المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهجية الفتوى في المدرسة المالكية الأندلسية -الإمام الشاطبي نموذجا-



شهاب الدين الإدريسي
09-01-10 ||, 05:56 PM
منهجية الفتوى في المدرسة المالكية الأندلسية الإمام الشاطبي نموذجا

رسالة ماجستير
للأخت الأستاذة
دريد الزواوي

ملحوظة: سيتم إدراج البحث على شكل حلقات قريبا بإذن الله تعالى على نفس الرابط.


فهرس الرسالة

المقدمة.................. ......................... ................. 1
أهمية البحث وأهدافه.................. ......................... ......2
أسباب اختيار الموضوع.................. ......................... ... 4
منهج البحث.................... ......................... ...........5
الدراسات السابقة.................. ......................... ....... 5
الصعوبات والعقبات................. ......................... ...... 6
خطة البحث.................... ......................... .......... 6
المصادر والمراجع................. ......................... .......... 8
مصطلحات البحث.................... ......................... .... 9
الفصل الأول: حقيقة الفتوى وبعض أحكامها............. 
تمهيـد................... ......................... ................. 12
المبحث الأول: تعريف الفتوى................... .................... 14
أ- الفتوى لغة...................... ......................... ........ 14
ب- الفتوى اصطلاحا.................. ......................... .... 16
المبحث الثاني: بعض الألفاظ ذات الصلة بالفتوى.................. ... 20
القضاء................... ......................... .................. 20
الاجتهاد................. ......................... ..................21
المبحث الثالث: حكمـــــها............... ................... 24
توطئة.................... ......................... .................. 24
حكم الفتوى التكليفي................. ......................... ..... 25
المبحث الرابع: شروط المفـــتي ......................... ........ 28
التكليف.................. ......................... ................. 29
البلوغ والعقل................... ......................... ........... 29
العدالة.................. ......................... ................... 29
الاجتهاد................. ......................... ..................29
الفقه.................... ......................... .................. 30
معرفة مقاصد الشريعة.................. ......................... .....30
جودة القريحة واليقظة وكثرة الإصابة.................. ................ 30
التدرّب والحذق................... ......................... ......... 31
مخالطة الناس ومعرفة أحوالهم النفسية وظروفهم الاجتماعية............ 31
التثبّت في الفتوى................... ......................... ........ 31
المبحث الخامس: مراتب المفتين وأقسامهم، وخصوصية المذهب المالكي
في ذلك...................... ......................... ............ 33
أ – مراتب المفتين وأقسامهم................. ...................... 33
أولا: المجتهد المطلق................... ......................... ...... 33
ثانيا: المجتهد في مذهب معيّن.................... ..................... 34
ثالثا: المجتهد في نوع من العلم.................... .................... 36
رابعا: المجتهد في مسألة أو مسائل معيّنة................... ............. 36
ب - خصوصية المذهب المالكي في تقسيم المفتين.................. .....37
المبحث السادس: التأليف في الفتــاوى................ ............ 39
في المذهب الحنفي................... ......................... .......39
في المذهب الشافعي.................. ......................... ....... 40
في المذهب الحنبلي.................. ......................... ........ 40
في المذهب المالكي.................. ......................... ........ 40
المصنفات في الفتاوى المعاصرة................. ....................... 44
المبحث السابع: البعد الزماني والمكاني، وأثرهما في تغيّر الفتوى..........45
مدخل..................... ......................... ............... 45
الثابت والمتغير من الأحكام.................. ......................... 47
أ- مجال الثبات والخلود.................. ......................... ....48
ب- مجال المرونة و التطور................... ......................... 50
أهم عوامل المرونة والسعة في الشريعة الإسلامية................ ........ 50
المصلحة وأثرها في تغير الفتوى................... .....................66
تغير الأحكام بناءً على الضرورة والحاجة.................. .............66
تغير الأحكام بتغير البيئات.................. ......................... . 67
تغير الأحكام بتغير الأعراف.................. ........................ 68
تغير الأحكام بتطور الزمان وفساد الأخلاق.................. ......... 69
تغير الأحكام بتطور الزمان وسمو الأخلاق.................. ........... 70

