان مشهورًا بأنه لا يدلس إلا عمن يجوز قبول روايته فروايته مقبولة فيما دلس، وإن كان الظاهر من حاله أنه لا يبالي عمن دلس من ثقة أو غير ثقة، فإنه لا يقبل روايته إلا أن يذكر سماعه فيه. راجع: كشف الأسرار (3/ 73)، وأصول السخرسي (2/ 9)، والكافي (3/ 1361)، وشرح المنار (ص 664)، والفصول في الأصول (3/ 189)، وقفو الأثر (ص 71)، وقواعد في علوم الحديث (ص 158).
التعديل على الإبهام:
قال ابن الصلام في علوم الحديث (ص 110): "لا يجزي التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدَّل، فإذا قال: حدثني ثقة أو نحو ذلك مقتصرًا عليه، لم يُكتف به فيما ذكره الخطيب البغدادي والصيرفي الفقيه وغيرهما، خلافًا لمن اكتفى بذلك؛ وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يُعرف؛ بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع في القلوب ترددًا. فإن كان القائل لذلك عالمًا أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه على ما اختباره بعض المحققين". وراجع: إرشاد طلاب الحقائق (ص 111)، وتدريب الراوي (1/ 310)، وفتح المغيث (2/ 35)، ومنهج النقد في علوم الحديث (ص 104).
وعند الحنفية يقبل التعديل على الإبهام؛ لأن العدل لا يحكم على أحد بكونه ثقة إلا بعد تحقق عدالته والتفحص عن أسبابها، فيقبل هذا منه كما لو سماه، وقال هو ثقة أو عدل من غير بيان سبب. راجع: كشف الأسرار (3/ 72)، وأصول السرخسي (3/ 9)

***