المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (7) مبدأ انسجام النّصّ وتكامله



د. أيمن علي صالح
14-12-01 ||, 12:33 PM
هذه هي الحلقة (7) من المبادئ العامة للفكر الأصول -فقهي الإسلامي في تعامله مع النص

سادساً: مبدأ انسجام النّصّ وتكامله:
المقصود بانسجام النَّصّ أنَّه غير مختلفٍ أو متناقضٍ في نفسه، كما قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء:82). وما قد يبدو من تعارضٍ وتناقضٍ بين بعض النّصوص الظّنّية فهو تعارضٌ ظاهريٌ ينبغي على المجتهد رفعه عن طريق الجمع أو النّسخ أو التّرجيح. قال الشّاطبي: «اتّفق الجميع على أنّ الشّريعة لا اختلاف فيها ولا تناقض، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
وقد انبنى على انسجام النّص كونُه متكاملا، أي أنّ النّصوص الشّرعيّة، عند الأصوليين، كلٌّ واحدٌ، بحيث يكمّل بعضُها بعضاً. فالقرآن «من فاتحته إلى خاتمته كالكلمة الواحدة»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))، والقرآن والحديث «كلفظةٍ واحدةٍ، وخبرٍ واحدٍ، موصولٍ بعضه ببعضٍ، ومضافٍ بعضه إلى بعض، ومبنيٍ بعضه على بعض»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)). و«مأخذُ الأدلّة عند الأئمّة الراسخين إنّما هو على أن تُؤخذ الشّريعة كالصُّورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلِّياتها وجزئياتها المرتَّبة عليها، وعامّها المرتّب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقيَّدها، ومجملها المفسَّر بِبَيِّنِها...وما مَثَلُها إلا مثل الإنسان الصّحيح السَّوي، فكما أنَّ الإنسان لا يكون إنساناً حتى يُستنطق([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))، فلا ينطق؛ لا باليد وحدها، ولا بالرِّجل وحدها، ولا بالرأس وحده، ولا باللِّسان وحدَه، بل بجملته التي سُمِّي بها إنسانا، كذلك الشّريعة لا يُطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليلٍ منها أيِّ دليلٍ كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطقُ ذلك»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وعليه، فلا يجوز في المنهج الأصولي الاستدلالُ على حكمٍ أو قضية ما بالاقتصار على بعض النّصوص الواردة فيها دون بعضٍ، بل ينبغي اعتبار جميع النّصوص المتعلّقة بها اعتباراً واحداً. ومساحةٌ عريضةٌ من البحث الأصوليّ شغلها الوفاء بمتطلّبات هذه النّظرة التّكامليّة لنصوص الوحي. فمباحث التأويل والتّفسير والتّقييد والتّخصيص بالأدلّة المتّصلة والمنفصلة، ومباحث النّسخ، والتّرجيح، كلّها تصبُّ في خدمة الحفاظ على تكامل النّصوص، ويُستنتج منها أنّ نصوص الوحي لم تكن ـ في نظر الأصوليين ـ إلا سياقاً واحداً.
نعم، بعض المدارس الأصولية، كالحنفيّة، تشترط في نصوص السنّة، حتى تتكامل مع القرآن الكريم، شروطاً أشدّ مما يشترطه الجمهور، لكنَّ هذا لا ينفي أنهم يُقرّون بتكامل الكتاب والسنة من حيث المبدأ، وإنما يتشدَّدون في اعتبار خبر الواحد إذا كان في ظاهر الكتاب ما يدفعه؛ لقيام الشّبهة، حينئذٍ، على ضعف الحديث وشذوذه، لا لأنّهم يرفضون مبدأ التكامل من حيث الأصل. ولذلك فهم يسمُّون تخصيص خبر الآحاد لعموم الكتاب وتقييده لمطلقه «نسخاً»، ويتطلَّبون في الحديث النّاسخ الشّهرة والاستفاضة.

