المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجالات تجديد علم أصول الفقه الإسلامي



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-01-22 ||, 03:41 AM
مجالات تجديد علم أصول الفقه الإسلامي


عمـر مبـركـي
خريج دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليا



يعد علم أصول الفقه من الخواص التي امتازت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم، وشاهد أصيل على نضج عقليتها، ونبوغها المعرفي. وقد ظل هذا العلم يؤدي وظيفته الاجتهادية التي من أجلها وُجد – أي إمداد المجتهد بأدوات وطرق استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية – ة هذا التجديد، في أفق تخليصه مما هو فيهإلى أن بدأ يفقد وظائفه رويدا رويدا حتى تردى في درك الانحطاط والتقليد والاجترار، فانحصرت موضوعاته في دائرة الملخصات والمتون والحواشي، فأصبح بذلك مقطوع الصلة بوظيفته الاجتهادية.

وقد تعالت الدعوات في الآونة الاخيرة، منادية بضرورة إخراج هذا العلم مما هو عليه من ركود وانحطاط، فبرزت الدعوة إلى تجديد علم أصول الفقه.

وإذا كان الباحثون والدارسون قد أطبقوا - إلا قلة منهم – على ضرور من ركود وانحطاط، إلا أنهم اختلفوا في طريقة هذا التجديد بين داع إلى تجديده على مستوى الشكل، وداع إلى إعادة النظر في مضامينه وأسسه، وعناصره المرجعية. فكانت بذلك مشاريع التجديد المقدمة مترواحة بين مشاريع ركزت على جانب الشكل، وأخرى على جانب المضمون والجوهر.

أولا:تجديد شكل الدرس الأصولي
مافتئ غالبية المؤلفين المحدثين الذين كتبوا في هذا العلم، يذكرون أن الغرض من تآليفهم، هو تقديم المادة الأصولية للطلاب والقراء بأسلوب واضح وبسيط، يدفعهم إلى ذلك ماوجده طلابهم في كتب الأقدمين من صعوبة في اللفظ، وإغلاق في العبارات، زيادة على التداخل في الأبواب والمباحث.

قال الشيخ الخضري بك واصفا حال تلك التصانيف الأصولية القديمة "هذه الكتب التي عنيت بأن تجمع كل شيء استعملت الإيجاز في عباراتها حتى خرجت إلى حد الألغاز، وتكاد تكون لاعربية المبنى، وأدخلها في ذلك كتاب التحرير لابن الهمام، لأنك إذا جردته من شروحه وحاولت أن تفهم مراد قائله، فكأنما تحاول فتح العميات. ومن الغريب أنك إذا حاولت أن تنظر فيه شروح ابن الحاجب، ثم عدت إليه وجدته قد أخذ عباراتهم فأدمجها دمجا وأدخل بوزنها حتى اضطربت العبارة واستغلقت. وأما جمع الجوامع فهو عبارة عن الأقاويل المختلفة بعبارة لا تفيد قارئا ولا سامعا، وهو مع ذلك خلو من الإستدلال على مايقرره من القواعد"1.

هذا هو حال بعض التصانيف الأصولية القديمة: إغلاق في العبارات، وحشو لأمور لا تمت لعلم الأصول بصلة. ولعل هذا ما حدا بثلة من العلماء إلى حمل لواء تجديد شكل الدرس الأصولي مركزين على جانبين: تمثل الأول في تأليف متون أصولية مرتبة ومنظمة على وفاق المنهج الحديث في التأليف، الذي يركز على الوضوح في التبويب، والبساطة في تركيب الموضوعات. أما الثاني فتجلى في الحرص على إستبعاد الدخيل في الأصول من منطق ، وفلسفة، وفروع، وعلم كلام، إلا ما ثبتت حاجة علم الأصول إليه.

ويمكن التفصيل في هذين الجانبين على النحو التالي:

أ – تجديد التبويب والتصنيف: لقد برزت مبادرات كثيرة في هذا المجال، كان أغلب مقترحيها أساتذة بالجامعات والمدارس. إذ لما لاحظوا عزوف طلابهم عن الإحتكاك بالمصادر الأصولية القديمة، إما لضعف فيهم، أو لأمر في تلك الكتب كالصعوبة والتعقيد، إلتجأوا إلى تصنيف مذكرات تكون في مستوى الطلاب.

