المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سد الذرائع: بين الأصول والقواعد



مجمول
15-08-04 ||, 05:33 PM
كان لإحدى صديقاتي إشكال أصولي-قواعدي، نصه:(لدينا بحث عن "قاعدة سد الذرائع" والإشكال هو:- نحن درسنا -حنابلة- أن سد الذرائع أصل، وكذا عند المالكية فيما أعلم، بينما أستاذنا سمّاها "قاعدة" أي ضمن القواعد الفقهية وسوّاها بالحيل وكذلك بالأمور بمقاصدها، ورجعت لكتاب زيدان عن القواعد الفقهية فوجدته قد عدّها ضمن القواعد.
فهل هناك بحث فرّق بين الاستعمالين؟ بين استعمالها باعتبارها أصولاً "أي ضمن أصول الفقه" وباعتبارها من "القواعد الفقهية")..

راسلتُ كلا من د.الأخضر الأخضري، و د.بدر المهوس

الأول كان جوابه مجملا والثاني جاء جوابه مفصلا ومقسما ومسبّبا

مجمول
15-08-04 ||, 05:34 PM
جواب الدكتور الأخضري هو:
(... الذي أعلمه أن بين الأصل و القاعدة قدرا مشتركا ، تتعاور فيه الأصول و القواعد و الكليات ، و يشتركان في منهج تحصيل كل منهما.
و لا علم لي بوجود دراسة معاصرة إلا ما جمعه الإمام الشاطبي في الموافقات حيث علق قاعدة سد الذرائع بنظرية المآل
هذا جهد المقل ...)

مجمول
15-08-04 ||, 05:37 PM
جواب د. بدر المهوس هو : (سد الذرائع يطلق عليها العلماء عدة إطلاقات أشهرها : ( أصل ، ودليل ، وقاعدة ، ومبدأ ) ولكل من هذه الاطلاقات وجه معين اعتبره العالم والتفت إليه حال الإطلاق :**فمن يقول سد الذرائع ( دليل ) فمراده أنه يتضمن الدلالة والإرشاد للحكم وهو جائز لغة وكذلك عند الأصوليين والفقهاء يصح وصفه بالدليل من جهة كونه يوصل لمطلوب خبري وكونه يخرج الحكم بطريق النظر لكنه دليل تبعي كالمصلحة المرسلة والاستحسان ولذلك يطلق الأصوليون على هذه الأدلة اسم ( الاستدلال ) فالاستدلال هو كل دليل غير الكتاب والسنة والإجماع والقياس .
**وأما إطلاق ( الأصل ) على سد الذرائع فلأن الأصل ما يبنى عليه غيره وما يتفرع منه غيره وهو أصوليا جائز باعتبار أنه دليل والدليل يطلق عليه ( أصل ) عند العلماء كما هو مشهور فيقولون الأصل في المسألة الكتاب والسنة ، وهو كذلك أصل لأنه قاعدة مستمرة والقاعدة المستمرة يطلق عليها مصطلح الأصل كذلك .
**وأما إطلاق قاعدة فهذا أخص الإطلاقات بسد الذرائع وأقربها إليه لأنه أصل وأساس وكذلك اصطلاحياً القاعدة قضية كلية تنطبق على جزئياتها وهذا حاصل في سد الذرائع لأن التقدير ( سد الذرائع واجب أو مطلوب أو معتبر ) لكنه محذوف للعلم به أو تقدير كون لفظها ( كل ذريعة مباحة أو جائزة أدت إلى مفسدة لزم سدها ) فهي بهذا الشكل تكون قضية كلية فينطبق عليها مصطلح القاعدة كما نقول الأمور بمقاصدها والعادة محكمة .


