المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكثرة والقلة وأثرهما في مسائل أصول الفقه للشيخ وليد العجاجي



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-08 ||, 09:01 PM
الكثرة والقلة وأثرهما في مسائل أصول الفقه

الباحث: الشيخ وليد بن إبراهيم بن علي العجاجي نوع الدراسة: PHD معد الملخص: عبدالعزيز بن حمد الداوود البلد: المملكة العربية السعودية الجامعة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الكلية: كلية الشريعة المشرف: أ.د فهد بن محمد السدحان العام: 1428هـ - 1429هـ تاريخ الإضافة: 24/07/2008 ميلادي - 20/7/1429 هجري عدد الزيارات: 240
ملخص الرسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

الكثرة والقلة وأثرهما في مسائل أصول الفقه


وتقع في ثلاث مجلدات كبار، وعدد صفحاتها أكثر من 1400 صفحة.
وقد قام الباحث في جمع هذه المسائل وترتيبها في ضوء الخطة التالية:
مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة.
المقدمة.
التمهيد في: ورود الكثرة والقلة في نصوص الشريعة.

الباب الأول: حقيقة الكثرة والقلة، وأحكامهما العامة، وفيه فصلان:
الفصل الأول: حقيقة الكثرة والقلة، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الكثرة والقلة.
المبحث الثاني: الألفاظ ذات الصلة بهما، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الألفاظ ذات الصلة بالكثرة:
وهي: الغلبة، الاستفاضة والاشتهار، الدوام والاستمرار، التكرار والتعدد.
المطلب الثاني: الألفاظ ذات الصلة بالقلة:
وهي: اليُسر، الشذوذ، الندرة.

المبحث الثالث: صيغ الكثرة والقلة.
المبحث الرابع: ضابط الكثرة والقلة.
المبحث الخامس: أقسام الكثرة والقلة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أقسامهما من حيث ذاتهما.
المطلب الثاني: أقسامهما من حيث الحصر وعدمه.

الفصل الثاني: الأحكام العامة للكثرة والقلة، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: اعتبار الكثرة والقلة.
المبحث الثاني: دلالة الكثرة والقلة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دلالتهما من حيث القطع والظن.
المطلب الثاني: دلالتهما من حيث المفهوم والمنطوق.

المبحث الثالث: تفاوت الأحكام الشرعية بحسب الكثرة والقلة.
المبحث الرابع: التفريق بالكثرة والقلة.
المبحث الخامس: اعتبار كثرة الوقوع أو قلته في الاستدلال.
المبحث السادس: تعارض الكثير والقليل.

الباب الثاني: أثر الكثرة والقلة في مسائل الأدلة الشرعية، وفيه فصلان:
الفصل الأول: أثر الكثرة والقلة في مسائل الأدلة المتفق عليها، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أثر الكثرة والقلة في مسائل الكتاب، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: القراءة المتواترة.
المطلب الثاني: القراءة الآحادية.

المبحث الثاني: أثر الكثرة والقلة في مسائل السنة، وفيه اثنا عشر مطلباً:
المطلب الأول: أثر كثرة العدد وقلته في تقسيم الخبر إلى متواتر، ومستفيض، وآحاد.
المطلب الثاني: أثر كثرة الرواة وقلتهم فيما تتوافر الدواعي على نقله.
المطلب الثالث: أثر تصديق الجمع الكثير للراوي في قبول روايته.
المطلب الرابع: أثر الكثرة والقلة في قبول الجرح والتعديل.
المطلب الخامس: أثر قلة رواية الراوي في قبول روايته.
المطلب السادس: أثر كثرة غلط الراوي وقلتها في قبول روايته.
المطلب السابع: أثر كثرة إسقاط الرواة وقلته في الإسناد.
المطلب الثامن: أثر كثرة تدليس الراوي في قبول روايته.
المطلب التاسع: أثر الكثرة والقلة في صحة التقرير.
المطلب العاشر: أثر تلقي الأمة الخبر بالقبول في الرواية.
المطلب الحادي عشر: أثر مخالفة الأكثر في رد الخبر.
المطلب الثاني عشر: أثر كثرة المتابعات والشواهد في تقوية الخبر.

المبحث الثالث: أثر الكثرة والقلة في مسائل الإجماع، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: أثر كثرة عدد المجتهدين في اختصاص الإجماع بعصر الصحابة.
المطلب الثاني: اثر كثرة عدد نقلة الإجماع في ثبوته.
المطلب الثالث: أثر مخالفة القلة في منع انعقاد الإجماع.
المطلب الرابع: أثر كثرة عدد المجتهدين في انعقاد الإجماع.
المطلب الخامس: أثر الكثرة والقلة في اشتراط انقراض المجمعين في حجية الإجماع.
المطلب السادس: أثر كثرة عدد المجمعين في مستند الإجماع.
المطلب السابع: أثر الكثرة والقلة في حجية الإجماع السكوتي.

المبحث الرابع: أثر قلة النصوص في الأخذ بالقياس.

الفصل الثاني: أثر الكثرة والقلة في مسائل الأدلة المختلف فيها، وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: أثر كثرة الملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم وقلتها في الاتصاف بالصحبة.
المبحث الثاني: أثر الكثرة في اعتبار إجماع أهل المدينة.
المبحث الثالث: أثر الكثرة في اعتبار إجماع أهل الحرمين والمصرين.
المبحث الرابع: أثر القلة والكثرة في الأخذ بأقل أو أكثر ما قيل.
المبحث الخامس: أثر غلبة العرف في اعتباره.
المبحث السادس: أثر كلية المصلحة في اعتبارها.
المبحث السابع: أثر الكثرة والقلة في سد الذرائع.
المبحث الثامن: أثر كثرة الدليل المغيِّر في الاعتماد على الاستصحاب.
المبحث التاسع: أثر الكثرة والقلة في الاستقراء.

الباب الثالث: أثر الكثرة والقلة في الدلالات، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أثر الكثرة والقلة في معاني اللغات، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أثر كثرة الاستعمال وقلته في الوضع.
المبحث الثاني: أثر كثرة استعمال المجاز وغلبته في البحث عنه.
المبحث الثالث: أثر كثرة الاستعمال في بيان معاني الحروف.

الفصل الثاني: أثر الكثرة والقلة في العام والخاص، والمطلق والمقيَّد، وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: أثر ندرة ورود الصورة في دخولها في الدليل العام.
المبحث الثاني: أثر كثرة اشتراك الذكور والإناث في الأحكام في تناول الجمع المذكر لهما.
المبحث الثالث: أثر كثرة المخَصَّص في الدليل العام.
المبحث الرابع: أثر الكثرة والقلة في التخصيص بالفعل.
المبحث الخامس: أثر كثرة ورود الأحكام على أسباب خاصة في التخصيص بها.
المبحث السادس: أثر الكثرة والقلة في الغاية التي ينتهي إليها التخصيص.
المبحث السابع: أثر الكثرة والقلة في التخصيص بالاستثناء.
المبحث الثامن: أثر كثرة القيود وقلتها في تفاوت رتب المقيَّد.

الفصل الثالث: أثر الكثرة والقلة في المفاهيم، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أثر الكثرة والقلة في مفهوم الموافقة.
المبحث الثاني: أثر خروج القيد مخرج الغالب في الاحتجاج بمفهوم المخالفة.
المبحث الثالث: أثر قصد التكثير في الاحتجاج بمفهوم العدد.

الباب الرابع: أثر الكثرة والقلة في الاجتهاد والفتوى، والترجيح، وفيه فصلان:
الفصل الأول: أثر الكثرة والقلة في الاجتهاد والفتوى، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أثر الكثرة والقلة في المدركات التي يشترط في المجتهد الإحاطة بها.
المبحث الثاني: أثر الكثرة والقلة في وقوع المسألة المستفتى فيها في تجديد السؤال عنها، والنظر فيها.
المبحث الثالث: أثر قلة وقوع المسألة في فرضها، أو السؤال عنها.
المبحث الرابع: أثر الكثرة والقلة في معرفة المفتي.

الفصل الثاني: أثر الكثرة والقلة في الترجيح، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أثر الكثرة والقلة في الترجيح بين النصوص من جهة الإسناد، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الترجيح بكثرة الرواة.
المطلب الثاني: الترجيح بقلة الوسائط.
المطلب الثالث: الترجيح بكثرة الملازمة والمجالسة للنبي صلى الله عليه وسلم.
المطلب الرابع: الترجيح بكثرة المزكين.
المطلب الخامس: الترجيح بكثرة الحفظ، وزيادة الضبط.

المبحث الثاني: أثر الكثرة والقلة في الترجيح بين النصوص من جهة المتن، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: ترجيح ما دل على المراد من وجهين على ما دل عليه من وجه واحد.
المطلب الثاني: الترجيح بقلة الواسطة في الدلالة على الحكم.
المطلب الثالث: ترجيح ما قلَّ الإبهام فيه على ما كثر.
المطلب الرابع: الترجيح بكثرة الاستعمال.
المطلب الخامس: ترجيح ما قلَّت أفراده بالتخصيص على ما كثرت.

المبحث الثالث: الترجيح بكثرة الأدلة، وعمل الأكثر، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الترجيح بكثرة الأدلة.
المطلب الثاني: الترجيح بعمل الأكثر.

المبحث الرابع: أثر الكثرة والقلة في الترجيح بين الأقيسة، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الترجيح بكثرة الأصول.
المطلب الثاني: الترجيح بكثرة الفروع.
المطلب الثالث: الترجيح بقلة الأوصاف.
المطلب الرابع: الترجيح بكثرة الشبه.

الخاتمة، وتتضمن ما يلي:
1) أهم النتائج.
2) التوصيات والمقترحات.
المصادر.