من هؤلاء الدكتور محمد مصطفى شلبي، الذي واجهته عقبة مستوى طلاب الحقوق فألف لهم كتاب "أصول الفقه الإسلامي"2 ومنهم كذلك الشيخ عبد الوهاب خلاف الذي ألف كتاب "علم أصول الفقه"، قاصدا من ورائه إحياء هذا العلم، وإلقاء الضوء على بحوثه، مراعيا في عباراته الإيجاز والإيضاح، وفي بحوثه وموضوعاته الاقتصار على ما تمس الحاجة إليه في استمداد الأحكام من مصادره وفهم الأحكام القانونية من موادها... 3

ولمثل هذا الأسباب أيضا، ألف الشيخ محمد الخضري بك كتابه "أصول الفقه"، يقول في مقدمة كتابه:"وفي سنة 1905، كلفت أن أملي دروسا على طلبة "غرودون" الذين يدربون ليكونوا قضاة بمحاكم السودان الشرعية..وهنا خطر ببالي أن أجمع ما أمليته ليكون كتابا نخرجه للناس حتى يستفيد منه من أحب"4.

ولم يخرج ما قام به وهبة الزحيلي في كتابه "أصول الفقه" من محاولة تجديدية في جانب الشكل عما قام به معاصروه، فقد كانت غايتهم واحدة، وهدفهم واحد هو تيسير علم الأصول5.

ويجب التنويه هنا، بالمحاولة المدرسية الجادة للمصنف اليمني " أحمد بن الوزير" في كتابه "المصفى في أصول الفقه"، فقد بذل جهدا ضخما في سبيل تقديم المادة الأصولية للتلاميذ في صورة سهلة قريبة، مما سيمكن من دراسة الأصول دراسة نافعة"6.

وقد ألزم ابن الوزير نفسه في هذا المؤلف، بمسائل منهجية انصب كثير منها في تجديد الشكل، دون أن يغمط المضمون حقه من التجديد.

ومن المحاولات الجديدة في هذا الباب، ما اقترحه أخيرا الدكتور علي جمعة، فقد دعا إلى كتابة متن أصولي تتوفر فيه السمات الآتية:

- صياغته (أي المتن المقترح) بصورة تساعد على التشغيل، وأن يشمل القواعد الفنية أو الصناعية، على حد تعبير ابن رشد.

- أن لايقف عند حد الضروري الذي نادى به ابن رشد، إذ أن فكرة الضروري تقف عند حد تقديم الجمل النافعة للمتعلم عند شروعه في الصناعة، كما صرح ابن رشد...7

ب- تنقية علم الأصول من الدخيل: فطن الإمام الشاطبي مبكرا إلى أهمية تنقية علم أصول الفقه، وتصفيته من الموضوعات الدخيلة عليه. فهي موضوعات لاتفيد، بقدر ما تثقل كاهل هذا العلم، ومن ثم صرف همم الطلاب عنه. وهكذا قرر الشاطبي"أن كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية. والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له ومحققا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس له أصل. ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انبنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه، وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من أصول الفقه"8.

وقد تلقى المصنفون حديثا في علم أصول الفقه، دعوة الإمام الشاطبي بكثير من القبول، ووجدت لديهم صدى طيبا، فعمدوا إلى تطبيق فحواها في مصنفاتهم.فهاهو ابن الوزير – مثلا– يلزم نفسه في كتابه "المصفى في أصول الفقه" ب"تصفية الأصول من الدخيل الذي لا فائدة فيه للطلاب"، ثم فصل رحمه الله في بيان المسائل الدخيلة في هذا العلم، وتمثلت –من وجهة نظره– في:

- مسائل الفروع:أي أن الأصوليين يطيلون في إيراد المسائل الشرعية في مؤلفاتهم الأصولية "فترى الطالب يخرج من النظريات الأصولية إلى مسائل فرعية فقهية، ثم لا تسمع في البحث الأصولي إلا هذه العبارة (وعند أصحابنا) أو (مذهبنا) كأنه فروع لا أصول"9.

- المسائل الفلسفية:"مثل كلامهم عن ماهي حقيقة العلم..ومثل هذا كثير في التعاريف مثل:تعريف الوضع والعام والخاص مما لاجدوى للأصولي إلا ضياع الوقت"10.

- مسائل الفضول لا الأصول:وهي تلك المسائل التي طال فيها الكلام دون أن يحصل الأصولي أي جدوى منها، مثل:مسألة واضع اللغة، ومسألة ما لايتم الواجب إلا به في الأمر المطلق، ومسألة الخلاف في لفظ (أمر) ذلك الخلاف الطويل العريض بلا فائدة.."11.

