المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يجوز حمل المشترك على معانيه دفعة واحدة؟



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-05-15 ||, 02:34 AM
هل يجوز حمل المشترك على معانيه دفعة واحدة؟



هل يجوز حمل المشترك على معانيه دفعة واحدة؟
واللفظ على حقيقته ومجازه؟
واللفظ على الصريح منه والكناية؟
فيه نزاع مشهور بين أهل الفقه والأصول[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).




اللفظ المشترك: هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا من حيث هما كذلك[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).




محل الخلاف:



في المعاني التي يصح الجمع بينها لا في المعاني المتناقضة[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).
في اللفظة الواحدة من المتكلم الواحد في الوقت الواحد، فإن تعددت الصيغة أو اختلف المتكلم أو الوقت جاز تعدد المعنى[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).







المشهور في المسألة مذهبان:


المذهب الأول: الجواز: وهذا مذهب أكثر الفقهاء (المالكية[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)، والشافعية، والحنبلية)، وهو المحكي عن المعتزلة[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)، واختاره سيبويه[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)، والطبري[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)، وأبو بكر الباقلاني[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)، والشريف المرتضى[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)، وابن حزم[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)، وابن تيمية[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)، والأمين الشنقيطي[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)، وابن عثيمين[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)، وهو أحد القولين لابن دقيق العيد[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15).

المذهب الثاني: منع استعمال اللفظ المشترك في معنييه، أو في حقيقته ومجازه، وهذا مذهب الحنفية[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)، وجماعة من المتكلمين[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17)، وهو ظاهر حال الزمخشري[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18)، واختاره الغزالي[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19)، والرازي[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20)، والشوكاني[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21)، وهو القول الآخر لابن دقيق العيد ([22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22))، وأضافه هو وابن القيم إلى الأكثرين[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23).

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)) ينظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/578).
[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2)) المحصول للرازي (1/ 261).
[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)) نهاية السول (ص: 112)، إرشاد الفحول (ص: 48).
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)) نهاية السول (ص: 113).
[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)) أضافه القاضي عبد الوهاب المالكي لمذهبهم، ونقله القرافي عن الإمام مالك. نهاية السول (ص: 112).
[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6)) المحصول للرازي (1/ 269)، مجموع الفتاوى (13/ 341)، البحر المحيط (2/391)، الإبهاج في شرح المنهاج (1/ 255)، نهاية السول (ص: 112)، إرشاد الفحول (ص: 46).
[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7)) قال سيبويه: (يجوز أن يراد باللفظ الواحد الدعاء على الغير والخبر على حال المدعو عليه نحو: "الويل له" فهذا دعاء عليه وخبر عنه ولهما معنيان مختلفان) البحر المحيط (2/385، 386).
[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8)) وعليه تطبيقات الطبري في تفسيره، ينظر: مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية (رقم 54) 1433هـ. (صور المشترك اللفظي في القرآن الكريم وأثرها في المعنى) ص 216.
[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9)) المستصفى (2/ 141)، المحصول للرازي (1/ 268)، البحر المحيط (2/391-394).
[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10)) قال الشريف المرتضى: (الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني ويجوز أن يكون أراد المخاطب كل واحد منهما منفردا وليس عليه العلم بمراده بعينه فان مراده مغيب عنه وأكثر ما يلزمه ما ذكرناه من ذكر وجوه احتمال الكلام) أمالي المرتضي (ص: 24).
[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11)) قرر ذلك ابن حزم نظريا، والتزمه في تطبيقاته العملية، ويبدو أن هذا موضع خلاف بين الظاهريين، فقد ذكر ابن حزم أن من خالف تقريره في المسألة من أصحاب الظاهرين فقد تناقض. الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (3/ 129)، التقريب لحد المنطق (ص: 153).
[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12)) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/579).
[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13)) قال الشنقيطي: (التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرآن، وحرر أنه هو الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة رحمهم الله) أضواء البيان (1/ 336).
وقال أيضا: (التحقيق: جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن، وحرّر أنه هو الصحيح في مذهب الأئمة الأربعة) أضواء البيان (5/425).
[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14)) قال ابن عثيمين: (المشترك هل يجوز أن يراد به معنياه؟ والصواب أنه يجوز أن يراد به معنياه إذا لم يتنافيا) شرح ابن عثيمين لمقدمة التفسير لابن تيمية (ص: 55).
[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15)) البحر المحيط (2/ 398، 399).
[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16)) شرح التلويح على التوضيح (العلمية 1/121)، خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار (ص: 81)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 448).
[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17)) نصره ابن الصباغ في "العدة"، وإليه ذهب أبو هاشم الجبائي والكرخي وأبو عبد الله البصري وأبو الحسين البصري. المحصول للرازي (1/ 269)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 578)، البحر المحيط (2/387).
[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18)) قال السمين الحلبي: (الظاهر من حال الزمخشري أنه لا يجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا استعمال المشترك في معنييه) الدر المصون (7/ 320).
[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19)) المستصفى للغزالي (2/ 141).
[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref20)) قال الرازي في كتابه الأصولي: (لا يجوز استعمال المشترك المفرد في معانيه على الجمع ... اللفظ المشترك من حيث إنه مشترك لا يمكن استعماله في إفادة مفهوماته على سبيل الجمع ... الدلالة المانعة من حمل اللفظ المشترك على كل معانيه دلالة قاطعة لا تقبل المعارضة) المحصول للرازي (1/268-279).
وقال في التفسير: (اللفظ المشترك لا يكون عاما في جميع مسمياته ... لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لإفادة معنييه معا، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهم ... ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا) تفسير الرازي (3/ 628، 9/ 512، 10/ 24، 12/ 384).
[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref21)) قال الشوكاني: (إذا عرفت هذا لاح لك عدم جواز الجمع بين معنى المشترك او معانيه ولم يأت من جوزه بحجة مقبولة) إرشاد الفحول (ص: 48).
([22]) شرح الإلمام (3/135).
[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref23)) جلاء الأفهام (ص: 160). شرح الإلمام (1/412، 413).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-05-15 ||, 07:56 PM
لمحة في نسبة بعض الأقوال


