المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنَّ الثَّمانينَ وبُلِّغْتَهَا *** لمْ تُحوِجِ السَّمْعَ إلَى تَرْجُمَانْ «إهداء إلى أستاذنا الكبير أ.د. محمد الدسوقي المفكر الإسلامي والفقيه الأصولي



د. هشام يسري العربي
14-10-24 ||, 12:56 PM
منذ أواخر عام 2011م وأنا معنيٌّ بإعداد كتاب أترجم فيه لأستاذنا الأستاذ الدكتور محمد الدسوقي لأوفيه بعض حقه، وأعرف الأجيال الجديدة والقادمة بأحد فقهاء العصر المتميزين، ولأنني أؤمن بأهمية دراسة الشخصيات الفقهية؛ لأنها جزء من تاريخ الفقه في كل عصر، ولا شك أن دراسة تاريخ الفقه هي دراسة للفقه؛ لأنها تعطي الدارسَ صورةً للمحاولات والجهودِ التي بذلت في سبيله، والمناهجِ التي اتُّبعت للوصول إلى غاياته، وذلك بلا ريب يجعل الدارس على بينة من مبادئه ونتائجه، ومقدمه وتاليه- كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله.
وأحمد الله تعالى أن أعانني على إنهائه في هذا اليوم الذي يبلغ فيه أستاذنا الثمانين من عمره.
وأسـتاذنا الدكتور محمد الدسـوقي واحد من أعلام الفكر الإسلامي والفقه والأصول في عصرنا، درَّس علوم الشريعة في العديد من الجامعات في ليبيا وقطر ومصر، وسافر إلى العديد من الدول العربية والإسلامية محاضرًا ومشاركًا في المؤتمرات العلمية والندوات الدولية، وألف العديد من المؤلفات والدراسات والبحوث، وكتب مئات المقالات، ولا زال عطاؤه مستمرًا- أطال الله في عمره.
ونحسبه- والله حسيبه- ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل: أي الناس خير؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من طال عمره وحسن عمله» (رواه الترمذي وأحمد وغيرهما).
ولد أستاذنا بمركز بلقاس بمحافظة الدقهلية في 24/ 10/ 1934م، وحفظ القرآن صغيرا، والتحق بالأزهر الشريف، وعرف طريقه إلى الكتابة والنشر وهو في السنة الأولى الثانوية، وتتابعت مقالاته وكتاباته في أغلب الصحف التي كانت معروفة في ذلك الوقت. ولما أتم الدراسة الثانوية بالأزهر التحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة 1959م، ثم التحق بالدراسات العليا بقسم الشريعة الإسلامية وحصل على الماجستير سنة 1965م، ثم الدكتوراه سنة 1972م.
وظفر أستاذنا بالدراسة على كبار العلماء والفقهاء في ذلك الوقت، أمثال: الشيخ عبدالعظيم معاني، والشيخ علي الخفيف، والشيخ علي حسب الله، والدكتور مصطفى زيد، والأستاذ عباس حسن (صاحب النحو الوافي)، والدكتور أحمد الحوفي، والدكتور عمر الدسوقي، والدكتور تمام حسان، والدكتور غنيمي هلال، والدكتور إبراهيم العدوي، والدكتور مبروك نافع، وغيرهم من أساطين دار العلوم.
عمل في أول حياته محررًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، واختير قارئا خاصا لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين؛ فقرأ العديد من كتب الأدب والثقافة واللغة.
ثم انتقل إلى التدريس الجامعي فعمل محاضرًا بجامعة الفاتح (طرابلس حاليًا) في ليبيا من سنة 1972م حتى سنة 1975م، ثم أستاذًا مساعدًا بنفس الجامعة منذ سنة 1975م حتى سنة 1980م، ثم أستاذًا مشاركًا بنفس الجامعة أيضًا من سنة 1980م حتى 1984م.
ثم انتقل للعمل بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر منذ فبراير سنة 1985م بدرجة «أستاذ مشارك»، ثم حصل على الأستاذية سنة 1987م. واستمر أستاذًا بكلية الشريعة بقطر حتى بلغ سن التقاعد سنة 2003م. ورأس خلال ذلك قسم الفقه والأصول بالكلية.
