المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقهاء منسيون -الجزء الأول-



شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 01:12 AM
هم ثلة مباركة من الفقهاء المنسيين، كتبهم ما زالت عبارة عن مخطوطات متفرقة هنا وهناك في مكتبات الأمصار .


محمد المدني بن الحسني (ت1378هـ)
هو مفخرة المغرب وعالم الرباط في عصره؛ محمد المدني بن محمد الغازي الحسني الرباطي أبو المحاسن، اشتهر بالمدني الحسني، ولد بالرباط فجر يوم عيد المولد النبـوي ثـاني عشـر ربيـع الأول عام 1307هـ، الموافق لـ 6نونبر 1889م، أصله من الشرفاء العلميين من أسرة بنو الحسني العلمية، وينتسبون للشريف المولى عبد السلام مشيش.

وتلقى المترجم رحمه الله مبادئ العلم في سن مبكرة، حيث حفظ القرآن الكريم والمتون العلمية بالرباط ومراكش التي سافر إليها سنة (1312هـ) وهو في سن الخامسة، وفي سنة (1318هـ) عاد إلى الرباط ليستكمل دراسته للعلوم الإسلامية والعربية، على يد كبار شيوخ بلده أمثال: القاضي أبو زيد عبد الرحمن بريطل الذي كان عمدته في تلقي العلوم، والفقيه النوازلي الجيلاني بن أحمد بن إبراهيم الرباطي، والأديب أحمد بن قاسم جسوس، وشيخ الجماعة المكي بن محمد بن علي البطاوري وآخرون.

وكان رحمه الله كثير الأسفار منذ صباه، وكانت له رحلة بحرية إلى طنجة وهي التي صنف فيها كتاب: «البهجة في الرحلة إلى طنجة»، كما كانت له رحلات إلى مراكز علمية أخرى مثل فاس ومكناس ومراكش كانت مناسبة للقاء مع نخبة من العلماء الأجلاء. ومما اشتهر به الشيخ المدني بن الحسني مشاركته الواسعة في شتى المعارف والفنون وقوة اطلاعه ومتانة معارفه، مما أهله ليجلس على كرسي التلقين والتعليم، رغبة منه في تنوير أذهان طلابه، وتهذيب عقولهم، ففي صفر عام (1332هـ) بدأ وفود من الطلاب يحضرون مجالسه العلمية التي تعج بها ألوان الدروس، فقد درس رحمه الله مدة أربعين سنة يدرس بالجامع الكبير وبمسجد السنة بالرباط، وبجامع المواسين وجامع ابن يوسف بمراكش، وبالجامع الكبير بطنجة، كما تولى رحمه الله عدة وظائف عالية في العدل؛ ففي سنة (1348 هـ) عين عضواً بمجلس الاستئناف الشرعي، ثم نائباً للرئيس، وفي عام 1363هـ تولى منصب الرئاسة، ثم أضيفت إليه خطة قضاء القصر الملكي سنة 1371هـ، وأشرف على رئاسة امتحانات كلية القرويين عدة مرات، كما وكّل إليه جلالة الملك المغفور له محمد الخامس تربية ولي عهده آنذاك جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني، وقد أدى الشيخ المدني هذا الواجب الديني والعلمي بالأسرة المالكة أحسن أداء.

وكان الشيخ المدني من العلماء القلائل الذين كساهم الله حلة القبول، فقد أحبه طلابه، وأعجب به مريده، قال عنه العلامة محمد المنوني: «... ومن حسن الحظ أن كان من بين الذين سعدت بلقائهم علامة مغربي كبير، ومحدث إسلامي شهير، المغفور له بإذن الله الشيخ محمد المدني بن الحسني ...»، وقال عنه تلميذه الشيخ المكي الناصري: «... عَلَم من أعلام المغرب الإسلامي، منقطع النظير، هو شيخنا الجهبذ العبقري أبو عبد الله المدني بن الحسني أسدل الله عليه رداء الرحمة والرضوان».

وللأستاذ المدني تآليف قيمة، وتقاييد مستفيضة، كشفت عن قوة إطلاعه، ومتانة معارفه، وجاء نتاجه العلمي هذا عبارة عن كتب، ورسائل، ومنظومات، وختمات، ما تزال مخطوطة نذكر منها: الفتح القدسي على قافية الأوسي، محصل النظر في خطبة الزرقاني على المختصر، إيضاح الدلالة من خطبة وعقيدة الرسالة، النفائس الدرر على خصائص المختصر، حدائق البهجة في الرحلة إلى طنجة، دليل السائل إلى أجوبة المسائل، منار السبيل إلى مختصر خليل بالحجة والدليل، الفوائد اللطيفة في ذكر كتب السنة الشريفة ... وغيرها.