([1]) الشاطبي. الموافقات، مرجع سابق، ج3، ص18. بتصرف يسير.

([2]) الشيرازي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي. اللّمع في أصول الفقه، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1405ه‍=1985م، ص44.

([3]) ابن حزم. الإحكام في أصول الأحكام، ج2، ص35.

([4]) يشير بذلك إلى تعريف الحكماء للإنسان بأنه: حيوان ناطق، فصفة النطق له كُلاً، لا أجزاءً مستقلٌّ بعضها عن بعض.

([5]) الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد. الاعتصام، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، المملكة العربية السعودية: دار ابن عفان، ط1، 1412هـ=1992م، ج1، ص311.

وصال ملك
14-12-20 ||, 10:40 PM
السلام عليكم
كيف يتم التوفيق بين مبدأ انسجام النص و تكامله و بين مدعي ورافض للنسخ في القرآن ؟

د. أيمن علي صالح
14-12-23 ||, 11:10 AM
السلام عليكم
كيف يتم التوفيق بين مبدأ انسجام النص و تكامله و بين مدعي ورافض للنسخ في القرآن ؟
وعليكم السلام.
القول بوقوع النسخ، الذي هو قول جماهير الأصوليين، ما هو إلا أسلوب لرفع التعارض بين النصوص بجعل بعضها عاملا في زمان والبعض الآخر استمر بعد ذلك الزمان، لذلك سمى بعض الأصوليين النسخ بالتخصيص في الأزمان. وهو مظهر واضح من مظاهر النظرة التكاملية التوفيقية بين النصوص. فالقول بالنسخ يدفع القول بالتناقض والاختلاف في نصوص الشريعة، وهو ما يدعم مبدأ الانسجام.
أما على قول رافضي النسخ فالأمر كذلك أيضا؛ لأن هؤلاء الرافضين يرفضون القول برفع الحكم الأول وحلول الحكم الجديد مكانه، بل يقولون بأن كلا الحكمين ما زال ساريا عاملا لكن أحدهما في حال والآخر في حال آخر، فطريقتهم يمكن تسميتها بالتخصيص في الأحوال. مثلا آية كف اليد يحملونها على حال الاستضعاف، وآية السيف يحملونها على حال التمكن ولا يقولون بأن آية السيف تنسخ آية كف اليد، وهكذا.
فمنطلق الفريقين القائل بالنسخ والرافض له واحد، وهو دعم مبدأ الانسجام في النصوص الشرعية ودفع التناقض عنها، وإن اختلفت طرائقهم في الوصول إلى هذا الهدف.
والله أعلم.

أم طارق
14-12-23 ||, 05:17 PM
اذا أفهم من كلامكم أن علينا ألا نعيب على من ينكر النسخ ويرفضه إن كان يحاول الجمع بين النصوص بطريق التخصيص ونحوه

عادل محمود الصديق
14-12-23 ||, 08:27 PM
دكتور ايمن بارك الله فيك
اليس يبين لمن دفع فى صدر النسخ ليبين له خطئه ان النسخ فى القبله من زمانه صلى الله عليه وسلم ليس فى حال وحال كذلك نسخ زواج الاختين وغيره
قالمسلك ضيق على من يدعى عدم النسخ او رفع الحكم الاول بالمتأخر ...وقد نسخت ايه ايه اخرى كعده المتوفى عتها زوجها ولم ينزلها اهل العلم على حال وحال
والله اعلى واعلم

د. أيمن علي صالح
14-12-25 ||, 09:45 AM
اذا أفهم من كلامكم أن علينا ألا نعيب على من ينكر النسخ ويرفضه إن كان يحاول الجمع بين النصوص بطريق التخصيص ونحوه
لم أقصد إلى هذا.
وسلامة المقصد لا تعفي من المسؤولية إذا كان منهج الوصول إلى المقصد متعسفاً، أو يوقع فيما لا يسوغ من الخلاف والتأويل المتكلّف، على أني لم أدرس مذهب القوم بعدُ حق درسه.