الفهارس، وهي على النحو الآتي:
فهرس الآيات، فهرس الأحاديث، فهرس الآثار، فهرس الأشعار، فهرس الحدود والمصطلحات، فهرس المسائل الفقهية، فهرس الأعلام، فهرس الفرق والمذاهب، فهرس الموضوعات.
وقد افتتح الباحث الرسالة بقوله: أما بعد:
فإن من نعم الله علينا نعمة التكثير والتقليل، ألا ترى أن الله تعالى قد امتن على قوم شعيب - عليه السلام - بأن كثَّرهم، فقال سبحانه: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}، وامتن الله تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فجعل عمل ليلة واحدة - هي ليلة القدر - خير من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: {إنا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر}، وإن النفوس الشريفة إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكو، ومن ذلك العلم.
... هذا، وقد أثار انتباهي أثناء دراستي في مرحلة الدكتوراه في قسم أصول الفقه أن مسائل كثيرة متفرقة قد تأثَّر الحكم فيها بالكثرة أو القلة، فجمعت هذه المسائل، فوجدت أنها صالحة لأن تكون رسالة علمية تحت عنوان الكثرة والقلة وأثرهما في مسائل أصول الفقه، فاستخرت الله تعالى في تسجيله رسالة للدكتوراه.

ثم ذكر جوانب من أهمية موضوع البحث فقال:
إن لموضوع الكثرة والقلة و أثرهما في أصول الفقه أهمية بالغة تتمثل فيما يلي:
1) تعلقه بمسائل أصول الفقه، وخاصة جانب الأدلة والألفاظ والدلالات، فكثير من الأدلة مبناها على اعتبار الكثرة والقلة، كالخبر المتواتر والآحاد، وكالإجماع، وبعض الإجماعات الخاصة، وقياس الشبه، والعرف، وسد الذرائع، والاستقراء، والأخذ بأكثر ما قيل، وبأقله.
وينظر غالباً لكثرة الاستعمال وقلته في باب الألفاظ و الدلالات.

2) أن كثيراً من المسائل في أصول الفقه حصل التفريق فيها بالنظر إلى القلة والكثرة، كما قالوا في التفريق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص من حيث المراد بكل منهما، وكما فرقوا بين ذكر سبب الجرح دون ذكر سبب التعديل، بأن أسباب التعديل كثيرة، بخلاف أسباب الجرح، وكما فرقوا بين الرواية والشهادة في كون الرواية ترجح بكثرة الجمع، بخلاف الشهادة.

3) أن للكثرة والقلة أثراً واضحاً في الترجيح، لذا قدموا بعض الأخبار على بعض؛ لكثرة رواته؛ أو قلة الوسائط، وهو المعروف بعلو الإسناد؛ أو بكثرة المزكين؛ أو بقلة تفرد راويه عن الحفاظ؛ أو بعمل الأكثر...الخ، كما قدموا بعض الأقيسة على بعض؛ لكثرة الفائدة، كما في العلة المتعدية وتقديمها على القاصرة؛ أو بقلة الأوصاف؛ أو بكثرة الفروع؛ أو بكثرة الشبه؛ أو لكون مقدمات أحد القياسين أقل من الآخر،...الخ.

ولا يقتصر الترجيح بالكثرة والقلة على مجال العلوم والمعارف فحسب، بل يتعداه إلى ما هو أوسع من ذلك، حتى إن كثيراً من القرارات والتوصيات يعتبر فيها كثرة الموافقين عليها، والأخذ برأي الأغلبية، ولعل ما نجده لدى بعض العلماء من النص أثناء بحثهم المسألة الخلافية على رأي الأكثر يعد من هذا القبيل، انظر - إن شئت - في مجال التخصص - أصول الفقه - كتابي الإحكام للآمدي، وشرح الكوكب المنير لابن النجار.

4) أن للكثرة والقلة أثراً جلياً في بيان حال الإنسان والحكم عليه، فبكثرة الرواية يزول وصف الجهالة عن الراوي، وبالإكثار من الصغائر يزول وصف العدالة عنه، بل إن حياة الإنسان وموته، ونكاحه وطلاقه، ونسبه، يعرف كل ذلك بالكثرة والاشتهار والاستفاضة.

وفي ختام البحث ذكر الباحث أهم النتائج التي توصل لها:
حيث ذكر: أن هذه الرسالة اشتملت على مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب:
واحتوت المقدمة على الافتتاح بما يناسب، والإعلان عن الموضوع، وبيان أهميته، وأسباب اختياره، وأهدافه، والدراسات السابقة في الموضوع أو حوله، وخطته، ومنهجه في بحثه، والصعوبات التي واجهته في كتابته، ثم شكر وتقدير لمن أعان على إتمامه.
أما التمهيد؛ فذكر فيه بعض النصوص الواردة في القلة والكثرة، ونبَّه على بعض مقاصدها.

ثم يليهما الباب الأول، وكان الحديث فيه عن حقيقة الكثرة والقلة، وأحكامهما العامة، ومن أهم نتائجه ما يلي:
• أن الكثرة في اللغة: نقيض القلة، وجرى استعمالها عند أهل العلوم بناءً على مقتضاها اللغوي، فالكثرة: ما يقابل القلة، وهي نماء العدد.

• أن القلة في اللغة: نقيض الكثرة، ويعبَّر عن الشيء المعدوم بأنه قليل؛ بناءً على أن القليل إذا بولغ فيه يستتبعه العدم، وقد جرى استعمالها عند أهل العلوم بناءً على مقتضاها اللغوي، فهي ما يقابل الكثرة، وهي نزارة الشيء.

• أن الكثرة والقلة لفظان يستعملان في وصف الكمية المنفصلة، كالأعداد.

• أن الكثرة والقلة كغيرها من الألفاظ لها صلة ببعض الألفاظ الأخرى:

فمما له صلة بالكثرة: الغلبة، والاستفاضة والاشتهار، والدوام والاستمرار، والتكرار والتعدد:
فالغلبة كثرة وزيادة، والاستفاضة والاشتهار من أسبابها الكثرة، بل لا يكون الشيء مستفيضاً ومشهوراً؛ إلا إذا حصل العلم به لجماعات كثيرة من الناس، ويلزم من دوام الشيء واستمراره كثرة بقائه وزيادته، وتشترك الكثرة مع التكرار والتعدد في مفهوم الزيادة، ويقع التفريق بينها فيما يلي:

أولاً: من جهة ما يقابل هذه الألفاظ، فاللفظ المقابل للكثرة هو لفظ القلة، واللفظ المقابل للتكرار هو لفظ المرة، واللفظ المقابل للتعدد هو لفظ الوحدة، وبناءً عليه، فالقلة أعم من المرة والوحدة؛ إذ إنها تطلق على الواحد، وعلى ما هو أكثر منه ما دام أنه في حدود القلة، بينما المرة والوحدة ؛ فإنهما لا يطلقان إلا على الشيء الواحد.

ثانياً: من جهة متعلق هذه الألفاظ، فالتكرار متعلق بالفعل الواحد من جنس واحد، والتعدد متعلق بالجنس الواحد، سواء أكان المتعدد نوعاً واحداً من ذلك الجنس أو أنواعاً منه، أما الكثرة؛ فهي متعلقة بالنوع الواحد، وبالأنواع، من جنس واحد، أو من أجناس.

ثالثاً: من جهة النظر إلى ما تدرك به، فالكثرة وما يقابلها - وهو القلة - تدرك بالعدِّ والإحصاء، وتدرك بالعرف، بخلاف التكرار والتعدد؛ فلا يدركان إلا بالعدِّ والإحصاء.

ومما له صلة بالقلة: اليسر، والشذوذ، والندرة:
فقد يستعمل لفظ اليسير في التعبير عن الشيء القليل؛ لقربه منه لا أنه هو هو، والشاذ - ومثله النادر - أقل القليل؛ إذ هو الواحد المنفرد.

وأهل اللغة يستعملون في بيان درجات القلة والكثرة الألفاظ التالية، وهي: المطرد، والغالب، والكثير، والقليل، والنادر، فالمطرد عندهم: لا يتخلف، والغالب: أكثر الأشياء، ولكنه يتخلف، والكثير: دونه، والقليل: دون الكثير، والنادر: أقل من القليل.

• يعبَّر عن الكثرة والقلة بألفاظ صريحة، وغير صريحة، فالصريحة، كلفظ كثر وقلل، وما تصرَّف منهما، والألفاظ غير الصريحة كثيرة جداً، منها ما ينفرد فيه معنى التكثير، ومنها ما ينفرد فيه معنى التقليل، ومنها ما يرد للمعنيين هو في أحدهما أظهر.
وكما تستفاد الكثرة والقلة من الألفاظ؛ فإنها تستفاد من الحركات والأفعال الحسية.

• أن الكثرة والقلة من الألفاظ التي لا يمكن الجزم بوضع ضابط مقدَّر معيَّن لها، بحيث يقال: هذا هو حدّ ومقدار الكثير، وذاك هو حدّ ومقدار القليل، لكن أحسن ما يقال فيها: هو أنها من أسماء النسب والإضافات، فالشيء المقدَّر يكون كثيراً بالنسبة إلى ما دونه، وقليلاً بالنسبة إلى ما فوقه، وقد جرى استخدام هذين اللفظين في كثير من مسائل العلم، وبذل العلماء في تحديد مفهومهما جهوداً كبيرة مبناها في علم الفقه وأصوله على العرف غالباً.

• تنقسم الكثرة والقلة إلى أقسام متعددة باعتبارات مختلفة:
فتنقسم الكثرة والقلة من حيث النظر إلى ذاتهما إلى قسمين:
الأول منهما: كثرة أو قلة معدودة، أي: مدركة بالعد والإحصاء، فهي ذات أفراد معدودة.

القسم الثاني: كثرة أو قلة غير معدودة.

وتنقسم الكثرة والقلة من حيث النظر إلى كونها محصورة أو لا إلى قسمين:
الأول منهما: كثرة أو قلة محصورة، وهذا هو مدلول العدد.
القسم الثاني: كثرة أو قلة غير محصورة، وهذا هو مدلول اللفظ العام.

• أن المؤثِّر في اعتبار الكثرة والقلة هو كونهما سبباً في حصول اليقين أو ما يقرب منه، وهو أمر يختلف باختلاف حال كل مسألة.

• الكثرة والقلة قد تفيدان القطع أو الظن، وذلك بالنظر إلى الجانب القوي في كل منهما، فالكثرة من جانب الوجود أقوى من القلة، والقلة من جانب العدم أقوى من الكثرة.

• أن للكثرة والقلة الواردان في النصوص الشرعية مفهوماً ومنطوقاً بشرط ملاحظة أمرين:
الأول منهما: أن يكون المحل قابلاً للزيادة والنقصان.
الأمر الثاني: السياق الذي وردت فيه.