^^وكون مصطلح القاعدة أقرب الاصطلاحات هو لما يلي :
1 - كون سد الذرائع لا يستقل بمعرفة الحكم بل هو دليل تبعي مبني على دليل أصلي خاص - القرآن أو السنة او الإجماع - يدل على تحريم ما توصل إليها الذريعة فهو ليس كالقرآن والسنة يدل على الحكم باستقلال .
2 - أن سد الذرائع يعطي حكماً واحداً فقط وهو المنع والتحريم والدليل الشرعي كالكتاب والسنة والإجماع والقياس تعطي جميع الأحكام التكليفية الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة .
3 - أن سد الذرائع مبني على استقراء جزئيات وفروع الشريعة كحال القواعد الفقهية .
4 - أن سد الذرائع مثل قاعدة ( ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب وما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فهو واجب ) وقاعدة ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) وقاعدة الحيل فكلها قواعد وهي بمعنى سد الذرائع في كون الشيء يتغير حكمه من الإباحة إلى التحريم بسبب المفسدة المحظورة .


^^ويبقى السؤال بعد ذلك :
هل هي قاعدة أصولية او قاعدة فقهية ؟
حقيقة يحتمل الأمرين :
1 - فيمكن وصفها بأنه قاعدة فقهية لأنها متعلقة بفعل المكلف كحال القواعد الفقهية وكونها لم تنشأ من الألفاظ كحال القواعد الأصولية .
2 - ويمكن اعتبارها قاعدة أصولية لأنها مطردة ويستنبط عن طريقها الأحكام وكونها سابقة على الحكم لا لاحقة له كالقواعد الفقهية ، والعلماء أدرجوها في أصول الفقه لا في كتب القواعد الفقهية ويظهر أن هذا أقوى وإن كان هناك ما يجذبها للقواعد الفقهية كما سبق فمثلها مثل العرف والعادة ، والمصلحة والضرر ، والاستصحاب واليقين كلها أصول وقواعد تبحث في أصول الفقه وفي القواعد الفقهية .

ولزيادة الفائدة في الموضوع يمكن الرجوع لكتاب ( سد الذرائع في الشريعة الإسلامية ) للدكتور محمد هشام البرهاني فقد بسط الكلام على هذا الموضوع (ص 125 - 174 ) ) ا.هـ

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-08-05 ||, 11:16 AM
سؤال جدير بالإشكال، وأجوبة مسهبة ومعللة.
وبظني أن "سد الذرائع" جملة غير مفيدة.
إن أردت "سد الذرئع حجة"، فهي قاعدة أصولية، ولذا حضورها عند المالكية أكثر، ولذا اضطر الطوفي في شرح مختصر الروضة أن يقول: ونحن مثلكم نثبتها وإن كنا دونكم في مقدار الإثبات.
وهي تدرج ضمن الأدلة التبعية أو الأدلة المقاصدية ونحو ذلك.
وإن أردت: "اعتبار سد الذرائع" فهي قاعدة فقهية.
وبوجهة نظري أن الأقرب أنها قاعدة فقهية، وليست من الأدلة الأصولية، لأن اعتبارها يكون بحسب نظر المجتهد عند الاقتضاء، وهذا شأن الفقه وليس شأن الأصول، والله أعلم.

عبد النور بن نوار بريبر
15-08-07 ||, 09:42 PM
يظهر لي أن لا ضرورة لجواب مفرد، بل يفصل في المقدر المحذوف،كما فعل الدكتور الهاشمي جزاه الله خيرا، والنتيجة:
- إن قدّرنا (سد الذرائع أصل شرعي) أو (سد الذرائع معتبر) أو (سد الذرائع دليل) ونحو هذا، فهي بلا شك من الأدلة الإجمالية المختلف فيها على المشهور، فتكون قاعدة أصولية.
- وإن قدّرنا، يجب سد ذرائع المحرم، وما كان ذريعة لمحرم أخذ حكمه ونحو هذا، فتكون قاعدة فقهية. لدلالتها المباشرة على الحكم الفقهي لفعل المكلف.
والله أعلم.

أم يوسف السلفية
15-08-08 ||, 05:12 PM
جزاكم الله عنّا خير الجزاء.

