المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إبطال التقليد



كامل محمد عامر
16-04-14 ||, 11:00 PM
من وحى أهل الحديث


إبطال التقليد




إعداد

دكتور كامل محمد عامر







مختصر بتصرف من كتاب



الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام



تأليف

العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني









1435هـ ــــ 2014م



(الطبعة الأولي)
التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة فيخرج العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بالإجماع ورجوع العامي إلى المفتي ورجوع القاضي إلى شهادة العدول فإنها قد قامت الحجة في ذلك . وقد أفادنا هذا النص الأصولي أمرين هامين :

الأول : أن التقليد ليس بعلم نافع.
والآخر : أنه وظيفة العامي الجاهل.
أما أن التقليد ليس بعلم فلأن الله تعالى قد ذمه في غير ما آية في القرآن الكريم فقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" [صحيح وضعيف سنن الترمذي (7/ 95) تحقيق الألباني :حسن]
وقال عز وجل : {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } [الزخرف: 23] وقال جل وعز عائبا لأهل الكفر وذاماً لهم : { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } [الأنبياء: 52، 53] . ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء .
جواز التقليد للعاجز عن معرفة الدليل
قد يقول قائل : ليس كل أحد يستطيع أن يكون عالما فيقال : نعم هو كذلك ولكن من الذي ينازع في ذلك والله عز وجل يقول : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل: 43] ويقول تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [الفرقان : 59] وقال صلى الله عليه وآله وسلم لمن أفتوا بجهل : " ألا سألوا حين جهلوا فإنما شفاء العي السؤال " [صحيح وضعيف سنن أبي داود (1/ 336) تحقيق الألباني :حسن] وقال ابن عبد البر عقب حديثه عن ذم التقليد : " وهذا كله لغير العامة فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها. ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله عز وجل : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل: 43] وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بمعرفته بالقبلة إذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه وكذلك لم يختلف العلماء أنه لا يجوز للعامة الفتيا " قال الالبانى رحمه الله:" الحق أن يقال : إن من عجز عن معرفة الدليل فهو الذي يجب عليه التقليد . ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها كما أن العالم نفسه قد يضطر أحيانا إلى التقليد في بعض المسائل حين لا يظفر فيها بنص عن الله ورسوله ولم يجد فيها سوى قول من هو أعلم منه فيقلده اضطرارا
كما صنع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في بعض المسائل ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " إن التقليد إنما يباح للمضطر وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عدل إلى الميتة مع مقدرته على المذكى فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل فجعل المقلدة حال الضرورة رأس أموالهم "
محاربة المذهبيين للاجتهاد وإيجابهم التقليد على كل أحد
إن موقف جماهير المشايخ المقلدين منذ عصور موقف غريب جدا لأنهم في الوقت الذي يدعون أنهم ليسوا أهلا للرجوع إلى الكتاب والسنة في فهم الأحكام وأن عليهم أن يقلدوا الأئمة تراهم لا يرضون أن ينسبوا إلى الجهل وهو مقتضى أقوال علمائهم بل نراهم قد خرجوا عن تقليدهم في كثير من أصولهم وجاؤوا بقواعد من عندهم - وما كان لهم ذلك وهم يدعون التقليد - ولا سيما وهي مخالفة لنصوص الكتاب والسنة وهم إنما جاؤوا بها ليفرضوا على أنفسهم تقليد الأئمة في فروعهم خلافا لأوامرهم السابقة الذكر فقد ادعوا " أن المجتهد المطلق قد فقد" واشتهر عندهم أن باب الاجتهاد قد أغلق بعد القرن الرابع الهجري وقد ذكر نحوه ابن عابدين في حاشيته وبذلك منعوا المسلمين من التفقه بالكتاب والسنة وأوجبوا عليهم التقليد لأحد الأئمة الأربعة وأكدوا ذلك وأحكموه بقول أبي الحسن الكرخي : " كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ " ولذلك فمهما جئتهم بآية أو حديث استجازوا لأنفسهم رد ذلك فورا دون أن يفكروا في دلالتهما وهل هما فعلا مخالفان للمذهب وأجابوك بقولهم : " أأنت أعلم أم المذهب ؟ "
مخالفة المذهبيين لأئمتهم في التعصب لهم وفرض تقليدهم
إنهم بمثل هذه القواعد التي ابتدعوها على خلاف ما أوصاهم به أئمتهم قد مكنوا للتقليد في صدورهم وصدور طلبة العلم كلهم وصدُّوهم بذلك عن التفقه بالكتاب والسنة وصار الفقه في عرفهم هو فهم أقوال العلماء الواردة في كتبهم ثم لم يقنعوا بهذا كله بل دعوا إلى التعصب للمذهب بمثل قول بعضهم : " إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا ؟ قلنا وجوبا : مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب وإذا سئلنا عن معتقدنا ومعتقد خصومنا قلنا وجوبا : الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا " ( تاريخ التشريع الإسلامي للعلامة الخضري ( ص 332 ) . ومع أن هذه الأقوال ونحوها مما لم نذكره لم يقل بها أحد من الأئمة المتبوعين بل هم أعلم وأتقى لله تعالى من أن يتفوهوا بها فهي ظاهرة البطلان من وجهين :
الأول : أنها مخالفة للكتاب والسنة في نصوصهما الكثيرة التي تأمر بأن لا يقول الإنسلن إلا بعلم كقوله تعالى : {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] وقد علمت أن العلم الحق إنما هو ما جاء في القرآن والسنة.
والآخر : أنهم يدعون التقليد والمقلد حجته قول إمامه كما هو معروف من كتبهم فأين ذلك في كلام إمامهم ؟ وحاشاهم من ذلك
واجب الشباب المسلم المثقف اليوم
ليس المطلوب أن تكونوا جميعا أئمة مجتهدين وفقهاء محققين
إذ أن ذلك غير ممكن عادة لضرورة اختلاف الاختصاصات وتعاون المتخصصين بعضهم مع بعض وإنما المطلوب أمرين اثنين :
الأول : أن تنتبهوا لأمر خفي على كثير من الشباب اليوم ألا وهو التدين بالتقليد ورد نصوص الكتاب والسنة والله عز وجل يقول : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [النور: 51]
الأمر الآخر : أن تحققوا في نفوسكم مرتبة واجبة ممكنة ميسرة لكل مسلم ولو بقدر وهي دون مرتبة الاجتهاد والتحقيق وهي مرتبة اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإفراده بذلك كل حسب طاقته فكما أنكم توحدون الله تعالى في عبادتكم فكذلك تفردون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اتباعكم فوطنوا أنفسكم على أن تؤمنوا بكل حديث ثبت لديكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تتبنوا قاعدة من تلك القواعد التي وضعت بآراء بعض الرجال واجتهاداتهم وهم غير مجتهدين فيصدكم ذلك عن الاتباع . ولا تقلدوا بشرا مهما علا أو سما تؤثرون قوله على قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن بلغتموه { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال: 24].