المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلة المستنبطة إذا عادت على النص بالإبطال أو التخصيص



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-04-09 ||, 06:41 PM
العلة المستنبطة إذا عادت على النص بالإبطال أو التخصيص
رؤية في طريقة ابن دقيق العيد نظريا وعمليا

أولا: العلة المستنبطة التي تعود على النص بالإبطال:
§ يشترط في العلة المستنبطة ألا تعود على النص بالإبطال، وهذا موضع اتفاق:
قد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال، وأنه يشترط في العلة المستنبطة ألا ترجع على الأصل بالإبطال؛ إذ الظن المستفاد من النص أقوى من المستفاد من الاستنباط، لأنه فرع لهذا الحكم، والفرع لا يرجع على إبطال أصله، وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
الأمثلة:
المثال الأول: لفظ تكبيرة الإحرام:
استدل بقوله: (فكبر)[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2) على وجوب التكبير بعينه، وأبو حنيفة يخالف فيه، ويقول : إذا أتى بما يقتضي التعظيم ، كقوله " الله أجل " أو " أعظم " كف .
وهذا نظر منه إلى المعنى: وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكل ما دل عليه.
وغيره اتبع اللفظ: وظاهره تعيين التكبير، ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها الاتباع.
وأيضا: فالخصوص قد يكون مطلوبا، أعني خصوص التعظيم بلفظ " الله أكبر " وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلفة، كما تدل عليه الأحاديث فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى.
ولا يعارض هذا: أن يكون أصل المعنى مفهوما، فقد يكون التعبد واقعا في التفصيل، كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به.
ويتأيد هذا: باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة، أعني " الله أكبر".
وأيضا: فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة ويخرج على هذا حكم هذه المسألة، فإنه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير، وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرا وتفصيلا، وعلى تقدير تقريرها مطلقا يخرج ما ذكرناه.

المثال الثاني: إطعام ستين مسكينا:
حديث أبي هريرة ونحوه من نصوص الكفارات يدل على وجوب إطعام ستين مسكينا ولا يجزئ عن ذلك إطعام مسكين واحد ستين مرة، وهذا مذهب الجمهور خلافا للحنفية([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
ومن قال بأن الواجب إطعام طعام ستين مسكينا[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)، يرد عليه من وجهين:
أحدهما: أنه أضاف " الإطعام " الذي هو مصدر " أطعم " إلى ستين، ولا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم عشرين مسكينا ثلاثة أيام.
الثاني: أن القول بإجزاء ذلك عمل بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص بالإبطال وقد عرف ما في ذلك في أصول الفقه([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).

المثالث الثالث: ضعف ابن دقيق العيد: القول بالاكتفاء بالصابون أو الأشنان عن التراب في غسل ما ولغ فيه الكلب: استنادا إلى أن المقصود الاستظهار بغير الماء: ووجه ضعفه أمور، منها أنه استنباط علة من الحكم المنصوص يعود على النص بالإبطال؛ لأنا إذا اكتفينا بما لا يسمى ترابا لم يجب التراب أصلا([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
وأكد ابن دقيق العيد: بأن هذا المعنى المستنبط ليس فيه إلا مجرد المناسبة المزاحم بغيره، وأن القاعدة في الأوصاف التي يشتمل عليها محل الحكم أن تكون معتبرة إلا ما يعلم عدم اعتباره، ومهما كان في محل الحكم مما يمكن أن يكون معتبرا لم يجز إلغاؤه، ومحل النص قد اشتمل على التراب، وله وصف التطهير، وهو وصف يمكن أن يكون معتبرا في معنى التغليظ للنجاسة المزالة فلا يلغى.
وبعبارة أخرى: إن النص إذا ورد بشيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص، واطراح خصوص المعين فيه([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وأيضا: فإننا إذا اكتفينا بما لا يسمى ترابا لم يجب التراب أصلا، فصار هذا كما رَدَّ الشافعية على الحنفية، حيث قالوا: المقصود سد خلة الفقير بمقدار ماليّة الشاة دون عينها، فقالوا: لهم: هذا استنباط لعلة تقتضي أنْ لا تجب الشاة المنصوص عليها، فعادت على النص بالإبطال، وكذلك هذا([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)) ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).

المثال الرابع: مالية الشاة في الزكاة:
تقدم ضمنا في المثال السابق.

ثانيا: العلة المستنبطة التي تعود على النص بالتخصيص:
§ استنباط معنى من النص يعود على النص بالتخصيص (خلاف بين الجمهور والحنفية):
قد يمنع منه ويقال: إن العموم لا يخص بعلة مستنبطة منه؛ لأن العلل إنما تستنبط من الألفاظ بعد تحصيل مضمونها، وكمال فائدتها، وما يقتضيه لفظها، فإذا استقرت فائدتها، فبحث الباحث عن سبب القول بعد تحصيله، فتحصَّل مِنْ هذا أن العلةَ تابعةٌ لتحصيل معنى اللفظ، وما يفيده، وهذا يمنع من تخصيص العموم بعلة مستنبطة منه؛ لأنا قد نقدم قبل النظر في علته إفادته الاستيعاب، فإذا كان مفيدا للاستيعاب نظرنا في علة إفادة الاستيعاب منه([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
ومن تعبيرات ابن دقيق العيد: تخصيص العمومات والنصوص بمثل هذا المعنى لا يقوى واتباع النص أولى([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)).

