المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المناهج التعليمية في الفقه والأصول ... من المسؤول؟



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-06-28 ||, 04:26 AM
صدمة المناهج التعليمية في الفقه والأصول ... من المسؤول؟

"أنا والله مصدوم جدا بخصوص المناهج التعليمية، لا منهج معاصر في الزكاة! ولا في البيوع! ماذا بحثنا إذن؟ وماذا فعلت جامعاتنا؟"
هذه تغريدة انفعالية، كنت أشعر فيها بشيء من الذهول والاندهاش.
سألني أحد الأصدقاء البارحة عن كتاب عصري في الزكاة، يدرسه، فبادرت بوضع هذا السؤال:
ما أفضل كتاب منهجي في الزكاة يدرس في المساجد والجامعات بشرط الأصالة والمعاصرة؟
فكانت الأجوبة محبطة، وكان أكثرها إحباطا قول أحدهم: لا يصح في الباب أي شيء! وأحسنه لا يصلح أن يكون منهجا!
فقلت: لا إله إلا الله.
وقبل ذلك: كنت قد سَأَلتُ السؤال نفسه بخصوص المعاملات المالية المعاصرة، فكانت الأجوبة أكثر إحباطا، وكان الأعجب أن أفضل ما كتب هي مذكرات ألقيت في بعض الدورات!
وقبل هذا وهذا: كنت أبحث في مفطرات الصيام، فوجدت أن أحد أعمدة باب المفطرات: حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما)، فسألت عن الأبحاث التي تناولت الحديث بالدراسة، فكانت المفاجأة: لا يوجد!
صدمة أخرى: هناك كثير من الحصص الجامعية بأسماء عصرية رنانة، بدون مناهج ولا مقررات! وإلى هذه الساعة!! ولا يزال إسعافها جاري بالمذكرات!!
وأنا أتلقى هذه الصدمات، الصدمة تلو الصدمة، كانت تمتثل أمام ناظري في كل صدمة: العبارة الباطلة بيقين: "الفقه مقتول مبحثا، وعناوين الأبحاث شحيحة"!
أصحاب هذه المقولة هم أنفسهم الذين يوزعون المذكرات! لأنه ليس ثمة في الباب ما يقوم به إلا مذكرته!
ومهما كانت قوة هذه الصدمات فإنها لا تقف أمام الصدمة الكبرى المتعلقة بالمناهج التعليمية.
فالمنهج ركن في أصول العلمية التعلمية، وهو العقد الذي يحكم بين الأستاذ والتلميذ، وهو يضرب في أعماق الذهنية التكوينية لنواة المجتمع من رجال العلم والمعرفة.
يا تُرى؛ هل قامت جامعاتنا خلال عشرات السنين ببحث كثير مما لا نحتاجه وأهملت أهم ما نحتاجه؟
أين هي المناهج التعليمية بشتى مستوياتها ضمن آلاف الرسائل التي استغرقت أعمارا عزيزة؟
الدولة قد أبرأت ذمتها، وشيدت الجامعات، وضخت أموالها، ومولت كراسي الأبحاث.
أما الليبراليون والبطالون فاختراقهم يكاد يكون معدوما في الكليات الشرعية.
إذن من المسؤول؟
باختصار ووضوح: المسؤول هم الأساتذة الفضلاء في مجالس الأقسام، ولنترك المجاملات!
ولن يناقش هذه المشكلة إلا هؤلاء أنفسهم! فهم المخولون بعلاجها، فهل يمكن أن يجتمعوا ويعترفوا بكل صدق أنهم يتحملون الخطأ في جوهره؟
ماذا فعلوا بأطروحات الماجستير والدكتوراه والترقية وكراسي التمويل؟
ما الدور الذي لعبوه في اقتراح المشاريع وتبنيها، وصرف الباحثين إليها؟
لماذا لم يفكروا من حيث الأصل في كتابة مناهج تعليمية؟
ألم يبصروا الفجوات العلمية في التكوينات العلمية للباحثين وبين مستجدات العصر؟
حدثني أحد رؤساء الأقسام أنه تم رفض موضوع لأحد الطلاب بسبب عدم وجود متخصص في بحثه! نعم، إلى هذه الدرجة.