مكث الشيخ المدني في الدرس والإنتاج العلمي إلى أن لقي ربه يوم الاثنين 25 شوال عام (1378هـ) عن سن تناهز إحدى وسبعين سنة، وأقيم له حفل تأبين بالمسجد الأعظم بالرباط تبارى فيه جماعة من الكتاب والشعراء تخليداً لقيمته الرفيعة رحمه الله تعالى. مصادر ترجمته: الأعلام للزركلي (7/94)، سل النصال للنضال بالأشياخ وأهل الكمال -فهرس الشيوخ- لعبد السلام بن عبد القادر بن سودة (174-175)، إتحاف المطالع (2/569)، موسوعة أعلام المغرب (9/3341-3342)، دليل مؤرخ المغرب الأقصى (1/33)، شخصيات مغربية (الحافظ الواعية محمد المدني بن الحسني لعبد الله بن العباس الجراري (215-217)، أعلام الفكر المعاصر للجراري (201-206) معلمة المغرب (10/3436-3437)، مقال للأستاذ محمد المنونى، في مجلة دعوة الحق، السنة الثالثة، العدد العاشر: صفر 1380هـ. (ص:76-82).

شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 01:14 AM
الـمِنْتَوْرِي (تـ834هـ)

هو الإمام العلامة المقرئ، الـمُسند الفقيه، أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الملك بن عبد الله القيسي الـمِنْتَوري، ولا يعرف أهي نسبة إلى «حصن منتور من عمل قرطبة»، أم إلى حصن «المنتوري» القريب من «فنيانه» على الحدود بين إقليم غرناطة وإقليم ألمرية، وأغلب الظن أن فقيهنا من هذا الموقع.

ولد المنتوري في أوائل شهر ربيع الثاني من عام واحد وستين وسبعمائة(761هـ) بمدينة غرناطة مهد العلم والعرفان، ونشأ داخل أسرة عرفت بالخير والصلاح والفضل، مما ساعد على توجهه العلمي وتكوينه الديني.

أقبل ـ رحمه الله ـ منذ طفولته على التعلم والتفقه، وقد روى خلال حياته العلمية عن عدد من الشيوخ في المغرب والمشرق سمَّـاهم وعرف بهم في آخر برنامجه الذي يدل ـ مع مؤلفاته الأخرى ـ على ما حاز من مشاركة علمية وحقق من ثقافة موسوعية، أما تكوينه الحقيقي فقد تم على يد شيوخه المغاربة والأندلسيين؛ فقد درس القراءات والنحو واللغة والفقه والحديث والتوحيد والتصوف على شيخ غرناطة وكبير مفتيها أبي سعيد فرج بن لب، وروى عنه كتبا عديدة في العلوم المذكورة وغيرها، وذلك في المدرسة النصرية اليوسفية، وهي مذكورة في برنامجه، كما أخذ عن إمام الأئمة في إقراء القرآن أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي القيجاطي وتأثّر به تأثرا بالغا ترك أثره الكبير في حياته العلمية، وللمنتوري شيوخ مغاربة لقي بعضهم في غرناطة ورحل إلى فاس للأخذ عن بعضهم الآخر نظرا لعلو أسانيدهم وسعة مروياتهم، من بينهم: المقرئ أبو الحجاج يوسف بن علي بن عبد الواحد المكناسي، وأبو عبد الله محمد بن محمد المعروف بابن عدل الكناني السبتي، وأبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأشهب، وغيرهم من الأعلام البارزين في زمانه.

وقد نوّه العلماء بالمكانة العظيمة التي احتلها هذا الإمام بين علماء زمانه؛ فقال عنه قرينه الشيخ المسند يحيى السرّاج: «صاحبنا الفقيه، القاضي النزيه، الأستاذ المحقق الحافظ»، وقال عنه ابن القاضي: «العالم الأستاذ الرُّحلة، المحدّث المتفنن، شيخ الجماعة»، واستدعي المنتوري ـ رحمه الله ـ لولاية القضاء، ولا توجد إشارات تخبر أين كانت هذه الولاية ولا كيف كانت، ويبدو كذلك أنه باشر التوثيق فالمصادر تشير إلى أنّه ألّف في الموضوع كتابا سمّاه: «الرائق في نصوص الوثائق»، واشتغل ـ رحمه الله ـ بالتأليف فترك تراثا نافعا أفنى فيه زهرة عمره، وهذا بعض ما وصلنا منها: كتاب برنامج رواياته، كتاب شرح رجز أبي الحسن بن بري، كتاب ري الظمآن في عدد آي القرآن، كتاب المقطوعات الشعرية في الوصايا والمواعظ.

