المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إشارات في الملَكَات



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-04-26 ||, 01:38 AM
إشارات في الملَكَات


تعريف الملكة:
تعريف الملكة في اللغة:

لم أجد تعريفا مباشرا في كتب اللغة للملَكَة، وإنما يذكرون حسن الملكة لمن كان يحسن إلى مماليكه، ويبقى أن جذر الاصطلاح مأخوذ من المُلْك، والميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء، والملك هو احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به.
وبجذر كلمة الملك ومعناها: يتبين سبب استمداد الاصطلاح منها[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).


تعريف الملكة اصطلاحا: صفة راسخة في النفس.

توضيح ذلك: أن الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال مرة بعد أخرى، حتى ترسخ صورته:
- فالفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة.
- ثم تتكرر فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة سريعة الزوال.
- ثم يزيد التكرار وتمارسها النفس حتى ترسخ تلك الكيفية فيها وتصير بطيئة الزوال، فتصير مَلَكَة[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).


ولذا: فليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم، حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير منحصرة، فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة؛ فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع، وهذا علم أكثر النظار، والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة.


ويوصف بها الفقيه: فيقال: فقيه النفس، وهو سجية النفس بالفقه، أن تكون عنده قوة الفهم على التعرف بالجمع والتفريق والترتيب والتصحيح والإفساد فإنه ملاك الصنعة[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).

وعرفوا ملكة الاستنباط: بأنه كيفية راسخة في النفس متسببة عن استجماع المآخذ والأسباب والشروط التي يكفي المجتهد الرجوع إليها في معرفة الأحكام الشرعية الفرعية التي بحيث تنال بالاستنباط أي باستخراج الوصف المؤثر من النصوص المشتملة عليه لتعدي ذلك الحكم الكائن للمحال المنصوص عليها إلى المحال التي ليست كذلك لمساواتها إياها في الوصف المذكور[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).
وباختصار: الأصول هي الملكة الحاصلة من القواعد التي يتوصل بمعرفتها إلى استنباط الفقه[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).

وقد قيل في تعريف أهل العلم: أنهم من لهم الملكة والقدرة على تحصيل العلم بأهليته فيما يسألون عنه[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).


إضافة:

الصناعة: هي ملكة في أمر عملي فكري[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).
وقيل: كل علم مارسه الرجل حتى صار له حرفة، سمي ذلك عندهم صنعة[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).




جملة من تقريرات أهل العلم في الملكات، وما لم يشر إلى مرجعه فهو من كلام ابن خلدون:



جميع ما يسمونه علما أو صناعة، فهو عبارة عن ملكة نفسانية، يقتدر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوع ما، من جهة ما، بحيث يؤدي إلى الغرض، فالعلم إذا ما اختص في الجنان، واللسان؛ والصناعة إذا ما احتاجت إلى عمل بالبنان، كالخياطة.
المخالطون للكتب العارية إلا من القوانين: قلما يشعرون بأمر الملكة أو يتنبهون لشأنها، فتجدهم يحسبون أنهم قد حصلوا على رتبة وهم أبعد الناس عنها.
المران للمتعلم: أحسن ما تفيده الملكة وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم لكنهم أجروها على غير ما قصد بها وأصاروها علما بحتا وبعدوا عن ثمرتها.
العوائد إنما ترسخ بكثرة التكرار وطول الآماد، فتستحكم صبغة ذلك، وترسخ في الأجيال، وإذا استحكمت الصبغة عسر نزعها[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9).
لا تكفي المعرفة ولا بد من الارتياض: ليس يكفي في حصول الملكة على شيء تعرفه، بل لا بد مع ذلك من الارتياض في مباشرته، فلذلك إنما تصير للفقيه ملكة الاحتجاج واستنباط المسائل أن يرتاض في أقوال العلماء وما أتوا به في كتبهم، وربما أغناه ذلك عن العناء في مسائل كثيرة[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).
الملكة الراسخة في النفس: ينشأ عنها علم اضطراري للنفس.
شأن الملكات إذا استقرت: أنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة فيعسر على النفس مخالفتها.