أما الدكتور علي جمعة، فقد كان من جملة ما اقترحه ضرورة أن "يخلى النموذج – المتن الأصولي المقترح – مما لا ثمرة تحته، أو مما لا يستعمل في الفروع، أو مما ليس من الأصول أصلا"12.

ثانيا: تجديد جوهر الدرس الأصولي
مامن شك في أن تجديد شكل الدرس الأصولي مسألة مهمة، لما قد يحققه من تيسير لهذا العلم وتقريبه لشريحة واسعة من الطلاب والقراء. إلا أن كثيرا من المشتغلين بهذا الدرس، غير مقتنعين بكفاية تجديد شكل هذا الدرس. فراحو يقدمون مبادرات تصب في إعادة النظر في بعض مضامينه، إما بالإضافة والتطوير أحيانا، أو بالتغيير أحايين أخرى.

وإذا كانت الأفكار المقدمة على هذا المستوى كثيرة يتعذر حصرها، إلا أنها في المجمل تصب في المحاور الآتية:

أ – التمكين لمقاصد الشريعة: ركزت الدعوات التجديدية في هذا المضمار، على أمرين هما: - الدعوة إلى جعل مقاصد الشريعة من مباحث أصول الفقه الضرورية، مع مراعاتها سواء عند البحث في النوازل المستجدة، أو عند فهم النصوص الشرعية.

- إعادة النظر في "التصور التقليدي" لمقاصد الشريعة، لأنه لم يعد قادرا على مواكبة العصر الذي نعيش فيه، بما يعرفه من مستجدات ومتغيرات، وتعقيدات.

وسعيا لبناء مقاصد جديدة تتجاوز سلبيات التصور المشار إليه، دعا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلى تأسيس علم جديد هو:"علم مقاصد الشريعة"13، كما سطر الدكتور طه جابر العلواني تقسيما مبتكرا للمقاصد الشرعية بناه على أساس مجموعة من المبادئ والقيم العلي14.أما الدكتور جمال الدين عطية فقد جزم بأن هذا العلم بحاجة إلى تفعيل، بنفس القدر الذي هو بحاجة إلى التغيير والتجدي15.

ب – تقنين أصول الفقه: من المبادرات التجديدية التي همت جوهر أصول الفقه ومضامينه، محاولة الدكتور "محمد زكي عبد البر"، الذي دعا إلى تقنين هذا العلم عن طريق تحويله إلى مجموعة بنود مقننة على شاكلة المواد القانونية.

ولقد لخص المؤلف منهجه في تقنين هذا العلم في ما يلي16:

- تصدير كل باب وفصل بمذكرة إيضاحية تبين موضوعه وترتيبه واتجاه القول فيه عموما.

- صياغة المسألة – قيد الدرس – تحت عنوان "المادة" بعبارة دقيقة مختصرة جامعة لرأي العلماء، على رأسهم المذهب الحنفي.

- تذييل كل مادة بمذكرة إيضاحية تسرد فيها الأقوال المختلفة في الموضوع دون ذكر الأدلة والحجج.

ج – إعتماد اللغة المنطقية في أصول الفقه: تركز هذه الدعوة على ضرورة إعتماد اللغة الرمزية المنطقية بدل اللغة العادية، لتقديم مواد هذا العلم، ومن الذين حملوا لواء هذه الدعوة الدكتور عادل فاخوري17 والدكتور طه عبد الرحمن18.

د – تجديد وتطوير المناهج الأصولية: تتأسس هذه المبادرة على رصد القصور الحاصل في علم أصول الفقه، هذا العلم الذي لم يعد قادرا على الوفاء بحاجات أمتنا المعاصرة حق الوفاء، فهو مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها وبطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه إليها البحث الفقهي19. ولا حل لهذه الوضعية – في نظر أصحاب هذه المبادرة- إلا بإعادة النظر في بعض المناهج الأصولية التقليدية، في أفق توسيعها وتطويرها حتى تكون قادرة على استيعاب كل جوانب الحياة الحديثة.

الهوامش:
----------

1. أصول الفقه لمحمد الخضري بك، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، الطبعة الرابعة، ص:10

2. أصول الفقه الإسلامي، للدكتور محمد مصطفى شلبي، الدار الجامعية بيروت، الطبعة الرابعة 1403 هـ/1983م.

3. علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف، نشر دار القلم، الطبعة الثامنة، ص:5.

4. أصول الفقه للشيخ الخضري بك، ص:13.

5. ينظر أصول الفقه لوهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت 1996، ص:10.

6. ينظر المصفى في أصول الفقه لابن الوزير، الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996م، دار الفكر المعاصر- بيروت، ص:31.

7. آليات الإجتهاد للدكتور علي جمعة، دار الرسالة – القاهرة، الطبعة الأولى 1425 هـ - 2004م، ص:67.

8. الموافقات في أصول الأحكام للإمام الشاطبي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ص:1/18.

9. المصفى في أصول الفقه لابن الوزير، ص:36.

10. نفسه، ص:37.

11. نفسه، ص:38.

12. آليات الإجتهاد للدكتور علي جمعة، ص:67.

13. مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، الطبعة الاولى، 1418هـ - 1998م، دار البصائر للإنتاج العلمي، ص:111.

14. ينظر ذلك في آفاق التجديد (سلسلة):عدد خاص بمقاصد الشريعة، الطبعة الأولى، دار الفكر المعاصر – بيروت، ص:80.

15. ينظر نحو تفعيل مقاصد الشريعة لجمال الدين عطية، دار الفكر دمشق، بالإشتراك مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2001.

16. تقنين أصول الفقه لمحمد زكي عبد البر، مكتبة دار التراث – القاهرة، الطبعة الأولى 1989م، ص:10.

17. ينظر الرسالة الرمزية لعادل فاخوري، دار الطليعة – بيروت، الطبعة الثانية، غشت 1990.

18. ينظرمشروعية علم المنطق للدكتور طه عبد الرحمن، مجلة المناظرة، العدد الأول 1989م.

19. تجديد اصول الفقه الإسلامي للدكتور حسن عبد الله الترابي، مكتبة دار الفكر الخرطوم، الطبعة الأولى 1980م، ص:12.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-01-03 ||, 12:28 PM
بارك الله فيكم.

سلوى
11-01-03 ||, 01:57 PM
مجالات تجديد علم أصول الفقه الإسلامي
د – تجديد وتطوير المناهج الأصولية: تتأسس هذه المبادرة على رصد القصور الحاصل في علم أصول الفقه، هذا العلم الذي لم يعد قادرا على الوفاء بحاجات أمتنا المعاصرة حق الوفاء، فهو مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها وبطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه إليها البحث الفقهي19. ولا حل لهذه الوضعية – في نظر أصحاب هذه المبادرة- إلا بإعادة النظر في بعض المناهج الأصولية التقليدية، في أفق توسيعها وتطويرها حتى تكون قادرة على استيعاب كل جوانب الحياة الحديثة.

.


لا أوافق الأخ الفاضل فيما نقله وذهب إليه من أن هنالك قصور في المنهج فالمنهج لا غبار عليه ولكن القصور والعجز في العقلية الذهنية التي عجزت عن فهمه وتطبيقه ليتوافق مع عصرنا، العيب في ملكاتنا العقلية التي لم تعد تستوعبه قد يقول قائل إنها هبة من الله عز وجل، صحيح أنها وهبة من الله عز وجل لكن يمكن أيضاً أن تنمى وتحصل بالممارسة وقد ذكر الشاطبي نصيحة قيمة (فمن لها) فقد قال: إنّما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة، وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن.
كيف نأمل في فهم وتطبيق المناهج الأصولية التقليدية، ونحن قد ألفنا الكسل والدعة وتركنا الاجتهاد والنظر في الأصول إلا من رحم ربي، وصارت الغالبية منا توجه جهودها لشرح وترتيب أقوال أئمة أصول الفقه، ووضع حواشي عليها ثم شرح هذه الحواشي بدون أن تضع عليها لمساتها العقلية فقط قص ولصق. في رأيي أن ما يحتاج لإعادة النظر فعلاً هو المنهج التعليمي للمواد الشرعية وتأهيل طلبة وكليات الشريعة والله المستعان فالموضوع متشعب ذو شجون.

ناصر صالح الوبيري
11-03-27 ||, 06:16 PM
جُزيتَ خيراً على ما كتبته.

لكنَّ الحقيقةَ أنَّ كثيرين ممن يكتبون حول التجديد في أصول الفقه ينطلقون من قضايا وإن بَدت أنها جوهرية، إلا أنها في المآل ترتكز على الشكليَّات.