أولا: القاضي أبو بكر الباقلاني:

نص القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب على القول بجواز استعمال المشترك في معنييه أو في معانيه، في حين أن ابن تيمية أنكر يكون القاضي قائلا بالجواز؛ لأن من أصله الوقف في صيغ العموم، وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق بغير دليل؟ وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك أصلا، وأن ما يظن من الأسماء المشتركة هي عنده من الأسماء المتواطئة، وممن استشكل ذلك أيضا: الابياري وتابعه القرافي.
قال الزركشي: لكن القاضي إنما ينكر وضعها للعموم، ولا ينكر استعمالها، وكلامنا في الاستعمال، ويحتمل أنه فرعه على القول بصيغ العموم، على أن الذي رأيته في "التقريب" للقاضي بعد أن قرر صحة إرادة المعنيين من المتكلم، قال: فإن قيل: هل يصح أن يراد المعنيان، أي يحمل عليهما بالظاهر أم بدليل يقترن بهما؟ قيل: بل بدليل يقترن بهما لموضع احتمالهما للقصد تارة إليهما وتارة إلى أحدهما، وكذلك سبيل كل محتمل من القول، وليس بموضوع في الأصل لأحد محتمليه[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).





ثانيا: الشافعي:

اشتهر عن الشافعي: القول بالجواز، وأنكر ذلك ابن تيمية وابن القيم، وقال الأخير: إن منصبه في العلم أجل من أن يقول مثل هذا.
وبين ابن تيمية وابن القيم: أنه ليس للشافعي نص صريح في هذا، وإنما استنبطوا هذا من نصه فيما إذا أوصى لمواليه فإنه يتناول مواليه من فوق ومن أسفل، وهو محتمل أن يكون قاله لاعتقاده أنه من الأسماء المتواطئة، ولا يلزم من هذا أن يحكى عنه قاعدة كلية في الأسماء التي لا شركة بين معانيها، وإنما الاشتراك بينهما في مجرد اللفظ[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).
واستدرك الزركشي: بأن للشافعي كلاما في عدة مواضع يدل للقول بجواز حمل المشترك على معانيه[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).


ومن أمثلة ذلك:



المثال السابق: فيما إذا أوصى لمواليه فإنه يتناول مواليه من فوق ومن أسفل.
ذكر القشيري أن القول بالجواز يدل عليه كلام الشافعي، لأنه لما تمسك بقوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] قيل: أراد بالملامسة المواقعة، فقال: أحمله على الجس باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازا، يعني وإذا قال ذلك في الحقيقة والمجاز ففي الحقيقتين أولى.