لقد تطرق صاحب كتاب (الكوكب الساطع في قاعدة سد الذرائع) لهذه المسألة -د. إسماعيل محمد علي، وبيّن مذاهب العلماء وأدلتهم، ومن ثم رجّح رأيه: والصحيح التعبير بـ (قاعدة سد الذريعة)؛ قاعدة أصولية.
وذكر أسباباً لترجيحه. ص 24 -29

والله أعلم

محمد بن محمد البويسفي
15-09-21 ||, 04:37 PM
تطلق كلمة القاعدة ويقصد في الاصطلاح بها معان متعددة ، فنجدها بمعنى القضية الكلية كما في كتاب التعريفات للجرجاني : القاعدة : قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها
وهذا التعريف قريب من المنطلق اليوناني، إن لم نقل متطابقا معه .
ونجدها ترد بمعنى القانون ، حيث قال أبو البقاء الكفوي في كلياته : " القانون هو كلمة سريانية بمعنى المسطرة ، تم نقل إلى القضية الكلية من حيث يستخرج بها أحكام جزئيات المحكوم عليه فيها . وتسمى تلك القضية أصلا وقاعدة، وتلك الأحكام فروعا، واستخراجها من ذلك الأصل تفريعا
ونجد قريبا من هذه المعاني في المعجم الوسيط الذي أصدره مجمع اللغة العربية جاء فيه " القاعدة من البناء أساسه ، والضابط ، أو الأمر الكلي ينطبق على جزئيات ، مثل كل أذون ولود وكل صموخ بيوض
وهي هنا بمعنى الأساس، والضابط، والأمر الكلي.
وإذا انتقلنا إلى حقل معرفي آخر قريب من المنطلق اليوناني، وهو الحقل الفلسفي نجدها لا تخرج عن المعاني السابقة، بل مؤكدة لها ومضيفة حسا استدلاليا عقليا في بناء مقدمات للأصول إلى نتائج.
قال جميل صليبا في معجمه الفلسفي " القاعدة قضية كية منطبقة على جميع جزئياتها
تعريف الجرجاني – وقيل هي قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئية تسمى فروعا لها ، ويراد فها في العربية : الأصل ، والأساس ، والقانون .. والفرق بين القاعدة الأخلاقية أو الفنية أو المنطقية وبين القانون الطبيعي : أن القاعدة لا يكتفي بالخبر والمشاهدة ، بل تنشئ الشيء و توجب العمل به
فإذن نجمع الكلام فنقول: القاعدة لها معان متعددة، لكنها متقاربة تدور حول:
- الأساس الذي ينبني عليه غيره
- الأصل الذي تتفرع عنه الفروع
- القضية الكلية التي تنطبق على جميع جزئياتها
- القانون الذي يحكم العلاقات بين الأشياء، و بين المقدمات و النتائج.
و هذه المعاني تختلف حسب الحقول المعرفية المستعملة فيها، من حقل لغوي إلى علمي..و هكذا. كما تحديد إحدى معانيها يكون حسب السياق الذي وردت فيه القاعدة، و لو في الحقل المعرفي الواحد.
و الآن ننتقل إلى معانيها في حقل معرفي عقلي لكنه مرتبط بالشرع، و هو أصول الفقه، فتكون القاعدة مضافة إلى علم ، فتصبح كما يلي: القاعدة الأصولية، أو القواعد الأصولية.
و لكي نحدد مفهوم هذا المركب الإضافي نقوم بتفكيكه.
أما القاعدة فقد سبق تعريفها. و إما الأصل فله معان متعددة في اللغة نجملها فيما يلي:
- ما ينبني عليه غيره
- المحتاج إليه
- ما منه الشيء
- منشأ الشيء

و أهم هذه التعاريف: الأول و الأخير، و الباقية تدور في فلكهما.
أما في الاصطلاح، فمعانيه هي:

- الدليل: كقولهم أصل هذه المسألة الكتاب و السنة، أي دليلها
- الرجحان: كقولهم الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز
- القاعدة المستمرة: كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل
- الصورة المقيس عليها: على اختلاف مذكور في تفسير الأصل

