المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (بين الحنفية والشافعية) اعتبار الإجماع السكوتي في الأحكام



عمرو بن الحسن المصري
14-10-25 ||, 08:16 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن الإجماع من الأدلة التبعية النقلية عند علماء الأصول عامة، والحنفية والشافعية خاصة من حيث الحجة، وفيه مجموعة قواعد أصولية مختلف فيها، منها هذه.
[ملخّصًا من مطلب في مبحث تأصيل القواعد الأصولية المختلف فيها في الأدلة التبعية، من كتاب ((تأصيل القواعد الأصولية المختلف فيها بين الحنفية والشافعية)) للدكتور "صلاح حميد عبدالعيساوي".]

*الإجماع السكوتي: هو أنْ يقول بعض أهل الاجتهاد بقول وينتشر ذلك في المجتهدين من أهل ذلك العصر، فيسكتون، ويستقر على ذلك، ولا يظهر منهم اعتراف، ولم يعلم له مخالف ولا سمع له بمنكِر. ينظر: التبصرة، للشيرازي (ص 391)، وإحكام الفصول، للباجي (ص 407)، وإرشاد الفحول، للشوكاني (ص 84).

(أصل بناء القاعدة):
إذا أفتى بعض المجتهدين بمسألة اجتهادية، أو قضى بعضهم واشتهر بين أهل عصره، وعرف باقي المجتهدين، ولم يخالف في الفتيا أو القضاء قبل استقرار المذاهب واستمر الحال على هذا مدة التأمل، حتى يتبين للساكت الوجه فيه، وقال بعض العلماء: إنَّ مدة التأمل إلى آخر المجلس، أي: مجلس بلوغ الخبر، وقيل: يقدر بثلاثة أيام بعد بلوغ الخبر، وتكون دلالة الموافقة إذا انتشر القول، ومرّت عليه أوقات يعلم في مجرى العادة أنَّه لو كان مخالفًا لأظهر الخلاف، ولا يوجد من يمنع الساكت من المخالفة. تيسير التحرير، لأمير بادشاه (3/ 246).
فعن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود رضي الله عنه قال: (دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس بعد ما ذهب بصره فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال ترون الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يحص في مال نصفًا ونصفًا وثلثًا إذا ذهب نصف ونصف، فأين موضع الثلث، فقال له زفر: يا ابن عباس من أول من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: ولِمَ؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضًا، قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم!! والله ما أدري أيكم قدم الله ولا أيكم أخر!! قال: وما أجد في هذا المال شيئًا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص، ثم قال ابن عباس: وأيم الله لو قدم من قدم الله، وأخر من أخر الله ما عالت الفريضة، فقال له زفر: وأيهم قدم وأيهم أخر؟ فقال: كل فريضة لا تزول إلا إلى فريضة، فتلك التي قدم الله، وتلك فريضة الزوج له النصف، فإن زال فإلى الربع لا ينقص منه، والمرأة لها الربع، فإن زالت عنه صارت إلى الثمن لا تنقص منه، والأخوات لهن الثلثان والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهن البنات كان لهن ما بقي، فهؤلاء الذين أخر الله، فلو أعطى من قدم الله فريضة كاملة، ثم قسم ما يبقى بين من أخر الله بالحصص ما عالت فريضة، فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله). أخرجه البيهقي في سننه الكبرى (6/ 253)، برقم (12237).
وجه الدلالة: سكوت ابن عباس رضي الله عنه عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد سكت ليس منعًا لإظهار الحق، وإنّما لعلمه الآراء في هذه المسألة، واختاره واستحسنه، إذ أنَّ الصحابة رضي الله عنهم لا يسكتون عن الحق. ينظر: إرشاد الفحول، للشوكاني (ص 84).