امتد العمر بمُتَرْجَـمنا إلى أن بلغ ثلاثا وسبعين سنة، فوافته المنية في رابع ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وثمانمائة (834هـ).

مصادر ترجمته: فهرسة المنتوري (مخطوط)، درة الحجال في أسماء الرجال، لابن القاضي(2/287)، نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد بابا التنبكتي (495) ، فهرس الفهارس والأثبات، لعبد الحي الكتاني (2/564)، مقال بعنوان من أعلام أواسط العصر الغرناطي:المنتوري، لمحمد بنشريفة.

شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 01:15 AM
ابن غازي المكناسي

هو الإمام الحافظ، العلامة المتبحر، الحجة المحقق، شيخ الجماعة، محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي، وبه عُرف، العثماني، نسبة لقبيلة من كتامة، المكناسي ثم الفاسي، ولد في مكناس أواسط القرن الهجري التاسع، وقد اختلف في أي سنة كان ذلك بين سنة (841هـ) و(858هـ).

اعتنى بطلب العلم وتقييده وإسناده، ومجاورة العلماء والجلوس إليهم، فأخذ العلم بمسقط رأسه مكناس وبفاس بعد رحلته إليهاـ وكانت له رحلتان إليها استوطنها في الثانيةـ عن جلة من الأئمة كأبي العباس المزدغي، ومحمد بن الحسين النيجي الشهير بالصغير، والإمام القوري، وأبي عبد الله السراج، وابن مرزوق الكفيف، والشيخ عثمان الدِّيَّمي، وغيرهم ممن ضمت فهرسته الحافلة أسماءهم، والتي تكشف عن توسع المترجم في الأخذ وتنويعه فيه، فإنه نهل من علوم شتى وحاز فيها الرتب العلى، فهو متقدم في علم التفسير، والقراءات، والحديث، والرجال وطبقاتهم، والفقه، والحساب، والعربية؛ فاق في كل ذلك أهل وقته، وكانت له عناية بالسير، والتاريخ، والأدب.

وبعدما جمع ابن غازي من ألوان العلوم والفنون ما جمع، وسار مشاركا في جلها، قصده الطلبة للأخذ عنه وتنافسوا فيه، فجلس لإقراء العلم ونشره، فتخرج عليه ما لا يعد كثرة ولا يحصى عددا، منهم ابن العباس الصغير، وأحمد الدقون، والمفتي علي بن هارون، وعبدالواحد الونشريسي، وسقين الفاسي، واليَسِّيتني، وغيرهم من نجباء الطلبة.

ولعل كثرة طلبة المترجم يعود إلى ما اشتهر به من سعة العلم وجودة القريحة، وما تحلى به من آداب العلماء، وأخلاق الفضلاء، فإنه «كان عذب المنطق، حسن الإيراد والتقرير، فصيح اللسان، عارفا بصنعة التدريس، ممتع المجالسة، جميل الصحبة، سَرِيَّ الهمة، نقي الشيبة، حسن الأخلاق والهيئة، وعذب الفكاهة، معظما عند العامة والخاصة».

كذلك وصف أحمد بابا التنبكتي ـ وهو ممن جلس إلى ابن غازي ـ أخلاقه، ومنهجه في درسه، وذلك ما أهله أيضا لأن يتولى رياسة العلم والفتيا بمدينة فاس، والخطابة والإمامة بجامع القرويين بها، وكان قد تولى خطابة مكناس قبل ذلك، ولم يكن في عصره أخطب منه، كما دأب أيضا، كلما حل شهر رمضان الكريم، على إسماع صحيح أبي عبد الله البخاري.

ولم يقتصر ابن غازي على الإقراء والإلقاء، بل كان له الحظ الوافر في تقييد العلوم والتصنيف فيها، فورَّث مصنفات تشهد له هي الأخرى بالتقدم والتفوق والسعة؛ إذ شملت أغلب فنون العلم المذكورة آنفا، فمن مصنفاته على سبيل الإجمال والمثال: «شفاء العليل في حل مقفل خليل»، كان متداولا شرقا وغربا، و«تكميل التقييد وتحليل التعقيد»، كمّل به تقييد أبي الحسن الزرويلي على تهذيب المدونة للبراذعي، وحلّ مشكل كلام ابن عرفة في مختصره، و«حاشية لطيفة على الألفية»، و«منية الحساب» وشرحها المسمى «بغية الطلاب»، و«تقييد على صحيح البخاري»، و«الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون»، و«إنشاد الشريد في ضوال القصيد»، وهو على الشاطبية، وفهرسة شيوخه المسماة «التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد»، والتي حظيت باهتمام خاص من لدن العلماء، حتى قال أبو العباس الهشتوكي في حقها:

وفهرسة ابن غازي مفيدةٌ عليك بها فهي النهايةُ في الأمر

ولا عجب بعد كل هذا أن يحلي العلماء ابن غازي بجميل التحلية، ويثنوا عليه بما هو أهل له، فقد قال في حقه تلميذه عبدالواحد الونشريسي: «شيخنا الإمام الأثير السيد أبو عبد الله»، واستطرد في بيان مكانة شيخه وتقدمه في العلوم، وقال أحمد بابا التنبكتي في نيل الابتهاج: «وبالجملة فهو آخر المقرئين، وخاتمة المحدثين، ولم يزل باذل النصيحة للمسلمين»، وقال ابن قاضي المكناسي في درة الحجال: «الفقيه المشارك المتفنن، ذو التآليف الحسنة، والأحوال المستحسنة»، وقال ابن عسكر في دوحة الناشر: «وعلى الجملة فهو إمام هدي يقتدي به ويثني على فعله البعيد الغاية من أهل المشارق والمغارب، له الشأن الذي لا يدرك، وفضائله أكثر من أن تحصى، وعلومه أعظم من أن تستقصى».

كانت وفاته ـ رحمه الله ـ في تاسع جمادى الأولى سنة (919هـ)، ودفن في عدوة فاس الأندلس، واحتفل الناس بجنازته؛ حضرها السلطان ومن دونه، وقد رثاه، على ما ذكر المنجور في فهرسته، تلميذه العلامة شقرون بن أبي جمعة في قصيدة مليحة.

مصادر الترجمة: توشيح الديباج (176—178)، نيل الابتهاج (581-583)، كفاية المحتاج (459-461)، درة الحجال (2/148-149)، لقط الفرائد (ضمن كتاب ألف سنة من الوفيات) (284)، دوحة الناشر (46-47)، فهرس الفهارس (1/288-291)، الاستقصا (4/124)، شجرة النور الزكية (276).

شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 01:16 AM
أبو الحسن الصُّغير(ت719هـ)

هو علي بن محمد بن عبدالحق، أبو الحسن، ويعرف بالصُّغير الزرويلي، الفقيه المالكي المحصل، أحد الأقطاب الذين دارت عليهم الفتيا أيام حياته.

تفقه على ثلة من شيوخ عصره: منهم الفقيه راشد بن أبي راشد الوليدي، لازمه طويلا وانتفع به، وعليه كان اعتماده، وأبو زيد عبدالرحمن بن عفان الجزولي، وأبو إبراهيم اسحاق بن مطر الأعرج الورياغلي.

أخذ عنه: محمد بن حسن اليحصبي، و إبراهيم بن عبدالرحمن التسولي المشهور بابن أبي يحيى، وعلي بن عبدالرحمن اليفرني الطنجي، والقاضي أبو البركات المعروف بابن الحاج، وغيره.

لم يَنْظُر أبو الحسن في شيء من الفقه حتى أتقن علم الفرائض وفنون اللغة، وتلقى ذلك من أربابه، وكان شديد الحرص على تحصيل العلوم المذكورة، وخاصة الفقه منها، إذ اعتكف على قراءة تهذيب البراذعي، فصار إمام وقته في فقه المدونة، والقَيّم عليها حفظاً وتفقهاً، والمستقل برياستها بعد شيخه راشد، وله مشاركة «في شيء من أصول الفقه، يطرز بذلك مجالسه، مُغْربًا به بين أقرانه من المدرسين في ذلك الوقت، لخلوهم من تلك الطريقة، وبالجملة كان يحضر عليه نحو مائة نفس، ويقعد على كرسي عالٍ يسمع البعيد والقريب على انخفاض كان في صوته»، وكان يفتح ما ينيف على الثمانين كتاباً يعرضها حفظاً عن ظهرقلب.

عَرَفَ مكانته وفضله الشيوخ قبل التلاميذ، فشيخه الأول راشد الوليدي ـ كما نقل أبو العباس المقري ـ «لا يُنْفِذ بمدينة فاس حكماً، ولا جواباً في نازلة حتى يُحْضِره، ويَعتنى به، وكان لا يحجر عليه في القراءة، بل يقرأ من أي مكان شاء، وقد صدقت فراسته فيه».

