المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (2)...موقف أهل العلم الإجمالي من الشذوذ



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-01-07 ||, 11:25 PM
موقف أهل العلم من الشذوذ:

الناس بالنسبة للشذوذ ثلاثة طوائف :

فطائفة: لا تبالي به ركونا إلى النص، ولا تلتفت إلى غيره ويمثل هؤلاء ابن حزم.

وطائفة تنفر منه وهؤلاء قسمان:

1- مقلدة المذاهب:
وهؤلاء أفسد ابن حزم مذهبهم ببيان ما احتواه مذهبهم من الشذوذ، كل مذهب بانفراده، وإنما غاية هؤلاء التقليد، وإنكار ما لا يألفونه، وفي إدخال هؤلاء في جملة أهل العلم إشكال لأن الإجماع محكي في أن المقلدة ليسوا من أهل العلم، لكن صوت هؤلاء مسموع ولا يمكن مجاوزته.

2- طائفة من الأئمة الكبار:
الذين ينفرون من الشذوذ ولا يفارقون النصوص وهؤلاء يمثلهم ابن عبد البر وابن رجب.

والطائفة الثالثة:
هي التي توسطت فليست هي التي لا تعبأ به كما هي طريقة ابن حزم ، ولا هي التي تنفر منه مطلقا، ويقول هؤلاء: إن الشذوذ يمكن أن يكون اعتباري فوقع من هؤلاء شيء مما يحسب أنه شذوذ مع معارضتهم أن يكون هذا منهم شذوذا ، وهؤلاء يمثلهم ابن تيمية رحمه الله، فقد اتهم بالشذوذ مع أنه رحمه الله يصرح بنفي هذا عن أقواله