واعترض ابن القيم على المثال: وذكر أنه لا يصح عن الشافعي ولا هو من جنس المألوف من كلامه، وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء المتأخرين[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).


استحباب الشافعي الكتابة فيما إذا جمع العبد بين الأمانة والقوة على الكسب بقوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ففسر الخير بالأمرين. قال: وأظهر معاني الخير قوة العبد بدلالة الكتاب: الاكتساب مع الأمانة، فأحب ألا يمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا.
نص الشافعي في "الأم" في لفظة "عند" المشترك بين إفادة الحضور والملك في حديث حكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك»، قال: وكان نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع المرء ما ليس عنده يحتمل أن يبيع بحضرته، فيراه المشتري كما يراه البائع عند تبايعهما، ويحتمل أن يبيع ما ليس عنده ما ليس يملك تعيينه فلا يكون موضوعا مضمونا على البائع يؤخذ به، ولا في ملكه، فيلزمه أن يسلمه إليه لأنه يعينه، وعنى هذين المعنيين[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).



ثالثا: ابن تيمية وابن القيم:
من المفارقات في هذه المسألة: اختلاف شيخ الإسلام ابن تيمية مع تلميذه ابن القيم في المسألة، مع القطع بوقوف ابن القيم على كلام شيخه، لكن ربما لم يقف على نصه في ترجيح القول بالتسويغ والجواز:


ابن تيمية: نص ابن تيمية أن المرجح قول المسوغين؛ لأن استعمال المشترك فيهما غايته أن يكون استعمالا له في غير ما وضع له وذلك يسوغ بطريق المجاز، ولا مانع لأهل اللغة من أن يستعملوا اللفظ في غير موضوعه بطريق المجاز[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)، وذكر أيضا دلالة اللفظ على المعنى يتبع قصد المتكلم والإرادة[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).
ابن القيم: رجح ابن القيم القول بالمنع، وقال: قد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معا بضعة عشر دليلا في مسألة القرء في كتاب التعليق على الأحكام[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)) البحر المحيط (2/391-394)، المستصفى للغزالي (2/ 141).

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2)) زاد المعاد (5/538)، البحر المحيط (2/391).

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)) البحر المحيط (2/ 393).

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)) جلاء الأفهام (ص: 161).

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)) البحر المحيط (2/391-394).

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6)) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 579).

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7)) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 579).

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8)) جلاء الأفهام (ص: 161).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-05-15 ||, 08:02 PM
[*=center]الأدلة:
أدلة الجواز:

للقائلين بالجواز ثلاث طرق في الاستدلال:
الطريقة الأولى: أنه من باب العموم: وهذه طريقة الأكثر، وذلك لما يلي:


أن نسبة المشترك إلى جميع معانيه كنسبة العام إلى أفراده، والعام إذا تجرد عن القرائن وجب حمله على الجميع بطريق الحقيقة، وليس بعض المعاني أحق باللفظ المشترك من بعض[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).
أن العمل بالدليل واجب ما أمكن، وليس من عادة العرب تفهيم المراد باللفظ المشترك من غير قرينة، فيصير انتفاء القرينة المخصصة قرينة تعميم[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).
إذا جاء وقت العمل، ولم يتبين أن أحدهما هو المقصود بعينه، علم أن المراد المجموع؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).




الطريقة الثانية: أنه من باب الاحتياط: وعلى هذا جرى ابن دقيق العيد:


فإنه إذا لم يقم دليل على تعيين أحد المعنيين للإرادة حملناه على كل منهما؛ لا لأنه مقتضى اللفظ وضعا، بل لأن اللفظ دل على أحدهما ولم يتعين، ولا يخرج عن عهدته إلا بالجميع، وتعطيله غير ممكن، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة [4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).

فإن للسامع أحوالا ثلاثة:


إما أن يتوقف فيلزم التعطيل لا سيما عند وقت الحاجة.
أو يحمل أحدهما، فيلزم الترجيح بلا مرجح.
فلم يبق إلا الحمل على المجموع، وهو أحوط لاشتماله على مدلولات اللفظ بأسرها[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).