ثم إن العلماء أثنوا عليه، ونمقوا ألفاظهم في تحليته، فقال عنه محمد بن جعفر الكتاني: «الشيخ الفقيه الحافظ، الحجة القدوة اللافظ»، وقال مخلوف:«الشيخ الإمام العمدة الهمام، الجامع بين العلم والعمل، المبرز الأعدل وبمقامه في التحقيق والتحصيل يضرب به المثل، كان إليه المفزع في المشكلات والفتوى».

كان صدراً في الإفتاء، وحسن التوقيع في ذلك، وكانت الأسئلة ترد عليه من جميع بلاد المغرب، فيجيب عنها باختصار ويترك فضول الكلام. ولي القضاء بتازة، ثم فاس، فأقام الحق على الكبير والصغير، وجرى في العدل على صراط مستقيم.

خلف أبو الحسن جملة من الآثار والتقاييد؛ قيدها عنه تلاميذه ، دلّت على رسوخ قدمه، وعلو كعبه، منها :

- تقييد على تهذيب المدونة للبراذعي، توجد منه نسخة بالخزانة الحسنية تحت رقم: 12356، وأخرى بالخزانة الوطنية بالرباط تحت رقم 865 ق، وبمؤسسة علال الفاسي تحت رقم 515ع، ونسخ بخزانة جامع القرويين تحت رقم 326 و373 و502 و783، وبخزانة ابن يوسف تحت رقم: 306/1، 306/2، 306/3، 306/4، ونسخة مبتورة الوسط الأخير بالخزانة الحمزاوية تحت رقم 302.

- فتاوي أو نوازل الزرويلي، توجد منها نسخة بالخزانة الملكية تحت رقم 486، وأخرى بالخزانة الناصرية.

- تقييد على رسالة ابن أبي زيد القيرواني.

وقد لقيت مؤلفات أبي الحسن اهتماما كبيرا من قبل من جاء بعده، فهذا أبو عبدالله محمد بن غازي المكناسي يضع تعليقاً على تقييد المدونة سماه: إتحاف ذوي الذكاء والمعرفة بتكميل تقييد أبي الحسن وتحليل تعقيد ابن عرفة - توجد منه نسختان بالقرويين تحت رقم: 340و1126، وبخزانة مراكش تحت رقم 260و625 - ونقل عنه الونشريسي في المعيار كثيرا.

مات أبو الحسن الزرويلي - رحمه الله- بمدينة فاس سنة (719 هـ)، وكان من المعمرين؛ فسنه يقرب من مائة وعشرين سنة .



مصادر ترجمته: الإحاطة (4/186-187)، الديباج (2/108-109)، درة الحجال (3/243-244)، جذوة الاقتباس (2/447)، سلوة الأنفاس (3/180-182)،شجرة النور(1/309)، معلمة المغرب (14/4651-4652).

شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 01:17 AM
الحُضَيْكِي« تـ 1189هـ»)

محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو عبد الله، اللكوسي الجزولي الحضيكي، نزيل زاوية إيسي بسوس، ولد بقرية تارسواط في شعبان سنة ثماني عشرة ومائة وألف للهجرة/ نونبر، دجنبر 1706م.

نشأ الحضيكي محاطا بعناية ورعاية مخصوصة في أسرة مشهورة بالصلاح، ذات مجد تليد، وجاه عظيم.
وكانت بداية تلقيه العلم على يد الفقيه عبد الله بن إبراهيم الكرسيفي، ثم انتقل بعد ذلك إلى زاوية الشيخ أحمد بن موسى بتازروالت، لينتقل بعد ذلك إلى منطقة أقَّا حيث أخذ عن الشيخ أحمد بن محمد بن الكوري المرابطي الدرعي، كما أخذ عن الشيخ أوهبول بقرية تاكديرت أوشعيب، ومما عرف عنه في طلبه للعلم استعداده للتحصيل، وبروز نهمه العلمي وحبه للمعرفة وهو ما زال صغيراً، مما أهله لحضور مجالس علماء عصره، مثل: الشيخ أحمد الصوابي الذي يعتبر عمدة تكوينه الفقهي، وعبد الله بن إبراهيم الرسموكي، ومحمد بن الحسن الحامدي وأحمد بن عبد الله الهشتوكي وغيرهم، ولم يقتصر مترجمنا على مركز علمي واحد، وإنما أخذ عن مجموعة من الفعاليات الفكرية الموجودة آنذاك، ثم بعد ذلك شدَّ الشيخ رحمه الله الرحال إلى مراكش، وأخذ عن بعض علمائها أمثال: محمد بن عبد الله الدرعي، ومحمد الصغير الإفراني، ومحمد الحاج العبدلي، ورحل بعد ذلك إلى المشرق فحج وزار، وأقام مدة في الأزهر بمصر، وكانت هذه الرحلة مناسبة استغلها للقاء بعلماء الأزهر أمثال أحمد بن محمد العماري، وأحمد بن مصطفى الإسكندري، وغيرهم، وعموما كانت الفترة التي قضاها بالمشرق ذات أثر مهم في تكوين شخصيته العلمية والمعرفية؛ ليعود بعد ذلك إلى المغرب مرورا بفاس وسلا، لينتهي به المطاف إلى زاوية أبي القاسم الفيلالي بقبيلة آسي.