أبو محمد المصرى
09-01-08 ||, 11:11 PM
بخصوص وصف مخالفة الجمهور بالشذوذ :
تعريف الشذوذ لغة : الخروج عن الجملة ..أو الانفرد عن الجملة ..
تعريف الشذوذ فى الشرع : الشذوذ هو مخالفة الحق الثابت يقيناً ..
سواء كان المخالف هذا جمهور المسلمين أو كان واحد أو أكثر ..
فالحق هو الأصل والباطل كل ما خرج عنه ..فكل ما شذ عن الحق فهو باطل ..
أنواع الشذوذ ..
النوع الأول .. مخالفة الحكم الصحيح في الكتاب والسنة ..
النوع الثاني .. مخالفة الحكم الصحيح في الإجماع اليقيني
.....أسباب القول بالشذوذ ومخالفة الحق ..
1- أن يتوهم القائل أنه لم يخالف الحق الثابت يقيناً ..
2- أن يتوهم القائل أن الحق لم يذكر ولم يكن فيه حكم من قبل ..
3- أن يتوهم القائل بشيء أو أشياء ظنية أنها الحق فيقول بها ..
4- أن يتوهم القائل أن العبرة بالشرع قول الأكثر بلا اعتبار لموافقة الأقل أو الأكثر للحق أو مخالفته ..
ومثاله ما خالف فيه أهل الأرض إبراهيم عليه السلام حين آمن بربه ودعا إليه ..
ومثاله ما خالف فيه أهل الأرض النبي صلى الله عليه وسلم حين آمن بربه ودعا إليه ..
هذا بين مسلم وكافر ..
وأما ما بين المسلم والمسلم ..ما خالف فيه الصحابة كلهم قول الصديق رضي الله عنه في مسألة قتال المرتدين ..ثم صاروا إلى رأيه فانتفت المخالفة للحق ..
وكذلك ما خالف فيه الإمام أحمد بن حنبل في زمن القول بخلق القرآن ..
وكان عامة من في الأمة إلا نفر قليل معه مخالفاً له ..
ولا يزعم زاعم أنه رحمه الله كان شاذاً إلا أتى بالمنكر والباطل بين يديه يحرج عليه ليسقط به عقله وقوله ..
فالشاذ ما خالف الحق الثابت يقيناً فقط ..
لا الذي خالفني أو خالف جمهور الناس أو أكثر الأمة ..
فكان كل مفتي وعالم وجاهل في زمن الإمام أحمد شاذاً بقوله والإمام ومن معه كانوا المصيبون الموافقون للحق يقيناً ..
وما عرفنا قولاً لابن تيميه ولا ابن القيم ولا ابن كثير إلا الثناء على هذا الموقف وتلك المخالفة ..
انظر لابن القيم كيف يدافع عن هذا ويثبته في إعلام الموقعين 3/397
ولا عرفنا من أهل الحق إلا الثناء على الإمام أحمد ومن معه لهذا الموقف الذي يكتب في صحائفهم ..
فالعبرة بمخالفة الحق اليقيني لا الحق المتوهم أو الظني ..
وإلا صار كل قول شاذ بالنظر إلى مخالفه مما لا مخلص منه ..
وهذا حد الإنصاف في الشذوذ ..
وقد عرفه بعض الفقهاء على أنه :مفارقة الواحد من العلماء سائرهم ..
ولو كان الشذوذ هو مخالفة الواحد للأكثر فقط دون اعتبار موافقة الحق أو مخالفته لكان الصديق رضي الله عنه مخطئاً شاذاً عن جميع الصحابة
وهذا لا يقوله أحد مما قال بهذه المقولة ..وكذلك الإمام أحمد ولا فرق ..
وقد عرفه بعضهم أيضاً بما هو قريب من تفسيره اللغوي بأنه مفارقة الواحد للجماعة ..فإما أن يكون المفارق هذا فارقهم فيما اختاروه بأن يختار غير ما اختاروه سواء بدليل أو بظن ..
أو يفارقهم بإحداث قول لم يكن قد قالوا به ..
فإن كان الأول ..
فإن كان اختياره إبطالاً للحق الثابت يقيناً فهو قول شاذ لأن الحق لا يعارض الحق ولا يبطله ..
فإن ثبت الحق في أمر ما يقيناً فلا يمكن أن يأت حق آخر في نفس ذلك الوجه ليبطل الحق الأول ..
ومن قال بهذا أسقط قوله وأضر بنفسه ..
وإن كان الثابت ليس بحق يقيناً وإنما ظناً ، فقد يأتي الحق يقيناً فيكشف عن كون ذلك الحق الأول لم يكن حقاً وإنما توهمه المتوهم والقائل به أنه
حق ..
وإن كان الثاني ..
فإن فارقهم وخالفهم بقول حادث لم يألفوه ولا عرفوه بالظن وكان ثبوته عندهم يقينياً قاطعاً فهذا قول شاذ ..
وإن فارقهم وخالفهم بقول حادث ولكن ثبوته عنده كان يقيناً وقطعياً لا مجال للشك فيه فقوله ليس بشاذ وإنما كشف أن قول من قبله لم يكن عن
قطع ويقين ولم يكن حقاً ..
وكذلك إن كان اختياره إبطالاً أو مفارقاً لقول من سبقه بما هو يقيني فقوله ليس بشاذ ..
وبعضهم يقول :الشذوذ هو الخروج عن الجملة بهذه الصيغة ..
أي كان معهم أولاً ثم خرج عن قولهم إلى قول آخر ..