الفصل الثاني: المدرسة الفقهية المالكية الأندلسية وأهـم
خصائصها.................. ......................... ............ 72
تمهيد : لمحة عن انتشار المذهب المالكي، ونشـوء المـدارس الفقهيــة المـالكيـة............... ......................... ................. 73
المبحث الأول : بـداية ظهور المذهب المالكي بالأندلس ............... 79
المبحث الثاني : استقرار المذهب المالكي بالأندلس وتطوره ............. 85
المبحث الثالث : أسباب تمسّك أهل الأندلس بالمذهب المالكي .......... 98
المطلب الأول : العامل النفسي والاجتماعي .................... 99
أولا : تأثير شخصية الإمام مالك على الأندلسيين............... ....... 99
ثانيا: تأثير تلاميذ الإمام مالك وأتباعه ......................... ....... 101
أ _ التأثير الكمي ......................... ......................... . 101
ب – التأثير النوعي................... ......................... ......103
ثالثا: تشابه بيئتي الحجاز والأندلس من الناحية الاجتماعية............... 103
المطلب الثاني : العامل الجغرافي................. ................ 105
المطلب الثالث : العامل السياسي ......................... ..... 106
المبحث الرابع : الفتوى في المدرسة الأندلسية وأبرز خصائصها .......... 109
المطلب الأول: أهمية الفتوى عند أهل الأندلس.................. 109
المطلب الثاني : الكتب المعتمدة في الفتوى ...................... 111
المطلب الثالث: أهم مميزات الفتوى في المدرسة الأندلسية وأبــرز
خصائصها ......................... ......................... ...... 112
1- التزام المذهب المالكي في الإفتاء.................. .................112
2- خروج الفقهاء في بعض المسائل عن مذهب مالك.................114
أ- ما خالفوا فيه رأي مـالك.................... ....................115
ب- ما خالفوا فيه ابن القاسم................... ..................... 117
3- ارتباط الفتوى بالواقع الأندلسي................. ..................123
تأثير الفقه المالكي في القوانين العربية والغربية................. .......... 125
اهتمام المستشرقين بالمذهب المالكي.................. .................. 128
4- اعتماد المفتي على كتب الفروع وضعف تعامله مع نصوص القـرآن
والسنة................... ......................... .................. 129
المطلب الرابع : علاقة المفتي بالمجتمع والسلطة . .............. 131
أ- علاقته بالمجتمـع................ ......................... ........ 131
ب- علاقته بالسلطة.................. ......................... ...... 132
المطلب الخامس : أشهر المفتين في الأندلس.................. ..... 135
المطلب السادس : أبرز مصنفات النوازل الأنـدلسية ............. 138
الفصل الثالث:حياة الإمام الشاطبي ومكانته العلمية........... 140
المبحث الأول: البيئة التي عاش فيها الإمام الشاطبي.................. .. 141
المطلب الأول: الناحية السياسيـة................ ........... 141
المطلب الثاني: الناحية الاجتماعيـة والاقتصادية.............. 144
المطلب الثالث: الناحية الثقافية والفكرية................. .... 146
المبحث الثاني: اسمه ونسبه، مولده ووفاتـه.................. ..... 149
المطلب الأول: اسمه ونسبه.................... ............. 149
المطلب الثاني: مولده.................... ................... 149
المطلب الثالث: وفاتـه................... .................. 151
المبحث الثالث: دراستـه، وشيــوخه، وتلاميـذه................ 152
أ- دراسته................... ......................... ............. 152
ب- شيوخه.................... ......................... .......... 152
1- شيوخه الغرناطيون............... ......................... ..... 152
2-شيوخه الوافدون على غرناطة................... ................. 154
أ- مدينة لوشة الأندلسية................ ......................... ... 154
ب- مدينة بلش مالقة.................... ......................... .. 154
جـ-شيوخه الجزائريون............... ......................... ..... 154
1- مدينة بجاية.................... ......................... ........ 155
2- مدينة تلمسان................... ......................... .......155
د – مدينة سبتة المغربية................. ......................... .... 156
جـ- تلاميذه.................. ......................... ........... 157
المبحث الرابع: مـؤلفاته، وشعـره................... .............. 158
المبحث الخامس: مكانتـه العلميــة................ ............... 163
المطلب الأول: شهادات العلماء بفضله.................... .163
المطلب الثاني: تجديـد الشـاطبي في عـلم أصـول الفقـه
ومقاصد الشريعة.................. ......................... ......... 164
الفصل الرابع : منهج الإمام الشاطبي في الإفتاء.................. 167
مدخل: في أهمية الفتوى عند الإمام الشاطبي وعرض أهم آرائه فيها..... 168
أهم خصائص منهج الشاطبي و مميزاته في الفتوى................... .........177
المبحث الأول: الإخـلاص والورع والتثبت في الفتوى................. 178
المبحث الثاني: الإفتاء بمشهور المذهب المالكي.................. .........183
المبحث الثالث: اعتماده في فتاويه على كتب المتقدمين................ . 189
المبحث الرابع: أهم المصادر التي اعتمـدها في فتاويه................... 192
المبحث الخامس: تغليب روح التسهيل والتيسير على التشدد والتعسير.... 197
المبحث السادس: مراعاة أعراف المستفتين وعاداتهم................. .... 206
المبحث السابـع: مراعـاة مقاصـد الشريعـة بجلب المصـالح ودفـع المفاسد.................. ......................... .......................21 0
المبحث الثامن: اعتبار مآلات الأفعال ......................... ............216
المبحث التاسع: اعتبار مقاصد المكلفين................. ................... 221
المبحث العاشر: الأصول والأدلة التي اعتمدها الشاطبي في الفتاوى.......... 224
المبحث الحادي عشر: حرصه على اتباع السنة ومحاربته للبدع........... 231
تقسيم العز بن عبد السلام والقرافي للبدع.................... ... ...... 237
رد الشاطبي على هذا التقسيم ......................... ................238
اختلاف العلماء في مسألة الدعـاء بعـد الصلـوات المفـروضة على الهيئة الجمـاعية................ ......................... .................... 241
أولا: القائلون بالمنع ......................... ......................... ... 243
أ- الإمام مالك..................... ......................... ....... 243
ب- الإمام القرافي.................. ......................... ....... 243
ج- الإمام أبو العباس القبّاب.................. ....................... 244
د- الإمام ابن تيمية.................... ......................... ..... 244
ثانيا: القائلون بالجواز.................. ......................... . 245
أ- الإمام ابن لب....................... ......................... .... 245
ب- الإمام ابن عرفة..................... ......................... ....... 245
ج- الإمام أبو الحسن علي النباهي.................. ..................... 245
د- الإمام القـاضي أبو مهـدي عيسى الغـبريني................ .... 246
هـ- الإمام السيوطي.................. ......................... ....... 246
الرأي المختار.................. ......................... ................ 247
المبحث الثاني عشر: أسلــوبه................. ........................ 251
المبحث الثالث عشر: موضوعات فتاويه ومجالاتها................ .......... 257
المبحث الرابع عشر: مستفتوه.................. ......................... . 261 المبحث الخامس عشر: أهمية فتاوى الإمام الشاطبي وقيمتها العلمية........ 264 المطلب الأول: من الناحية العلمية والتربوية................ ....... 264 المطلب الثاني: من الناحية الاجتماعية والاقتصادية.............. . 266
الخاتمة.................. ......................... ........................2 69
الفهـارس................. ......................... ....................277
أولا:فهرس الآيات................... ......................... ....277
ثانيا:فهرس الأحاديث النبوية الشريفة والآثار.................. ......279
ثالثا: فهرس المصادر والمراجع................. .................... 281
قائمة الكتب.................... ......................... 281
قائمة المراجع الأجنبية................. .....................309
رابعا:فهرس الموضوعات................ ......................... . 311