وأصّل الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتاب الرسالة، إذا احتج لإثبات العمل بخبر الواحد: والقياس أنَّ بعض الصحابة رضي الله عنهم عمل به، ولم يظهر من الباقين إنكار، فكان ذلك إجماعًا [ينظر: الرسالة، للإمام الشافعي (ص 472 - وما بعدها)، والبحر المحيط، للزركشي (6/ 456)، وحاشية العطار (1/ 35)]، فعن سليمان بن يسار عن أبيه: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام بالجابية خطيبًا، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كقيامي فيكم، فقال: أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى أن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا فمن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد ولا يخلون رجل بامرأة، فإنا لشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن). رواه الإمام الشافعي في مسنده (ص 244)، برقم (1207).

-آراء العلماء:
رأي الحنفية: للحنفية في هذه القاعدة آراء هي:
1- أنَّه إجماع وحجة. وبه قال جمهور الحنفية. وهو قول جمهور المالكية.
2- ليس بإجماع ولا حجة. وبه قال عيسى بن إبان، وقول القاضي أبي بكر الباقلاني، وداود الظاهري والقاضي أبي جعفر السمناني من المالكية.
3- أنه حجة ظنية، ولا يكون إجماعًا. وبه قال الكرخي.
رأي الشافعية: للشافعية في ذلك خمسة آراء هي:
موافقتهم للآثار الثلاثة التي ذكرت للحنفية.
أما الرأي الأول: قال به بعض الشافعية، وهو قول للإمام الشافعي، كما نقله عنه النووي.
أما الرأي الثاني: فقال به الغزالي والرازي، ونسب إمام الحرمين والغزالي والآمدي هذا القول للإمام الشافعي، ولكن الصواب أنه إجماع وحجة كما نقل ذلك الزركشي.
أما الرأي الثالث: فقال به الآمدي. إحكام الفصول، للباجي (ص 407-408)، وفواتح الرحموت (2/ 232)، روضة الناظر، لابن قدامة (ص 76)، والبحر المحيط، للزركشي (4/ 495)، المحصول، للرازي (4/ 253)، والمستصفى، للغزالي (1/ 188)، والمنخول (ص 318)، والبرهان (1/ 477)، والإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 228-230)، وشرح اللمع، للشيرازي (2/ 691)، ونهاية السول، للأسنوي (ص 297)، وتيسير التحرير، لأمير بادشاه (3/ 247 - وما بعدها)، والوصول إلى قواعد الأصول، للتمرتاشي (ص 272)، وإرشاد الفحول، للشوكاني (ص 84).
أما الرأي الرابع: إن كان من حاكم لم يكن إجماعًا ولا حجة، وإن لم يكن من حاكم كان إجماعًا وحجة، وبه قال أبو علي ابن أبي هريرة من الشافعية. المحصول، للرازي (4/ 153)، والبحر المحيط، للزركشي (4/ 499)، والإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (1/ 228)، والمجموع (1/ 58).
أما الرأي الخامس: إن كان في عصر الصحابة كان إجماعًا وإلا فلا، وبه قال الماوردي والروياني، ومال إليه ابن قدامة المقدسي، والدكتور عبدالكريم زيدان من المعاصرين. البحر المحيط، للزركشي (4/ 501)، جمع الجوامع (2/ 189)، نزهة الخاطر العاطر على روضة الناظر، لابن قدامة (1/ 381)، والمختصر في أصول الفقه (ص 78)، والوجيز في أصول الفقه (ص 191).

وقبل عرض الأدلة ومناقشتها فلا بدّ من تحرير مسألة غاية في الأهمية، وهي حجة الإمام الشافعي في الإجماع السكوتي، فكيف نوفق بين مذهبه هذا، وقوله: (لا ينسب إلى ساكت قول) -اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم (7/ 143)-؟
نقول: لقد شاع واستقر في أكثر كتب الأصول القديمة منها والحديثة أنَّ الإمام الشافعي لا يعتبر الإجماع السكوتي حجة ولا إجماعًا. على اعتبار أنه القائل: لا ينسب إلى ساكت قول. ينظر: المحصول، للرازي (4/ 153)، والبرهان (1/ 447).