الطريقة الثالثة: الوقوع:

ما سبق من الاستدلال بالعموم أو الاحتياط، هي طريقتان لأهل العلم، وكلهم استدل على ذلك بالوقوع:
ومن أشهر الأمثلة في ذلك:


قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]؛ فإن المغفرة والاستغفار يستحيل عودهما إلى الله تعالى، كذلك إلى الملائكة، بل المغفرة عائدة إلى الله تعالى والاستغفار للملائكة، فالصلاة من الله مغفرة ومن غيره استغفار[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} [الحج: 18]؛ فإن الله تعالى أراد بالسجود ههنا الخشوع؛ لأنه هو المتصور من الدواب، وأراد به أيضا وضع الجبهة على الأرض، وإلا لكان تخصيص كثير من الناس بالذكر لا معنى له لاستواء الكل في السجود بمعنى الخشوع والخضوع للقدرة، فثبت إرادة المعنيين[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).






أدلة المنع:

للقائلين بالمنع طريقتان في الاستدلال:


منهم من منع لأمر يرجع إلى القصد.
ومنهم من منع منه لأمر يرجع إلى الوضع.

الطريقة الأولى: المنع لأمر يرجع إلى القصد: فلا يصح أن يقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازا.
ونوقش: بأنه لا استحالة في ذلك فإنه لو ذكر اللفظ مرتين وأراد في كل مرة معنى آخر جاز؛ فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).
عدم المانع:
الطريقة الثانية: المنع لأجل الوضع[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9): أي: أن المشترك لم يوضع لكل معانيه بوضع واحد، وإنما وضع لكل معنى بشكل خاص بدلي ولا يلزم من وضع اللفظ لمعنيين على البدل أن يكون موضوعا لهما على الجميع، فاستعماله في الجميع استعمال اللفظ في غير موضوعه [10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).


ومن استدلالات هؤلاء على منع استعمال المشترك في معانيه:



أن عدم تعين المراد يوجب الإجمال، والإجمال يوجب التوقف[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11).
الدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين؛ فإن الراوي إذا عبَّر الراوي باللفظ المشترك فإن صفته تكون غير معلومة، ولا يجوز الحمل على الجميع[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12).
أنه لو قدر أنه موضوع لهما منفردين، ولكل واحد منهما مجتمعين، فإنه يكون له حينئذ ثلاثة مفاهيم، فالحمل على أحد مفاهيمه دون غيره بغير موجب ممتنع[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).
أنه يستحيل حمله على جميع معانيه، إذ حمله على هذا وحده، وعليهما معا مستلزم للجمع بين النقيضين[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14).
أنه لو وجب حمله على المعنيين جميعا لصار من صيغ العموم، ولسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق العموم، وكان المستعمل له في أحد معنييه بمنزلة المستعمل للاسم العام في بعض معانيه، فيكون متجوزا في خطابه غير متكلم بالحقيقة، وأن يكون من استعمله في معنييه غير محتاج إلى دليل، ولوجب أن يفهم منه الشمول قبل البحث عن التخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم، ولا ينفي الإجمال عنه، إذ يصير بمنزلة سائر الألفاظ العامة، وهذا باطل قطعا[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15).


