المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة (13) مبدأ اشتراط أهلية المجتهد في النص



د. أيمن علي صالح
15-04-09 ||, 12:46 PM
هذه هي الحلقة الثالثة عشرة من المبادئ العامة للفكر الأصولي الإسلامي في تعامله مع النص.

اثنا عشر: مبدأ اشتِراط أهليَّة المجتهد في النّص:
أي أنّه لا يُقبل اجتهادٌ في النّص من غير متأهِّلٍ لذلك.
تخصِّصُ أكثر كتب الأصول باباً في الاجتهاد والتقليد، تُذكر فيه الصّفات التي ينبغي توفّرها في الشّخص المؤهَّل لاستنباط الأحكام من أدلّة الشّرع. فالنّاس عند الأصوليين: «صِنفان: صنفٌ فَرْضُه التقليد، وهم العوامّ الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد... وصِنفٌ ثانٍ، وهم المجتهدون الذين كَمُلت لهم شروط الاجتهاد»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
فمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد لا يحلّ له النّظر في النّصوص بقصد استنباط الأحكام للحوادث، سواءٌ لنفسه أو لغيره. قال إمام الحرمين: «أجمعوا أنَّه لا يحلُّ لكلّ من شدا شيئاً من العلم أن يُفتي. وإنّما يحلّ له الفتوى، ويحلّ للغير قَبول قوله في الفتوى، إذا استجمع أوصافاً»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)):
وهذه الأوصاف هي: «أن يكون عارفاً بالكتاب. والذي يجب عليه أن يَعلم منه ما تعلَّق بذكر الأحكام من الحلال والحرام، فيعرف مُفصّله ومُجمله، ومُحكمَه وناسخه ومنسوخه... ويحفظ السُّنَن المرويّة عن النبي في ذلك من بيان الأحكام وناسخها ومنسوخها، ويعرف معاني الخطاب وموارد الكلام ومصادره، من الحقيقة والمجاز، والخاصّ والمفصّل والمطلق والمقيّد، والمنطوق والمفهوم، ويعرف من اللّسان ما يفهم به معاني الكلام، ويعرف أقاويل العلماء من الصّحابة والتابعين ومن بعدَهم من أئمّة المسلمين، وما اتّفقوا عليه مِمّا اختلفوا فيه، ويعرف وجه النُّطق والاجتهاد والقياس، ووضع الأدلّة في مواضعها والتّرجيح والتعليل»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
فمن لم يتمتّع بهذه الأوصاف فينبغي عليه أن يعتمد على غيره ممّن استجمع شرائط الاجتهاد. قال الجصّاص: «إذا ابتُلي العامّي الذي ليس من أهل الاجتهاد بنازلة، فعليه مُساءلة أهل العلم عنها؛ وذلك لقول الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(الأنبياء: 7)، وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(التوبة: 122). فأَمَر من لا يعلم بقَبول قول أهل العلم فيما كان من أمر دينهم من النّوازل، وعلى ذلك نصّت الأمّة من لدن الصّدر الأول، ثمّ التّابعين، إلى يومنا هذا، إنّما يفزع العامّة إلى علمائِها في حوادث أمر دينها»([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
فإذا أبى غير المؤهّل السؤالَ والتقليد، وتكلَّف النظّر في النّصوص، كالمجتهدين، فقد قرّر الأصوليون: إنّه لا يشمَله حديث «إذا حَكَم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))، بل هو آثمٌ غير معذور، أصاب في اجتهاده أو أخطأ.
قال الشافعي: «من تكلَّف ما جَهِل، وما لم تثبتِهْ معرفتُه: كانت موافقتُه للصّواب - إنْ وافقَه من حيثُ لا يعرفه - غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمُه بالفرق بين الخطأ والصّواب فيه»([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
وقال الخطّابي: «إنّما يُؤجر المخطِئ على اجتهاده في طلب الحقّ؛ لأنّ اجتهاده عبادة ولا يُؤجر على الخطأ بل يُوضع عنه الإثم فقط. وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعاً لآلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول، وبوجوه القياس. فأمّا من لم يكن مَحلاً للاجتهاد فهو مُتكلِّف، ولا يُعذر بالخَطأ في الحكم، بل يُخاف عليه أعظمُ الوِزر»([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وقال ابن رشد: «إذا اجتهد الحاكم فله أجر الاجتهاد وإن أخطأ باجتهاده...وهذا إذا كان من أهل الاجتهاد، وأمّا إن لم يكن من أهل الاجتهاد، فهو آثمٌ، وإن أصاب باجتهاده؛ لتقحُّمِه، وجُرأته على الله في الحكم بغير علم»([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)).
ونتيجةً لكونه متكلِّفا آثما باجتهاده فإنّه لا يعتدُّ بقوله، ولا قيمة له تُذكر في عداد أقوال أهل العلم.
قال أبو يعلى: «الاعتبار في الإجماع بقول أهل العلم، ولا يُعتبر بخلاف العامّة لهم...دليلنا: أنّ العامّي ليس من أهل الاجتهاد في أحكام الشريعة؛ لأنّه لا يجوز أن يَعمل باجتهاده، ولا يجوز لغيره أن يَعمل به، فهو بمنزلة الصّبيان والمجانين»([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).
وقال السّمعاني: «لا اعتبار أيضاً بمن ليس من أهل الاجتهاد في الأحكام، كالعامّة والمتكلِّمين الّذين يدَّعون علمَ الأصول»([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
وقال الزركشي: «من أَحْكمَ أكثر أدوات الاجتهاد، حتّى لم يبقَ عليه إلا أداةٌ واحدة، كمن أحْكم علوم القرآن والسنّة، ولم يبق عليه إلا اللّغة أو علم التفسير، فهل يُعتدُّ بخلافه؟ قال ابن برهان: ذهب كافّة العلماء إلى أنّه لا يُعتدُّ بخلافه، وينعقد الإجماع دونه»([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)).
وقال ابن تيميّة: «قد قال النّاس: أكثرُ ما يفسد الدّنيا: نصفُ متكلِّم، ونصف متفقِّه، ونصف متطبِّب، ونصف نحوي. هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البُلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللِّسان»([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)).