أخذ الحضيكي رحمه الله في كل فن من فنون العلم بنصيب، فقد كان عارفا بالسير والحديث، وعلوم الحقائق والمعارف، جمع بين شرفي العلم والولاية، تولى التدريس والوعظ، وتخرج عليه عدد من الطلبة من بينهم سليمان الناصري، ووظف مكانته العلمية والدينية في تعامله مع محيطه القبلي، من خلال استعمال نفوذه الروحي والمعنوي لإحلال التصالح بالمنطقة، وإصلاح ذات البين بين القبائل.

كان رحمه الله عديم النظر في زمانه، ورعا متبعا للسنة، مُعْرِضاً عن الدنيا، وكان يطعم الواردين في داره، وكان رحمه الله مهاباً، شديد الشكيمة على أهل البدع.

ألف الحضيكي في جميع العلوم: الفقه، الحديث، السيرة، التصوف، النحو، الآداب، التراجم، الفهارس، ومن أهم إنتاجاته الفكرية: كتاب التراجم المعروف بالطبقات، حيث ضمنه ما يزيد على 820 ترجمة للفقهاء والعلماء والصلحاء ممن عاشوا بين القرن العاشر والثاني عشر (وهو مطبوع بتحقيق أحمد بومزكو، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى (1427هـ/2006م))، ومن أهم مؤلفاته الأخرى: شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، الرحلة الحجازية، شرح الهمزية، اختصار الإصابة لابن حجر، حاشية على كتاب الغنيمة الناصرية، تأليف في آداب المعلم والمتعلم، شرح الشقراطيسية، إلى غير ذلك من التآليف.

توفي المترجم رحمه الله في ليلة السبت، عند العشاء التاسعة عشرة من رجب الفرد عام تسعة وثمانين ومائة وألف (1189هـ).

المصادر: الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات (6/81-86)، المعسول (11/302-325)، الأعلام للزركلي (6/15)، إتحاف المطالع (1/39)، معلمة المغرب (10/3457-3458)، مقدمة كتاب طبقات الحضيكي (21-75).

شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 01:19 AM
أحمد ابن الفقيه الجريري

هو أبو العباس أحمد بن إبراهيم ابن الفقيه السلاوي، العلامة المشارك المفتي المدرس المطالع، ولد بسلا سنة 1277هـ/1861م، في بيت علم وفضل وصون ومجد تليد

اختلف أبو العباس في بداية طلبه إلى شيوخ مسقط رأسه سلا، فحفظ القرآن الكريم واستظهره على الشيخ الحاج أحمد خضور، والحاج محمد بريطل الكبير، وأخذ العلم عن ثلة من أجلاء العلماء، منهم والده القاضي الحاج إبراهيم، والفقيه الناضر الحاج محمد الصبيحي، لازمه مدة طويلة، والمؤرخ أحمد بن خالد الناصري، والمشارك عبد الله ابن خضراء، وغيرهم.

وفي سنة 1298هـ رحل المترجم إلى مدينة فاس؛ لأخذ العلم عن شيوخ القرويين الكبار، أمثال محمد بن المدني كنون، وعبدالمالك العلوي السجلماسي الضرير، ومحمد بن قاسم القادري، وعبدالسلام الهواري، وغيرهم كثير. واستمر أخذه عن هؤلاء إلى حدود سنة1302هـ.

وبعدما تزود بنور العلم، وتشبع بفضائل العلماء، وبدعوة من والده القاضي إبراهيم رجع إلى سلا؛ ليشتغل بسرد صحيح الإمام أبي عبدالله البخاري بجامعها الأعظم مناوبة مع الشيخ محمد المريني، وبالمسجد نفسه كانت له دروس في علم أصول الفقه، فيما كان يلقي علوم اللغة العربية والفقه بالزاوية الناصرية بسلا، ويقرأ السيرة النبوية بضريح أحمد جحي، وكانت له بهذه المواضع دروس أخرى في علوم شتى.