ولكن بعد البحث وجدت أن كثيرًا من علماء الشافعية صرح بأنَّ الإمام الشافعي يعتبر الإجماع السكوتي إجماعًا وحجة، أو حجة وإنْ لم يعتبره إجماعًا، فعلى هذا لربما كان للإمام الشافعي في هذه المسألة قولان: كما صرح بعض العلماء:
1- يقول النووي رحمه الله: "لا تغترنّ بإطلاق المتساهل القائل بأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند الشافعي، بل الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة وإجماع، وهو موجود في كتب أصحابنا العراقيين في الأصول ومقدمات كتبهم المبسوطة في الفروع". حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 189).
وقد علق الزركشي في البحر المحيط (4/ 495) على كلام النووي المتقدم قائلًا: "ويشهد له أنَّ الشافعي -رحمه الله- احتج في كتاب الرسالة، لإثبات العمل بخبر الواحد وبالقياس، أنَّ بعض الصحابة عمل به، ولم يظهر من الباقين إنكار لذلك، فكان ذلك إجماعًا، إذ لا يمكن أن ينقل ذلك نصًّا عن جميعهم بحيث لا يشذ منهم واحد، وإنَّما نقل عن جمع مع الاشتهار وسكوت الباقين".
2- ويقول النووي أيضًا في المجموع شرح المهذب (1/ 58): "إذا انتشر قول الصحابي ولم يخالف ففيه خمسة أوجه:
أحدها: أنه حجة وإجماع: قال المصنف الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وغيره من أصحابنا العراقيين، هذا الوجه هو المذهب الصحيح". ثم قال: "وظاهر كلام أصحابنا أن القائل القول المنتشر من غير مخالفة لو كان تابعيًّا أو غيره ممن بعده فحكمه حكم الصحابي على ما ذكرناه، من الأوجه الخمسة".
3- ويقول الإمام الشافعي نفسه في كتاب اختلاف الحديث (148-149)، مبينًا أدلة الأحكام المعتبرة عنده: "العلم من وجهين اتباع واستنباط، والاتباع اتباع كتاب، فإن لم يكن فسنة، فإن لم تكن فقول عامة من سلفنا لا نعلم له مخالفًا".
4- وقال في كتابه الأم (7/ 246): "للعلم طبقات شتى: الأول: الكتاب والسنة إذا ثبتت، ثم الثانية الإجماع فما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قولًا ولا نعلم له مخالفًا...". وينظر: الشافعي حياته، عصره، فقهه، لمحمد أبي زهرة (ص 190).
فقد سلك العلماء -رحمهم الله تعالى- في التوفيق بين ذلك مسالك، فبعضهم بيَّن بأن الإمام الشافعي: إنما قصد بعبارته المشهورة: (لا ينسب إلى ساكت قول) أن ذلك محمول على نفيه للإجماع القطعي... وفي هذا يقول الإمام النووي بعد أن قرر أنَّ الإجماع السكوتي إجماع وحجة عند الإمام الشافعي: "ولا ينافيه قول الشافعي: (لا ينسب إلى ساكت قول)، لأنه محمول عند المحققين على نفي الإجماع القطعي فلا ينافيه كونه إجماعًا ظنيًّا.
ويكون المراد بقوله: (لا ينسب إلى ساكت قول) نفي نسبية القول صريحًا إليه، لا نفي الموافقة الأعم من الصريح، كما يسمى سكوت البكر عند استئذانها إذنًا ولا يسمى قولًا، وكما يسمى سكوت الولي عند الحاكم عن التزويج عضلًا ولا يسمى قولًا". حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 189)، وينظر: البحر المحيط، للزركشي (4/ 494).