شهاب الدين الإدريسي
09-01-10 ||, 06:00 PM
مقـــــــــدمــــة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى المبعوث رحمة للعالمين، الذي بيّن للنّاس شريعة خالقهم، المفضية إلى فلاحهم، وأفتاهم في أمور دينهم، فكان أول المفتين عن رب العالمين، وأقام العلماء بعده مقامه فكانوا بذلك ورثته في إفتاء المستفتين، ليعملوا بما علموا تنويرا لبصيرتهم و إرضاء لربهم، وتحقيقا لفوزهم.
وبعـد:
ففي كل أفق من آفاق العالم الإسلامي، أسماء رجال معدودين، امتازوا بمواهب وعبقريات، رفعتهم إلى الأوج الأعلى من آفاق العلم والمعرفة، وسجلت أسماؤهم في قائمة عظماء التاريخ، وجهابذة العلم، فأصبحوا نجوما لامعة ومصابيح ساطعة تتلألأ في كبد السماء، فبرزت من نسج أيديهم وعبقرياتهم أعمال هي اليوم آثار من التراث، تضيء لأهل هذه الدنيا، فتفيد من أنوارها البشرية كل حسب مكانته وعلى مقداره، فكانت منار القرون اللاحقة وستبقى خالدة على مدى الحياة، وبذلك بنوا لأنفسهم مجدا لا يطرأ عليه التلاشي ولا النسيان، وخلد ذكرهم على مر السنين وتعاقب الأزمان، فكانوا بحق ورثة الأنبياء.
فهؤلاء مازالت تدون أقوالهم لاسيما فتاواهم في العويصات التي لا يهتدى إلاّ بها، وآراؤهم في المدلهمات التي لا يعول إلا عليها، واستنباطاتهم في المعضلات ما هو إلاّ الحق الصريح والمذهب الصحيح، وكان ممن انتشرت فتاواه في بلاد الأندلس، الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الغرناطي المتوفى سنة (790هـ) ؛ الذي كان له دور كبير في فكر المدرسة الأندلسية المالكية خصوصا، والفقه الإسلامي عموما في القرن الثامن الهجري والقرون اللاحقة، فهو يعتبر من العلماء الذابّين عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقد سخّر كل حياته لمواجهة البدع التي حاول بعض الملاحدة والزنادقة من الباطنية ومدّعي التصوف إلصاقها بالدين ليفتنوا الناس ويضللوهم ليصلوا إلى هدم الإسلام من الداخل.
فقد كان العصر الذي يعيش فيه - من الناحية السياسية والاجتماعية- مشوبا بعوامل التفسّخ والفساد، فتصدّى لـه بكل الطرق والوسائل: بالتأليف، والتدريس، والإفتاء...
والجدير بالذكر أن الشاطبي لم يشتهر إلاّ بعد أن نُشِر كتاباه الموافقات، والاعتصام في البدع هذان الكتابان اللذان كانا من الكنوز الدفينة الدالة على قدمه الراسخة في علوم العربية وفنون الشريعة حيث صارا- خاصة الموافقات- من المصادر الأساسية التي يلجأ إليها الباحثون في علوم الشريعة تأكيدا وتوثيقا لما يكتبون، فكان نورا ساطعا بيّن فيه الأسس الصحيحة لفهم أحكام الشريعة المؤدية إلى صلاح البشرية حسب فلسفة التشريع الإسلامي تحقيقا لمقاصده.
هذا وقد كان للشاطبي فتاوى قيّمة تعتبر سجلا ناطقا بآرائه الفقهية، و لِما يحدث في عصره من وقائع ومستجدات، تَبيّن فيها منهجه الفقهي في تطبيق القواعد الأصولية والفقهية ، وكذا المقاصد الشرعية التي استقـرأها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ، فقد كانت فتاويه تجيب المستفتين فيما استُشكل عليهم من نوازل وحوادث، تحمل بين طيّاتها تعريفا بأحكام فقهية، وتوضيحا لبعض المسائل العلمية في مجال الاجتهاد، وتقويما لسلوك الفرد والمجتمع من أجل الإصلاح والتجديد ونبذ الفساد والجمود، وشرحا لبعض أحاديث الرسـول صلى الله عليه وسلم وبهذا كانت هذه الفتاوى أداة ناجحة من أدوات التبليغ والإرشاد، تفتح آفاقا واسعة للاتصال بعامة الناس وخاصتهم، وهي تمتاز عن سائر الطرق بأن إثارة الموضوع فيها كان من سائل مستفت مشتغل بالأمر، حريصٍ على الإفادة، فاشتغال الشاطبي بالفتوى حتّم عليه الاهتمام بنـوع خاص من الفقه، ألا وهو: " فقه النوازل"، الأمر الذي جعل مترجميه ينسبون إليه فتاوى فقهية ؛ وإن كان عددها ستون فتوى وهو عدد قليل مقارنة مع بقية فتاوى علماء آخرين كابن رشد الجد، وشيخه ابن لب وغيرهما؛ إلاّ أنها تميزت بمنهج خاص اتبعه الإمام أبو إسحاق؛ لذلك حاولت دراسة منهجه لأبيّن كيـف كانـت طــريقتــــــــــــــــــ ــه الاجتهادية التي جاءت وليدة الحاجات والظروف؟ وما هي أهم خصائص منهجه التطبيقي ومميزاته؟ وهل كانت آراؤه موافقة لمشهور المذهب المالكي أم كانت له اختيارات خاصة به؟ وما هي الأصول والقواعد التي اعتمدها في إصدار فتاويه؟ وهل كانت هذه الأصول والأسس موافقة لأصول المذهب المالكي أم أنه انفرد بأصول خاصة به؟ وبعبارة أخرى: كيف استطاع أن يربط بين الفقه وأصوله ثم بعدها تكييف هذا الحكم الشرعي وتطبيقه على أرض الواقع ؟ وهل طبّق فكره المقاصدي على الأحكام الفقهية التي أفتى بها؟ وكيف كان موقفه من الانحراف وأهل البدع ؟
وللوقوف على ذلك ارتأيت أن أكتب في هذا الموضوع محاولة الوصـول إلى الأهـداف الآتية :