• الكثرة والقلة سببان من أسباب تفاوت الأحكام الشرعية التكليفية، والمؤثِّر هو النظر في المصالح والمفاسد من حيث قوتها في الرتبة وضعفها، ومن حيث كثرتها وقلتها، وما يقال في تفاوت هذه الأحكام يقال مثله في تفاوت الصور الداخلة تحت كل حكم منها.

• يفرَّق بالكثرة والقلة بين أمرين، وهذا شيء ظاهر في نصوص الشريعة، وقد لاحظ الأصوليون هذا الأمر في بعض المسائل الأصولية، فأجازوا استثناء القليل، واختلفوا في استثناء الأكثر، ومنعوا الاستثناء المستغرق.

• الوقوع أمر زائد على مجرد الإمكان والاحتمال، فهو أقوى دلالة منه، والمسائل التي يكون الوقوع دليلاً على حجيتها نوعان:
الأول منهما: مسائل يكفي في بيان حجيتها صحة وقوعها، ولو مرة واحدة، كالمسائل المعتمدة على ثبوت النص أو الواقعة.
النوع الثاني: مسائل لا يكفي في بيان حجيتها صحة وقوعها مرة واحدة، بل لابد من وقوعها مرات كثيرة، كالمسائل المعتمدة على التقرير، والإجماع السكوتي، ونحو ذلك.

• يشترط لتعارض القليل والكثير في النصوص شرطان:
الأول منهما: أن تكون المسألة التي ورد فيها العددان واحدة.
الشرط الثاني: أن تكون فائدة ذكر الحكم المقيَّد بالعدد - قليلاً كان العدد أو كثيراً - هي نفي الحكم عما عدا ذلك العدد، وهذا أمر يسلم به من يحتج بمفهوم العدد.

ثم الباب الثاني، وكان الحديث فيه عن أثر الكثرة والقلة في مسائل الأدلة الشرعية، ومن أهم نتائجه ما يلي:
• أن القراءة المتواترة هي: ألفاظ القرآن الكريم التي نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع كثير يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم.
وقد أفادنا نقل هذا الجمع العلم بأن هذا اللفظ المنقول هو اللفظ الموحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويصدق هذا الوصف على القراءات العشر، فهي متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن القرَّاء، والمقصود هنا تواتر جوهر اللفظ وهيئته، كترتيب الحروف، والتقديم والتأخير، ونحو ذلك؛ ولذا فإنها توصف في مقام الاستشهاد بالكثرة، والاستفاضة، والشهرة، صراحة أو ما يدل عليها، وهذه القراءات قرآن قطعاً يتلى ويصلى بها.

• أن القراءة الآحادية هي: ما عدا القراءة المتواترة، وتسمى بالقراءة الشاذة؛ لمخالفتها مصحف عثمان رضي الله عنه، وهذا الوصف يصدق على ما عدا القراءات العشر؛ ولذا فإنها توصف في مقام الاستشهاد بالقلة صراحة أو ما يدل عليها، وهي ليست بقرآن، فلا يقرأ بها في الصلاة، ولا خارجها على قصد التلاوة.

• أن لأهل العلم منهجين في تقسيم الأخبار من حيث النظر إلى أسانيدها:
فيرى جمهور أهل العلم أنها قسمان:
الأول منهما: أخبار متواترة.

القسم الثاني: أخبار آحادية، وأكثر أصحاب هذا المنهج يدرجون الأخبار المستفيضة والمشهورة ضمن هذا القسم؛ إذ هي عندهم - أي الأخبار الآحادية - ثلاثة أنواع:
الأول منها: المستفيض أو المشهور.
النوع الثاني: العزيز.
النوع الثالث: الغريب.
ويرى أكثر الحنفية أن الأخبار ثلاثة أقسام، حيث جعلوا الأخبار المستفيضة أو المشهورة قسماً مستقلاً بذاته.
ومهما يكن من أمر؛ فإن أصحاب المنهجين قد لا حظوا الكثرة والقلة في عدد المخبرين فيما اعتبروه من هذه الأقسام، كما لاحظوا الكثرة والقلة في قوة دلالة كل قسم منها.

• أن من الطرق التي يرد بها الخبر: أن يرد خبر من طريق الآحاد في قضية تستحق أن تشاع وتذاع وتتواتر، كأن يكون المنقول أصلاً من أصول الشريعة، وقد بنى العلماء على ذلك صوراً منها: أن القراءة الشاذة ليست بقرآن، وعدم صحة ما نسبه الإمامية إلى النبي صلى الله عليه وسلم من كونه أخبر بأن علياً رضي الله عنه الخليفة من بعده، وعدم قبول ما ينفرد به الراوي من زيادة عن جماعة لا يتصور غفلتهم عما انفرد به؛ لكثرتهم، وعدم قبول علماء الحنفية خبر الواحد فيما تعم به البلوى، وعدم ثبوت الإجماع بنقل الآحاد عند طائفة من أهل العلم.

• من علامات صدق الراوي في خبره: أن يروي خبراً عن أمر محسوس، لا اجتهاد فيه، بحضرة خلق كثير؛ لا يجوز عليهم في مستقر العادة التواطؤ على الكذب، ولم يكذبوه، ولا حامل لهم على سكوتهم غير التصديق له، فما أخبر به الراوي - والحالة هذه - صدق قطعاً.

• أن كل الذنوب تعد خارمة لوصف العدالة بشرطين:
الأول منهما: أن تكون ذنوب الإنسان غالبة على طاعاته.
الشرط الثاني: أن تكون هذه الذنوب مما لم تجر العادة باقترافه غالباً، ومعنى ذلك: أن ما لا يخلو الإنسان عنه غالباً - كالغيبة ونحوها - لا يعد خارماً لوصف العدالة؛ إلا إذا واظب عليها الإنسان بحيث يصبح اقترافه لها عادة له، ويجمع هذين الشرطين: أن لا يقترف الإنسان من الذنوب والمعاصي ما يورث التهمة له في روايته.

• أن للكثرة والقلة أثراً في تفاوت رتب طرق الجرح والتعديل، فأعلى الطرق الاستفاضة، وهي من الطرق المتفق على قبولها في هذا الشأن؛ إذ العلم بظهور العدالة واشتهارها أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة، وما دون هذا الطريق؛ فإن الخلاف فيه واقع.

• أن قلة مرويات الإنسان غير مؤثِّرة على قبول مروياته؛ إذا كان صحابياً؛ للإجماع على عدالة الصحابة، سواء قلَّت مروياتهم أم كثرت، أما إن كان المقل من الرواية من غير الصحابة؛ فلا يخلو:
إما أن يكون هذا المُقل مشهوداً له بالعدالة أو لا، فإن كان مشهوداً له بالعدالة؛ فالأصل قبول مروياته قلَّت أو كثرت، كما هو الحال في مُقل الرواية من الصحابة، أما إن كان غير مشهود له بالعدالة؛ فإن قلة مروياته في ذاتها لا تعد قادحاً في قبول مروياته؛ لكنها قد تكون سبباً في جهالته؛ نظراً إلى قلة الأخذ عنه، وحينئذٍ لا يتهيأ للناقد تبيّن حال الراوي إذا لم يرو إلا القليل من الحديث؛ فيثبت له وصف الجهالة الموجبة لرد حديثه.

• أن لمقدار وقوع الخطأ من الراوي أثراً على قبول مروياته، وذلك فيما إذا لم يعلم بخطئه في خبر بعينه، ولم يعضد ذلك الخبر دليل آخر، وللعلماء منهجان في بيان مقدار الخطأ الذي يُرَد به خبر الراوي:
المنهج الأول: أن الراوي يرد خبره؛ إذا غلب خطؤه صوابه، وهو منهج الأصوليين.
المنهج الثاني: أن الراوي يرد خبره؛ إذا كثر خطؤه، ولو لم يغلب، وهو منهج المحدثين.

ومنهج الأصوليين أدق، ومنهج المحدثين أحوط، وبناءً على منهج الأصوليين؛ فإنه إذا تساوى خطأ الراوي وصوابه؛ فإنه - على الصحيح - أيضاً لا يقبل خبره؛ لأن التساوي يورث الشك في قبول مروياته، والشك لا يعمل به؛ إلا إذا وجدت قرينة في ذات الخبر تدل على صدق الراوي، كأن يذكر الراوي من روى عنه، ويعيِّن وقت السماع، ونحو ذلك.

أما إذا لم يظهر لمن يحكم على الخبر الأغلب من صواب الراوي أو خطئه، ولم تظهر له كثرة خطئه؛ فإن لابد حينئذٍ من الاختبار والامتحان للراوي في مروياته.

• أن لكثرة إسقاط الرواة في الإسناد وقلته أثراً على تسمية الإسناد الذي وقع فيه ذلك السقط، وهذا أمر يراعيه المحدثون، فما سقط من منتهاه ذكر الصحابي؛ فهو المرسل، وما سقط منه اثنان مع عدم التوالي؛ فهو المنقطع، وإن كان السقط على التوالي؛ فهو المعضل؛ إلا أن الأصوليين يسمون كل ذلك بالمرسل، سواء كان السقط واحداً أو أكثر، توالى السقط أم لا، فتعبير الأصوليين أعم من تعبير المحدثين، وهو مع ذلك كله خلاف اصطلاحي، وأهل العلم في الجملة يقبلون الخبر المرسل؛ إذا كان المرسِل له من المعروفين بالرواية عن الثقات، مع مراعاة كونه من أهل القرون المفضلة؛ لوجود الإسناد فيها، أما عند عدم هذه القرائن؛ فالأظهر هو عدم الاحتجاج بالمرسل؛ لجهالة الراوي الساقط، فلا تعرف عينه، ولا عدالته، وإذا لم يقبل الخبر المرسل بسبب جهالة الراوي فيه؛ فلأن لا يقبل الخبر المنقطع، والمعضل، وكل ما كثر فيه السقط من باب أولى؛ لكثرة الجهالة في السند حينئذ.

