المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رأي ابن تيمية في مصطلح التكليف



عبد الرحيم خويتم السلمي
15-11-26 ||, 08:23 AM
يقول ابن تيمية – رحمه الله -: لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح أنَّه تكليف كما يُطلق ذلك كثيرٌ من المتكلمة والمتفقهة؛ وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي؛ كقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [البقرة: 286] {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233]{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] أي : وإنْ وقع في الأمر تكليف؛ فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنَّه يسمي جميع الشريعة تكليفاً، مع أنَّ غالبها قرة العيون وسرور القلوب؛ ولذات الأرواح وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبداً قال الله تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].
وقال : ( واعلم أنَّ هذا الوجه مبني على أصلين:
أحدهما : على أنَّ نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن؛ لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: أن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار؛ أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم؛ فإنَّه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس - والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ} [التوبة: 120]الآية، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: ( أجرك على قدر نصبك ) - فليس ذلك هو المقصود الأوَّل بالأمر الشرعي، وإنما وقع ضمناً وتبعاً لأسباب ليس هذا موضعها، وهذا يفسر في موضعه ).
انظر : مجموع الفتاوى (1/ 25- 26 ).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-11-26 ||, 09:13 AM
فائدة جليلة، بارك الله فيكم، وجزاكم خيراً على هذا النقل الموفق ...

عبدالله بن عيسى بن عبدالله
15-11-26 ||, 01:01 PM
بارك الله فيك فهذا مبحث مهم حيث يذكركثير من الأصوليين عند تعريف الخطاب الشرعي بأنه طلب أو إلزام ما فيه كلفة وهذا -أي كلام شيخ الإسلام- كالتعقب عليهم إبطالا لكلامهم وأظن أن المسألة مذكورة في المسائل المشتركة... للعروسي والله أعلى وأعلم

د. بدر بن إبراهيم المهوس
15-11-26 ||, 01:49 PM
بارك الله فيكم يا شيخ عبد الرحيم
يظهر لي والله أعلم أن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في إطلاق مصطلح التكليف ليس على سبيل المنع بل على سبيل التفضيل بدليل إطلاقه هذه المصطلح في مواضع كثيرة من كتبه ، ثم إن سياق كلام ابن تيمية في النص الثاني ليس مراداً به منع استعمال المصطلح بل ذلك كان على سبيل الرد على من اعتقد أن المقصد من الأوامر والنواهي المشقة والابتلاء والاختبار لا العبودية واحتياج المخلوق لله عز وجل في قلبه وروحه وجسده ، وذلك أن الأوامر والنواهي فيها لذة الأرواح وسرور القلوب وقرة العيون وكمال النعيم فينبغي فهم كلام شيخ الإسلام وفق هذا السياق .
وغير خاف على مثل شيخ الإسلام ابن تيمية - وقد ذكره في مواضع - قول الصحابة رضي الله عنهم - لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) - : أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها ..." رواه مسلم

أم هبة الله
15-11-26 ||, 09:37 PM
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد:

أولا: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مصطلح التكليف في كتابه الحسبة ص (26) فقال:

شُرُوطُ الْمُحْتَسِبِ :
اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ شُرُوطًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا , وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:



...التَّكْلِيفُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَة
وَمَشَقَّةٌ وَشَرْطُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى فَهْمِ الْخِطَابِ , وَصَلَاحِيَةِ الْمُكَلَّفِ لِصُدُورِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا , وَدِعَامَتُهُ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ أَدَاةُ الْفَهْمِ , وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْلًا لِلدِّينِ وَلِلدُّنْيَا فَأَوْجَبَ التَّكْلِيفَ بِكَمَالِهِ. فَالتَّكْلِيفُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الِاحْتِسَابِ وَتُوَلِّي وِلَايَتِهَا , أَمَّا مُجَرَّدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ وَلَا يَلْزَمُهُ فِعْلُ ذَلِكَ , أَمَّا إمْكَانُ الْفِعْلِ وَجَوَازُهُ فِي حَقِّهِ فَلَا يَسْتَدْعِي إلَّا الْعَقْلَ فَإِذَا عَقَلَ الْقُرْبَةَ وَعَرَفَ الْمُنَاكِرَ وَطَرِيقَ التَّغْيِيرِ فَتَبَرَّعَ بِهِ كَانَ مِنْهُ صَحِيحًا سَائِغًا , فَلَهُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ , وَلَهُ أَنْ يُرِيقَ الْخَمْرَ , وَكَسْرُ الْمَلَاهِي , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ نَالَ بِهِ ثَوَابًا , وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، فَإِنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا كَالصَّلَاةِ وَالْإِمَامَةِ وَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ , وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوِلَايَاتِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ التَّكْلِيفُ , وَلِذَلِكَ جَازَ لِآحَادِ النَّاسِ فِعْلُهُ وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ , وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ وِلَايَةٍ وَسَلْطَنَةٍ , وَلَكِنَّهَا تُسْتَفَادُ بِمُجَرَّدِ الْإِيمَانِ كَقَتْلِ الْمُحَارِبِ , وَإِبْطَالِ أَسْبَابِهِ , وَسَلْبِ أَسْلِحَتِهِ فَإِنَّهُ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ , فَالْمَنْعُ مِنْ الْفِسْقِ كَالْمَنْعِ مِنْ الْكُفْرِ...انتهى.

