المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الباب الأول في الفقه!



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
15-09-08 ||, 04:41 AM
الباب الأول في الفقه!


الباب الأول في الفقه هو أهم باب في الفقه على الإطلاق خصوصا في هذا العصر ، لأن أكثر الطلاب يقفون عنده، فيطرقونه مدى الدهر، فهو إما أن ينقطع بعده عن العلم، ويكون نصيبه منه هو ما حصله في الباب الاول، أو أنه يتوسع فيه جدا حتى يمل منه، فيتركه، ثم لا يلبث أن يأخذ كتابا آخر يكسر به ملاله، ويسير في بابه الأول سيرته الأولى!
ومنهم من كره هذا العلم! وانتقل إلى علم آخر أجمل منه، وأقل كلفة، ثم يقص عندهم قصصه وعجائبه في الباب الأول!
إنه سور الصين العظيم! باب الطهارة! أو كتاب الطهارة كما يسمى!
فكم انقطعت دون بلوغ نهايته أعناق الإبل، فهو المبتدى وإليه المنتهى، ومن جاز قنطرته فقد نجا!
وكم من طالب غرق فيه فاتهموا الفقه بجريرته!
وتجد الطلاب أكثر ما يكونون خبرة بأقسام المياه! فالتجربة فيه تبلغ أقصاها؛ لأن المياه هي الفصل الأول من الباب الأول! وكل ما كان الشيء أولا كان أكثر أهمية وضبطا!
وفي باب المياه حكايات وأحزان، فهو بحر الدموع؛ فكم غرق في لججه الطلاب، ويبست في شرحه ألسنة المدرسين، وجف في حل مسائله حبر الباحثين!
هل نتحدث عن حلول معتاصة الطاهر غير المطهر! أو ما تغير بمكثه أو بمجاوره أو بامتزاجه؟
أما حديث القلتين، فأخباره مشهورة، وقد أتعبت العلماء فضلا عن الطلاب، حتى صححه بعضهم ولم يأخذ به لأنه يتعذر العمل به! تبدأ القصة من قلال هجر، مرورا بتعارض المنطوق والمفهوم أو عدم صحة المعارضة أصلا، وفي ملاقاة النجاسة للماء اليسير فرقوا بين الوارد والمورود إليه، وعلامات التعجب تتوالى على الطالب أمام عينيه!
فعلا يا أيها المتعلم، فإن كتاب الطهارة صعب، لاسيما باب المياه، وهو لا يمثل الفقه بعمومه، ومع ذلك فالطلبة يبذلون فيه وقتا وجهدا، ويحسنون كثيرا من مسائله ما لا يحسنونه في غيره.

فلو أخذت هؤلاء الخبراء في الطهارة إلى جيران هذه المسائل في كتاب الصلاة لرأيتهم واجمين، فكيف إذا أخذتهم إلى عويصات الزكاة، ولن أغامر برحلة إلى متاهات البيوع، أما الجنايات وما حولها، فتلك بلاد نسمع عنها، ولا ندري ما حقيقة أمرها!
ومن الطلبة من اتخذ أسلوبا ذكيا، فقد اتخذ استراتيجية القفز على الحواجز! فيبتدئ من البيوع مرة واحدة ليكتب على نفسه أجله المحتوم!
ولم يقتصر الأمر على الدروس العلمية بل تعدى الأمر إلى دروس المساجد لعامة الناس!
ويبدو أن مشكلة الباب الأول تم عولمتها إلى كل أول!
ففي دروس رمضان، ينتصف الشهر والدروس لا تزال عن تبييت النية في الصيام، وبم يثبت دخول الشهر وصيام يوم الشك، وما أدراك ما يوم الشك؟
وفي زمن الحج: تجد أن مباحث المواقيت والمحظورات تستهلكان وقت الحج القصير، ثم بعد ذلك أشك في التحاقك بالحجاج بعرفة ولو بلحظة من ليل أو نهار!
فالقاعدة المطردة: أن ضبط طلبة العلم للباب الأول أكثر من ضبطهم لغيره بكثير، وأن ضبطهم للفصل الأول من كل باب أكثر من ضبطهم لبقية الفصول.