وهذا لأن القائل بهذا التعريف يقول لا يجوز إحداث قول بعد القول الأول الذي لم يكن فيه إجماع يقيني وإنما إجماعي سكوتي ظني ..
وهذا ما يقول به أو بمعناه مقلدة الإمام أحمد في الأصول ..
وهذا باطل من وجوه كثيرة ..فلو أتينا بكتب الحنفيين والمالكيين والشافعيين والحنبليين لوجدنا أن في كتبهم ما كان خروجاً عن قول الصحابة ..
ولأحصينا الآلاف من هذه المسائل ..فماذا يقولون عنها .. ؟!
أهي شاذة كما أطلقوا على قول مخالفيهم ممن قالوا بإبطال بعض أصولهم والوقوف على القطع واليقين .. ؟!
لذلك وجب اعتبار مخالفة الحق أو موافقته في القول في إطلاق لفظ الشذوذ ..
والشذوذ يأتي في الاختيارات اللغوية ..
ويأتي في الاختيارات في قراءة القرآن ..
ويأتي في الاختيارات الخاصة بأصول الفقه والفقه كذلك ..
وقد استعمله ابن كثير وغيره من المفسرين بالمعنى الذي ذكرناه ..
وفي غالب تصانيفهم مما لا ينكره منكر إلا من جهل كتبهم فعاند ..
فالشذوذ كل قول ليس له أصل في الكتاب أو السنة أو الإجماع اليقيني..
وبعض الفقهاء يزيد على هذه الأصول القطعية اليقينية أصولاً ظنية كقول الواحد من الصحابة أو التابعين أو القياس أو غيرها من الأدلة المختلف فيها بين أهل الإسلام ..مع اتفاقهم على الأصول الثلاثة السابقة أن قول من يخالفها أو دلالتها القطعية قد شذ وخالف الأمة ..
أما ما عدا هذه الثلاثة فكل فريق لديه أن الحق ليس مع خصمه ..
فإن استعملوا هذا مع من يختلف معهم فى الأصول الظنية السابق ذكرها كانوا متحكمين في اصطلاح الشذوذ واستعماله ..
فالمذاهب الأربعة مختلفة في هذه الأصول بلا شك ولا ينكر ذلك أحد ..
فقول فئة منهم بشيء وأنه حق يعني أن مخالفهم كان شاذاً عنهم ..
وكذلك الفئة المقابلة فمن خالفهم كان شاذاً عنهم أيضاً ..
ولا مخلص من هذه التناقضات إلا أن نقول أن الشذوذ هو مخالفة الحق الثابت يقيناً ..سواء مخالفة النص اليقيني أو دلالته اليقينية ..
وإلا لزم أن يجعل كل مذهب من خالفه في مسائل الأصول من أهل الشذوذ ..
وأشد من ذلك في مسائل الفقه ..
فإنهم مختلفون أشد الاختلاف ..
فإن كان الشذوذ هو مخالفة كل قول دون اعتبار كونه حقاً ثابتاً يقينياً ..
للزم أن نجعل كل هذه الأقوال أو كلها إلا واحد شذوذ ومخالفة للحق .. !ولا يقولون بذلك ..
وما الذي أخرج قول من قال بحجية إجماع أهل المدينة من دائرة الشذوذ عند مخالفه .. ؟!
وكذلك من أبطل هذه حجية هذا الإجماع لماذا لم يكن شاذاً .. ؟!
وما الذي أخرج قول من قال بحجية إجماع أهل الكوفة من دائرة الشذوذ عند مخالفه .. ؟!
وكذلك من أبطل حجية هذا الإجماع لماذا لم يكن شاذاً .. ؟!
وما الذي أخرج قول من قال بحجية قول الصحابي إن لم يعلم له مخالف من دائرة الشذوذ عند مخالفه .. ؟!
وكذلك من أبطل حجية قول الصحابي لماذا لم يكن شاذاً ..؟!
فتشنيع البعض تشنيع بالهوى أو بالجهل في حقيقة الشذوذ ..
استعمال لفظ الشذوذ ..لفظ الشذوذ استعمله الناس والفقهاء وغيرهم في الشريعة ..
لبيان أن ذلك القول الشاذ مخالف للثابت يقيناً من نص أو دلالة أو إجماع يقيني ..
وقد يستعمله قوم للتشنيع على غيرهم ممن خالفهم في مسألة أصولية أو فقهية أو اعتقادية بناء على اختيارهم لما هو حق أو ما يتوهم أنه حق فيرمي كل من خالفه بالشذوذ ..وهذا باطل كما ترى بما قدّمنا ..
فلو تركنا كل واحد يقول على من خالفه في مسألة أو مسائل أنه شاذ دون اعتبار مخالفة الحق أو موافقته فقد أبطلنا أقوالنا بأيدينا ..
وإن قلنا أن الشذوذ مخالفة الحق الظني فكذلك أبطلنا كل أقوالنا وجعلنا كل من خالف مقلدة مالك شذّاذ بلا فرق ..
فالشذوذ يجب أن يقيد بمخالفة الحق بشرط أن يكون هذا الحق ثابتاً يقيناً من طريق ثبوته ومن دلالته أيضاً ..لا الحق الذي يظنه القائل بهذا القول أو ما يتوهمه ..
وإلا أبطلنا ما قررنا وأخترنا من مسائل ..
فالشذوذ هو باعتبار ما ثبت من الحق ثبوتاً يقينياً بدلالته اليقينية ..
