المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (9) مبدأ حمل النّصّ على ظاهِره إلا لدليل



د. أيمن علي صالح
15-02-09 ||, 01:35 PM
هذا هو المبدأ الثامن من المبادئ العامّة للفكر الأصول-فقهي الإسلامي في تعامله مع النّصّ.



ثامناً: مبدأ حمل النّصّ على ظاهِره إلا لدليل:
أيّ أنَّ النَّص إن احتمل وجوهاً في لغة العرب واستعمالهم فإنّه ينبغي حملُه على معانيه الجمهورية المتبادرة إلى فهم العرب، والشّائعة في استعمالهم، لا على المعاني البعيدة المؤوّلة غير المتبادرة لهم حتى لو ثبت استعمال اللفظ فيها عندهم في أحوالٍ قليلة إلا إذا دلَّ على ذلك دليل.
قال الشافعي: «القرآن عربيٌ، كما وصفتُ، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها ليس لأحدٍ أن يُحيلَ منها ظاهراً إلى باطن ولا عامّاً إلى خاصٍّ إلا بدلالةٍ من كتاب الله، فإن لم تكن فسنّةُ رسولِ الله تدلّ على أنّه خاصٌّ دون عامّ، أو باطنٌ دون ظاهر، أو إجماعٌ من عامّة العلماء الذين لا يجهلون كلُّهم كتاباً ولا سنّة. وهكذا السنّة. ولو جاز في الحديث أن يُحال شيءٌ منه عن ظاهره إلى معنىً باطنٍ يحتمله كان أكثرُ الحديث يحتمل عدداً من المعاني، ولا يكون لأحدٍ ذهب إلى معنىً منها حجّةٌ على أحدٍ ذهب إلى معنىً غيره، ولكنَّ الحقَّ فيها واحد؛ لأنّها على ظاهرها وعمومها إلا بدلالةٍ عن رسول الله، أو قولِ عامِّة أهل العلم، بأنّها على خاصّ دون عامّ، وباطنٍ دون ظاهر، إذا كانت إذا صُرفت إليه عن ظاهرها مُحتملةً للدُّخول في معناه»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
وقال أبو سعيد الدارمي: «لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهانٍ أنّه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وقال الطّبري: «غيرُ جائزٍ إحالةُ ظاهر التنزيل إلى باطنٍ من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب، ولا خبرٍ لرسول الله، صلى الله عليه وسلّم، ولا إجماعٍ من الأمّة، ولا دلالة من بعض هذه الوجوه»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
وقال ابن عبد البر: «إنَّما يُوجَّه كلام الله عزَّ وجلَّ إلى الأَشهر والأَظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التَّسليم. ولو ساغ ادِّعاء المجاز لكلِّ مدَّعٍ ما ثبت شيءٌ من العبارات»([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
وقال الشنقيطي: «قد أجمع جميعُ المسلمين على أنَّ العمل بالظاهر واجبٌ حتى يَرِد دليلٌ شرعي صارفٌ عنه إلى المحتمَل المرجوح، وعلى هذا كلُّ من تكلَّم في الأصول»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وهذا المبدأ، والذي قبلَه، يلخِّصان شروط الأصوليين في التأويل المقبول وهي:
أوّلاً: أن يكون المعنى الذي حُمل عليه اللّفظ سائِغٌ لغة. وهذا ما يقرِّره "مبدأ عربية النص".
ثانياً: أن يدلَّ دليلٌ مقبولٌ على صرف اللفظ عن معناه الظّاهر إلى معناه المؤوَّل. وهذا ما يقرِّره مبدأ "حمل النّص على ظاهره إلا لدليل".







([1]) الشافعي: محمد بن إدريس. اختلاف الحديث، تحقيق: عامر أحمد حيدر، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، ط1، 1405هـ=1986م، ص480.


([2]) الدارمي: عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد. نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد، تحقيق: رشيد بن حسن الألمعي، الرياض: مكتبة الرشد، ط1، 1418هـ=1998م، ج2، ص855.


([3]) الطبري. تفسير الطبري، مرجع سابق، ج10، ص12.


([4]) ابن عبد البر. التمهيد، مرجع سابق، ج7، ص131.


([5]) الشنقيطي: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، بيروت: دار الفكر، (د.ط)، 1415هـ=1995م، ج7، ص769.