ثانيا: بعد تتبع قوله الذي ذكرتم وجدت أنّه رحمه الله قد أبان عن مقصده من قوله الذي نقلتموه بقوله في مجموع الفتاوي (293/8):

ومن حكى من أهل الكلام عن أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن العبد ليس قادرا على غير ما فعل الذي هو خلاف المعلوم فإنه - مخطئ فيما نقله عنهم من نفي القدرة مطلقا وهو مصيب فيما نقله عنهم من نفي القدرة التي اختص بها الفاعل دون التارك وهذا من أصول نزاعهم في جواز تكليف ما لا يطاق. فإن من يقول الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فالتارك لا استطاعة له بحال يقول: إن كل من عصى الله فقد كلفه الله ما لا يطيقه كما قد يقولون: إن جميع العباد كلفوا ما لا يطيقون. ومن يقول: إن استطاعة الفعل هي استطاعة الترك يقول: إن العباد لم يكلفوا إلا بما هم مستوون في طاقته وقدرته واستطاعته؛ لا يختص الفاعل دون التارك باستطاعة خاصة فإطلاق القول بأن العبد كلف بما لا يطيقه كإطلاق القول بأنه مجبور على أفعاله
- إذ سلب القدرة في المأمور نظير إثبات الجبر في المحظور - وإطلاق القول بأن العبد قادر مستطيع على خلاف معلوم الله ومقدوره. وسلف الأمة وأئمتها ينكرون هذه الإطلاقات كلها لا سيما كل واحد من طرفي النفي والإثبات على باطل وإن كان فيه حق أيضا؛ بل الواجب إطلاق العبارات الحسنة وهي المأثورة التي جاءت بها النصوص والتفصيل في العبارات المجملة المشتبهة وكذلك الواجب نظير ذلك في سائر أبواب أصول الدين أن يجعل ما يثبت بكلام الله عز وجل ورسوله وإجماع سلف الأمة هي النص المحكم، وتجعل العبارات المحدثة المتقابلة بالنفي والإثبات المشتملة في كل من الطرفين في حق وباطل من باب المجمل المشتبه المحتاج إلى تفصيل الممنوع من إطلاق طرفيه. وقد كتبنا في غير هذا الموضع ما قاله الأوزاعي وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل؛ وغيرهم من الأئمة من كراهة إطلاق الجبر ومن منع إطلاق نفيه أيضا.
وكذلك أيضا
: القول بتكليف ما لا يطاق لم تطلق الأئمة فيه واحدا من الطرفين. انتهى.

وغاية ما في الأمر -كما ظهر لي- ليس المنع من استخدام مصطلح "التكليف" وإنّما استبداله بغيره من المصطلحات التوقيفية لأنّ القدرية والجهمية والروافض استخدموه في غير ما وضع له ابتداء وهو ما عبّر عنه بقوله: وسلف الأمة وأئمتها ينكرون هذه الإطلاقات كلها لا سيما كل واحد من طرفي النفي والإثبات على باطل وإن كان فيه حق أيضا؛ بل الواجب إطلاق العبارات الحسنة وهي المأثورة التي جاءت بها النصوص والتفصيل في العبارات المجملة المشتبهة

وغاية ما في النهي عن استخدام المصطلح إنما هو خلاف الأولى والأفضل ولا مشاحة في الاصطلاح..والله أعلم.

عبد الرحيم خويتم السلمي
15-11-29 ||, 07:56 AM
جزاكم الله خيراً جميعاً ..
والذي يظهر - كما ذكر الشيخ بدر - أنه على سبيل التفضيل أو أنه ينتقد المعنى الذي يذكره المتكلمون وإن كان يقر لفظ التكليف . والله أعلم