المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (8) مبدأ عربية النص



د. أيمن علي صالح
15-02-08 ||, 11:37 AM
هذه هي الحلقة رقم 8 من المبادئ العامة للفكر الأصول-فقهي الإسلامي في تعامله مع النص


سابعاً: مبدأ عربيَّة النّصّ:
أي أنّ النّصّ ورد بلسان العرب فعلى سَنَن العرب ونهجهم في الخطاب والتخاطب يجب أن يُفهم.
قال الشافعي، رحمه الله تعالى: «إنَّما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها، على ما تعرف من معانيها»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
وقال الشاطبي: «إنَّ الله عز وجل أنزل القرآن عربياً لا عُجمة فيه، بمعنى أنه جاء في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}(الزخرف: 3)، وقال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}(الزمر: 28). وقال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}(الشعراء: 193)، وكان المنزَّل عليه القرآن عربياً أفصح من نطق بالضَّاد، وهو محمّد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وكان الذين بُعث فيهم عَرَباً أيضا، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم، فليس فيه شيءٌ من الألفاظ والمعاني إلا وهو جارٍ على ما اعتادوه، ولم يداخله شيءٌ بل نفى عنه أن يكون فيه شيءٌ أعجمي، فقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}(النحل: 103)، وقال تعالى في موضع آخر: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}(فصلت: 44). هذا، وإن كان بُعِث للنَّاس كافَّة فإنَّ الله جعل جميع الأمم وعامّة الألسنة في هذا الأمر تبعاً للسان العرب، وإذا كان كذلك فلا يُفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي نزل عليه، وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
ولهذا لم يكن عجباً أن قال القرافي عن أصول الفقه: «هو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام النّاشئة عن الألفاظ العربيّة خاصّة، وما يعرِض لتلك الألفاظ من النّسخ والترجيح، ونحوُ: الأمر للوجوب، والنّهي للتحريم، والصِّيغة الخاصّة للعموم، ونحو ذلك»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))، وأكّد ذلك الشاطبي بقوله: «غالب ما صُنِّف في أصول الفقه من الفنون إنّما هو المطالب العربية»([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
ومما تَرتَّب على هذا المبدأ أنّ للنّصّ، عند الأصوليين وغيرهم من أئمة الفقه والحديث والتفسير، ذاتاً وكينونةً وحدوداً وأُطُراً قطعيّة تفرضها اللغة لا يجوز لمتلقّيه ومفسِّره تجاوُزُها بحال. ولذلك اشتدَّ نكيرهم على التّفسيرات الباطنيّة للنّصّ، وهي التي تخرج بالنّصّ عن إطاره اللّغوي بالكلّيّة.
قال الفخر الرازي: «يجب على المكلَّف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعةٌ لها بحسب اللّغة العربيّة. فأمّا حملُها على معانٍ أُخَر، لا بهذا الطريق، فهذا باطلٌ قطعاً، وذلك مثلُ الوجوه التي يذكرها أهل الباطن، مثل أنّهم تارةً يحمِلون الحُروف على حِساب الجُمَّل([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))، وتارةً يحملون كلَّ حرفٍ على شيءٍ آخر. وللصّوفيّة طُرُق ٌكثيرةٌ في الباب ويُسمُّونها علم المكاشفة. والذي يدلِّل على فساد تلك الوجوه بأسرها قولُه تعالى: {قُرْءاناً عَرَبِيّاً}، وإنّما سمّاه عربياً؛ لكونه دالّاً على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم، وذلك يدلّ على أنّ دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة، وأنّ ما سواه فهو باطل»([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
وقال عبد العزيز البخاري: «يُقبل كلُّ تأويل احتمَله ظاهر الكلام لغةً، ولا يردُّه الشرع، ولا يُقبل تأويلات الباطنية التي خرجت عن الوجوه التي يحتمِلها ظاهر اللّغة، وأكثرها مخالفةٌ للعقل والآيات المُحكمة؛ لأنّها تركٌ للقرآن لا تأويل»([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وقال ابن عبد البر: «جَلَّ الله عزَّ وجلَّ عن أن يُخاطِب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مِمَّا يصحُّ معناه عند السّامعين»([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)).
وقال ابن تيميّة: «الكتاب والسنة وكلام السَّلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يرُاد بشيءٍ منه خلاف لسان العرب...وإلا فيُمكن كلُّ مُبطلٍ أن يفسِّر أيَّ لفظ بأيِّ معنىً سَنَح له، وإن لم يكن له أصلٌ في اللغة»([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).