أكثر أبحاثنا إما في ترف بحثي اختيارات فلان وفلان، أو مقارنات هامشية ليست من صلب العلم ولا من متينه، أو في صدامات نفسية أكثر منها منهجية، تعرف نتيجة الكتاب من مقدمته!
وكثير منها استغرقت في البحث عن "القول الراجح"، وكأن ذلك هو مقصد العلم ومبتغاه!
أين هم عن أسئلة العلم والعصر؟
لعل أفضل شيء صنعناه هو تحقيق الكتب القديمة!
نغضب إذا تحدثوا عن تحديث المناهج، وكأنها مادة ليبرالية محضة، مع أن الثقيل من العلم تم تخفيفه أو تمريره!
إذا لم تكن ثمة مبادرة منا، ففي هذه الفجوات يروج سوقهم، وعلى نفسها جنت براقش.
كانت أكثر مصنفات الفقهاء والأصوليين في المناهج التعليمية "متون شروح حواشي "، وكأنهم ما كانوا يصنفون إلا لذلك.
في حين أن أكثر مصنفاتنا تتراوح في خضم الصراعات النفسية والهامشية، وإثبات الوجود، وإعدام الآخر.
يقول أحدهم: لا حاجة ماسة إلى كتب معاصرة في الفقه! ولنخرِّج ما استجد على مسائل الفقهاء!
ويقال له: لماذا ألف الفقهاء كتبهم إذن؟ أليس كان الأولى بهم التخريج على نصوص الوحي؟
ويقول آخر: إذا سألني المستفتي عن مسألة عصرية، استفهمت منه عن صورتها! فصار المستفتي يلقنه صورتها بحسب المقاس الذي يريده.
بعضهم في لحظة هيام بالمتون القديمة لأنه حفظها ودرسها وفهم أسرارها حتى غرق في حواشيها، وصار يصد عن المسائل المعاصرة لأنها لا تناسب تركيبته.
المطلوب في المناهج التعليمية ليس التوسع في البحث عن الراجح، ولكن التعليم بحسب ما تمليه المناهج التعليمية (استقرار، وتقعيد، وتدرج، وتكرار، وتمرن) بأحدث نسخة في تأصيل علمي متين وارسخ.
يقول أحد المشايخ المبدعين: أفضل كتاب "نحو" اطلعت عليه هو المنهج الذي كنا ندرسه في المدارس العامة لما فيه من القواعد والأمثلة والأسئلة والمراجعة.
صار الحديث عن المناهج التعليمية يكاد يكون أحد المعارك الكبرى المكررة بين الليبراليين والإسلاميين كلما استجد حدث تولى كبره نفر من الغلاة والجهلة.
فالليبرالي يريد اقتلاعا جذريا، والإسلامي يسعى إلى المحافظة على ما تبقى من منهجه!
عبارات البرستيح ذات البشت! أو الكرفتة! لا تغني عند حل العقد العويصة!
وفي الأمثلة العامية: امشي عدل يحتار عدوك فيك.
لولا الثغرات والفجوات في مناهجنا وعدم تحديثها كما ينبغي لما طال لسان البطال، ولما وجد له مدخلا.
لقد تم اختصار أصول الفقه في مذكرات وكتب موجزة، وتم مص الدماء التي تجري في عروقه، وجفت ينابيع الفكر والجدل من ذهنيه المتعلم، وكانت يوما من مبتكرات المسلمين العزيزة، ولم يتنبه لذلك القائمون على المناهج إن كان ثمة أحد موجود أصلا.