• أن التدليس لا يكون قدحاً في الراوي؛ إلا إذا كان مكثراً من التدليس عن الضعفاء، وإذا تقرر ذلك؛ فإن من كان مشتهراً بالتدليس عن الضعفاء لا تقبل روايته حتى يصرّح بالسماع، أما إذا لم يصرح - كأن يروي بالعنعنة - فإن روايته لا تقبل، أما المدلس المقل؛ فالأصل في روايته الاتصال إذا روى بالعنعنة، واحتمال الانقطاع قليل أو نادر.

• أن التقرير: هو أن يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار قول أو فعل قيل أو فعل بين يديه، أو في عصره مع علمه به، ولم يسبق منه إنكار قبل ذلك.
وكما يستفاد التقرير من مجرد السكوت؛ فإنه يستفاد أيضاً مما يقترن به من ابتسامة ونحوها.

أما ما فُعِل في زمانه، ولم يطَّلع عليه، فالذي يظهر هو أن له حالتان:
الأولى منهما: أن يكون الفعل المضاف إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يجوز خفاؤه عادة عن النبي صلى الله عليه وسلم - كالصلاة والوضوء - فهذا له حكم الأفعال المشاهدة من النبي صلى الله عليه وسلم.

الحالة الثانية: أن يكون الفعل المضاف إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما يجوز خفاؤه عادة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا تدل إضافته إلى زمنه صلى الله عليه وسلم أنه قد شاهده واطلع عليه؛ فأقره، ومن مواضع ما يجوز خفاؤه عادة ما يلي:
أولاً: حال الاستدامة والاستمرار، والبقاء على حكم الأصل.
ثانياً: ما يفعله الرجل مع أهل بيته.

إلا أنه يستثنى من ذلك ما يتكرر فعله ويكثر؛ فإن الأغلب - والحالة هذه - أنه لا يخفى، وإن كان الفعل بطبيعته أنه مما يجوز خفاؤه، وإذا تقرر ذلك؛ فإن نقل الراوي لهذا الفعل بإحدى صيغ التكثير مؤثِّر في قوة التمسك بهذا الفعل؛ إذ هو محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عَلِم به وأقره، كما يمكن النظر إلى الراوي نفسه من حيث كثرة مجالسته للنبي صلى الله عليه وسلم وملازمته وملابسته؛ فإن نقل من هذه صفته للفعل يدل على أنه على مرأى النبي صلى الله عليه وسلم.

• يقصد الأصوليون بتلقي الأمة الخبر بالقبول ما يلي:
أولاً: إجماع الأمة على العمل بالخبر من أجله، يعني: أنهم يصرحون باستنادهم إليه.

ثانياً: إجماع الأمة على الأخذ بما دلَّ عليه الخبر، لكن منهم من صرَّح باستناده إليه، ومنهم من عمل بمقتضاه فقط.

ثالثاً: إجماع الأمة على العمل بمقتضى الخبر من غير أن يصرحوا باستنادهم إليه.
وهذا التلقي قرينة على صحة الخبر، بمعنى: أنه بهذا اللفظ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا تقرر ذلك؛ فإن الخبر المحتاج إلى هذه القرينة هو خبر الآحاد؛ لوقوع الظن في طريقه، وقد لاحظ جماهير أهل العلم أن هذا التلقي للخبر على درجات بحسب كثرة المصرحين باستنادهم إليه - هي ما يشمله معنى التلقي من صور - ففي الصورة الأولى استند جميع المجتهدين إليه؛ فأفاد ذلك القطع بصحته، وفي الصورة الثانية استند بعضهم إليه، وفي الصورة الثالثة اكتفوا بالعمل بمقتضاه، وفي هاتين الصورتين - الثانية والثالثة - لا يقطع بصحة الخبر؛ إلا أن الظن بصحته في الصورة الثانية أقوى منه في الصورة الثالثة.

ويدخل الخبر المتلقى بالقبول عند الحنفية في معنى الأخبار المستفيضة والمشهورة، والمعتمد في مذهبهم أن هذه الأخبار تفيد علم الطمأنينة؛ فيُنسخ بها ويُخصص ما هو متواتر.

• أن عمل الأمة بخلاف خبر الآحاد مؤثِّر في ردّه؛ لأن الإجماع معصوم من الخطأ بخلاف باقي الأدلة.

أما عمل أكثر الأمة بخلافه؛ فلا يوجب ردَّ الخبر بالإجماع عند القائلين بأن عمل الأكثر لا يكون إجماعاً؛ إلا أنه يستثنى ما كان من الأخبار مخالفاً لعمل أكثر الأمة بعد التدوين في الكتب؛ فإنه يغلب على ظننا - والحالة هذه - عدم اطلاع أكثر الأمة - وفيهم الحافظ الجهبذ - على ما يورده غيره، أما قبل التدوين؛ فإن عمل أكثر الأمة بخلاف الخبر غير مؤثِّر في ردِّ الخبر؛ لاحتمال أن يكون عند بعض الرواة ما ليس عند الأكثر في هذه الحالة.

• يقصد بالمتابعة: أن يشارك راوي الحديث راوٍ آخر في روايته عن شيخه، بحيث يكون شيخ الراوي الأول شيخاً للراوي الثاني، أو يشاركه في الرواية عمن فوق شيخ الراوي الأول، أو عن الصحابي الذي روى الحديث، أو عن صحابي آخر بنفس اللفظ.

ويقصد بالشاهد في اصطلاح ابن الصلاح: الحديث الذي يرويه صحابي موافقاً لما يرويه صحابي آخر في المعنى، وهو في اصطلاح ابن حجر: الحديث الذي يرويه صحابي موافقاً لما يرويه صحابي آخر في اللفظ والمعنى، أو في المعنى فقط.

وعلى كل حال؛ فإن المتابعة والشاهد ألفاظ يتداولها أهل الحديث في نظرهم في حال الحديث هل تفرّد به راويه أو لا؟ وهل هو معروف أو لا؟ ويستفاد من ذلك كله التقوية، ومعالجة الضعف الناشئ من سوء الحفظ أو الضبط، وكلما كثرت متابعات الحديث وشواهده كلما قوي الظن بصحته.

• أن النظر لكثرة أهل الإجماع بعد عصر الصحابة جعلت بعض أهل العلم يحصر انعقاد الإجماع في عصر الصحابة دون غيرهم، ولعل ذلك محمول على أن المقصود بالإجماع هنا هو الإجماع القطعي المتيقن.

• من الطرق التي يُعرف بها الإجماع النقل، وهو إما نقل متواتر أو آحاد، وأهل العلم متفقون على إثبات الإجماع بالنقل المتواتر؛ إذ هو من الوقائع العظيمة التي لا سبيل إلى نقلها إلا هذا الطريق، أما إثباته بنقل الآحاد؛ فمظنون من جهة طريق نقله، وبهذا تتفق الأدلة، ويزول الخلاف في المسألة.

• أن مخالفة الأقل مؤثِّرة في انعقاد الإجماع، ولو كان الأقل واحداً؛ إلا إذا خالف الأقل دليلاً ظاهراً العمل به في المسألة، أو كانت مخالفتهم في مسألة من مسائل أصول الدين، فإنه حينئذٍ لا تؤثِّر مخالفتهم في انعقاد الإجماع.

وإذا تقرر أن مخالفة الأقل مؤثِّرة في انعقاد الإجماع؛ فإن ذلك لا يعني عدم الأخذ برأي الأكثر؛ إذ لا يلزم من نفي كونه إجماعاً نفي كونه حجة، فلا يلزم من نفي ما هو أخص نفي ما هو أعم، وبناءً عليه؛ فإن الصحيح هو الأخذ برأي الأكثر من المجتهدين من جهتين:

الأولى منهما: أن الأخذ برأي الأكثر من قبيل الأخذ برأي الجماعة التي جاءت النصوص بالحث على موافقتها، والتحذير من الخروج عنها.

الجهة الثانية: أن الأخذ برأي الأكثر أمر متعارف عليه، والأمر العرفي مقبول ما دام أنه لم يصادم نصاً.

بيد أنه يشترط في الأخذ به ما يلي:
أولاً: أن لا يكون في المسألة نص يعتمد عليه.
ثانياً: أن تكون المسألة من الشؤون التي تهم عامة الناس لا خاصتهم.
ثالثاً: أن تتكافأ الجماعة التي يؤخذ برأيها في العلم والخبرة.
وإذا تقرر أن قول الأكثر حجة؛ فإنه بحسب اتساع الفارق العددي بين الأكثرية والأقلية يقوى الأخذ بقول الأكثر، ويزداد الظن بصحته.

• ينعقد إجماع أهل العلم إذا بلغ عدد المجمعين حد التواتر بالاتفاق، فإن نقصوا عن ذلك؛ فالصحيح أنه ينعقد أيضاً، ووقوعه غير مستبعد لاسيما في آخر الزمان - الذي يرفع فيه العلم، ويَقِل فيه العلماء - وهو إجماع قطعي بدلالة السمع على ذلك، إلا أنه ينبه إلى أنه إذا بلغ عدد المجمعين غاية القلة - وهو الواحد - فإنه لا ينعقد بقوله إجماع؛ لأن الإجماع مشتق من الاجتماع، والاجتماع منتفٍ في الواحد.

• يقصد بانقراض العصر: موت جميع المجتهدين، والعصر: هو الدهر واليوم والليلة، ويقصد به هنا: المدة الزمنية المرتبطة بالخلافة، وقد اشترط بعض الأصوليين للعلم بانعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين، وهذا الشرط قيد في الإجماع السكوتي لا الصريح؛ لأن الغرض من ذكره هو قطع الاحتمالات الواردة على انعقاده، واختلفوا في تقدير ما يصدق عليه وصف الانقراض وضبطه، فمنهم من قال: ينقرض العصر بهلاك جميع أهله، ومنهم من قال: ينقرض بهلاك أكثر أهله، ومنهم من قال: ينقرض بهلاك جميع العلماء؛ إلا أنه يلاحظ على أن تفسير الانقراض بموت الجميع مستحيل وقوعه؛ لتلاحق العصور، وكذا من فسّره بموت العلماء؛ إذ هم وحدهم أهل الإجماع على الصحيح، أما تفسيره بموت الأكثر؛ فصعب تقديره؛ إذ القول بأن من مات هم الأكثر يقتضي إحصاء عدد أهل الإجماع، ثم هو غير مفيد؛ لاحتمال أن يوجد مخالف في القلة الباقية، ويلزم من هذين التفسيرين للانقراض - وهو تفسيره بموت الجميع أو موت الأكثر - أنه لو مات أهل الإجماع دفعة واحدة - بحيث عمهم وجه من وجوه الهلاك - بأن إجماعهم ينعقد، ومعلوم أن هذا الاتفاق غير موثوق بدوامه؛ إذ من الممكن أنه لو تطاول المدى، وامتد الزمان؛ لعاودوا البحث؛ ولربما رجع حينها بعضهم عن قوله، وبناءً عليه؛ فإن الحكم بانعقاد هذا الإجماع مخالف للغرض الذي من أجله اشترط الانقراض، وهو قطع احتمال المخالفة، وإذا تقرر ذلك؛ فإن الذي يظهر لي هو أن المعتبر للعلم بانعقاد الإجماع هو تطاول الزمان عادة مع تكرر حدوث الواقعة، وحينئذ يكون الساكت كالموافق بالعبارة.