د. أيمن علي صالح
14-12-25 ||, 09:49 AM
دكتور ايمن بارك الله فيك
اليس يبين لمن دفع فى صدر النسخ ليبين له خطئه ان النسخ فى القبله من زمانه صلى الله عليه وسلم ليس فى حال وحال كذلك نسخ زواج الاختين وغيره
قالمسلك ضيق على من يدعى عدم النسخ او رفع الحكم الاول بالمتأخر ...وقد نسخت ايه ايه اخرى كعده المتوفى عتها زوجها ولم ينزلها اهل العلم على حال وحال
والله اعلى واعلم
وبارك فيكم.
اتفق معكم أن المسلك ضيق على المانعين من النسخ في الكتاب مطلقاً، لكن المقلين من دعوى النسخ، وهو اتجاه آخر في المسألة، ربما كان قولهم أوجه من قول المكثرين.

فاتن حداد
15-04-18 ||, 10:47 PM
دكتور، لدي مجموعة من الأسئلة:

1. هل حظي الجمع كمسلك لدفع التعارض ورفعه بمثل ما حظي الترجيح والنسخ من دراسات أكاديمية وبحثية؟

2. هل يخطر على بالكم رسائل أو أبحاث أو كتب عنيت بذلك؟

3. لماذا لا نجد في كتب المتقدمين إفراداً للجمع بمبحث خاص لبيانه وتوضيح طرائقه كما جرى لهم مع الترجيح والنسخ؟
استشكل ذلك كثيراً خصوصاً مع المتكلمين الذين يقدمونه على الترجيح وينافحون عن منهجهم ذاك في مواجهة الحنفية، ومع ذلك لا يتكلمون عنه كما يتكلمون عن الترجيح والنسخ؟

د. أيمن علي صالح
15-04-23 ||, 12:13 PM
دكتور، لدي مجموعة من الأسئلة:

1. هل حظي الجمع كمسلك لدفع التعارض ورفعه بمثل ما حظي الترجيح والنسخ من دراسات أكاديمية وبحثية؟

2. هل يخطر على بالكم رسائل أو أبحاث أو كتب عنيت بذلك؟

3. لماذا لا نجد في كتب المتقدمين إفراداً للجمع بمبحث خاص لبيانه وتوضيح طرائقه كما جرى لهم مع الترجيح والنسخ؟
استشكل ذلك كثيراً خصوصاً مع المتكلمين الذين يقدمونه على الترجيح وينافحون عن منهجهم ذاك في مواجهة الحنفية، ومع ذلك لا يتكلمون عنه كما يتكلمون عن الترجيح والنسخ؟

الجمع، مسلكا للتوفيق بين الأدلة، لم يحظ في كتب الأصول بباب من الدرس مستقل بل تتوزع مباحثه هنا وهناك، فمثلا تقييد المطلق وتخصيص العام ومباحث الحقيقة والمجاز والتأويل عموما وحتى الأفعال النبوية وتوجيه دلالتها، بل حيثما ذكرت القرائن الخارجية والمستقلة فهي للحديث عن مسالك الجمع بين الأدلة. ولا علم لي إذا كان هناك من أفرد هذا الموضوع بالبحث من المعاصرين، فإذا لم يكن فهو جدير بذلك.
والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
15-04-23 ||, 08:06 PM
القول بوقوع النسخ، الذي هو قول جماهير الأصوليين

أما على قول رافضي النسخ
من هؤلاء؟

د. أيمن علي صالح
15-04-25 ||, 12:40 PM
من هؤلاء؟
من القدماء أبو مسلم الأصبهاني.
ومن المعاصرين جماعة منهم محمد عمارة وعدنان إبراهيم وغيرهم.
وأظن أن سؤالك للإنكار لا للاستعلام!