وقد حاول الزركشي الجمع بين الأقوال المروية عن الإمام الشافعي في نفيه للإجماع السكوتي وفي إثباته فقال في البحر المحيط (4/ 496):
"يحتمل أن يكون للإمام الشافعي في المسألة قولان، ويحتمل أن ينزل القولان على حالتين: فقول النفي على ما إذا صدر من حاكم وقول الإثبات على ما إذا صدر من غيره، والنص الذي سقناه من الرسالة شاهد لذلك، ويحتمل أنه حيث أثبت القول بأنه إجماع أراد بذلك عصر الصحابة، كما استدل به لخبر الواحد والقياس.
وحيث قال: (لا ينسب إلى ساكت قول) أراد بذلك من بعدهم، وهذا أولى من أن يجعل في المسألة قولان متناقضان، ويشهد لهذا تخصيص بعض العلماء المسألة بعصر الصحابة". وينظر: جمع الجوامع، للبناني (2/ 89).
وقال الرازي في المحصول (4/ 159) محاولًا التوفيق بين القولين: "... يحمل نفيه على ما لم يكن من القضايا التي تعم بها البلوى، ويحمل القول الآخر على ما إذا كانت كذلك، لأن العمل بخبر الواحد وبالقياس مما يتكرر وتعم به البلوى". وينظر: البحر المحيط، للزركشي (4/ 496).
وعليه يمكن أنْ نلخص آراء العلماء في هذه القاعدة إلى: رأي المثبتين للإجماع السكوتي، ورأي النافين له.

-الأدلة ومناقشتها:
_آراء المثبتين:
1- إنَّ العادة قد جرت بأن أهل الاجتهاد إذا سمعوا جوابًا في حادثة حدثت يجتهدون ويظهرون ما عندهم من الخلاف، فلو كان عندهم خلاف لما قاله هذا القائل أو فعله لأظهروا ذلك، فلما لم يظهروا ذلك دلَّ على أنهم راضون بذلك. شرح اللمع، للشيرازي (2/ 691)، وينظر: إحكام الفصول، لأبي الوليد الباجي (ص 408).
ونوقش هذا الدليل: بأنَّه يجوز أنْ يكون الواحد والاثنان منهم مخالفًا، ولكنه ترك إنكار ذلك، فإن الواحد والاثنين يجوز عليه ترك إنكار المنكر مع اعتقاد أنه منكر، وأنه يجب إنكاره، ولكنه تركه عاصيًا أو خائفًا. إحكام الفصول، لأبي الوليد الباجي (ص 408).
ولكن رد هذا النقاش: (بأن هذا خلاف الظاهر، وادعاء بغير دليل والأصل ما ذكرنا، لأن الأَوْلى بالصحابة وأهل الفضل من أثنى الله عليهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أنهم لا يتركون إنكار المنكر مع علمهم بوجوب ذلك عليهم، مع ما علم من حالهم أنهم كانوا لا يتقون ولا يخافون أحدًا في ذلك، وكان بعضهم يرد على بعض ويرشد بعضًا، ولم يحفظ عن أحد منهم أنه خاف في ذلك ولا هاب ولا رهب.
ولذلك روي عن محمد بن مسلمة أنه قال لعمر: لو ملت لقومناك، فقال عمر: الحمد لله الذي جعلني في أمة إذا ملت قوَّموني، فبطل ما قالوه). إحكام الفصول (ص 409).
2- أنه لو شرط لانعقاد الإجماع التصريح من كل واحد منهم برأيه، أو موافقة الآخرين بالقول لأدى ذلك إلى أنه لا ينعقد إجماع أبدًا، لأنه يتعذر اجتماع أهل العصر كلهم في مكان واحد ليسمع من كل واحد رأيه، وكذلك فإنه لا تعلم مسألة فيها أقوال جميع الصحابة ولا خمسين منهم، فلو لو يكن إجماع إلا ما حصلت فيه جميع أقوالهم لم ينعقد إجماع جملة، وكذلك فإن أكثر الإجماعات المدعاة لا تكون إلا منهم. ينظر: فواتح الرحموت، للأنصاري (2/ 23)، والروض الباسم، للوزير اليماني (1/ 74).