• لا إجماع إلا عن مستند، والمستند إما نص أو قياس، وممن يرى اشتراط الكثرة في عدد المجمعين من يمنع استناد الإجماع إلى قياس؛ إذ هو دليل ظني، خفي، مختلف فيه، محتمل للخطأ، والعدد الكثير لا يتصور اجتماعه على مستند هذه صفته، والذي يظهر لي هو أنه لا توجد مسألة مجمع عليها؛ إلا ومستند الإجماع فيها النص - علمه من علمه، وجهله من جهله - والواقعة المجمع عليها لا يمكن دخولها تحت النص؛ إلا بنوع من أنواع الاجتهاد، والعلماء مختلفون في نوع المدرك الذي يجعل النص شاملاً للواقعة التي هي محل الاجتهاد، ومنهم من قال بأن المدرك هو القياس، والذي يغلب على الظن أن الأمة لم تجمع في مسألة على حكم مستندة فيه إلى القياس إلا إذا كان ذلك القياس جلياً - وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة مع نفي الفارق المؤثِّر بين الأصل والفرع - أما القياس الخفي؛ فاختلاف الظنون فيه أكثر، وإذا تقرر ذلك؛ فإن اجتماع الأمة على مسألة مستندها القياس الجلي متصوّر.

• يقصد بالإجماع السكوتي: أن يقول المجتهد في مسألة بقول، ثم يظهر هذا القول وينتشر، ولا يعرف له مخالف، والكثرة والقلة لها أثر في اعتبار السكوت إجماعاً، ويظهر ذلك فيما يلي:
أولاً: أن لكثرة عدد الناطقين، وقلة عدد الساكتين أثراً في ظهور القول وانتشاره، ومن ثَمَّ عِلْم بقية المجتهدين به، أما إن كان الناطق به عدداً قليلاً؛ فإن أثر الكثرة يظهر من خلال أن العادة جارية على أنه لا يجوز أن يسمع العدد الكثير والجم الغفير بما نطق به العدد القليل ثم يسكتوا عن إنكاره؛ إن كان باطلاً.

ثانياً: أن لكثرة وقوع المسألة مع عدم ظهور الخلاف فيها أثراً في اعتبار السكوت رضا بالقول المنتشر، بل يصبح الإجماع قطعياً فيما لو تمَّت مدارسة المسألة وبحثها عبر أزمنة متطاولة، وتضعف دلالة هذا الإجماع بحسب قلة تكرر وقوع المسألة، أو لم يمض على وقوعها إلا زمن يسير.

ثالثاً: أن لإعطاء الساكتين مهلة - ولو يسيرة - ليبدو اعتراضهم على القول المنتشر؛ إن كان لديهم اعتراض ؛ أثراً في اعتبار سكوتهم رضاً، وبحسب طول مدة سكوتهم وقصرها يقوى هذا الإجماع ويضعف.

رابعاً: أن لقلة عدد أهل الإجماع في زمن الصحابة  بالنسبة إلى عصور غيرهم أثراً في كون الإجماع السكوتي في عصرهم أقوى دلالة منه في عصر غيرهم؛ وذلك لكون انتشار القول فيهم أسهل.

• أن من حجج القائلين بالقياس أن نصوص الشريعة محدودة متناهية، والوقائع الحادثة متجددة غير متناهية، ولا شك أن هذا صحيح بالنظر إلى الدلالة اللفظية لهذه النصوص، أما إذا نظرنا إلى دلالة هذه النصوص الاستنباطية؛ فإنها - والحالة هذه - شاملة لجميع الحوادث.

• أن للكثرة والقلة أثراً في بحث الصحابي، ويظهر ذلك من خلال أمرين:
الأول منهما: المراد بالصحابي، وهو على منهج المحدثين: كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ولو لحظة، ومات على ذلك، وهذا هو المعنى اللغوي للصاحب، بينما يرى الأصوليون أن الصحابي لا يصدق عليه هذا الوصف؛ إلا إذا طالت صحبته ومجالسته للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المعنى العرفي للصاحب، وحدّد بعض أهل العلم طول المدة بتقديرات اجتهدوا فيها، والصواب أنه لا حدَّ لها بتقدير بل بتقريب، ويستفاد من منهج الأصوليين بالإضافة إلى نيل المتصِف بما ذكروه شرف الصحبة ما يلي:
أولاً: تفاوت الصحابة فيما بينهم في الفضل وغيره بحسب طول الملازمة وكثرة الصحبة.

ثانياً: أن طول الصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم يستلزم الأخذ عنه مباشرة لا بالواسطة، وبناءً عليه؛ فإن الذي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير يستحق شرف الصحبة، لكنه تابعي حكماً، بمعنى: أن روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ملحقة بمراسيل التابعين، لا بمراسيل الصحابة.

وعلى كل حال؛ فكل أصحاب منهج راعوا ما يهمهم بحثه في الصحابي، فالمحدثون يهتمون بالنقل، وعدالة الناقل لها أثر في صحة ما ينقله، وتتحقق العدالة في كل من لقي النبي مؤمناً به، ولو لحظة، ومات على ذلك ، أما الأصوليون؛ فيهتمون باعتبار قول الصحابي، والمؤثِّر في ذلك هو طول المشاهدة والصحبة.

الأمر الثاني: الطرق التي تعرف بها الصحبة، وهي بحسب قوتها على هذا الترتيب:
أولاً: الخبر المتواتر.
ثانياً: الاستفاضة أو الشهرة.
ثالثاً: أخبار الآحاد الثقات، ويقوى الظن بخبرهم ويضعف بحسب كثرة عددهم وقلته.

• أن السرَّ في احتجاج الإمام مالك بإجماع أهل المدينة في القرون المفضلة هو اعتبار جانب الكثرة، وهذا أمر ظاهر فيما يتعلق بالقسم النقلي منه؛ إذ هو بمثابة الخبر المتواتر، والكثرة شرط في المتواتر ، أما ما يتعلق بالقسم الاستدلالي من هذا الإجماع؛ فيظهر اعتبار الكثرة فيه من خلال أمرين:
الأول منهما: أن أهل الإجماع في المدينة في تلك الحقبة الزمنية أكثر من غيرهم، فالأخذ برأيهم من قبيل الأخذ برأي الأكثر.
الأمر الثاني: أن ما يفعله أهل المدينة في تلك الحقبة الزمنية هو الفعل الذي استمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره.

• أن المعتبِر لإجماع أهل الحرمين - مكة والمدينة - وأهل المصرين - الكوفة والبصرة - إنما أخذ به لأمرين أو لأحدهما، كلاهما يلاحظ فيه جانب الكثرة، وهذان الأمران:
الأول منهما: أن أهل هذه البقاع هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإجماع منحصر فيهم دون من بعدهم؛ لتعذر الإحاطة بمن بعدهم؛ لكثرتهم.
الأمر الثاني: أن أهل هذه البقاع هم أكثر مجتهدي الأمة، والأخذ بقول الأكثر معتبر.

• أن الأخذ بأقل أو أكثر ما قيل أخذ بالأمر المتيقن، وطرح للأمر المشكوك فيه، وإن تحديد كون ذلك الأمر المتيقن هو الأقل أو هو الأكثر ينظر فيه إلى جانبين:
الأول منهما: أن يكون فيما الأصل براءة الذمة منه، كالديون؛ فإن الأقل - في هذه الحالة - هو الأمر المتيقن، وما زاد؛ فمشكوك فيه.
الجانب الثاني: أن يكون فيما الأصل انشغال الذمة به، كالصلوات الخمس؛ فإن الأكثر - في هذه الحالة - هو الأمر المتيقن، وما زاد؛ فمشكوك فيه.

• أن الأغلبية معتبرة في العرف من وجهين:
الأول منهما: الأغلبية العددية، بمعنى: أن يكون العرف جارياً بين جميع القوم أو أكثرهم، والأغلبية هنا ركن في تكوين العرف، لا يتحقق معناه بدونها، فالعادة الفردية لا تصبح عرفاً إلا إذا اعتادها أكثر القوم.

الوجه الثاني: الأغلبية العملية، بمعنى: أن يكون العمل بالعرف جارياً في جميع الحوادث أو أكثرها، وهذا هو معنى أن يكون العرف مطرداً أو غالباً، وهذا يُخرج العرف المشترك، والعرف النادر؛ إن صحت تسميته عرفاً.

• يقصد بكلية المصلحة: عَوْدها على عموم الأمة عَوْداً متماثلاً، أو عَوْدها على جماعة عظيمة في الأمة، وهذا الأمر ليس بشرط في اعتبار المصلحة؛ إلا إذا كان العمل بها فيه تفويت لمصلحة أخرى في نفس مرتبتها، وذلك كأن تكون كلتا المصلحتين المتعارضتين في رتبة الضروريات مثلاً، فحينئذٍ نحتاج لمرجح يسوِّغ لنا العمل بإحدى المصلحتين الضروريتين، وترك المصلحة الضرورية الأخرى، ومن تلك المرجحات: كون إحداهما كلية، والأخرى جزئية.