وهذا منتظم في أحوال الناس وطبيعة نشاطهم في أول الأمر، لكن الشاطر هو الذي يضحك في الأخير:)
ومن هذا الباب نشاط المصنفين في التوسع في الأبواب الأولى من كتبهم، وكم من كتاب لم يتم منه إلا الأبواب الأولى، وكم من كتاب انصرف عنه مؤلفه من الباب الأول إلى مشروع آخر.
ومن هذا الباب أيضا نشاط الطلاب في الامتحانات في مذاكرة الأبواب الأولى من الكتاب، قبل أن يداهم النومُ عيونَهم، فإذا أهمله المدرس في الاختبار، فالله يعوض الطلبة، ويخلفهم عن سهر الليل خيرا:)
فإذا كان الباب الأول من الأهمية القصوى في العلم عموما وفي الفقه خصوصا لطوله الفارع الذي لا يرى آخره.
ولأن أكثر ضبط الناس يقع في الباب الأول.
ولأن من الأغراض الملحة للطلاب في هذا الزمن، هو تحبيبهم للعلم مع كثرة المشغلات وفتنة الملهيات فإن العلم إذا سرى في دم المتعلم، لم يخف عليه أستاذه، وصار مصباحه في جنانه يضيء له طريقه ...
فهاهنا اقتراح بإعادة النظر في الباب الأول في الفقه، وكتابته بأسلوب يجعل المدرس معذرة له في مستهل درسه! أو كالمثبت للطلاب إلى أجل! فإن استمر الطالب فبها ونعمت، وإلا فإن معه الباب الأول! فيه سقاؤه! يسد به عوزه، ويبلغ به مقصده.
يمكن أن تكون ركائزه على مائة سؤال كما صنع المبدع الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في كتابه الخطير، البديع في منزعه: "إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب"، وقد جعله في 99 سؤال، على طريقة القواعد والضوابط، ومهمات المسائل فهو فقه بأصوله العلمية على طريقة الأئمة الكبار، وقد فرغ من تصنيفه في عام 1358 أي من 77 سنة من سنتنا هذه 1436هـ
فأين بلغ الإبداع في التصنيف الفقهي الآن؟ اللهم أكرمنا بأمثال عبد الرحمن السعدي، واجعل فقهنا على منواله.
ويبقى أن الكتاب فيه شيء من الصعوبة لمن لم يسبق له ممارسة الفقه.
ولذا أقترح صناعة كتاب لطيف فقهي مختصر، يراعى فيه جمال العلم، وتحبيبه للطلبة، وسهولة ألفاظه، وتذكر فيه بعض القواعد الفقهية، ويشار إلى الخلاف أحيانا على ندور، ويمكن أن يبتدئ بكتاب الصلاة كما بدأ الإمام مالك في موطئه بباب وقوت الصلاة، ويجعل الكلام عن الطهارة مقتضبا في مهماتها حين الحديث عن شروط الصلاة، التي من ضمنها الطهارة.
ومن الكتب التعليمية التي اقتصرت على المهم للمبتدئ:
كتاب ابن بلبان الحنبلي (ت 1083): مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب والزيادات.
اقتصر فيه على ربع العبادات المأمور بها كل مقيم وباد، وأتبعها بالبيع والسلم لإعانتها المتقي على تحصيل الحلال من المتاع والزاد، وأردفهما بكتاب في الآداب، وختم بكتاب في معرفة الله، وما يجب على المكلفين من الاعتقاد.
وأيضا: منظومة ابن عاشر المالكي (ت1040هـ): المرشد المعين على الضروري من علوم الدين.
اقتصر فيه على أبواب العبادات.
يراجع في هذا: الكتاب الذي لا ينبغي أن تخلو منه مكتبة فقيه (الصياغة الفقهية) للدكتور هيثم الرومي، وفي بطن هذا الكتاب أربعة كتب: (مفهوم الصياغة الفقهية، المصطلح الفقهي، التقنين، النظرية الفقهية).
ويمكن في صناعة الكتاب المبتكر، أن يكون على مرحلتين:
المرحلة الأولى: القواعد الفقهية في أبواب الفقه:
(يدرس فيه جملة من القواعد الكبرى، والضوابط الفقهية المهمة في الفقه بشرط أن تكون سهلة العبارة، وتصاغ داخل الأبواب الفقهية، كل باب تدرج فيه القواعد المناسبة له، ويمكن الإشارة إليها، إذا تجددت مناسباتها).
