المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التجديد مخاوف ومخاطر



د. بدر بن إبراهيم المهوس
15-01-17 ||, 09:07 PM
التجديد باب واسع وقد كتب فيه كثيراً من اتجاهات مختلفة ومدارس متباينة والكلام على مسالكه وضوابطه لا يتسع له المقام هنا ولكني أحببت أن أنبه إلى قضية مهمة بشكل مختصر فأقول :
ابتداءاً التجديد مصدر جدَّد يجدِّد أي جعل الشيء جديداً ، والمراد جعل الشيء القديم جديداً بأن أعاده إلى ما كان عليه ابتداء .
والتجديد الشرعي هو ( إحياء ما اندرس من معالم الشريعة ومحاربة البدع والمحدثات التي شوهت الشريعة ونشر العلم بالشريعة بين الناس ) .
ومن التجديد كذلك الاجتهاد في الحوادث النازلة والوقائع المستجدة بحيث يحقق مناطات النصوص الشرعية في الواقع .
ويشترط للتجديد الشرعي شروط معينة منها ما يعود إلى آلية التجديد ، ومنها ما يعود لمجالاته ، ومنها ما يعود إلى المجدد نفسه .
فالذي يجدد ينبغي أن يكون من أهل العلم الراسخين الذي يعم نفعهم المسلمين المتمسكين بالعقيدة الصحيحة .
هذا هو المفهوم الصحيح للتجديد عند العلماء .
وثمة مفهوم منحرف للتجديد تتبناه طوائف واتجاهات متعددة تعود على الشرع بالفساد وتستند إلى أصول فاسدة منها تقديم العقل على النقل ، وإخضاع النصوص للواقع ، واستبدال الأصول التي يعتمد عليها العلماء في الفهم والاستنباط بأصول فاسدة ، وتقديم المتشابه على المحكم ، والتأويل المنحرف للنصوص ، ودعوى القراءة التاريخية للنص والتي تخضع للمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وهنا لن أتكلم عن هذا المنهج المنحرف وإن كان يحتاج لبسط وبحث لكشف انحرافه ومخالفته للمنهج السليم الذي سار عليه العلماء .
وإنما سأتكلم عن تجديد يسير في الجملة على مسلك العلماء ولم يسلم من التأثر ببعض ما عليه المسلك السابق إلا أنهم يخالفونهم في كون المقصد حسناً وأهله من المنتسبين للعلم ولهم وجه استدلال مشروع في الجملة إلا أنه قد حفته المخاطر ويخشى من مآلاته وآثاره وقد أحببت أن أنبه إلى أهم هذه المخاطر والمخاوف فأقول إن من المخاطر والمخاوف التي تكتنف هذا المسلك وأصحابه ما يلي :
أولاً : الجرأة على العلماء المتقدمين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وكبار أتباعهم من العلماء المحققين بحيث يستهين البعض بأقوالهم ولا يعتد بها ولا يلقي لها بالاً ويضع المرء نفسه نداً لهم في الفهم والاستنباط مع التفاوت الكبير بينه وبينهم في سعة العلم وأدوات الاجتهاد ، حتى ضاعت هيبتهم عنده بل قد تجرأ البعض على الحكم بالبدعة لأفعال فعلها الصحابة رضي الله عنهم دون اعتبار لأصول الشريعة ودون إجلال وهيبة لمنزلتهم ومكانتهم بل أصبحت القاعدة عنده ( هم رجال ونحن رجال ) ، ولا شك أن الرجال متفاوتون بصفاتهم وقدراتهم فكيف يقاس طالب العلم المتأخر بالصحابة والأئمة الأربعة ؟! ولو أن المرء اطلع على تراجمهم وسعة محفوظهم وقوة فهمهم وإحاطتهم باللغة لاستصغر المرء نفسه ولاستحى من تعقبهم وتخطئتهم .

ثانياً : تتبع شواذ الأقوال والإعراض عن المشهور عند العلماء مع علم المفتي بشذوذ القول وأنه لا دليل يعضده .

ثالثاً : التوسع في الترخص والتيسير على خلاف ضوابط الشرع تارة باسم الضرورة حيث لا ضرورة شرعية ، وتارة بحجة أن المسألة خلافية فيعلل القول بالإباحة بعلة الخلاف في المسألة ، وتارة بالتلفيق بين الأقوال على وجه لا يقول به مذهب أو عالم .