• يقصد بسد الذرائع: حسم مادة وسائل الفساد دفعاً له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة في ذاته وسيلة إلى مفسدة امتنعنا من فعله، وقد اتفق العلماء على العمل بها في الجملة، والخلاف - إن وقع - فهو في أمثلتها، وسببه الرئيس اختلاف العلماء فيما بينهم في مقدار اتضاح إفضاء الفعل إلى المفسدة وخفائه، وكثرته وقلته، وأساس الحكم على الذريعة بالمنع أو بالفتح قائم على أمرين:
الأول منهما: الباعث على الفعل أو الدافع له، وهو نية الإنسان وقصده، وبحسبها يثاب ويعاقب، ولا إشكال في بناء الأحكام على النوايا؛ إن ظهرت.
الأمر الثاني: مآل الفعل، وبحسبه يكون الفعل مأذوناً فيه أو ممنوعاً منه، وهو دليل على قصد الإنسان ونيته، والمجتهد لا يملك إلا النظر في ذلك؛ إذ هو الأمر المتاح له النظر فيه، فهو لا يستطيع النظر في نوايا الناس وما تبطنه صدورهم، وإنما له النظر في ظاهر أحوالهم وأفعالهم، وإذا تقرر ذلك؛ فإن مقياس الكثرة والقلة في الإفضاء إلى المحظور إنما يلجأ إليه المجتهد - كمسلك اجتهادي - في حال عدم ظهور القصد، وبناءً عليه؛ فالذرائع أقسام خمسة من هذه الجهة:

الأول منها: ما يفضي إلى الفساد دائماً، فيجب سدّه بالاتفاق ، وقد اختلفوا في عدِّ ما يمنع هنا هل هو من باب سدِّ الذرائع أو من باب تحريم الوسائل؟، والخلاف في المسألة خلاف اصطلاحي.

القسم الثاني: ما يفضي إلى الفساد غالباً، فيجب سدّه بالاتفاق عند الأئمة الأربعة، وهو ملحق بالقسم الذي قبله فيما قيل فيه.

القسم الثالث: ما يفضي إلى الفساد كثيراً، ومعلوم أن كثرة إفضاء الشيء ليست كإفضائه دائماً ولا غالباً عند الشافعية ومن يوافقهم - إن نظرنا إلى ما ذكروه مثالاً لهذا القسم وهو بيوع الاجال - بينما هي عند غيرهم دليل على القصد؛ فيعتبر بها، لكن إن تجردنا عن مثال خاص بهذا القسم؛ فالذي يظهر هو أن الأئمة الأربعة متفقون على سدّ الذرائع التي هذه صفتها، وإذا تقرر ذلك؛ فالخلاف هنا بين العلماء إنما هو في تحقيق المناط.

القسم الرابع: ما يتساوى إفضاؤه إلى المفسدة أو عدم إفضائه، وهذا القسم وإن ذكرته لاقتضاء القسمة له؛ إلا أنه غير واقع؛ ذلك أن المصلحة والمفسدة إذا تقابلتا؛ فلابدّ حينئذ من أن تغلب إحداهما الأخرى، ويصير الحكم لما يغلب منهما.

القسم الخامس: ما يفضي إلى الفساد نادراً؛ فلا يسد بالاتفاق.

ويحسن التنبيه هنا إلى أن تحديد كون الفرع الفقهي في أي هذه الدرجات واسع لا يكاد ينضبط، ولعل هذا من أهم أسباب وقوع الخلل في عدم انطباق التفريع على التقعيد في بعض الصور.

• يقصد بالاستصحاب: هو التمسك بدليل عقلي أو شرعي، مع العلم أو الظن بانتفاء ما يُغيِّره بعد بذل الجهد في البحث والطلب، والجميع متفقون على العمل به ما لم يوجد دليل مغيِّر، وإن اختلفوا في تسمية الدليل المثبت له استصحاباً؛ فالخلاف راجع فيه إلى اللفظ، وهو أضعف الأدلة؛ لذا كان الرجوع إليه آخر مدارك الفتوى، وإذا تقرر ذلك؛ فإن الملاحَظ هو أن الذين وسعوا نطاق الاستصحاب هم الذين حصروا الأدلة في أقل عدد، والذين وسعوا نطاق الاستدلال هم الذين ضيقوا العمل به، فكلما أكثر الفقهاء في باب الاستدلال بالرأي قلَّ اعتمادهم على الاستصحاب؛ لأنه كلما كثرت طرائق الاستدلال وجدت الأحكام المغيِّرة للأمور المستصحبة، وكلما كثر المغيّر؛ قلَّ الاستصحاب.

• أن للكثرة والقلة أثراً في الاستقراء من جهتين:
الأولى منهما: أثر الكثرة والقلة في تقسيم الاستقراء إلى قسمين:
الأول منهما: استقراء تام، وهو تتبع جميع الجزئيات - كما هو اصطلاح المناطقة - أو هو تتبع جميع الجزئيات عدا الصورة المتنازع فيها - كما هو اصطلاح الأصوليين.
وطريقة الأصوليين هي المناسبة للواقع الفقهي؛ ذلك أن المجتهد إنما يحتاج إلى الاستقراء ؛ لبيان حكم الصورة المتنازع فيها، ولو شملها الاستقراء؛ لأصبحت تلك الصورة معلومة، ولا حاجة حينئذٍ للاستقراء.

القسم الثاني: استقراء ناقص، وهو الاستدلال بثبوت الحكم في بعض الجزئيات على ثبوته لأمر يشملها، أو في بقيتها، ولا يوجد فرق بين الأصوليين والمناطقة في هذا المفهوم إلا من وجهين:

الأول منهما: أن الأصوليين يستثنون الصورة المتنازع فيها من شمول الاستقراء لها؛ لأن غرضهم منه إلحاق تلك الصورة المتنازع فيها بالصور التي تم استقراؤها، بخلاف المناطقة؛ فهم لا يستثنون الصورة المتنازع فيها من شمول الاستقراء لها؛ لأن غرضهم منه هو إثبات الحكم الكلي الذي يشمل ما تحته من جزئيات.

الوجه الثاني: أن المناطقة يقيدون التتبع هنا بأنه تتبع لأكثر الجزئيات، بينما يرى جماعة من الأصوليين أنه لا يشترط في هذا النوع من الاستقراء أن يكون التتبع فيه لأكثر الجزئيات، وهم بين مطلق ومقيد:

فمنهم من يقول عنه: إنه تتبع لبعض الجزئيات من غير أن يحدد المقدار المطلوب تتبعه، وكلمة ( بعض ) صادقة على القليل والكثير.

ومنهم من يقول عنه: إنه تتبع لبعض الجزئيات بحيث يحصل مع هذا التتبع ظن عموم الحكم للصورة المتنازع فيها، بغض النظر عن قلة الجزئيات المستقرأة أو كثرتها؛ إلا أنه ينبه هنا على أمرين:

الأول منهما: أن الجزئي الواحد ونحوه - مما لا يفيد ظن عموم الحكم - لا يكفي في الاستقراء؛ لأن طبيعة الاستقراء تقتضي التتبع، والتتبع لا يكون لواحد؛ ولأنهم في الاستدلالات الفقهية إذا ذكروا استقراءً قالوا: الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، وهذا يقتضي عدم الاكتفاء بعدد يسير لا يفيد الظن.

الأمر الثاني: أنه كلما قلَّت الجزئيات المستقرأة كلما كان الظن أضعف، وكانت نتيجة هذا الاستقراء إلى الخطأ أقرب منها إلى الصواب، وهذا بخلاف ما لو كانت الجزئيات المستقرأة كثيرة، فإن الظن يزداد كلما زاد عدد ما يُستقرأ من جزئيات.

الجهة الثانية: أثر الكثرة والقلة في حجية الاستقراء، وهنا ينظر إلى ما تقرر سابقاً من أقسام له، فالاستقراء التام حجة قطعية اتفاقاً، وهذا الأمر فيه ظاهر بناءً على ما عليه اصطلاح المناطقة، أما على اصطلاح الأصوليين؛ فإن احتمال مخالفة الصورة المتنازع فيها لبقية الصور المستقرأة أمر بعيد، والاحتمالات البعيدة لا تنافي القطع العادي، أما الاستقراء الناقص - وهو ما كان الاستقراء فيه لأكثر الجزئيات فما دون - فيُلاحظ فيه جانبان:

الأول منهما: كون هذا الاستقراء معتمداً على قانون العلية، بمعنى: أن تكون الجزئيات المستقرأة مشتركة جميعاً في علة واحدة، وفي هذه الحالة يكون حكم الاستقراء مثل حكم القياس من حيث الاحتجاج به، ومن حيث القطعية والظنية؛ إلا أنه ينبه إلى أنه في الاستقراء يكون الظن أقوى منه في القياس من حيث تعدد الأصول وكثرتها.

الجانب الثاني: كون هذا الاستقراء معتمداً على قانون الطرد المجرد عن المناسبة بين الجزئيات المستقرأة، فهذا الاستقراء لا يفيد الظن؛ إلا إذا كثرت الجزئيات التي هي محل الملاحظة، أما إذا قلَّت؛ فإنها حينئذٍ قد توقع في الخطأ؛ لما يطرأ عليها من احتمال وجود جزئيات أخرى مخالفة لما تمَّت ملاحظته فيما سبق مما يستدعي تبديل الحكم السابق بما يتفق مع الجزئيات الحادثة.

ثم الباب الثالث، وكان الحديث فيه عن أثر الكثرة والقلة في الدلالات، ومن أهم نتائجه ما يلي:
• أن غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره، ويكون هو المتبادر إلى الذهن حال التخاطب به أحد معنيي الوضع، وهذا هو حال المنقولات الثلاثة - الشرعية والعرفية العامة، والعرفية الخاصة - فإن الوضع هنا هو غلبة استعمال في هذه المعاني، وهذا المعنى للوضع ليس فيه قصد من الواضع، وإنما هو أمر اتفاقي لاحق.

• يقصد بالمجاز: اللفظ المستعمل بوضع ثانٍ؛ لعلاقة، أو هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ومن المتقرر عند أهل العلم أن العمل بالحقيقة واجب من غير بحث عن المجاز؛ إلا أن بعضهم جعل من شرط العمل بالحقيقة البحث عن المجاز؛ فلا يجوز الاعتماد على شيء من الحقائق إلا بعد البحث عن المجاز، كما أنه لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصِّص، ويرى بعضهم أن احتمال وجود المخصِّص أقوى من احتمال وجود المجاز؛ فلا تتساوى المسألتان، والذي يظهر هو أن للقول بغلبة المجاز وكثرته في اللغة أثراً في القول بتساوي المسألتين.