و هذه المعاني الاصطلاحية يمكن أن نجمعها أيضا في معنيين جامعين مها: الدليل و القاعدة.
و هذا ما نجده عند الإمام الشاطبي في الموافقات.قال صاحب المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي: " و الأصول بصفة عامة لها صورتان: إما أن تكون في صورة مصادر, أو قوانين محكمة.
فأما الأولى: فهي الأدلة الموضوعة على أساس أنها مصادر للمعاني الأصلية. كما أنهما أيضا مصدران للأحكام الفقهية، و هما يشتركان في هذه المصادر الأخرى، المبنية عليهما، كالإجماع، و الرأي.. و ما معناه، كالاستحسان، و المصالح المرسلة، و سد الذرائع، و نحوها من القطعيات المعنوية. فكل هذه ذات طبيعة مصدرية لأن وظيفتها الأساس هي كونها منطلقات للاستنباط الفقهي.
أم الصورة الثانية للأصول: فهي كونها (قوانين محكمة) و معنى ذلك أن الأصل قد يكون، بالإضافة إلى مصدريته (قانونا) أي مقياسا محكما لضبط النظر و تقويمه، و محاكمة الآراء، و الفهوم و نقدها، و ربما اختصت الأصول بقانونيتها دون أن تكون ذات طبيعة مصدرية، فالأولى كسد الذرائع و الاستحسان، فهما مصدران كما بينا، و قانونان أيضا، لكونهما يتصفان بالإضافة على ذلك، بصفة (القاعدية) فهما قاعدتان. و القاعدة إنما هي الأمر العام و القانون الشائع. أم الثانية فهي المعاني الكلية الواردة في صورة (ضوابط) حاكمة ليس إلا .. و قانونية الأصل تعني انه مطرد العموم و الشمول، ثابت كذلك أبدا، و هو مقتضى كونه (محكما) أيضا .

كريم بن محمد بن لحسن
16-08-16 ||, 11:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

سد الذريعة عند الامام مالك..

قال ابن أبي كف في نظمه:
وسـد أبواب ذرائـع الفســاد *** فمالـك لـه على ذه اعتمــاد

خلاصة قول الشارح الولاتي في إيصال السالك:
الدليل الثاني عشر من أصول مالك سد الذرائع[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) وهو سد أبواب الوسائل إلى الفساد، فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى مفسدة منعنا منه، وهذا خاص بمذهب مالك.
وقد أجمعت الأمة على أن وسائل الفساد على ثلاثة أقسام:
- قسم متفق على منعه، محرم اجماعا.
- وقسم متفق على جوازه اجماعا.
- وقسم مختلف فيه، ولم يمنعه إلا مالك.
قال القرافي في شرح تنقيح الفصول: واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ويندب ويكره ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة فكذلك وسيلة الواجب واجبة.
قاعدة: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة لأنها تبع له.
تنبيه: قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) قلت سد ذرائع الفساد هو منع الوسائل المباحة المفضية إلى غايات محرمة تحققا أو غلبة ظن. لأن للوسائل حكم مقاصدها، وكما يتوصل إلى الحكم الشرعي عن طريق سد الذريعة فقد يتوصل إليها عن طريق فتحها، وذلك أن ما كان مطلوبا شرعيا إذا افتقر إلى وسيلة مباحة صارت واجبة بوجوبه، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وسد الذريعة ثلاثة أقسام: قسم متفق على منعه، كحفر الأبار في طريق المسلمين. وقسم متفق على جوازه، كغرس أشجار العنب مع أنه من الوسائل إلى عصر الخمر. وقسم مختلف فيه ولم يمنعه إلا مالك، كبيوع الأجال لأنها وسيلة إلى الربا. وقد بالغ مالك في سد الذرائع، حتى أنه كره صيام ستة أيام من شوال الموالية لعيد الفطر مخافة اعتقاد وجوبها. وتحقيق موضع الخلاف بين العلماء في الذرائع هو في المباح الذي يتذرع به إلى المفسدة.