وإلى جانب الإلقاء والتدريس تصدر الجريري للإفتاء على ضوء فقه الإمام مالك ومذهبه، ولم يكن يأخذ على ذلك مقابلا من أية جهة، بل إنه كان رافضا لشغل وظيفة مخزينة، منعه من كل ذلك ورعه وزهده، وإقباله على ربه، وحبه الاعتماد على نفسه في كسب معيشته و قوت يومه.

وفي دَرْسه وحلقته تخرج كثير من الطلبة الذين أضحوا بعده مصابيح العلم، ونجباء العصر في بلدهم، منهم: القضاة الهاشمي بن عبدالله ابن خضراء، وعبدالقادر بن محمد التهامي الوزاني، وحجي زنيبر، ومنهم: الحاج محمد العربي الناصري، والحاج محمد الصبيحي، والحاج محمد بن أبي بكر التطواني، وغيرهم.

إلى جانب هؤلاء الأعلام الذين خلفهم المترجم، خلف أيضا عددا كبيرا من الفتاوى، قام تلميذه أحمد ابن عبدالنبي بجمعها في كناش كبير، ثم تكفل ناضر الخزانة الصبيحية الحاج عبدالله الصبيحي بنشرها بتحقيق الفقيه مصطفى النجار، فخرجت مرتبة على خمسة أبواب هي: الأحوال الشخصية، والبنوة والنيابة الشرعية، والالتزامات والعقود، والوصية والوقف، ثم الشهادات والدعاوى.

توفي رحمه وقد كُفّ بصره سنة 1353هـ/1934م، وكانت جنازته إلى الزواية الدرقاوية حيث دفن مشهودة رهيبة، وبعد أربعين يوما من وفاته أقميت له حفلة تأبينية، ألقيت فيها الكلمات والقصائد مشيدة به وبشمائله الكثيرة.

مصادر الترجمة: من أعلام الفكر المعاصر(35-39)، إتحاف المطالع (2/468)، موسوعة أعلام المغرب (8/3029)، معلمة المغرب (9/2973-2974).

شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 01:20 AM
عبد الله بن الهاشمي ابن خضراء «ت 1324هـ»

هو عبد الله بن محمد الهامشي ابن خضراء السلوي العالم الكبير.
وبيت ابن خضراء بيت عريق أصله من الساقية الحمراء بالصحراء، كانوا ينتسبون فيها إلى آل إدريس بن إدريس الحسني، انتقلت طائفة منهم إلى الشمال واستقر بعضهم بجبال غمارة، وبعضهم بفاس ومكناس، واستوطن فريق منهم سلا، ونبغ من هذه الأسرة عدد من العلماء.

ولد المترجم سنة 1260هـ بمدينة سلا وبها نشا وأخذ العلم على شيوخها، مثل الإمام محمد بن عبد العزيز محبوبة (تـ1279هـ)، والقاضي أبي بكر بن محمد عَوَّاد (تـ1296هـ)، ثم رحل إلى الشرق فدخل الشام ومصر والحجاز، ولقي جماعة من العلماء وذاكرهم وأجازوه، ودوّن مشاهده في رحلة حجازية مازالت مخطوطة، ضمن مؤلفاته.

وبعد رجوعه عينه السلطان المولى الحسن مفتياً ومدرساً بجامع ابن يوسف بمراكش وذلك سنة 1296هـ ، ثم ولاه بعد ذلك خطة القضاء بمراكش فحمدت فيه سيرته وعدله، وكان يقوم إلى جانب القضاء بالتدريس بجامع ابن يوسف، فتخرج على يديه الجم الغفير في فنون العلم كالفقه واللغة وآدابها والتفسير والحديث وغيرها، وفي نفس الوقت كان السلطان الحسن الأول يستشيره في النوازل وتولية الموظفين.

ولما بويع المولى عبد العزيز ولاه قضاء الجماعة بفاس سنة 1317هـ، وكان رئيسا لمجلسها العلمي ومستشارا للسلطان مولاي عبد العزيز إذ أشركه في مجالس الشورى التي كانت تعقد بدار المخزن لدراسة مطالب الدول المتكالبة على المغرب آنذاك.

ومن ثناء العلماء عليه ما قاله العلامة محمد بن علي الدكالي: «كان ذا باع في العلوم الشرعية والأدبية»، وما قاله الشيخ عبد الله الجراري: «من أبرز علماء سلا وشيوخها الكبار»، وقال الشيخ عبد السلام ابن سودة: «العلامة المشارك المطلع».