• من الحروف ما يسمى بحروف المعاني: وهي التي تدل على معنى في غيرها، كالواو في قولك: جاء زيد ومحمد، فإنها تدل على اشتراكهما في المجيء، ولكثرة الاستعمال أثر في هذه الحروف من جهتين:
الأولى منهما: أن كثرة الاستعمال تدل على المعنى الحقيقي لذلك الحرف.
الجهة الثانية: أن كثرة الاستعمال تضبط المواطن التي يستعمل فيها الحرف في معنى معيَّن.

• إذا جاء لفظ عام تحته صورة نادرة، وعادة العرب أنها إذا أطلقت ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها، فإن هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله من هذا اللفظ، وإن كان سبحانه وتعالى عالماً بها؛ لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد به هذه الصورة؛ إلا أنه يشترط في الصورة النادرة حتى لا يشملها اللفظ العام ما يلي:
أولاً: أن لا يدوم ورود هذه الصورة ببال المخاطبين بها، فإن دام دخلت قطعاً؛ إذ دوام النادر يلحقه بالغالب.

ثانياً: أن لا توجد قرينة تدل على دخوله؛ فإن وجدت عمل بها اتفاقاً.
وينبه هنا إلى أن وصف الصورة بكونها نادرة أو لا أمر عرفي يختلف بحسب كل صورة.

وإذ تقرر ذلك؛ فإن من ينظر إلى صيغة العموم باعتبار ما تدل عليه في أصل وضعها على الإطلاق يرى أن المخرج للصورة النادرة عن شمول اللفظ العام لها هو العادة، ومن ينظر إلى صيغة العموم باعتبار المقاصد الاستعمالية يرى أن الصورة النادرة لم يشملها اللفظ العام أصلاً حتى تخرج منه؛ إذ المتكلم لا يقصد بالعام عادة هذه الصورة النادرة.

• أنه لا خلاف بين أهل العربية والأصول في كون جمع المذكر السالم لا يتناول عند إطلاقه الإناث بحال، ولم يذهب من ذهب من الأصوليين إلى تناول الخطاب بجمع المذكر السالم للجنسين في كلام الشارع؛ لأجل المنازعة في ذلك، ولكنه لما كثر في أحكام الشرع أن حكم الذكور والإناث واحد، وصار ذلك غالباً كان تقدير هذه العادة الغالبة بحمل الخطاب هنا على إرادة الجنسين.

• أن لكثرة ورود التخصيص على الأدلة العامة أثراً في دلالة هذه الأدلة، فكثرة التخصيص أورث شبهة واحتمالاً في كل دليل عام أنه ربما أراد الشارع منه بعض أفراده، ولو لم يظهر المخصِّص فعلاً؛ فتصبح دلالتها على أفرادها دلالة ظنية؛ إلا أن هذه القرينة - وهي كثرة المخصَّص من هذه الأدلة العامة - لا تحول دون وجوب العمل بكل نص عام وإجرائه على مقتضاه العام ما دام أنه لم يخصَّص فعلاً؛ ما لم يكن اللفظ العام الجزئي قد ورد عليه التخصيص كثيراً؛ فإنه حينئذٍ لا يعمل به في عمومه إلا بعد البحث والكشف عن المسألة - التي هي محل النظر - هل هي من المستخرج من الدليل العام أو من المستبقى؟، أما إذا لم يُعلم تخصيصه أو عُلِم تخصيص صور معينة منه؛ فإن الراجح أنه لا يعمل بالدليل العام في الصورة - التي هي محل النظر - حتى يغلب على الظن انتفاء المخصِّص لها.

• أن استمرار تكرر الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم قرينة على أن ذلك الفعل ليس خاصاً به صلى الله عليه وسلم.

• أنه لا أثر لكثرة ورود الأحكام العامة على أسباب خاصة في التخصيص بها؛ للإجماع على عموم تلك الأحكام مع كونها واردة على أسباب خاصة.

• أنه لا أثر لقلة أفراد العام بعد التخصيص في شمول اللفظ العام لها، ولو كان المتبقي من تلك الأفراد فرد واحد؛ لأن العموم هو الشمول والاستغراق، والشمول والاستغراق متناول للواحد.

• الأصل في الاستثناء أنه استدراك من المتكلِّم على ما نطق به في أول كلامه، وإذا تقرر ذلك؛ فإن الشيء القليل في معرض النسيان والغفلة؛ لقلة التفات النفس إليه، أما الشيء الكثير؛ فهو متذكَّر محفوظ، وبناءً عليه؛ فإنه يمتنع استثناء العدد المستغرق للمستثنى منه بالاتفاق، ويصح استثناء العدد الأقل بالاتفاق، أما استثناء العدد الأكثر أو المساوي للمستثنى منه؛ فاختلفوا فيه، والراجح هو صحته في الأحكام الفقهية - وهو ما يهتم الأصولي بتقريره - وإن كان مستهجناً في اللغة العربية.

• أنه بمقدار قلة القيود وكثرتها تتفاوت رتبة المقيّد، فما كانت قيوده أكثر كانت رتبته في التقييد أعلى.

• يقصد بالمفهوم: هو ما دلَّ عليه اللفظ لا في محل النطق، وجمهور أهل العلم قد خصوه بما فهم عند النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه، وهو قسمان:

الأول منهما: مفهوم الموافقة: وهو أن يكون حكم المسكوت عنه موافقاً لحكم المنطوق به، وهو نوعان: أولوي، ومساوي، ومن طرق معرفة الأولوية والمساواة بين المنطوق والمفهوم اعتبار مقياس الكثرة والقلة بينهما.

القسم الثاني: مفهوم المخالفة: وهو إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، ومن شروطه: أن لا يكون القيد المذكور في الخطاب جارياً على ما هو الغالب عادة، ويقصد بغلبة الوصف هنا: أن يكون الوصف الذي وقع التقييد به غالباً على تلك الحقيقة وموجود معها في أكثر صورها، والمرجع في تحديد ذلك هو العرف، فما يُعدُّ غالباً؛ فهو غالب، وما لا؛ فلا، وإذا تقرر ذلك؛ فإن ذكر هذا القيد لا يعني نفي الحكم عما عداه.

• يقصد بمفهوم العدد: أن يعلَّق الحكم بعدد مخصوص بحيث يدل ذكره على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد، ولا شك أن مما يمنع الأخذ به هو أن يكون ذكر ذلك العدد لغرض آخر غير نفي الحكم عما عداه، كأن يكون ذكره لقصد التكثير؛ فإنه حينئذٍ لا يؤخذ بمفهومه.

ثم الباب الرابع، وكان الحديث فيه عن أثر الكثرة والقلة في الاجتهاد والفتوى والترجيح، ومن أهم نتائجه ما يلي:
• اشترط الأصوليون في المجتهد المطلق إحاطته بمدارك الأحكام، وقد تناولوا في حديثهم عنها ما يتعلق بالكمية والمقدار الواجب على المجتهد تحصيله منها على وجه يكون ما دونه في المقدار مؤثرِّاً في أهليته، وعلى كل حال؛ فقد ضبط بعض أهل العلم المقدار الواجب تحصيله على المجتهد من هذه المدارك، وما يلتحق بها، فالمشترط في الاجتهاد هو معرفة ما يتوقف عليه حصول ظن الحكم الشرعي، ولاشك أن من ألَمَّ بجميع هذه المدارك؛ فهو في الرتبة العليا، ومن أحاط بشيء منها؛ فمقداره ما أحسن.

• أن لكثرة وقوع المسألة المستفتى فيها أثراً في عدم تجديد السؤال عنها إذا وقعت؛ إذ في السؤال عنها مشقة على المستفتي، أما إذا كان وقوعها قليلاً؛ فإن الصحيح هو عدم تجديد السؤال عنها في حال وقوعها مرة أخرى، وكذا الكلام بالنسبة لتجديد المجتهد النظر فيها.

• أن للكثرة والقلة أثراً في طرح السؤال وفرضه، ويظهر ذلك من خلال أمرين:
الأول منهما: أنه قد ورد في نصوص الشريعة، وفي كلام العلماء ما يدل على المنع من السؤال عما لم يقع، وورد أيضاً ما يدل على جوازه، والجمع بين ذلك هو بحمل ما جاء في المنع على أن المراد به المنع من السؤال الذي لا فائدة منه أو تَقِل - كأن تكون المسألة المطروحة لم تقع أصلاً، أو أنها نادرة الوقوع - ويحمل ما جاء في جوازه على أن المراد به جواز السؤال الذي له فائدة، وما قيل في طرح السؤال هنا من المستفتي يقال مثله في فرضه من المفتي.

الأمر الثاني: أن كثرة السؤال مظِنَّة للسؤال عما لا فائدة منه، وكذلك القول في كثرة فرض المسائل.

• من الطرق التي لها علاقة بالكثرة والقلة في معرفة المفتي ما يلي:
أولاً: الشهرة والاستفاضة، فمن اشتهر بين الناس علمه وعدالته؛ فهو أهل لهذا الأمر، ومن لا؛ فلا.

ثانياً: الخبر، والمقصود به هنا: خبر عدل أو عدلين، أو خبره عن نفسه، مع ورعه بأنه أهل للفتيا، وهو دون الطريق الأول؛ إذ إن المستفتي لا يبحث عن حال من يستفتيه إلا عندما لا يكون مشهوراً بهذا الأمر، ويكفي في هذا الباب ما يورث الظن الغالب بأن فلاناً أهل للاجتهاد.

• يقصد بالترجيح: تقوية دليل على دليل، والكثرة والقلة ما هما إلا سببان من أسباب تلك القوة، وينبه هنا على ثلاثة أمور:
الأول منها: أن الكثرة والقلة قد ينظر لها في هذا الباب نظرة مجردة، فيقال: ترجح هذا على هذا؛ لكثرته، أو لقلته، وقد ينظر لها نظرة نسبية، فيقال: ترجح هذا على هذا؛ لأنه أكثر منه، أو أقل.