هلا قاموا برد الأصول إلى صورته الأولى، أو على أقل تقدير تعويض هذه الخسارة الفادحة بمواد تقوم بحصة الرياضة الذهنية المحذوفة ؟
أإلى هذا المستوى من المجازفة: وصل العبث بمناهجنا ؟
اضطر كثير من المعلمين والمصنفين إلى تخصيص دروس خاصة في المعاملات العصرية، وكذلك كان الحال في حصص الدراسة الجامعية، وهذا لا ينتظم في أصول المنهجية التعليمية، وأنه ينبغي أن يبنى العلم بناء من القواعد بتدرجاته، كما كانت عادة الفقهاء في إدراج ما جد من نوازلهم في مظانها من الكتب المصنفة، وكما تعلمنا النحو والرياضيات في مدارسنا.
اضطر آخرون إلى ذكر المسائل العصرية على سبيل الاستطراد، فبعد أن يفرغ من شرح الفقه القديم بصورته الأولى، يقوم بإيراد بعض المسائل العصرية، التي تلتقي بوجه من المناسبة بمسائل الباب، فهذا وإن كان جهدا مشكورا، إلا أنه عزز من انفصال الفقه القديم عن واقعه.
الفقه شيء واحد، كذا كان في الوحي وكذا كان في كتب الفقه، ويجب أن يبقى كذلك انسيابيا منتظما في ذهنية المتعلم، وتدرج المسائل المعاصرة في صلب المناهج التعليمية في مظانها، وتختصر صورها، ويجمل الخلاف فيها.
ولا يجب على طالب العلم كلما أراد أن يبحث مسألة عصرية وجد نفسه مضطرا إلى قراءة الأبحاث الطويلة حتى يظفر بصورة المسألة وخلاصة الحكم فيها.
ليس المهم الآن حجم الصدمات التي تقليناها؛ فإن الزمن الذي الفات لا يمكن طلب استعادته، ولا تجدي معه فلسفة آخر مرة، لكن نحن الآن في عام 1436 هـ فهل ستمر عشرات أخريات من السنوات لنتلقي المزيد من الصدمات؟ ثم التفرغ لنقل الصدمات إلى الجيل الجديد؟
لن ألتفت إلى قول صديقي - ليس ذاك ثقيل الدم - بضرورة حل مجالس الأقسام، وأراه مسعر حرب!
وأقول: لا تزال الفرصة متاحة في الجامعات (هناك ميزانيات، وهناك إرادة، لكن لا توجد رؤية وعمل حقيقي )، ولوضع هذه الرؤيا أقترح بعض الخطوات العملية:


إقامة مركز بحثي في كل جامعة يختص بكتابة المناهج، يقوم عليه أساتذة متفرغون، ويكون موضع العمل داخل أورقة الجامعة بدوام رسمي كامل، ويكون من ضمنهم فريق متخصص في كتابة المناهج.
تحفيز الطلاب والباحثين على تقديم موضوعات تتعلق بكتابة المناهج وصياغتها، فرب باحث نجيب يقوم وحده بما عجز عنه أساتذته، فيبعث الأمل، ويمسح دمعات وحسرات السنين.
إدراج موضوع التصنيف قوانينه وآدابه وفنونه ضمن أساسيات المواد النظرية والتطبيقية خلال السنوات الأكاديمية كافة.
إدراج مادة خاصة بأصول كتابة المنهج، وقواعده وخواصه ومناهجه.
ألا يقتصر كتابة المناهج على جهة واحدة، فلا يضر التكرار، فالحاجة تستدعي عشرات المناهج، وعند تطور العلم ونموه ستتلاقح، ويكمل بعضها بعضا، بل ينبغي أن يكون في كل جامعة مناهج خاصة بها، بل تكون محطة تزويد المعاهد والكليات الأخرى بما تحتاجه.

د. أيمن علي صالح
15-06-28 ||, 06:53 AM
أصبت مقتلا يا دكتور فؤاد