التعليم:



الملكات كلها جسمانية، سواء كانت في البدن أو في الدماغ، من الفكر وغيره، كالحساب، والجسمانيات كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم.
المتعلمون في الصغر أشد استحكاماً لملكاتهم.
نقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم، فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة على الخبر.
السند في التعليم في كل علم أو صناعة يفتقر إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرًا عند كل أهل أفق وجيل.
على نسبة الأصل تكون الملكة.
على قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته.
تعليم العلم: هو صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه، فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به، شأن الصنائع كلها، فدل على أن ذلك الاصطلاح ليس من العلم، إذ لو كان من العلم لكان واحدًا عند جميعهم.
العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار، تحصيلا وتعليما، هي على صنفين:



صنف نقلي يأخذه عمن وضعه.
صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره: وهي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر.



التربية: إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام.[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)



التدريج: لا يزال الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى الفعل، بالاستنباط شيئًا فشيئًا على التدريج، حتى تكمل، ولا يحصل ذلك دفعة وإنما يحصل في أزمان وأجيال، إذ خروج الأشياء من القوة إلى الفعل لا يكون دفعة، لا سيما في الأمور الصناعية، فلا بد له إذن من زمان.
الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه: إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلًا.
الملكة غير الفهم والوعي: لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها، مشتركًا بين من شدا في ذلك الفن، وبين من هو مبتدئ فيه، وبين العامي الذي لم يحصل علمًا، وبين العالم النحرير، والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما، فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي.
تلون الملكة: من حصلت له ملكة في صناعة فقل أن يجيد بعدها ملكة في أخرى
ومثال ذلك: الخياط إذا أجاد ملكة الخياطة وأحكمها، ورسخت في نفسه، فلا يجيد من بعدها ملكة النجارة أو البناء، إلا أن تكون الأولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صبغتها.
الملكة قسمان:

أحدهما: طبيعية: وهي أن يكون مزاج الشخص في أصل الفطرة، مستعدا لكيفية خاصة كامنة فيه، بحيث يتكيف بها بأدنى سبب، كالمزاج الحار اليابس، بالقياس إلى الغضب، والحار الرطب بالقياس إلى الشهوة، والبارد الرطب بالنسبة إلى النسيان، والبارد اليابس بالنسبة إلى البلادة
والآخر: عادية: وهي أن يزاول في الابتداء فعلا باختياره؛ وبتكرره والتمرن عليه تصير ملكة، حتى يصدر عنه الفعل بسهولة، من غير روية، ففائدة هذا العلم: بالقياس إلى الأولى: إبراز ما كان كامنا في النفس، وبالقياس إلى الثانية: تحصيلها[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12).


من كان عنايته بالحفظ، أكثر من عنايته إلى تحصيل الملكة، لا يحصل على طائل من ملكة التصرف في العلم[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).
المعلومات الحاصلة لصاحب هذه الملكة، لا تخلو، إما أن تحصل على: الاستقراء والتتبع، كالنحو، وصنائع الفصاحة، والبديع، أو تحصل عن: النظر والاستدلال، كعلم الكلام، فالأول: يسمى الصناعة، والثاني: العلم[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14).
الملكة الحاصلة من المختصرات، إذا تمت على سداده، فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة، لكثرة ما فيها من التكرار، والإطالة، المفيدين لحصول الملكة التامة، ولما قصدوا إلى تسهيل الحفظ أركبوهم صعبا، بقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة.
العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي.
النفس الناطقة للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة، وأن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولاً، ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكاً بالفعل وعقلاً محضاً، فتكون ذاتاً روحانية وتستكمل حينئذ وجودها، فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلاً فريداً، والصنائع أبداً يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة، فلهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلاً، والملكات الصناعية تفيد عقلاً، والحضارة الكاملة تفيد عقلاً، لأنها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل، ومعاشرة أبناء الجنس، وتحصيل الآداب في مخالطتهم، ثم القيام بأمور الدين واعتبار آدابها وشرائطها، وهذه كلها قوانين تنتظم علومًا، فيحصل منها زيادة عقل[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15).
ما أحسن قول الغزالي: إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة يسمعها - فليس بفقيه[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16).
قال ابن دقيق العيد:

(قاعدة عقلية: وهي الفرق بين العلم بالشيء والعلم بالعلم بالشيء، والفرق بين حضور الشيء وبين حضور تذكره، فقد يكون الشيء حاضرا ولا يحضر تذكره بعد ذلك في وقت، والملكات النفسية كلها من هذا القبيل؛ لأن شرط الفعل لا يحصل الفعل إلا به، فإذا صار ذلك ملكة للنفس كان الشرط حاضرا، وإلا وجد المشروط بدون شرطه، لكنه إما حصل العلم به عند الفعل ولم يحصل العلم بالعلم به، أو حصل لكن لم يحضر تذكره بعد انقضاء وقت حضوره.
مثال ذلك: أن الكتابة تتوقف على العلم بكيفية التركيب بين الحروف، وتقدم بعضها على بعض ضرورة، ثم إنها تكثر وتتكرر إلى أن تصير ملكة للنفس، فيكتب الإنسان مجلدا، بل ما شاء الله تعالى أن يكتب، ولا يستحضر أنه رتب الترتيب الذي يتوقف عليه انتظام الكتابة، وفي التحقيق قد حصل ذلك في نفس الأمر عند الكتابة، ولكنه لم يحضر تذكره بعد انقضائه.
وكذلك: نقول في الكلام واللفظ إذا كثر استعماله في معنى وتكرر على الألسنة فإنه عند الاسترسال يراد به ذلك المعنى ظاهرا، وإن كان بعد ذلك لو سئل المتكلم: هل تستحضر أنك أردت به هذا المعنى المعين أولا؟ لم يذكر أنه حضرته النية بعينها، ويحرك هذا إلى النظر في بعض دلائل المتكلمين في بعض المسائل([17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17))).

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)) معجم مقاييس اللغة (5/ 351)، لسان العرب ط دار المعارف (6/ 4267).
2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2)) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (2/ 993)، مقدمة ابن خلدون، التعريفات (ص: 229)، التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 314).
[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (4/ 566).
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)) التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام (1/18).
[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)) التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام (1/30).
[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6)) التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام (3/332).
[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7)) مقدمة ابن خلدون
[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8)) منقول عن الطيبي كشف الظنون.
[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9)) مقدمة ابن خلدون.
[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10)) البحر المحيط في أصول الفقه (8/ 266).
[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11)) مفردات الفاظ القرآن للأصفهاني
[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12)) كشف الظنون (1/ 1).
[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13)) كشف الظنون (1/46).
[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14)) كشف الظنون
[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15)) مقدمة ابن خلدون.
[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16)) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (4/ 566).
([17]) شرح الإلمام (2/102).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-04-26 ||, 01:48 AM
التنسيق الشكلي للموضوعات مهم جدا سواء بترتيبه ومقاس الخط وتلوين العناوين الجانبية، ولذا فعلى المنتديات تطويرها بما يسمح الاحتفاظ بتنسيق الورد ...
وأنا هنا أعتذر عن عدم التنسيق الشكلي للموضوعات في الملتقى الفقهي وكذا ملتقى أهل الحديث، لأني أعمل التنسيق في ملفاتي ثم يخرج غير منسق ...

د. أيمن علي صالح
15-04-26 ||, 10:37 AM
وبهذا يمكن القول: إن إنفاق العمر في دراسة علوم الآلة من نحو ولغة وعلوم حديث وأصول فقه لا يَنتج عنه المَلكة المطلوبة في اللغة أو التصحيح والتضعيف أو الاستنباط إذا لم يصاحب ذلك ارتياض ومراس لتطبيقات هذه الفنون، وتعرض كثيف لكلام أهل العلم الممارسين لها.
ومن هنا قُلتُ مرّة: مطالعةُ كتب التفسير وشروح الحديث وكتب الفقه المقارن قد تفيد المتعلم أكثر في تحصيل رتبة النظر والاستنباط والترجيح مما تفيده دراسة علم أصول الفقه على أهميته، والله أعلم.

حسان بركان عيسى
15-05-11 ||, 01:36 AM
جزاك الله خيرا لكن لو تبينون كيفية تحصيل الملكة في كل علم على حدة لكان أنفع لأمثالنا