أهمية البحث وأهدافه :

إن الفتاوى - وبخاصة من جانبها الفقهي- جـديرة بالانكباب عليها، والعناية بما ورد فيها؛ لأنها تميزت بطابع خاص وهي متنوعة بحسب الوقائع المستجدة، كما أنها تُعد أحكاماً اجتهاديةً جاءت وليدة الحاجات والظروف الزمانية والمكانية، بعيدةً عن التوغّل في التفريع والافتراض حيث ربطت بين الفقه وأصوله، وبين الحكم وتطبيقه، فكانت دليلا على سعة التشريع وصلاحيته في سياسة الناس وحل الأزمات المستعصية، وتعتبر فتاوى الإمام الشاطبي منها، فهي أثر علمي وسجل ناطق بآرائه، ومذهبه الفقهي ومنهجه التطبيقي، ووثيقة تاريخية تكشف عن ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضا التي عايشها الشاطبي، هذا الإمام الذي وصف بأنه علامة محقق، حافظ مجتهد جليل، وقد كان أصوليا مفسرا، فقيها محدثا، لغويا بيانيا نظارا، ورعا صالحا، بحّاثا مدققا جدليا بارعا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات وأكابر الأئمة المتفننين الثقاة، لـه الإمامة العظمى في الفنون فقها وأصولا وتفسيرا... وعلى قدم راسخ من الصلاح والعفة والتحري فهو يعد من كبار العلماء الذين دعوا إلى التجديد والاجتهاد؛ لاستيعاب تطورات الحياة، كما دعا إلى نبذ التقليد والتعصّب. وبهذا ذاع صيته بين طلبته وكثير من معاصريه الذين أعجبوا بآرائه وتأثروا بها، ثم بعد ذلك ذاع بين العلماء عبر العصور الموالية لوفاته.
فنظرا للمكانة العلمية السامية التي حظي بها الشاطبي، رغبت في خدمة هذا الإمام الجليل بإبراز جانب مهم من جوانب منهجيته العلمية في الإفتاء واهتمامه بالفتوى، وهي محاولة - مني- هادفة لإظهار فضل هذا العالم ومزيته في الفقه المالكي بصفة خاصة والفقه الإسلامي بصفة عامة.
كما أن فتاويه كانت ذاتَ طابعٍ جديدٍ، فهي - في الغالب - متصلةٌ بحياة الناس، وقلَّ منها ما هو نظري؛ إذْ كانت إجاباتٍ عن أسئلة صورت الواقع الأندلسي بكل ملابساته وتناقضاته، بالإضافة إلى هذا فإن دراسة مثل هذه الفتاوى تؤكد مدى سعة الفقه الإسلامي وخصوبته، وصلاحيته لبعدي الزمان والمكان، فهذا تشجيع لفتح باب الاجتهاد، والابتعاد عن الجمود الفكري الذي أصاب الأمة منذ قرون خلت.
ولمّا كان الشاطبي من أعلام المدرسة الأندلسية، ارتأيت أن أتناول هذه المدرسة، ونشأتها وتطورها بالأندلس؟ فإن هذا المذهبَ لم يلق من الرعاية والاهتمام ما لقيه بهذه البلاد، فقد قام أعلام هذه المدرسة بدراسة الفقه المالكي وإثرائه بحثا واجتهادا وتأصيلا وتقعيدا وتحليلا وتفريعا، فكان لها منهج متميز على سائر المدارس في المذهب؛ لذلك أردت أن أبيّن كيف كانت البدايات الأولى لدخول المذهب المالكي إليها؟ وما هي الأسباب التي جعلت أهل الأندلس يقبلـون على هذا المذهب دون غيره ؟ وما هي أهم خصائص هذه المدرسة في الفتوى؟ وكيف استطاع أعلامها معالجة النوازل والوقائع اليومية؛ عسى أن تكون رداً على من رمى فقهاء الأندلس بالجمود والتحجر، ولعل في هذا ما يساعدني – أيضا – على فهم بعض سمات منهج الشاطبي ومعرفة مكانته في هذه المدرسة، بإبراز جانب مهم من جوانب منهجيته العلمية في الإفتاء، وهذه الأهمية منبثـقة من اهتمام الشاطبي بالفتوى.