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (3/ 129)، التقريب لحد المنطق (ص: 153).
[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2)) نفائس الأصول في شرح المحصول (2/ 762).
[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)) زاد المعاد (5/ 537)، البحر المحيط (2/ 398).
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)) قال الزركشي:
فإن قلت: قد ذكر أنه يعمل على تقدير الاشتراك بالأمرين مع أن عدم تعين المراد يوجب الإجمال، والإجمال يوجب التوقف، وذلك خلاف ما قلت.
قلت: هذا صحيح إذا لم يكن تعلق المبين من وجه كما لو قال: ائتني بعين، وأما إذا كان مبينا من وجه كالنهي عن القزع مثلا، وكان الامتثال ممكنا فإنه يتعين الخروج عن العهدة في التكليف المبين، وذلك ممكن بالعمل في الأمرين، وصار هذا كقول بعض الشافعية في الخنثى المشكل أنه يختن في فرجيه معا، كان وجوب الختان أمرا مبينا لا إجمال فيه والخروج عن العهدة ممكن بالختان فيهما أوجبوه. زاد المعاد (5/ 537)، البحر المحيط (2/ 393، 398، 399).
[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)) البحر المحيط في أصول الفقه (2/ 398).
[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6)) نهاية السول (ص: 112).
7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7)) نهاية السول شرح منهاج الوصول (ص: 112-114).
[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8)) المستصفى (2/ 142)، البحر المحيط (2/ 389).
[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9)) وهذا اختيار الرازي. المحصول للرازي (1/ 269).
[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10)) المستصفى (2/ 141)، المحصول للرازي (1/ 270)، البحر المحيط (2/ 389)، خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار (ص: 82).
[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11)) البحر المحيط (2/393، 398، 399).
[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12)) إحكام الأحكام (1/149)، شرح الإلمام (3/135).
[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13)) زاد المعاد (5/538).
[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14)) زاد المعاد (5/538).
[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15)) زاد المعاد (5/ 539).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-05-16 ||, 11:42 PM
الأمثلةتمهيد: هذه بعض الأمثلة التي اجتمعت عندي، وثمة أمثلة أخرى أوردها ابن عاشور في القاعدة التاسعة من مقدمة تفسيره، وسبق ذكرها في موضوع خاص بها:
ينظر للاطلاع: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
وبقيت أمثلة أخرى لابن دقيق العيد سأعرضها إن شاء الله ضمن كتاب الأستاذ الأصولي ابن دقيق العيد.
ومن أشهر الأمثلة في ذلك:



قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]؛ فإن المغفرة والاستغفار يستحيل عودهما إلى الله تعالى، كذلك إلى الملائكة، بل المغفرة عائدة إلى الله تعالى والاستغفار للملائكة، فالصلاة من الله مغفرة ومن غيره استغفار، وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك وقد ذكر مرة واحدة وأريد به المعنيان جميعا[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).

واستظهر الغزالي: أنه أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين، وهو العناية بأمر الشيء لشرفه وحرمته والعناية من الله مغفرة ومن الملائكة استغفار ودعاء ومن الأمة دعاء وصلوات[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).
وقال ابن القيم: معنى الصلاة هو الثناء على الرسول والعناية به وإظهار شرفه وفضله وحرمته كما هو المعروف من هذه اللفظة[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).
وناقشهم السبكي في شرح المنهاج: بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء مجاز لعدم تبادر الذهن إليه والأصل عدم المجاز[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).



قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18]؛ فإن الله تعالى أراد بالسجود ههنا الخشوع؛ لأنه هو المتصور من الدواب، وأراد به أيضا وضع الجبهة على الأرض، وإلا لكان تخصيص كثير من الناس بالذكر لا معنى له لاستواء الكل في السجود بمعنى الخشوع والخضوع للقدرة، فثبت إرادة المعنيين[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).
قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] قال الشافعي: أحمله على الجس باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازا[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).
وقوله تعالى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } [ النساء: من الآية22] على وطء الأب وعقده جميعا.

وناقش الغزالي الاستدلال بهذه الآية والتي قبلها، فقال: هذا عندنا كاللفظ المشترك وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا وإنما قلنا إن هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء والنكاح أيضا يراد للوطء فهو مقدمته ولأجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطء واستعير للوطء اسم اللمس فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة لكن الأظهر عندنا أن ذلك أيضا على خلاف عادة العرب[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).



قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18]، فكانت شهادته علمه، وشهادة الملائكة إقرارهم بذلك.
قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، فالصلاة: يعني وضعها للجنس، وموضعها، وفعلها للسكران[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).
وقال تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14].

للمفسرين قولان في تفسير الآية:
القول الأول: أقم الصلاة لتذكرني فيها، وهذا اختيار الطبري؛ لأن ذلك أظهر معنييه، ولو كان معناه: حين تذكرها، لكان التنزيل: أقم الصلاة لذكركها.
القول الثاني: أقم الصلاة حين تذكرها، وهذا اختيار الباجي، واستشهد له بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها»، فإن الله يقول: {أقم الصلاة لذكري} [طه: 14][9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)، ولو كان المراد بقوله لذكري غير المراد بقوله إذا ذكرها لما صح احتجاجه عليه على هذا الوجه الذي احتج به.
وقال التوربشتي: الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى أقم الصلاة لذكرها؛ لأنه إذا ذكرها ذكر الله تعالى أو يقدر مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).



قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ...} الآية.