رابعاً : قلة الدين والورع في الفتوى ، إذ يعمد البعض إلى إصدار الفتوى مستنداً فيها لدليل معين مجردة عن دعائمها ، والذي يعتبر من أعظمها في الشرع وعند علماء السلف أن تكون حافظة للدين نابعة من خشية الله تكسوها التقوى ، وليس معنى ذلك الأخذ بالأشد والأحوط دوماً ؛ إذ المسائل فيها راجح يجب اعتماده سواء كان الأشد أو الأخف ، وإنما المراد أن لا يظهر في الفتوى التفلت من الأوامر والنواهي لأدنى سب ولأطرف دليل دون أن يكون السائق للمفتي خشية الله عز وجل في نفسه حال الفتيا ومراعاة حفظ دين المستفتي ، وهذا يظهر في كثير من الفتاوى التي تصدر في هذا العصر والتي تحس منها قلة الدين والاستهانة بالأمر والنهي والجرأة على الفتيا موافقة لسلطة أو سياسة أو جماعة أو حزب أو لطلب رضا الجمهور والأتباع .
وقد تجد البعض لا يتردد ولا يحجم عن الفتيا بعظائم المسائل ، ولا يفرق بين مسائل التكفير والدماء والفروج وبين جزئيات المسائل في العبادات والمعاملات فتراه يقدم على الفتوى دون تردد ودون استشارة ودون طول بحث ونظر .

خامساً : الاستناد إلى بعض الأدلة الجزئية دون النظر في قواعد الشريعة العامة ( الأصولية والفقهية والمقاصدية ) والقواعد والضوابط الخاصة بذلك الباب من عبادات أو معاملات أو غير ذلك ، ودون مراعاة لمآلات الفتوى ، ودون النظر لموقف السلف من الدليل فيتمسك البعض بدليل جزئي معين ترد عليه احتمالات متعددة من ضعف السند أو نكارة المتن أو كونه قضية عين وحكاية حال ونحو ذلك ثم يرفع شعار التمسك بالدليل ، وأن هذا نص يجب العمل به ، وما علم أن العمل بالنص له ضوابط وقيود وحالات تكلم عنها السلف وهي مبثوثة في كتب الأصول .

بشرى عمر الغوراني
15-01-18 ||, 08:48 AM
خامساً : الاستناد إلى بعض الأدلة الجزئية دون النظر في قواعد الشريعة العامة ( الأصولية والفقهية والمقاصدية ) والقواعد والضوابط الخاصة بذلك الباب من عبادات أو معاملات أو غير ذلك ، ودون مراعاة لمآلات الفتوى ، ودون النظر لموقف السلف من الدليل فيتمسك البعض بدليل جزئي معين ترد عليه احتمالات متعددة من ضعف السند أو نكارة المتن أو كونه قضية عين وحكاية حال ونحو ذلك ثم يرفع شعار التمسك بالدليل ، وأن هذا نص يجب العمل به ، وما علم أن العمل بالنص له ضوابط وقيود وحالات تكلم عنها السلف وهي مبثوثة في كتب الأصول .

جزاكم الله خيراً حضرة الشيخ الفاضل، وبارك فيكم..
موضوع في غاية الأهمية، وطرح جدير بالتفكر فيه وأخذ الفوائد منه!

هذا البند الأخير، يطالعني بكثرة، لا من طلاب العلم.. بل من بعض العوام، الذين اعتمدوا على ما يسمعون من خطب ومواعظ ودروس لبعض المشايخ.. ومن بعض الإخوة والأخوات- وهو الأكثر والأخطر والأشد- أخذوا طرفاً من علم ما، كعلم التجويد، أو التفسير، أو الحديث، فتمسكوا ببعض الأدلة الجزئية، وباتوا يطلقون الأحكام على الناس، بل وتجرأ كثير منهم على المشايخ!!
أتألم كثيراً حين أرى أو أسمع مثل ذلك؛ لأني أشعر أن بعض أهل الإسلام يدمرونه من حيث لا يعلمون، وينفِّرون منه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.. يداخلني الأسى، حين يُذكر أمامي غلظة المتدينين في حواراتهم ونقاشاتهم، وقسوتهم في إطلاق الأحكام على إخوانهم.. مع كِبر وجفوة وفظاظة، الله ورسوله ودينه برآء منها!!
حسبنا الله ونعم الوكيل