أسباب اختيار الموضوع:

رغبتي الملحة في دراسة هذه الفتاوى الصادرة عن شخصية متميزة بنبوغها . فهذه النوازل جديرة بالعناية، حقيقة بأن يعكف عليها الباحثون، ليس من أهل الفقه فحسب، بل من علماء الاجتماع، والسياسة، والتاريخ، والأدب أيضا، لعلهم يستكملون ما تفتقر إليه دراساتهم وبحوثهم.
ومن الأسباب الداعية لهذه الدراسة – أيضا -، حاجة طلبة العلم للتعرف على مناهج العلماء، خاصة المحققين منهم: كالإمام الشاطبي، فأردت أن أبيّن أن علماءنا لم يجتهدوا في شرع الله بطريقة عشوائية، بل كانوا يحددون المنهج ثم يتّجهون إلى أهدافهم بخطوات منظمة وعقل واع، فحققوا بذلك المقاصد العليا التي جاءت الشريعة من أجلها.خاصة وأن للفتوى منزلةً عاليةً؛ إذ بها تنضبط تصرفات المكلفين وفق المنهج الرباني، وبها يعرف الحلال والحرام، وحسبها شأنا أن المولى – عز وجل – قد تولاها بنفسه، ثم بعده سيّد البشرية محمد – صلى الله عليه وسلم – ثم ورثها عنه العلماء الراسخون.
إلاّ أنه – ومع الأسف – قد تجاسر عليها اليوم كثير من مدعي العلم والفقه حتى صارت مرتعا لكل جاهل، ولقمة سائغة في فم كل من حفظ حرفاً؛ لذلك تناولت هذا الموضوع لأبين أهمية هذا المنصب وشروط من يتولاه وكيف تشدد أعلام المدرسة الأندلسية في ذلك، خاصة منهم الإمام الشاطبي، فبيان منهج هذا الأخير في الفتوى وتوضيح المعايير والأسس التي اعتمدها ضروريّ حتى تكون منارة لمن أراد أن يتولى هذه المهمة الخطيرة .
كما أنني أرى أنه من واجب طلبة العلم الإسهام – كل بما أوتي من جهد وقدرات – في إحياء التراث الفكري للإمام الشاطبي والكشف عن منهجه في إصدار فتاويه وتقويمه.

منهج البحث:

لقد اتبعت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي الاستنباطي، فبعد قراءة الفتاوى مرات عديدة، حاولت الوقوف على جزئياتها، والربط بينها، محاولة إرجاع تلك الفروع والمسائـل إلى أصـولها وقواعدها، لاستخـلاص مميزات منهجه الفقهي و أهم خصائصه .
واعتمدت المنهج الوصفي والتاريخي الذي مكّنني من تتبع سيرة الشاطبي الذاتية والعلمية، وملامح الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في عصره، وكذا معرفة أهم الأسباب التي جعلت أهل الأندلس يقبلون على المـذهب المـالكي .
كما اعتمدت على المنهج الاستنباطي حيث حاولت من خلال الفتاوى استنباط أهم سمات منهج الشاطبي في معالجة الحوادث المستجدة في المجتمع الأندلسي، واستنادا على هذا المنهج – أيضا - بذلت جهدي لمعرفة أبـرز خصائص الفتوى في المـدرسة الأندلسية .
أمّا الجانب الشكلي لهذا البحث فقد كان كالآتي:
- اعتمدت في توثيق الآيات القرآنية على رواية حفص .
- خرّجت الأحاديث من مصادرها بالرجوع إلى كتب السنة، بذكر الكتاب والباب ورقم الحديث الذي رمزت له بالحـرف (ح) - إن وجد هذا الأخير-، وما اعتمدت في تخريجه على جهاز الحاسوب اكتفيت فيه بذكـر من أخرجه مع ذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث فقط .
- ذكرت معلومات النشر للمصادر والمراجع في بداية ورودها ثم بعدها اكتفيت بذكر اسم المؤلف وعنوان الكتاب، أو عنوان الكتاب فقط إن كثر استعماله أو اشتهرت معرفته.
- هناك عدة مصادر ومراجع رجعت فيها إلى أكثر من طبعة نظرا لتنقلي في البحث بين الجزائر وليبيا، فالموافقات – مثلا - اعتمدت فيها على نسختين. وفي حال رجوعي إلى نسخة دار الكتب العلمية اقتصرت على ذكر الجزء والصفحة، وأما إذا رجعت إلى النسخة الأخرى وهي نسخة دار المعرفة، فقد ذكرت دار النشر بين قوسين .
- ترجمت لمعظم الأعلام الواردة في البحث.
- أما الفهارس فقد وضعت فهرسا أولا للآيات، وثانيا للأحاديث، أما الفهرس الثالث فقد خصصته للمصادر والمراجع، وأخيرا وضعت فهرسا للموضوعات.

الدراسات السابقة:

لما كان الشاطبي شخصية متفردة في نبوغها، انكبت دراسات الباحثين على مؤلفاته وخاصة منها "الموافقات"، إذ قام حمادي العبيدي بدراسة نظريته في المقاصد الشرعية، وكذا أحمد الريسوني، وقام عبد الرحمان إبراهيم الكيلاني بدراسة قواعد المقاصد ، وهي عبارة عن رسالة دكتوراه، ولعبد المنعم إدريس دراسة بعنوان :" فكر المقاصد عند الشاطبي من خلال كتاب الموافقات"، وهي أطروحة شهادة الكفاءة بتونس ، ولعبد السلام محمد الشريف العالم كتاب بعنوان: علم مقاصد الشريعة، حيث تناول في بعض فصوله الفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي، وقام الجيلالي المريني بدراسة القواعد الأصولية عند الشاطبي من خلال الموافقات ... وغيرها من الدراسات .
ويتّضح من خلال ما سبق أن كل هذه الدراسات اهتمّت بالجانب النظري في فكر الشاطبي، أما الجانب التطبيقي والمتمثل في فتاويه ودراسة منهجه فيها، فلم أعثر – حسب إطلاعي - على من درس مثل هذا الموضوع دراسة أكاديمية إلاّ ما قام به محمد أبو الأجفان عندما حقق فتاويه (فتاوى الشاطبي)، فتحدث عن منهجه بصورة مقتضبة جدا ؛ لذلك تأكد عزمي على تناول هذه الفتاوى بالدراسة والتحليل لبيان أهميتها وخصائصها تكملة لما قام به أبو الأجفان من إخراج هذه الفتاوى إلى النور بعد أن كانت مدفونة – جزاه الله عنا خيراً .
أمّا عن المدرسة الأندلسية وخصائصها في الفتوى، فلم يسبق تناول هذا الموضوع إلاّ ما قام به مصطفى الهروس بعنوان :" المدرسة المالكية الأندلسية إلى نهاية القرن الثالث الهجري نشأة وخصائص" ومن خلال العنوان تبيّن أن هذه الدراسة اقتصرت على نشأة المدرسة الأندلسية وتأسيسها فقط، والمعروف أن هذه الأخيرة عمّرت ما يزيد على ثمانية قرون وهذه الدراسة اقتصرت على ثلاثة قرون فقط.