قال الأمين الشنقيطي: في تفسير هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقا؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج، ولا أعلم مخرجا واضحا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة وغوروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته، وإذا علمت ذلك، فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معا، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11).



قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً } [ التوبة :8] فالإل تفيد القرابة و العهد و الذمة وكلها مرادة هنا .
قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) } [المدثر: 50 - 52].

(القسورة): لفظ مشترك بين الرامي وبين الأسد، وحمر الوحش إذا رأت الرامي فرت، والحمر الأهلية إذا رأت الأسد فرت، فهل المراد بالقسورة الرامي، أو المراد بذلك الأسد؟
قال ابن عثيمين: ما دام اللفظ صالحًا للمعنيين بدون تناقض؛ فإنه يحمل على المعنيين جميعًا، ويكون كل معنى كالمثال؛ لأنه ليس عندنا قرينة تؤيد أحد المعنيين واللفظ صالح لهما ولا مناقضة بينهما[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)



وقوله تعالى: { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 17، 18].

لفظ: (عسعس) يراد به إقبال الليل وإدباره[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)، فإن لفظ عسس، يعني أقبل، ويعني أدبر، فإن وجد ما يرجح أحد المعنيين أخذنا به، وإلا قلنا اللفظ صالح للأمرين، فهو شامل، فيكون الله أقسم بالليل عند إقباله وعند إدباره، وإذا قلنا عسعس: بمعني أقبل ليقابل قوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) (التكوير:18)، صار من هذه الناحية أرجح[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14).



وقوله تعالى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)} [الفجر: 1- 4].

في الليالي العشر قولان:
فبعضهم قال: هي ليالي عشر رمضان، وبعضهم قال: هي عشر ذي الحجة، فصار فيها قولان لاشتراك اللفظ.
وكذلك: قوله تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} (الفجر:3):
بعضهم قال: الوتر: الله، والشفع: المخلوق، لأنه قال: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن) (الذريات: 49)، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله وتر)[2] .
وبعضهم قال: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} هو العدد، لأن كل الخلائق متعددة إما إلى شفع وإما إلى وتر، واللفظ صالح للمعنيين جميعا، والصلاة وتر، لأن صلاة الليل تختم بالوتر فتكون وترا، وصلاة النهار تختم بالوتر فتكون وتراً.
والراجح: أنها شاملة للمعنيين؛ لأنه كلما كانت الآية تتضمن معنيين لا يتنافيان تحمل عليهما[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15).



وقال تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6].

قال ابن حزم: (أما قولنا في غسل الذراعين وما تحت الخاتم والمرفقين، فإن الله تعالى قال: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6]، فمن ترك شيئا ولو قدر شعرة مما أمر الله تعالى بغسله فلم يتوضأ كما أمره الله تعالى، ومن لم يتوضأ كما أمره الله تعالى فلم يتوضأ أصلا، ولا صلاة له فوجب إيصال الماء بيقين إلى ما ستر الخاتم من الأصبع، وأما المرافق فإن " إلى " في لغة العرب التي بها نزل القرآن تقع على معنيين، تكون بمعنى الغاية، وتكون بمعنى مع، قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] بمعنى مع أموالكم، فلما كانت تقع " إلى " على هذين المعنيين وقوعا صحيحا مستويا، لم يجز أن يقتصر بها على أحدهما دون الآخر، فيكون ذلك تخصيصا لما تقع عليه بلا برهان، فوجب أن يجزئ غسل الذراعين إلى أول المرفقين بأحد المعنيين، فيجزئ، فإن غسل المرافق فلا بأس أيضا[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16).



عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة»[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17).

قال ابن حزم: نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة عن كل ما دون خمسة أوساق من حب أو تمر، ولفظة " دون " في اللغة العربية تقع على معنيين وقوعا مستويا، ليس أحدهما أولى من الآخر، وهما بمعنى: أقل، وبمعنى: غير، قال عز وجل: {ألا تتخذوا من دوني وكيلا} [الإسراء: 2] أي من غيري، وقال عز وجل: {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم} [الأنفال: 60] أي من غيرهم، وحيثما وقعت لفظة " دون " في القرآن فهي بمعنى: غير؛ فلا يجوز لأحد أن يقتصر بلفظة " دون " في هذا الخبر على معنى: أقل دون معنى: غير[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18).