ونوقش هذا الدليل: بأن ذلك يعلم بالخبر عنهم، كما يعلم اليوم إجماع أصحاب الشافعي على مسألة، وأصحاب مالك على مسألة مع كثرتهم وافتراقهم. إحكام الفصول، لأبي الوليد الباجي (ص 409).
وردّ: بأن ذلك أيضًا لا يعلم اليوم من أصحاب مالك والشافعي، إلا ما ذكرنا أن يقول بعضهم قولًا، ويظهر ويشتهر ويسكت الباقون ولا فرق بين الموضعين. إحكام الفصول (ص 409).
_حجة النافين:
إنَّ سكوت الساكت عن القول لا يدل على الرضى به، ولا يدل على أنه مذهب له، لأنَّه قد يسكت من غير إضمار الرضا لأسباب منها [ينظر: المستصفى، للغزالي (1/ 188)، وروضة الناظر، لابن قدامة (77)، وشرح اللمع، للشيرازي (2/ 693)، والمحصول، للرازي (4/ 154)]:
1- أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب فلا يرى الإنكار في المجتهدات أصلًا، لاعتقاده أن مخالفه غير مأثوم، بل هو مأجور فيه، وإذا احتمل هذا لم يجب حمله على الرضا به. شرح اللمع، للشيرازي (2/ 695).
وأجيب من وجهين:
أ- أنَّه لم يكن في الصحابة من يعتقد ذلك، (ولهذا عاب بعضهم على بعض وأنكر بعضهم على بعض مسائل انتحلوها). روضة الناظر، لابن قدامة (ص 77).
ب- (وهو أن العادة جارية بالمناقضة والمخالفة لمن قال بغير قوله، وإن اعتقد أنه مصيب، كما أنكم تناقضوننا أو تخالفوننا في مسائل تعتقدون أنّ كل مجتهد فيها مصيب، ولا يمنعكم ذلك من إظهار مخالفتنا، وعلى هذا استقرت العادة، فلا يجوز ادعاء نقضها). إحكام الفصول (ص 411-412)، وينظر: شرح اللمع، للشيرازي (2/ 695).
2- ومنها أن يكون الساكت سكت لما يخاف فيه من الضرر على نفسه وعلى الأمة [المستصفى (1/ 188)، وإحكام الفصول (ص 412)، والمحصول (4/ 154)، والإحكام في أصول الأحكام (مج1، 1/ 228)]، ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: "لو حدثتكم بكل ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطع هذا البلعوم" وراه البخاري في صحيحه بغير هذا اللفظ (1/ 56)، برقم (120).
وقال ابن عباس رضي الله عنه لما قيل له في إنكار العول: هلا قلته وعمر حي، فقال: هبته، وكان رجلًا مهيبًا. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6/ 253).
وأجيب من وجهين:
أ- أن المعروف من الصحابة أنهم كانوا يأمرون بالمعروف والينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يجوز أن يخافوا من إظهار الحق مضرة مع كونهم متناصرين على إظهاره. إحكام الفصول (ص 412)، وشرح اللمع (2/ 694).
وقول أبي هريرة رضي الله عنه محمول على سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوم بشر بأعيانهم وأسمائهم من أهل الفتنة ممن علم أنه لا يعتصم منهم، فخاف من ذكر ذلك، ولا يجوز أن يجعل على أنه قد سمع شرائعًا وأحكامًا من النبي صلى الله عليه وسلم خاف من ذكرها ونقلها، ولو جاز ذلك لجاز أن يسمع غيره من النبي صلى الله عليه وسلم أحكامًا كثيرة، وشرائع وآيات منا لقرآن وسورًا يخاف إيرادها ونقلها، وفي هذا إبطال ما قالوه. فواتح الرحموت، للأنصاري (2/ 233).