الصعوبات والعقبات :

لا تخفى صعوبة هذا الموضوع، ولاسيما أنه حديث عن إمام تميّز بمنهجه وفكره عن كثير من أهـل العلم في فقه النوازل بالإضافة إلى صعوبة تتبع جزئيات منهجه .
كما واجهتني مشكلة قلة المصادر والمراجع خاصة فيما يتعلق بالمدرسة الأندلسية نشأة وتطورا؛ إلاّ أنّ هذا سنة من سنن البحث؛ إذ لابد للباحث وهو ينقّب ويستقصي من مواجهة بعض العقبات، ولكن عليّ طلاب العز من مستقره ولا ذنب لي إن عارضتني المقادر، فصدق من قال :
لا تحسبنّ المجد ثمرا أنت آكله ** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبِرا .

خطة البحث :

هذا وقد تضمّن البحث مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.
الفصل الأول خصصته لحقيقة الفتوى وبعض أحكامها، فلما كان منصب الإفتاء عظيم الخطر جليل الأثر في الفرد والمجتمع ؛ ارتأيت أن أقدّم لهذا البحث به ، فتحدثت عن تعريف الفتوى وحكمها، وشروط المفتي التي يجب أن تتوفّر فيه حتى يكون أهلا للإفتاء، وبيّنت أقسام المفتين، ثم ذكرت خصوصية المذهب المالكي في تقسيم هؤلاء، وبعدها تحدثت عن أهم المصنفات في فقه النوازل وختمت الفصل بمبحث مهم جدا يتعلّق بالبعد الزماني والمكاني للفتوى ، وضّحت فيه كيف تتغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والأحوال والظروف، فكان هذا أكبر دليل على مرونة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل التطوّرات المستجدات .
أمّا الفصل الثـاني فهو في المدرسة الفقهية المالكية بالأندلس؛ قسّمته إلى تمهيــد وأربعة مباحث تحدثت في التمهيد عن المذهب المالكي وأماكن انتشاره في العالم، هذا المذهب الذي تميّز بتنوّع المدارس الفقهية وتعددها ، فمنها المدرسة الحجازية، والمصرية، والعراقية، ومدرسة الشمال الإفريقي، و المدرسة الأندلسية هذه الأخيرة التي خصصت لها باقي المباحث ، فتحـدثت في المبحث الأول عن: بــداية ظهور المذهب المالكي بالأندلس، والمبحث الثاني عنونته بـ: استقرار المذهب المالكي بالأندلس وتطوره، وقد حاولت فيه الاختصار قدر المستطاع؛ لأن هذا الموضوع نفسه يحتاج إلى دراسة مستقلة بذاتها، ثم تحدثت في المبحث الثالث عن: أسباب تمسّك أهل الأندلس بالمذهب المالكي فأرجعتها إلى ثلاثة عوامل أساسية:
أولا: العامل النفسي والاجتماعـي .
ثانيا: العامل الجــــغرافـي .
ثالثا: العامل السيــــاسـي .
أما المبحث الرابع، فتناولت فيه: الفتوى في الأندلس وأبرز خصائصها، فتحدّثت في المطلب الأول: عن أهمية الفتوى عند أهل الأندلس، وفي المطلب الثاني: تناولت الكتب المعتمدة عندهم لمن يتولّى هذا المنصب، ثمّ بيّنت في المطلب الثالث: أبرز سمات الفتوى في المدرسة الأندلسية، ومن خلالها حاولت الرد على بعض المستشرقين مثل: سانشيت البورنوث، وآسين بلاثيوس...وغيرهما ممن وصفوا علماء الأندلس وفقهاءَها بالجمود والتحجّر والتعصّب لمذهب مالك، كما تحدّثت بصفة مقتضبة عن تأثير المذهب المالكي في بعض القوانين الوضعية العربية منها والغربية، أما المطلب الرابع: فقد بيّنت فيه علاقة المفتي بالمجتمع والسلطة، وفي المطلب الذي يليه تناولت أشهر أقطاب المفتين في المدرسة الأندلسية، وفي المطلب السادس والأخير ذكرت أهم مصنّفات النوازل في الأندلس .
أما الفصل الثالث: فقد أفردته لترجمة الإمام الشاطبي، عرّفت فيه بهذه الشخصية وركّزت على الجوانب التجديدية في فكره.
أما الفصل الرابع والأخير، فقد خصصته لدراسة فتاوى الإمام الشاطبي وحاولت فيه الكشف عن أهم مميّزات منهجه في الفتوى وخصائصه؛ وذلك بالحديث عن أسلوبه ومصادر فتاويه ومجالاتها، كما تحدثت عن منهج إجاباته، وأشرت إلى الذين استفتوه من عوامَ وعلماءَ باعتبار أنّ أسلوب الإجابة ومنهجها يكون مناسبا لمستوى كل واحد من هؤلاء، وفي الأخير حاولت إبراز أهمية هذه الفتاوى من الناحية النظرية والتطبيقية، وأرشدت إلى ضرورة العناية بها وختمت البحث بخاتمة اشتملت على أهم نتائج هذا البحث وفوائده وأتبعتها ببعض التوصيات.