الأمر الثاني: أن الترجيح بمقدار الكثرة والقلة هو في حال تساوي الدليلين المتعارضين في الأمور الأخرى المؤثِّرة في الترجيح بين الدليلين، وليس معنى ذلك أن لا يوجد دليلان متعارضان يرجح أحدهما على الآخر بالنظر إلى هذا المقياس؛ إلا وهما متساويان في باقي الأمور المؤثِّرة في الترجيح، بل قد يجتمع في الدليل الواحد أكثر من مرجّح.

الأمر الثالث: أن إحصاء الترجيحات التي أثَّر فيها مقدار الكثرة والقلة غير مقصود هنا، لكن حسبي هنا ما وقفت عليه مما ذكره الأصوليون من ترجيحات أثَّر فيها هذا المقياس، ناظراً فيها بمنظار الجمع والشمول، وإذا تقرر ذلك؛ فإن من الترجيحات التي ذكرها الأصوليون مما له علاقة بالكثرة أو القلة أو بهما ما يلي:

أولاً: الترجيح بكثرة الرواة، ويقصد به: أنه إذا تعارض خبران أحدهما أكثر رواة من الخبر الآخر؛ فإن الخبر الأكثر رواة مقدَّم على غيره، وكلما كثر عدد الرواة كلما قوي الظن بصدقهم فيما ينقلونه من أخبار.

ثانياً: الترجيح بقلة الوسائط، ويقصد به: أنه إذا تعارض خبران، والراوي في أحدهما يُحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة رجل واحد - مثلاً - وراوي الخبر الآخر يُحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة رجلين، فإن رواية الأول مقدمة على رواية الثاني؛ لأن الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أقل، واحتمال الخطأ والغلط فيما قلَّت روايته أقل، ويسمى الترجيح بهذا الأمر ب- (الترجيح بعلو الإسناد).

ثالثاً: الترجيح بكثرة الملازمة والمجالسة للنبي صلى الله عليه وسلم، فالراوي الأكثر ملازمة ومجالسة يقدم خبره على من هو أقل منه في هذا الشأن، ويشتمل الترجيح بهذا الأمر صوراً كثيرة، منها: ترجيح رواية الأكابر على رواية الأصاغر، والأكثر صحبة على الأقل، والخلفاء الأربعة على غيرهم، والأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الأبعد...، ولا يختص الترجيح بهذا الأمر بالذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يتعدى الترجيح به في كل راوٍ مع من روى عنه، فإذا اشترك جماعة في الرواية عن رجل، وتعارضت رواياتهم، أخذنا برواية الأكثر مجالسة وملازمة له، والسر في الترجيح بهذا الأمر، هو أن الأكثر مجالسة وملازمة أكثر خبرة من غيره بمن روى عنه.

رابعاً: الترجيح بكثرة المزكين، ويقصد به: أنه إذا تعارض خبران، والراوي في أحدهما زكَّاه عدد أكثر ممن زكّى راوي الخبر الآخر، فإن رواية من زكَّاه عدد كثير مقدَّمة على رواية من زكَّاه عدد أقل من ذلك؛ فكثرة المزكين للراوي مؤثِّرة في الاطمئنان والثقة بثبوت العدالة له.

خامساً: الترجيح بكثرة الحفظ، وزيادة الضبط، ويقصد به: أنه إذا تعارض خبران، والراوي في أحدهما أكثر حفظاً وضبطاً من راوي الخبر الآخر، فإن رواية من هو أكثر حفظاً وضبطاً مقدَّمة على غيره، وينبه هنا إلى أمرين:

الأول منهما: أن وصف الراوي بكونه حافظاً، يعني: سلامة محفوظه من أن يقع فيه سهو أو غلط أو نسيان، فالحفظ هنا بمعنى الضبط، وهو المقصود هنا، وللحفظ معنى آخر، وهو حفظ لفظ الحديث في قلبه، وهو معنى معتبر في الحفظ؛ إلا أنه لا أثر للترجيح بكثرة المحفوظات وقلتها؛ إذ العبرة هنا بضبط الراوي وإتقانه.

الأمر الثاني: أن المقصود بقلة الضبط هنا: هي القلة التي لا تؤدي إلى حدِّ المنع من قبول مرويات الراوي.
وإذا تقرر ذلك؛ فإنه بمقدار تفاوت الرواة في هذه الخصلة تتفاوت درجة أحاديثهم من حيث كونها صحيحة أو حسنة.

سادساً: يرجح ما دلَّ على المراد من وجهين على ما دلَّ عليه من وجه واحد؛ وكلما تعددت وكثرت أوجه الدلالة كلما قوي الظن بالمدلول.

سابعاً: الترجيح بقلة الواسطة في الدلالة على الحكم، ويقصد به: أنه إذا تعارض خبران، دلالة أحدهما على المطلوب مباشِرة، ودلالة الخبر الآخر على المطلوب بواسطة، فإن ما دلَّ على المطلوب مباشرة أقوى، وكلما كثرت وسائط الدلالة كلما كثرت الاحتمالات.

ثامناً: ترجيح ما قلَّ الإبهام فيه على ما كثر، فإذا تعارض احتمالان في دليل واحد، وكان أحدهما أوضح من الآخر في الدلالة على المراد؛ فإنه يؤخذ به، ويقدَّم على غيره، ويشمل الترجيح هنا صوراً منها: ترجيح مشترك قلَّ مدلوله على ما كثر، وترجيح ما قلَّ المجاز فيه على ما كثر...

تاسعاً: الترجيح بكثرة الاستعمال، فإذا تعارض في اللفظ احتمالان هو في أحدهما أكثر استعمالاً من غيره؛ فإنه يؤخذ به، ويقدَّم على غيره، ويشمل الترجيح هنا صوراً منها: ترجيح المعنى الحقيقي على المعنى المجازي؛ إذا كان المعنى المجازي مهجوراً أو مرجوحاً، ويرجح المعنى المجازي في هذه الحالة؛ إذا كان المعنى الحقيقي مهجوراً، وكذا - على الصحيح - إن كان مرجوحاً، ومن الصور أيضاً: ترجيح حمل اللفظ على كونه حقيقة في أحد هذه المعاني مجاز فيما عداه على حمله على كونه مشتركاً بين هذه المعاني؛ لأن المجاز أكثر استعمالاً في اللغة من المشترك.

عاشراً: ترجيح ما قلت أفراده بالتخصيص على ما كثرت عند من يرى ترجيح العام الذي لم يخص على العام المخصوص؛ لأن اللفظ العام الذي قلَّ المُخْرج منه بالتخصيص أقرب إلى الأصل - وهو البقاء على العموم - ومخالفة الأصل فيه أقل.

حادي عشر: الترجيح بكثرة الأدلة، فإذا تعارض حكمان استند أحدهما إلى أدلة هي أكثر من أدلة الحكم الآخر قُدِّم عليه، وقد جرت عادة أهل العلم على نصرة أقوالهم بحشد أكبر قدر ممكن من الأدلة عليها.

ثاني عشر: الترجيح بعمل الأكثر عند من لا يراه إجماعاً، فإذا تعارض دليلان أو حكمان، وعمل بمقتضى أحدهما أكثر ممن عمل بمقتضى الدليل الآخر، قُدِّم ما عليه الأكثر، وشرط الترجيح به: أن لا يكون ما أخذ به المعارِض من دليل يخفى مثله على الأكثر، وإذا تقرر ذلك؛ فإن الترجيح به متفاوت بحسب اتساع الفارق العددي بين الأكثرية والأقلية، وقد اعتنى جماعة من أهل العلم ببيان ما عليه أكثر العلماء في المسائل الخلافية، وما ذاك إلا لما يجدونه من طمأنينة في الأخذ برأيهم، ولعل الترجيح بإجماع أهل المدينة يُعد من هذا القبيل.

ثالث عشر: الترجيح بكثرة الأصول في العلل المتعارضة، وصورته: أن تتعارض علتان إحداهما يشهد لها أصول كثيرة، والأخرى يشهد لها أصول قليلة، وقد لا يشهد لها إلا أصل واحد، فإنه - والحالة هذه - تقدم العلة التي شهد أصول كثيرة؛ إذ كثرة الأصول شواهد لصحة العلة، وكلما كثرت الأصول كلما قوي الظن بصحة العلة.

رابع عشر: الترجيح بكثرة الفروع في العلل المتعارضة، وصورته: أن تتعارض علتان إحداهما أكثر فروعاً من الأخرى، فإن الأكثر فروعاً - حينئذٍ - هي المقدَّمة؛ لأن فائدتها أكثر، وقد يعبَّر عن ذلك بعبارات مختلفة منها: ترجيح العلة المتعدية على القاصرة، والعامة على الخاصة.

خامس عشر: الترجيح بقلة الأوصاف في العلل المتعارضة، وصورته: أن تتعارض علتان إحداهما أقل أوصافاً من الأخرى، فإنه - حينئذٍ - تقدم العلة الأقل أوصافاً على غيرها؛ إذ التعليل بها أقرب إلى الضبط، والحاجة إلى كثرة الأوصاف؛ إنما تكون في حالة بُعد الفرع، وهو - أي التعليل بقلة الأوصاف وكثرتها - بمنزلة من قربت قرابته، ومن بَعُدت؛ ولهذا فإن ابن العم لما كان لا يدلي إلى الميت إلا بجماعة توسطوا بينه وبين الميت، لم يكن بمنزلة الابن والأب اللذين يدليان إليه بأنفسهما، وقد يعبَّر عن ذلك بعبارات مختلفة منها: ترجيح العلة البسيطة على العلة المركبة.

سادس عشر: الترجيح بكثرة الشبه، وصورته: أن يتردد فرع بين أصلين هو بأحدهما أكثر شبهاً من الآخر؛ فإن إلحاق الفرع بما يشبهه أكثر أولى عند القائلين بالقياس؛ لما فيه من قوة الظن، وقوة التشابه وضعفه متفاوت بحسب تفاوت الأوصاف المشتركة بين الأصل والفرع كثرة وقلة
----------
المصدر (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد goryID=5&ResearchID=10)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-06-10 ||, 03:21 PM
-----

مصطفى سعد احمد
10-11-15 ||, 04:42 PM
هناك بحث للدكتورعبدالكريم النملة اقل العدد عند الاصوليين واثر الاختلاف فيه هل يدخل من هذا الباب