ب- (وهو أنَّ هذا لو لزمنا لزمكم، لأنَّه يجوز أنْ يكون من القائلين أيضًا من يضمر خلاف ما يظهر مخافة، ويقول ما يعتقده مساعدة، وهذا يبطل القول بالإجماع جملة). شرح اللمع (2/ 696).
أما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه فهناك آثار منقولة عن ابن عباس رضي الله عنه تدل على عكس قوله نقلها عنه ابن حزم في المحلى (9/ 262-267). وسيدنا عمر رضي الله عنه كان ألين للحق وأشد انقيادًا له، فيظهر أن الأقرب من مقصود ابن عباس رضي الله عنه أنه يهابه مهابة توقير وإجلال، لا خوفًا منه. وينظر: فواتح الرحموت، للأنصاري (2/ 233).
3- يحتمل أنه قال الواحد منهم ذلك وسكت الباقون، بعضهم للرضى وبعضهم لعدم الرضى والاجتهاد بأن يكون قد ترك الاجتهاد. شرح اللمع (2/ 696).
وأجيب: بأن هذا خلاف العادة، لأن النازلة إذا نزلت، فالعادة أن كل أهل النظر يرجعون إلى النظر والاجتهاد. البحر المحيط (4/ 503)، وينظر، روضة الناظر (ص 77).
4- أن يسكت، لأنه متوقف في المسألة، لأنه بعد في مهلة النظر. المستصفى (1/ 188)، والمحصول (4/ 156).
وأجيب: بأنه يكون في مهلة النظر يومًا أو يومين، ثم يظهر، أما أنْ يموت في الفكر والرواية، فهو خلاف العادة. شرح اللمع (2/ 696)، وينظر: الإحكام في أصول الأحكام (1/ 229).
5- أن يسكت؛ لأنه يراه قولًا سائغًا لمن أداه إليه اجتهاده، وإن لم يكن هو موافقًا عليه، بل كان يعتقد خطأه. المستصفى (1/ 188)، والمحصول (4/ 154)، والإحكام في أصول الأحكام (1/ 228).
وأجيب:
أ- أن ذلك لا يمنع من مباحثته ومناظرته، وطلب الكشف عن مأخذه، وذلك للعادة الجارية من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى زمننا هذا بمناظرة المجتهدين وأئمة الدين فيما بينهم لتحقيق الحق وإبطال الباطل، وإذا بطلت هذه الوجوه دل على أنهم إنما سكتوا لرضاهم بما ظهر من القول فصار كالنطق. البحر المحيط (4/ 503).
ب- أن التابعين رضي الله عنهم كانوا إذا أشكل عليهم مسألة فنقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين كانوا لا يجوزون العدول عنه فهو إجماع منهم على كونه حجة. روضة الناظر (ص 77).
أما القائلون أنه حجة ظنية لا إجماع فقد استدلوا: (بأن الإجماع الصريح حجة قطعية، لأنه لا شبهة فيه فيكون حجة مقطوعًا بها.
أما السكوتي: فهو وإن تحقق رجحان احتمال الموافقة على احتمال المخالفة، إلا أنه لا يزال الاحتمال قائمًا، وإن كان مرجوحًا، وهو يورث الشبهة في دلالة الإجماع، ومع الشبهة لا وجود للقطعية، فيترجح القول بأنه حجة ظنية). أصول الفقه الإسلامي، لشلبي (1/ 185)، وينظر: الإحكام في أصول الأحكام (1/ 230)، وجمع الجوامع (2/ 197).
أما القائلون إن كان من حاكم لم يكن إجماعًا، وإن لم يكن من حاكم كان إجماعًا وحجة. فقد استدلوا: أن هذا القول إن كان من حاكم لم يدل سكوت الباقين على الإجماع، لأن الواحد منا قد يحضر مجالس الحكام فيجدهم يحكمون بخلاف مذهبه وما يعتقده، ثم لا ينكر عليهم. المحصول، للرازي (4/ 157).