أمثلة في تخصيص العموم بالعلة المستنبطة:
المثال الأول: بهذه القاعدة اعترضوا على مذهب أبي حنيفة في مسائل: منها: تعليله تحريم الربا في الأصناف الأربعة بالكيل فإنه يخرج اليسير الذي لا يكال ليسارته مع أنه داخل تحت "البر بالبر"، ويكون تخصيصا للعام بعلة مستنبطة منه ([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)).

المثالث الثاني: الذين قالوا باستثناء جلد الكلب في الطهارة بالدباغ مخالفون لظاهر هذا العموم، وفي الاعتذار عنه وجوه: منها أن العلة في تطهير الدباغ للجلد: حفظه من التغير والفساد، وغاية هذا أن يرده إلى حال الحياة وهو في حال الحياة نجس، فكذلك بعد الدباغ، وقد قدمنا ما فيه من استنباط علة من النص تقتضي تخصيصه، وذكرنا ردهم على الحنفية بمثل ذلك، فيلزم مثله هاهنا والله أعلم([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)).


التعليق:
§ يبدو والله أعلم: أن هناك إشكالاً في تفسير استنباط العلة من الحكم المنصوص بما يعود عليه بالإبطال، فظاهر كلام ابن دقيق العيد أن تعميم الحكم بالعلة المستنبطة، وعدم إناطته بالوصف المذكور في النص هو إبطالٌ للنص، وقد صرَّح في بعض كلامه أنه يكون كذلك إذا عادت على ظاهر النص، بينما يرى الزركشي أن هذا إنما هو تعميمٌ للعلة، وليس هو مِنْ إبطالها.
§ ويبدو: أن انطلاق ابن دقيق العيد في تفسير هذا الاستنباط أنه عائدٌ إلى النص بالإبطال هو النظر إلى انتقادات الجمهور على الحنفية:
1) في مالية الشاة.
2) وفي زكاة القيمة.
3) وفي إجزاء التعظيم عن التكبير في الصلاة.
4) وفي الإجزاء بإطعام طعام ستين مسكيناً.
فكل هذه المسائل إنما كان منشؤ الحكم فيها عند الحنفية من جهة تعميم علة للحكم المنصوص، واعتبره الجمهور باطلًا.
ويبدو والله أعلم من خلال النظر في كثير من تطبيقات ابن دقيق العيد، وهو من أبرز من اعتنى بهذه المسألة، هو أن المسألة محتملة:
فما ظهرت فيه العلة والمعنى: فإنه يجوز فيه تعميم الحكم وتخصيصه به، ولو أدى ذل ذلك إلى تخصيص أو تعميم الوصف المذكور في النص، وهذا كثير عند القياسيين.
وفي هذا يقول ابن دقيق العيد: " والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدى القائسون إلى كل ما وجد فيه المعنى ذلك الحكم ، كما في الأشياء الستة التي في باب الربا."([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14))
وقال أيضاً: "وأما أهل القياس والنظر: فإنهم نظروا إلى المعنى، وفهموا: أن العلة التشويش، لأجل التشوف إلى الطعام ... فتتبعوا هذا المعنى فحيث حصل التشوف المؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة قدموا الطعام" ([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15)).

قلت: هذا يقتضي ضرورة تعميم أو تخصيص الوصف المذكور في النص، ولا يكون مع ذلك مبطلاً للنص لأنه مستفادٌ من النص، فهو تخصيص أو تعميم الوصف المذكور في النص بالمعنى المستفاد من النص.
وما لم يظهر فيه المعنى: فإنه لا يجوز الخروج عن الوصف المذكور في الحكم لا تعميماً، ولا تخصيصاً؛ لأن ذلك إبطالٌ له، لأن العلة المستنبطة إنما استفيدت من النص فلا يصلح أن تعود مبطلة عليها، ولكن لو أن النص أشار إليه فإنه جاز للمستنبط التعميم أو التخصيص للوصف المنصوص عليه، ولا يكون ذلك إبطالاً لأن النص قد دلَّ عليه.
وحينئذٍ يكون مناط الخلاف في صحة استنباط المعنى من عدمه، وإنما يكون المعنى مبطلاً للنص إذا كان ينافيه، بمعنى أن يدل الوصف على حكمٍ، ويدل المعنى المستنبط على خلافه، فالنص مثلاً جاء بأن المرأة لا تسافر إلا مع زوج أو محرم فلو استنبط الاحتياط، وأنه يجوز سفرها من غير زوج ولا محرم كان ذلك مبطلاً لدالة النص، لكن لو قيل، لا يجوز سفر المرأة من غير محرم، والعلة في ذلك صيانتها، فإذا أمكن حصول صيانتها بدون ذلك جاز لأن المعنى المقصود من الزوج أو المحرم متحققٌ، فهنا تم تعميم الوصف لكن بما لا يناقض الوصف المذكور في النص، ويبقى البحث في صحة هذا التعميم من عدمه من جهة الاستنباط.
وحينئذٍ نرجع الخلاف بين الجمهور والحنفية في المسائل السابقة إلى مقدمتين اثنتين:
الأولى: صحة استنباط المعنى.
الثانية: عدم منافاتها للوصف المذكور في الحكم.
الخلاصة:
- إذا صحتالعلة سواء كانت منصوصة أو مستنبطة فإنها تعمم اللفظ وتخصصه.
- إذا لم تصح العلة أو لم تكتمل أو زوحمت بغيره: فإنها لا تقوى على تعميم النص ولا على تخصيصه.