([1]) ابن رشد: محمد بن أحمد القرطبي (الحفيد). الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تحقيق: جمال الدين العلوي، بيروت-الرباط: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1994م، ص144.


([2]) الجويني. التلخيص، مرجع سابق، ج3، ص457.


([3]) ابن رشد: محمد بن أحمد القرطبي (الجد). البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، تحقيق: محمد حجّي وآخرين، بيروت-الرباط: دار الغرب الإسلامي، ط2، 1408هـ=1988م، ج17، ص12.


([4]) الجصاص. الفصول في الأصول، مرجع سابق، ج4، ص281.


([5]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم (7352)، ج9، ص108. ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم: (1716)، ج3، ص1342.


([6]) الشافعي. الرسالة، مرجع سابق، ج1، ص53.


([7]) الخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي. معالم السنن، المطبعة العلمية، حلب، ط1، 1351هـ=1932م، ج4، ص160.


([8]) ابن رشد: محمد بن أحمد القرطبي (الجد). المقدّمات الممهّدات، بيروت-الرباط: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1408هـ/ 1988م، ج2، ص262.


([9]) أبو يعلى الفراء. العِدّة في أصول الفقه، مرجع سابق، ج4، ص1133.


([10]) السمعاني: منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي. قواطع الأدلة في الأصول، تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ=1999م، ج1، ص480.


([11]) الزركشي. البحر المحيط، مرجع سابق، ج6، ص428.


([12]) ابن تيمية: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام. الفتوى الحموية الكبرى، تحقيق: حمد بن عبد المحسن التويجري، الرياض: دار الصميعي، ط2، 1425هـ=2004م، ص554.

أحمد عبدالله الشامي
16-03-02 ||, 02:42 PM
بارك الله فيك