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)) المستصفى للغزالي (2/ 143)، نهاية السول (ص: 112).

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2)) المستصفى للغزالي (2/ 143).

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)) جلاء الأفهام (ص: 161).

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)) الإبهاج في شرح المنهاج (1/ 260).

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)) المستصفى للغزالي (2/ 143)، نهاية السول (ص: 112-114).

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6)) جلاء الأفهام (ص: 161).

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7)) المستصفى للغزالي (2/ 142).

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8)) البحر المحيط في أصول الفقه (2/ 385).

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9)) أخرجه مسلم (رقم 684).

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10)) تفسير الطبري (16/33) تفسير ابن كثير (5/277)، المنتقى شرح الموطأ (1/ 29)، فتح الباري لابن حجر (2/72).

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11)) أضواء البيان (6/ 91).

[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12)) شرح مقدمة التفسير لابن تيمية - العثيمين (ص: 52).

[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13)) مجموع الفتاوى (13/ 340).

[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14)) شرح مقدمة التفسير لابن تيمية - العثيمين (ص: 52).

[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15)) شرح مقدمة التفسير لابن تيمية - العثيمين (ص: 56).

[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16)) المحلى (رقم 198).

[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17)) أخرجه البخاري (رقم 1447)، ومسلم (رقم 979).

[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18)) المحلى (رقم 641).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-05-17 ||, 02:43 AM
نتائج وخلاصات



لقد ثار من ارتباك المشتركة بالمتواطئة غلط كثير في العقليات، واعلم أن المشترك قد يكون مشكلا قريب الشبه من المتواطئ، ويعسر على الذهن الفرق[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).
ليس من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه: استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعا؛ فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقلَّ ما يفطن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدا فهي من هذا القبيل (ابن تيمية).

أمثلة ذلك:

قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية، قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم}، وقوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}.
قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، فسر " الدلوك " بالزوال، وفسر بالغروب وليس بقولين؛ بل اللفظ يتناولهما معا؛ فإن الدلوك هو الميل، ودلوك الشمس ميلها، ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى فمبتدؤه الزوال ومنتهاه الغروب واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار.
تفسير "الغاسق" بالليل وتفسيره بالقمر، فإن ذلك ليس باختلاف؛ بل يتناولهما لتلازمهما؛ فإن القمر آية الليل، ونظائره كثيرة[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).
قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] قال الشافعي: أحمله على الجس باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازا[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).
وقوله تعالى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } [ النساء: من الآية22] على وطء الأب وعقده جميعا.

وجهه: أن المس مقدمة الوطء والنكاح أيضا يراد للوطء فهو مقدمته ولأجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطء، واستعير للوطء اسم اللمس فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).



تكوين اللغات وطبيعة نشأتها عادة لا يكون من واضع واحد كما نص على ذلك أئمة اللغة، منهم المبرد وغيره، وإنما يقع وقوعا عارضا اتفاقيا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة فيقع الاشتراك[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).
المشترك ليس هو المجمل، وإنما هو أحد صوره، فالمشترك مجمل بالنسبة إلى معانيه المحتملة إذا لم يتحدد أحدها، ولم يكن من مذهب قائله استعماله في جميع معانيه أو بعضها، فإنه يقف حتى يقوم الدليل على إرادة أحدها.
اختلف العلماء في صحة إطلاق اللفظ على معانيه دفعة واحدة إذا لم يكن بينها تناقض، ويلحق بها: إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه، أو على الصريح منه والكناية، وإن كان هاهنا للحقيقة والصريح أولوية في رتبة التقديم.



القول بالجواز هو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين، وهو مشهور عن الشافعي، ونقلوا عنه أمثلة في ذلك، وقد شكك في صحة ذلك عنه ابن تيمية وابن القيم وانتقدوا بعض ما نقل عنه، والقول بالجواز أيضا هو مذهب الباقلاني وناقش ابن تيمية في صحة إضافة ذلك إليه لقوله بالتوقف في صيغ العموم.
القول بالمنع هو مذهب الحنفية وطائفة من العلماء.
من المفارقات في هذه المسألة اختلاف ابن تيمية وابن القيم في هذه المسألة، فابن تيمية قائل بالجواز، وابن القيم قائل بالمنع مع الجزم باطلاعه على قول شيخه، وهذا يحتاج إلى مزيد من التحقيق في ذلك وسببه.