ومن خالف هذا لم يكن شاذاً فقط بل متحكماً ..فالدين لا ينسب لأحد وليس هو لأحد ..
فليس ديننا حنفي ولا مالكي ولا شافعي ولا حنبلي ولا ظاهرى ولا سفيانى ولا.....
وإنما ديننا رباني إلهي ..والدين الرباني ليس بهوى ولا ظن ..
وقد نهينا عنه في نصوص كثيرة ..سواء في الدين أو في التعامل فيما بيننا ..
فالشاذ ما خالف هذا الدين الذي هو حق ..
وليس الشاذ من خالف مقلدة مالك أو الشافعي أو أحمد .. !أو خالف أحدهم .. وليس كل من خالفني فهو عندى شاذ فهذه قاعدة أهل الهوى ..
بل كل من خالف الدين والحق الثابت يقيناً فهو الشاذ المتحكم في نصوص الله تعالى ..
فأى مذهب من المذاهب إن تحكموا في هذا كانوا شذّاذاً ..وبهذه الجملة ثبت للمنصف معنى الشذوذ ..ومتى يكون المرء شاذاً أو موافقاً للحق ..
أمر أخير : ما أمرنا به في هذا الدين هو الوقوف على مراد الله تعالى بيقين لا بظن ولا بشك ..
وأمرنا أن نقول بالحق اليقيني الثابت دون التفات لقول من قال قبلنا أو بعدنا ..وقد قال تعالى ..{ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ..
فالمدعي على الشرع بشيء فعليه البرهان وإلا بطل قوله وكان مخالفاً للحق ..
والبرهان لا يكون بالظن وإلا ما كان برهاناً ..
ولكان ظن الكفار وغيرهم الذين تحداهم الله تعالى أن يثبتوا ما قالوه في هذه الآية صحيح ولا حاجة لاعتراض الله عز وجل عليهم بأن يطلب منه البرهان القاطع ..
وكذلك قال حكاية عن قول الكفار :{ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق } ..
وهذا أشبه بحجة من قال لم يكن هذا القول محفوظاً يريد أن ينكر على خصمه بأن قوله لم يقل به أحد قبله ..فنسأل قائل هذا التمويه ..
من قال أولاً أنه لا يقبل قول حتى يكون له فيه سلف أو قائل .. ؟!
وهذا مما لا مخلص منه أصلاً ..
بل لا نقول بشيء في الدين إلا حيث كان النص ثابتاً قطعاً ودلالته مفسرة بالشرع أو بالإجماع أو باللغة فقط ..
وكل ما عدا ذلك ليس بمأمور به ولا مطلوب منا ولا يلزم الدين البتة ..
فإن أتى عالم بقول لم يسبقه به أحد نظرنا في دليله وكيف استدل به لقوله ..
فإن كان كل ذلك قطعياً قلنا به وقلنا أنه الحق ..
أما تفسيره بالظن والرأي فليس رأي بعض الناس أولى من رأي غيرهم ..
فيكون هذا منسوباً لقائله ولا ينسب لهذه الشريعة التي هي دين الله تعالى وليست دين الناس ..
ملاحظة هامة : قول الأكثر ليس إجماعاً ، لأن الخلاف واقع من الأقلين .
وليس دليلاً على المجتهد ، لأنه متعبد باجتهاده إذا قام له البرهان بنى عليه .
ولا يخفى على المنصف أن الترجيح بالأكثرية ليس مرجحاً فإذن يمكن أن يكون الحق مع الأقلية ، والخطأ مع الأكثرية .
قال الإمام الكبير أبو محمد ابن حزم ـ رحمه الله ـ في كتابه الماتع" النّبْذَة الكافية " (ص59) :" وإذا خالف واحد من العلماء جماعة فلا حجة في الكثرة . لأن الله تعالى يقول ـ وقد ذكر أهل الفضل ـ : ( وَقَلِيلٌ مَّاهُمْ ) .
وقال تعالى : ( فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيىٍْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَاْلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاْلْيَوْمِ الْأَخِرِ ) . ومنازعة الواحد منازعة توجب الردإلى القرآن والسنة . ولم يأمر الله تعالى قط بالرد إلى الأكثر . والشذوذ هو خلاف الحق ولو أنهم أهل الأرض إلا واحد . برهان ذلك أن الشذوذ مذموم ، والحق محمود ، ولا يجوز أن يكون المذموم محموداً من وجه واحد . ويسأل من خالف هذا : عن خلاف الاثنين للجماعة ثم خلاف الثلاثة لهم ثم الأربعة وهكذا أبداً . فإن حدَّ حداً كان متحكماً بلا دليل . فقد خالف أبو بكر رضي الله عنه جمهور
الصحابة رضوان الله عليهم وشذ عن كلهم في حرب الردة وكان هو المصيب ، ومخالفه مخطئاً . برهان ذلك : القرآن الشاهد بقوله ثم رجوع جميعهم إليه " .
انظر : الإحكام في أصول الأحكام " (2/ 54ـ 55 و 4/ 191ـ 202) .
** جزء من مقال لأخينا الشيخ الفاضل ابن تميم الظاهري .