شهاب الدين الإدريسي
09-01-22 ||, 01:37 PM
المصادر والمراجع :

تعددت مصادر البحث ومراجعه فمنها كتب الفقه والأصول، ومنها كتب التاريخ والطبقات والتراجم، وكتب التفسير والحديث، ومنها كتب تقاويم البلـدان، وأيضا شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) .

أما كتب الفقه والأصول: فقد اعتمدت على مصادر ومراجع كثيرة، كان من أهمها: الموافقات، والفتاوى، والاعتصام، والإفادات والإنشادات للإمـام الشاطبي، والمعيار المعرب لأحمد بن يحيى الونشريسي، تبصرة الحـكام لابن فرحون، الفروق، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، الذخيرة،... لشهاب الدين القرافي، صفة الفتوى لابن حمدان الحنبلي، وإعلام الموقعين لابن القيم الجوزية ...وغيرها.

أما كتب التاريخ والطبقات والتراجم فاعتمدت:

الديباج المذهب لابن فرحون، ونيل الابتهاج للتنبكتي، والإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب، وبغية الوعـاة للسيوطي، ونفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب للمقري، وهدية العارفين للبغـدادي، ومقدّمة ابن خلدون، وترتيب المدارك للقاضي عياض، وغيرها من المناهل.

أما كتب تقاويم البلدان: فاستعنت بمعجم البلدان لياقـوت الحمـوي.

وبالنسبة لكتب الأحاديث فأهمها: الصحيحان للبخاري ومسلم وكتب السنن... وغيرها من المصادر والمـراجع التي سترد الإشارة إليها في فهرس المصادر والمراجع.

مصطلحات البحث :

1- المنهجية: من المنهج وهو الطريق الواضح والخطة المرسومة[1].

وفي الاصطلاح: هي القواعد العقلية التي يمكن الوصول بها إلى الحقيقة[2]. أما المقصود بالمنهج في هذه الدراسة فهو: القواعد والأسس والضوابط التي التزمها أعلام المدرسة المالكية ـ وعلى رأسهم الإمام الشاطبي ـ في استنباط الأحكام الفقهية، ومعالجة النوازل الطارئة والمستجدة في المجتمع الأندلسي .

2- ومصطلح الفتوى: لـه نصيبه في الفصل الأول من هذا البحث، ولم ألتزم في بحثي بهذا المصطلح فقط، بل لجأت إلى بعض المسميات التي تصب في قالب الفتوى مثل: النوازل، والأجوبة، والأحكام، ومسائل الأحكام... وغيرها.

3- المدرسة: جمع مدارس، وتطلق في الاصطلاح على مجموعة من المفكرين والعلماء المنتمين إلى نفس الاتجاه، وتكون لهم مجموعة من المميزات الخاصة بهم[3].

والمدرسة المالكية الأندلسية: أقصد بها أولئك الأعلام والفقهاء الذين اتبعوا مذهب الإمام مالك وأرسوا دعائمه ببلاد الأندلس، فكانت لهم ترجيحات وتخريجات في المذهب كما أوجدوا مناهج جديدة في الاستنباط، - كالأخذ بما جرى به العمـل -، تحاول الباحثة توضيح أهم مميزاتها من خلال هذا البحث .

وكان من أبــرز أعـلام هذه المـدرسة : زياد بن عبد الرحمان، ويحيى بن يحيى الليثي، وابن رشد الجد والحفيد، وابن عبد البر، والباجي، وابن العربي، وابن لب، والشــاطبي ....وغيـرهم من العلمــاء، هذه الـمدرسة التي عُـرفت بنـزعة التمسّك بـمذهب مالك والـدفاع عنه، والتشــدّد علــى أهـل الضـلالات والبــدع والثورة على مظاهر الانحــراف السياسي والاجتماعي، كما أن عطاءها الفقهي منه والأصولي كان مرجعا متميّزا في المذهب المالكي خصوصا والفقه الإسلامي عموماً .

4- نموذجا[4]: الجمع نماذج، مثال يُقتدى به، والنموذج ما يصلح ليكون مثالا يحتذى به، والمعـنى الـذي أردتـه من هـذا المصطلـح لا يختلف عن السياق الذي استعملته فيه، فقد أردت أن أدرس منهـج الشاطبي في الفتـوى ليتخـذ قـدوة ومثـالا لمن أراد أن يتـولّى الإفتـاء لمعالجة مستجــدات العصر وحوادث الزمان.

5- إذا قلت "الشيخ" أو "الإمام" أو "المفتي" - في الفصلين الثالث والرابع- أقصد به الإمام أبا إسحاق الشاطبي .

هذا وإن الخـوف والـرجـاء ظـلا يســاوراني في الكتابـة عن هــذه الــدراسة، فالخـوف من اعتبــار نفســي دون مستــوى الكتابــة عن هذا الإمــام العظيــم المتميـّز بفكــره، والرجــاء في أن أتـــزود بالعلم من منهــج إمــام شهــد له الناس خــاصتهم وعامتــهم بعلمــه وإمــامته وفضــلــه .

أسـأل الله العلي القـدير أن يــرزقنا الإخــلاص والثبــات علــى الـحق، ويغفر زلة مــا خطت يــدي، وصــلى الله عــلى سيّــدنا محمــد صــلاةً تنجّيـنا مـن جميـــع الأهــوال والآفـات، وتُقــضى لنا بها جميـع الـحاجـات، وآخــر دعــوانا أن الحمــد الله رب العـالمـــين.



دَرِيـد زواوي










الفصل الأول:

حقيقة الفتوى وبعض أحكامها.


المبحث الأول: تعريـــــــــــف الفتــــــــــــــــوى.

المبحث الثاني: بعض الألفاظ ذات الصلة بالفتوى.

المبحث الثالث: حكمـــــــــها.

المبحث الرابع: شــــروط المفـــــتي .