ألف الشيخ عبد الله ابن خضراء عددا من الكتب في الفقه والأصول ومصطلح الحديث واللغة والأدب، فمن المطبوع منها: الإتحاف بما يتعلق بالقاف، تحذير عوام المسلمين من الاغترار بكل من يتساهل في الدين، حاشية على الحطاب على الورقات، ومن آثاره المخطوطة؛ رحلة حجازية، تعريف بالإمام مالك، تعليق على شرح تحفة الحكام للتاودي ابن سودة، وغير ذلك من التعاليق والتقاييد وبعضها بالخزانة الصبيحية بسلا.

وكانت وفاته يوم الإثنين 23 محرم 1324هـ، بعد مرض بالحمى ودفن بالزاوية الناصرية من حومة السياج بفاس.



مصادر الترجمة: الإتحاف الوجيز للعلامة محمد بن علي الدكالي (ص:139)، من أعلام الفكر المعاصر للمرحوم عبد الله الجراري (2/326)، إتحاف المطالع لعبد السلام ابن سودة (1/368)، معلمة المغرب (11/3743-3746).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-01-14 ||, 08:32 PM
عظيم ...
فكرة بديعة؛ شكر الله لك أخانا الشهاب ...
بقي لو أمكن معرفة أماكن المخطوطات؛ لكانت خدمة من جهتين:
1_ لإخراج المكنون النفيس لهولاء العلماء.
2_ لمن أراد تحقيق كتاب من مخطوطات التراث.
وجزاك الله خيراً على ما قدمت.

شهاب الدين الإدريسي
09-01-14 ||, 09:50 PM
عظيم ...
فكرة بديعة؛ شكر الله لك أخانا الشهاب ...
بقي لو أمكن معرفة أماكن المخطوطات؛ لكانت خدمة من جهتين:
1_ لإخراج المكنون النفيس لهولاء العلماء.
2_ لمن أراد تحقيق كتاب من مخطوطات التراث.
وجزاك الله خيراً على ما قدمت.

المكتب الثقافي السعودي اختار مجموعة من المخطوطات النفيسة في بعض خزانات المغرب الأقصى وصورها، لهذا فمن المتيسر إيجاد بعضها في المملكة العربية السعودية والله أعلم ...

وقد تمت الإشارة إلى بعض المخطوطات بإحداثياتها في الخزانات المغربية مثل:

-
تقييد على تهذيب المدونة للبراذعي، توجد منه نسخة بالخزانة الحسنية تحت رقم: 12356، وأخرى بالخزانة الوطنية بالرباط تحت رقم 865 ق، وبمؤسسة علال الفاسي تحت رقم 515ع، ونسخ بخزانة جامع القرويين تحت رقم 326 و373 و502 و783، وبخزانة ابن يوسف تحت رقم: 306/1، 306/2، 306/3، 306/4، ونسخة مبتورة الوسط الأخير بالخزانة الحمزاوية تحت رقم 302.

- فتاوي أو نوازل الزرويلي، توجد منها نسخة بالخزانة الملكية تحت رقم 486، وأخرى بالخزانة الناصرية.

- تقييد على رسالة ابن أبي زيد القيرواني.

وقد لقيت مؤلفات أبي الحسن اهتماما كبيرا من قبل من جاء بعده، فهذا أبو عبدالله محمد بن غازي المكناسي يضع تعليقاً على تقييد المدونة سماه: إتحاف ذوي الذكاء والمعرفة بتكميل تقييد أبي الحسن وتحليل تعقيد ابن عرفة - توجد منه نسختان بالقرويين تحت رقم: 340و1126، وبخزانة مراكش تحت رقم 260و625 - ونقل عنه الونشريسي في المعيار كثيرا.

وسوف أحاول الحصول على فهرسات الخزانات وسأضعها على المنتدى من أجل أحبابي الفضلاء بإذن الله عز وجل

السرخسي
09-01-16 ||, 09:18 PM
موضوع نفيس .. ويعجبني ترتيبك وتنسيقك لمواضيعك اخي الفاضل شهاب الدين الإدريسي .

جزاك الله خير وبارك الله فيك .

شهاب الدين الإدريسي
09-01-16 ||, 09:37 PM
موضوع نفيس .. ويعجبني ترتيبك وتنسيقك لمواضيعك اخي الفاضل شهاب الدين الإدريسي .

جزاك الله خير وبارك الله فيك .

وإياكم أيها الكريم.