المرحلة الثانية: صناعة كتاب على طريقة المسائل الفقهية:
الطهارة: (الوضوء والغسل [السبب، الركن، الصفة]، التيمم (السبب، الشرط، الصفة)، الحيض (القدوم، الأحكام، المغادرة).
الصلاة: (الشروط، الأركان، الواجبات، السنن).
الزكاة: (شروطها، أنواعها، مصارفها).
الصيام: (الشروط، المفطرات).
الحج: (الإحرام: واجباته، محظوراته، تحلله).
البيوع: (شروط البيع، الربا والصرف).
النكاح: (شروطه، أركانه، مبطلاته).
وبعد ذلك ينتقل الطالب إلى المتون المشهورة في كل مذهب.
ومن الضروري جدا، وهو من الواجبات المتعينة لمن رزقه الله العلم والبصيرة وحسن التأليف، صناعة مقدمة في آداب المتفقه.
نعم، هناك كثير من الكتب القديمة والعصرية، لكن الظواهر العصرية لطلبة العلم تؤكد أنهم بحاجة إلى محددات واضحة لا لبس فيها، مثلا، عدم إثارة النزاعات والخلافات في المسائل الشائكة التي يحتمل فيها الخلاف، أن التعصب كما هو مذموم لأحد المذاهب فهو مذموما أيضا إذا كان لصالح شيخك الذي تتعصب له ولا فرق، أن التمذهب ضرورة علمية للتفقه لإدراك العلم في كتلة واحدة، وهذا لا يخالف اتباع الدليل، بل إن اتباع الدليل لا يكون إلا لمن كانت له ملكة بإدراك الدليل، كل بحسبه، فقد يدركه كل أحد، وقد لا يدركه إلا خاصة الناس، ومنها تعظيم الحق، والترويض على الاعتذار للخلق إذا كانوا مجتهدين أو متأولين، وأشياء من هذا القبيل.

التواقة للعلا
15-09-08 ||, 06:30 AM
كدت أشك في قدراتي العقلية بسبب كتاب الطهارة !! والغفلة أنني كنت أتخيل نفسي الفاشلة الوحيدة فيه فلم أكن أسمع من يبكي منها غيري كنت أبحث عن صدى لدموعي في هذا الكتاب ..
ولأنني حالة خاصة فلست خريجة معاهد علمية أو مدارس تحفيظ فالمعاناة كانت أضعافا مضاعفة ولي فيه أقاصيص أشبه بالجنون يضحكن مني رفيقات الطلب كله من أجل ضبط هذا الكتاب ..
أستطيع أن أشخص صعوبة المسائل فيه حداثة عقل الطالب بالفقه والأصول فهو كمن يلقى في البحر ولا نعلمه السباحة ..قد لا أبالغ إن قلت أنه أشبه بالمقدمة المنطقية في الأصول وشتان بين كتاب الجنايات والطهارة فالجنايات أسهل لأن عقل الطالب يكون نمى وتدرب وتمرس..
ومما يزيده تعقيدا تلك الترجيحات المتضاربة بين أستاذ الفقه وأستاذ الحديث !! ألم يأن الأوان لحل هذا الإشكال ؟!
وأيضا عدم مصارحة الطالب بصعوبته ورسم صورة ذهنية في مخيلته بأنه أسهل أبواب الفقه هنا تكون جلطة لطالب الفقه : أسهل الأبواب وأتعثر فكيف سألقى المعاملات؟!
أما الدعوة للتجديد في التأليف الفقهي فأضم صوتي لصوت الدكتور وعسى الله أن يهيئ له من يتبناه ..
والحل العملي حاليا أن يطبق الطالب هذه الأفكار التأليفية مع نفسه ! فمثلا يضع المقرر أسئلة وأجوبة ويمكن أن يصنع لنفسه (لا ينشر حتما) ملخصا فيه الأفكار التأليفية المذكورة ..
الطالب الذي يعول على شيخه لن يحصل غالبا .. كما يقول الشاطبي : وزاحم بالذكاء لتفضلا ..