وكذلك: (لأن حكم الحاكم يقطع الخلاف، ويسقط الاعتراض بخلاف قول المفتي، فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاجتهاد) الإحكام في أصول الأحكام (1/ 229)، وشرح المحلى على جمع الجوامع (2/ 189)، وأيضًا: (لأن الإمام لا يعترض عليه فلا يكون سكوتهم دليل الرضا). البحر المحيط (4/ 500).
وأجيب: بأن هذا غير مسلم، والدليل على ذلك حادثة علي رضي الله عنه في بيع أمهات الأولاد، وذلك أنه قال يومًا على المنبر: (كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر أن لا تباع أمهات الأولاد وأرى الآن أن يبعن)، فقام عبيدة السلماني وقال: رأيك مع أمير المؤمنين أحب إلينا من رأيك وحدك). شرح اللمع (2/ 692)، والأثر أخرجها لبيهقي في السنن الكبرى (6/ 348).
(وأما نحن إذا حضرنا مجالس الحكام فلا ننكر عليهم؛ لأن الإنكار قد تقدم والعلم به سابق، فلا نحتاج أن نقول له: "أخطأت في هذه المسألة"، لأنه يقول: "قد عرفت مذهبي ومذهبكم في هذا والصواب عندي هذا"... إنما نقول ذلك في مسألة لم يتقدم العلم بها.
ومثل ذلك إذا وقع لا يسكتون عن إظهار ما عندهم وإن كان إمامًا أو حاكمًا). شرح اللمع (2/ 697)، وينظر: المحصول (4/ 157)، والإحكام في أصول الأحكام (مج1، 1/ 32).
أما الذين خصصوا حجية الإجماع السكوتي بعصر الصحابة فقد استدلوا: بأنَّ الصحابة رضي الله عنهم: (لشدتهم في الدين لا يسكتون عما لا يرضون به خلاف غيرهم فقد يسكتون). شرح المحلى على جمع الجوامع (2/ 189).
وكذلك فإن الصحابة رضي الله عنهم: (لو اعتقدوا خلافه لأنكروه، إذ لا يصح منهم أنْ يتفقوا على ترك إنكار المنكر)، (ولأن الحق لا يخرج من غيرهم). البحر المحيط (2/ 501).
قالوا: فإجماع الصحابة السكوتي ينبغي أن ينزل منزلة الصريح لعدة اعتبارات منها: قلتهم ومعرفة أشخاصهم.
ورُدَّ: بأنه ينبغي أن لا يتم حصر الإجماع السكوتي في حجيته على عصر الصحابة دون غيرهم من التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) رواه البخاري في الصحيح (5/ 2362)، برقم (6065).
ينظر: إحكام الفصول (ص 409)، وفواتح الرحموت (2/ 233)، وشرح اللمع (2/ 691)، وأثر الأدلة المختلف فيها، د. البغا (ص 351)، والوجيز في أصول الفقه، د. عبدالكريم زيدان (ص 191-192).
وقد صرح بعضهم بأن الإجماع السكوتي لا يختص في حجيته بعصر الصحابة فقط، بل يشمل من بعدهم، فمن أقوالهم في ذلك:
1- قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب (1/ 59): "ظاهر كلام أصحابنا أن القائل القول المنتشر من غير مخالفة، ولو كان تابعيًّا أو غيره ممن بعده فحكمه حكم الصحابة، ثم قال بعد أن صحح التسوية بين الصحابة ومن بعدهم: فإن التابعي كالصحابي في هذا من حيث أنه انتشر وبلغ الباقين ولم يخالفوا، فكانوا مجمعين وإجماع التابعين كإجماع الصحابة".
2- وقال الإمام ابن اللحام الحنبلي في كتابه المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد (ص 78): "والأكثر على أنه لا فرق بين مذهب الصحابي أو المجتهدين في ذلك".



هذا، والله أعلم.