([1]) البحر المحيط (الكتبي7/193، 194)، فتح الباري (12/73).
[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2)) في حديث المسيء صلاته.
([3]) فتح القدير (4/106)، الذخيرة (2/526، 527)، المجموع (6/382)، المغني (11/93)، المحلى (6/202 رقم 748).
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)) مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال : ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم - وفي رواية : أصبت أهلي في رمضان - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا . قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق : المكتل - قال : أين السائل ؟ قال : أنا . قال : خذ هذا ، فتصدق به . فقال الرجل : على أفقر مني : يا رسول الله ؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه . ثم قال : أطعمه أهلك } قوله " فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ".
([5]) إحكام الأحكام (3/355، 356).
([6]) إحكام الأحكام (1/161)، شرح الإلمام (1/431).
([7]) الإحكام (1/161، 160)، شرح الإلمام (1/429-431).
([8]) شرح الإلمام (1/430، 2/336)، إحكام الإحكام (1/127).
([9]) قلت: بناء على ذلك فقد حكي عن الشافعي قولٌ بجواز تخصيص النص بعلَّة مستنبطة أخذاً مِنْ قوله: بإجزاء الأشنان والصابون عن التراب؛ وذلك لـ"أنَّ المعنى في التراب الخشونة المزيلة، وهذا يُبْطِل خصوصَ التراب؛ لأنَّا نقول: هو على هذا القول عاد على أصله بالتعميم؛ لأنه جعل العلة الاستطهار، وهي أعم مِن الجمع بين الطهورين.
قلت: بالنسبة للتخريج، فإن القاعدة لا تستنبط من فرع واحد ما لم يكن هناك جزئيات كثيرة تقوم عليها، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى هذا في بعض كلامه.
البحر المحيط (5/153).
([10]) شرح الإلمام (2/406).
([11]) شرح الإلمام (2/348).
([12]) شرح الإلمام (2/406).
([13]) شرح الإلمام (بتصرف يسير 2/423).
([14]) إحكام الإحكام (3/1215).
([15]) إحكام الإحكام (2/444).

د. محمد علي شفيق الندوي
15-04-10 ||, 11:08 AM
تعقيب بديع

ولي ملاحظة على ادعا ء العلامة ابن دقيق أن الحنفية استنبطوا العلة وهي التعظيم من (كبر)
والصحيح أن دليل أبي حنيفة ليس هذا فقط
بل قوله تعالى : {وذكر اسم ربه فصلى}
فالذكر الذي يتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الإحرام ، فالآية طالبت بالذكر، فكل ذكر لاسم الله يصح به التكبير، كقوله: الله أجل ، الله أعظم .. الخ

لكن دلت السنة على خصوص التكبير
فيكون الفرض ذكر اسم الله على سبيل التعظيم.
والسنة المؤكدة (التي يأثم بتركها إذا تعمده عند الحنفية) خصوص التكبير.

وبالتالي المذهب تنعقد الصلاة بمطلق الذكر إذا نوى به الدخول فيها، لكن يكره تحريما بما سوى التكبير، لدوام السنة على ذلك.

صالح بن علي العميريني
15-07-21 ||, 09:27 PM
أحسنت شيخنا ، خلاصة دقيقة ..

أحمد عبدالله الشامي
16-03-02 ||, 02:42 PM
ماشاء الله

محمد بن عبدالله بن محمد
16-03-05 ||, 10:07 PM
بل قوله تعالى : {وذكر اسم ربه فصلى}
فالذكر الذي يتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الإحرام ، فالآية طالبت بالذكر، فكل ذكر لاسم الله يصح به التكبير، كقوله: الله أجل ، الله أعظم .. الخ

يفهم من هذا: أن ذكر الله ليس من الصلاة عند الأحناف!