المبحث الخامس:مراتب المفتين وأقسامهم، وخصوصية المذهب المالكي في ذلك.

المبحث السادس: التأليف في الفتـــــــاوى.

المبحث السابع: البعد الزماني والمكاني، وأثرهما في تغيّر الفتوى.


تمهيـد:
إن المولى عز وجل أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم حجـة على خلقه بأن أحكامه تعالى قد بلغتهم فعرفوها؛ يقول عز وجل: } لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ { [5] .

ولا يتم ذلك إلا بالبلاغ، والمبلّغ هو الرسول صلى الله عليه وسلم - في حياته وحضوره -، والقائمون مقامه من أهل العلم – في غيبته وبعد وفاته -؛ لذلك ألزم الله سبحانه من لا يعلم أحكامه أن يسأل عنها ويتعلمها ليعمل بها بقوله تعالى: } فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون َ{ [6].

كما أوجب على أهل العلم أن يبيِّنوا ما عنــدهم من العلم، ويعلّموه للناس بقوله تعالى: } وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ { [7] .

و في الحـديث قولـه صلى الله عليه وسلم : « من سئل عن علـم فكتمه ألجمه الله يـوم القيامة بلجـام من نار »[8].

و بهذا يلتقي الطرفان على معرفة أحكام الله في أفعال العباد فتقوم الحجة، و عليه تكون إجابة السائل عن حكم الله سواء كان في واقعة أم في غيرها واجبا على الجملة، لذلك كان المفتـــي خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في الإفتاء؛ لأنه يبيّن للمستفتي ما فهمه من النصوص التي جعلها الله أدلة عليه، لمن لا يستطيع فهمه منها مباشـرة،كما أن عمله لا يقتصر على مجــرد نقل معـاني النصـوص وإنما يتجـــاوزها، فينظر في حال المستفتي و صورة النازلة، فيعرف الحكم عند تحقيق مناطه فيها بما أنه يجتهد أحيانا بالاستنباط فيكون مبلغا ومخبرا عن الله تعالى كالنبي صلى الله عليه وسلم[9].

وتتأكد أهمية الفتوى وخطرها من جهة أخرى؛ ذلك أن هذا المنصب تولاه سبحانه و تعالى بنفسه إذ يقول: ]يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ [ [10] .

فالصحابة استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكل الله تعالى إليه الفتوى، بل تولاها بنفسه وأسندها إلى ذاته المقدسة.

ولذلك كان الإفتاء عظيم الخطر، بعيد الأثر في حياة الفرد و الأمة، فالفقهاء الذين دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، والذين خُصّوا باستنباط الأحكام وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران، وحاجة الناس إليهم عظيمة؛ وإذا كنا لا نتصور الاستغناء عن الأطباء بادعاء أنّ النّاس يمكنهم النظر في كتب الطب والأخذ ما يلزمهم منها، فكذلك - هنا - نقول: إنه ليس بالإمكان استغناء الناس عن المفتين، فأُثبِت للعلماء خصيصة فاقوا بها سائر الأمة، لما هم بصدده من أمر الفتوى ؛ يقول صلى الله عليه وسلم:( العلماء ورثة الأنبياء )[11]، واستنادا إلى هذا الحـديث يقرر الشاطبي: « أن المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم »[12].

فنظرا لأهمية هذا المنصب ارتأيت أن أجعل مدخلا تمهيديا أتناول فيه الجوانب المهمة المتعلقة بالإفتاء، ولست أدعي أني ذكرت كل الأحكام المتعلقة بالفتوى بل اقتصرت على الخطوط العريضة فقط، التي ستساعدني فيما بعد على فهم منهج الإمام الشاطبي، فقد كُتِب في هذا الموضوع مصنفات كثيرة، فمن أراد أن يتوسع فليعد إلى مظانها، ولم أرد أن أطيل المقال لضيق المقام.




--------------------------------------------------------------------------------

[1] - انظر: مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، طهران، المكتبة العلمية، 2/965؛ الزمخشري، أساس البلاغة، ت: عبد الرحيم محمود، لبنان، دار المعرفة، 1982، ص474 .

[2] - علي جواد الظاهر، منهج البحث الأدبي، بغداد، مكتبة النهضة، ط2، 1972، ص1 .

[3] - انظر: المنجد في اللغة العربية المعاصرة، بيروت، دار المشرق، ط:1، 2002، ص458،459؛Petit larousse en couleur,dictionnaire encyclopedique pour tous, librairie larousse,1980,p 318.



[4] - انظر: المعجم الوسيط، 2/965 ؛ المنجد في اللغة العربية المعاصرة، ص1455؛ الطاهر أحمد الزاوي، مختار القاموس، ليبيا، الدار العربية للكتاب، ط:1981، ص 620.

[5] - الأنفال: 42.

[6] - النحل: 43.

[7] - آل عمران: 187.

[8]- أخرجه أحمد في مسنده،كتاب: الجهاد، باب: الترغيب في الجهاد وفضل الشهادة. (ط: بيروت، دار الفكر).

[9] - الشاطبي، الموافقات، شـرح: عبد الله دراز، بيروت، دار الكتب العلمية، ط3، 2003، 4/178، 179.

[10] - النساء: 176.

[11]- أخرجه أبو داود في سننه، ح:3641 ( 3/317)؛ وابن حبان في صحيحه، ح 88. (1/289).

[12]- الموافقات، 4/178.

علاء أبو عمر
09-10-13 ||, 10:14 PM
جزاك الله خيرأ أخي
ونحن بانتظار استكمال الموضوع ...:)

مصطفى بن الحو حداني
09-11-01 ||, 10:06 AM
الشكر موصول ونحن في انتضار المزيد

ابونصر المازري
09-11-02 ||, 06:15 PM
جزاك الله خيرأ أخي
ونحن بانتظار استكمال الموضوع