للقائل بالجواز ثلاثة طرق في الاستدلال: العموم، الاحتياط، الوقوع.
للقائلين بالمنع طريقتان في الاستدلال: الأول: أمر يرجع إلى القصد، والثاني: أمر يرجع إلى الوضع.
المرجَّح عند جماعة من المحققين: جواز أن يراد بالمشترك عدة معان إذا لم يكن بينها تصادم، لكن بإرادة المتكلم، وليس بدلالة اللغة، وقد جاء كثيرا متوافرا في نصوص الوحي.

فهي ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: المشترك في الوضع اللغوي:
لم يوضع المشترك في الأصل اللغوي لمعانيه كلها دفعة واحدة، وهذا ليس من مواطن التردد أو النزاع.
المرتبة الثانية: المشترك في القصد:
ليس هناك ما يمنع من جواز إطلاق اللفظ المشترك على معانيه كلها أو بعضها دفعة واحدة إذا لم تكن متصادمة، فهو وإن لم يوضع في الأصل لذلك، لكن ليس ثمة ما يمنع من ذلك؛ إذ هو متعلق بالاستعمال (المتكلم)، أو بالحمل (من السامع)، وتفسير اللفظ يتبع ما يؤديه من معنى وما يقصد به، وهذا يمكن أن يقوم به المشترك، وله أغراض صحيحة من الفصاحة والاختصار والتعميم.
المرتبة الثالثة: الوقوع:
وذلك من خلال تحمل كثير من الألفاظ المشتركة في النصوص لوجوه من المعاني الصحيحة، والتي للشارع إليها قصد وتشوف، بما يجزم في القلب بأن للشارع غرضا في ذلك، وقد تأكد من خلال تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الآيات بغير ظاهرها الأقرب، نعم، ذلك قليل في لغة العرب، وربما على ندور، لكن جاء القرآن على منتهى لغة العرب وفي الذروة من بلاغتها.
يشار هنا: إلى أن القول بالجواز لا يقتضي ضرورة وقوعه في القرآن الكريم، لكن وقوعه يقطع بجوازه.


يعرف أن اللفظ المشترك قُصِدَ به جميع معانيه أو بعض معانيه عند وجود القرينة على ذلك، وكذلك عند التجرد من أي قرينة تعين أحد معانيه، وكان من مذهبه استعمال المشترك في معانيه[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).
فائدة هذه المسألة تظهر في مواطن متعددة، منها ما يلي:



عند دراسة أقوال المفسرين للآيات، فإنه يظهر أنه يمكن حملها على المشترك تارة – وهو موضع البحث - وعلى المتواطئ تارة من غير تناقض أو اختلاف.
عند ملاحظة تصرفات بعض الفقهاء والشراح في طريقتهم في استعمال اللفظ في أحد معنييه في موضع، وفي الآخر في موضع آخر.
القول بالجواز يسمح بوفرة من الاستنباطات والاستدلالات، ويعطي مساحة رحبة لائتلاف الأقوال والوجوه.
القول بالمنع يوجب احتراس المستدل من إخلاله بقانون المسألة بعدم استعمال اللفظ المشترك في معنييه دفعة واحدة.

للاطلاع على أصل البحث:
هل يجوز حمل المشترك على معانيه دفعة واحدة؟ : لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
وأيضا: المعاني التي تتحملها جمل القرآن (بحث بديع) ملخص القاعدة التاسعة من تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد … (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)) المستصفى للغزالي (الرسالة 1/ 76).
[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2)) مجموع الفتاوى (15/ 11، 12).
[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)) جلاء الأفهام (ص: 161).
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)) المستصفى للغزالي (2/ 142).
[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)) ينظر: جلاء الأفهام (ص: 160).[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6)) ينظر: زاد المعاد (5/ 537)، نهاية السول (ص: 117)، البحر المحيط (2/ 389).

عبدالقادر بن حسن باراس
17-09-29 ||, 12:38 PM
جزاك الله خيرا

صلاح الدين
18-01-16 ||, 07:33 AM
بحث ممتع ومفيد فبارك الله فيكم
وإن كانت المسألة قد أخذت مناحي مختلفة في العرض عند الأصوليين كالزركشي والسمعاني