([1]) الشافعي. الرسالة، مرجع سابق، ص52.


([2]) الشاطبي. الاعتصام، مرجع سابق، ج2، ص 804.


([3]) القرافي: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي. الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق، القاهرة: عالم الكتب، (د.ط)، (د.ت)، ج1، ص2.


([4]) الشاطبي. الموافقات، مرجع سابق، ج4، ص117.


([5]) أي الدلالات الرقمية للحروف فيجعلون مقابل كل حرف عددا. ومن التفسيرات الرقمية المعاصرة ما تنبأ به بعضهم من زوال دولة بني إسرائيل عام 1922م، بناء على بعض الحسابات الرقمية في حروف القرآن.


([6]) الرازي: فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي. مفاتح الغيب أو التفسير الكبير، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، 1420هـ، ج27، ص539.


([7]) البخاري: علاء الدين عبد العزيز بن أحمد. كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، (د.ط)، (د.ت)، ج1، ص58.


([8]) ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، المغرب: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387هـ، ج7، ص131.


([9]) ابن تيمية. مجموع الفتاوى، مرجع سابق، ج6، ص360.

فاتن حداد
15-02-08 ||, 07:22 PM
نفع الله بكم دكتور أيمن.

عندي سؤال: لو تكرمتم بذكر بعض ما يمكن احتماله من تأويلات للنص، تعتبر من قبيل معهود لغة العرب. أو لنقل: بعض ضوابط هذا المعهود من اللغة الذي يقبل التأويل بناء عليه.

والمجاز، هل يدخل ضمن هذا المعهود؟

وتنبيه على الهامش رقم 5: (
([5]) أي الدلالات الرقمية للحروف فيجعلون مقابل كل حرف عددا. ومن التفسيرات الرقمية المعاصرة ما تنبأ به بعضهم من زوال دولة بني إسرائيل عام 1922م، بناء على بعض الحسابات الرقمية في حروف القرآن.). ربما المقصود عام 2022م، لأنَّ دولة بني إسرائيل لم تكن موجودة في العام 1922م.

د. أيمن علي صالح
15-02-09 ||, 01:44 PM
نفع الله بكم دكتور أيمن.

عندي سؤال: لو تكرمتم بذكر بعض ما يمكن احتماله من تأويلات للنص، تعتبر من قبيل معهود لغة العرب. أو لنقل: بعض ضوابط هذا المعهود من اللغة الذي يقبل التأويل بناء عليه.

والمجاز، هل يدخل ضمن هذا المعهود؟
ونفع بك وأحسن إليك.
سؤال مهم، وجوابه: نعم، فالعدول من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي من سنن العرب في الكلام، إنشاء وتلقيا، وهو على التحقيق سنن كل لغات العالم. ولكن الضابط في ذلك هو أنه لا يجوز المصير إلى المجاز والعدول عن الظاهر حتى توجد قرينة تدعم هذا العدول، وهذا هو سنن اللغة نفسها. وهو ما خصصنا له الحديث في المبدأ الثامن، والذي تجدينه على هذا الرابط: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد



وتنبيه على الهامش رقم 5: (
([5]) أي الدلالات الرقمية للحروف فيجعلون مقابل كل حرف عددا. ومن التفسيرات الرقمية المعاصرة ما تنبأ به بعضهم من زوال دولة بني إسرائيل عام 1922م، بناء على بعض الحسابات الرقمية في حروف القرآن.). ربما المقصود عام 2022م، لأنَّ دولة بني إسرائيل لم تكن موجودة في العام 1922م.
بارك الله فيك على التنبيه، بالفعل المقصود ما ذكرت، وهي نظرية بسام جرار في زوال دولة بني إسرائيل عام 2022م، والتاريخ الذي كتبته كان سبق قلم.