ولما بلغ سن التقاعد عاد إلى القاهرة فطلبته كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ليعمل أستاذًا غير متفرغ للدراسات العليا بقسم الشريعة الإسلامية بها، واضطلع- ولا زال- بعبء الإشراف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه بالقسم، كما اشترك في مناقشة عدد آخر منها.
واختير عضوًا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وخبيرًا بمجمع الفقه الإسلامي الدولي، وخبيرًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضوًا بالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
كما شارك بشكل كبير في الإفتاء والإرشاد من خلال برنامج «بريد الإسلام» الذي تقدمه إذاعة القرآن الكريم المصرية؛ حيث أجاب عن عشرات الأسئلة والاستفاءات.
وقد سلك أستاذنا في تدريسه منهجا يقوم على الدراسة العلمية المنهجية فيما يقدمه من مواد دراسية لطلابه معتمدًا على المصادر الأصيلة والمقارنة الموضوعية والاجتهاد المستطاع، دون تكرار لما يقال هنا وهناك.
وكان لهذا المنهج في التدريس أثره في تعميق التكوين العلمي في تخصصه، والارتقاء بمستوى البحث والتأليف.
بالإضافة إلى ما تميز به أستاذنا الدكتور الدسوقي من نزعته التجديدية التي صاحبته طوال حياته، وظهرت آثارها في مؤلفاته وبحوثه؛ فهو يرى أن التجديد فريضة وضرورة حضارية للمجتمع الإسلامي.
وأن تجديد الفقه لا يعني التخلص من القديم أو محاولة هدمه والاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر؛ فهذا ليس من التجديد في شيء، وإنما يراد بالتجديد الاحتفاظ بالقديم وإدخال التحسين عليه، ومحاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ، وتنميته من داخله، وبأساليبه التي أثمرت تلك الثروة الفقهية التي تعتز بها الأمة الإسلامية كل الاعتزاز، دون المساس بخصائصه الأصيلة وبطابعه المميز؛ لأن التجديد بهذا المفهوم لا ينافي الأصالة.
أما عن التجديد في علم أصول الفقه فيلاحظ أستاذنا الدسوقي أن علم أصول الفقه قد غلب عليه في العهود المتأخرة الجدل اللفظي، فضلا عن الإيجاز الذي يشبه الألغاز أو الإعجاز، ثم الخوض في قضايا لا صلة لها بعلم الأصول.
والدكتور الدسوقي يبدي عدم قناعته بجهود المُحْدَثِين في التأليف الأصولي؛ وذلك لأنها تكرار للجهود السابقة عليها، لم تتجاوز نطاق الصياغة إلى الآراء وتحليلها والأخذ منها والرد عليها، وإن كان هناك سعي للترجيح بين رأي وآخر.
ويخلص إلى ضرورة تأسيس منهج أصولي جديد لا يعرف الاجترار والتقليد، وإنما يؤسس على دعائم في الفقه الدقيق بمصادر الأحكام والمقاصد العامة للتشريع، فضلا عن الربط بين قضايا علم الأصول وأصول القانون، وكذلك بين قضايا الأصول ومناهج البحث بوجه عام.
وقد أثمر هذا المنهج التجديدي المتميز في التدريس والتأليف أكثر من خمسة وعشرين كتابًا، ونحو ثلاثين بحثًا في دوريات محكمة، ونحو مائة مقالة في مجلات شهرية أو أسبوعية، والفوز بعدة جوائز علمية على المستوى العالمي والإقليمي، والمشاركة على مستوى العالم الإسلامي في نحو عشرين مؤتمرًا علميًّا أو ندوة ثقافية، فضلا عن المهمات العلمية التي كان يكلف بها من الجامعة.
ولا زال أسـتاذنا- أمد الله في عمره وبارك له في صحته ومتعه بالعافية- يكتب ويؤلف ويحاضر.
وقد شرفتُ بإشرافه على رسالتي للدكتوراه خلال سنوات 2006- 2011 فوجدتُه عالمًا ذا رؤية كلية واطلاع واسع وذهن ثاقب لا يشق له غبار، يذكرك بجيل العظماء- وهو منهم- أبي زهرة والخفيف وحسب الله وأضرابهم.
حفظ الله شيخنا وأمد في عمره ومتعه بالصحة والعافية وجزاه خير الجزاء.