المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (5)...موقف ابن رجب من الإجماع والشذوذ



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-09 ||, 03:00 PM
تم إعادة ترتيب الموضوع على هذا الرابط (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد.
في هذا الموضوع ستناول بحول الله وقوته موقف الإمام الحافظ زين ابن رجب الحنبلي رحمه الله من الإجماع والشذوذ.
وقد فرغتُ والحمد لله من جمع مادته من خلال جرد جميع كتاب ابن رجب المطبوعة من شرح البخاري وشرح الأربعين ورسائله المجموعة وكتابه الاستخراج في أحكام الخراج وأخيرا كتابه في التراجم: الذيل على طبقات الحنابلة.
وقد تم ذلك قبل سنة ونصف.
على أنه بقي لي شرح علل الترمذي وفيه جملة تتعلق بصلب الموضوع.
وقل مثل ذلك في القواعد.
لكن المادة تحتاج إلى ترتيب وتنظيم، وعنَّ لي أن أصنع ذلك في هذا الموضوع، وبالله التوفيق:
وقد رسمتُ لنفسي خطة أولية في عدة عناصر ليس بالضرورة أن ألتزم بها بقدر ما هو محاولة للمِّ أطراف الموضوع، وسيعاد رسمها بشكل دقيق عند الانتهاء من الموضوع بحول الله وقوته..
============
الشذوذ عند الإمام ابن رجب رحمه الله:
وفيه مطالب:

ترجمة ابن رجب.
معنى الشذوذ عند ابن رجب.
موقف ابن رجب من الشذوذ.
موقف ابن رجب من اتباع غير المذاهب الأربعة.
§ موقف ابن رجب من العمل بالحديث.
§ موقف ابن رجب من المتأخرين.
§ موقف ابن رجب رحمه الله من المدارس الفقهية
§ مدرسة أهل الرأي.
§ مدرسة أهل الظاهر.
§ مدرسة فقهاء الحديث.
§ دراسة تطبيقية في تناول ابن رجب لجملة من المسائل.
§ ابن رجب يعتبر العمل وإن لم يرد فيه نص.
§ من يعتد بقوله من الفقهاء.
§ تصريح النصوص ببعض الأحكام التي لا يعلم قائل بها.
§ إجماع من يعتد به.
§ الإجماع.
§ الشذوذ.
§ أسباب الشذوذ.
§ توسيع ابن رجب دائرة الشذوذ.
§ موقف ابن رجب من متأخري الفقهاء.
§ مسلك لابن رجب يصرح أنه لم يسلكه أحد قبله.
§ ابن رجب ينصر قولا حكي الإجماع على خلافه.
§ الفرق بين التأويلات الضعيفة وما يحتمل منها.
§ موقف ابن رجب من انفرادات أحمد.
§ مدى استفادة ابن رجب من ابن عبد البر.
النتائج.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-09 ||, 03:03 PM
مقدمة

مما يزيد من تصميم الإنسان على معرفة موقف ابن رجب رحمه الله من الشذوذ أمور:
منها: موقفه المعروف تجاه اتِّباع غير المذاهب الأربعة.
ومنها: إشرافه على أقوال أهل العلم وسعة اطلاعه على مصنفاتهم فهو ينقل عن الطحاوي ثم يتعقَّبه باستغراب صاحبه في المذهب أبو بكر الرازي...فلقد كان الاستقصاء دأبه وعادته وإذا ذكر مسألة في السير أشار إلى سير أبي إسحاق الفزاري، وإذا ذكر مسألة في النفاق أشار إلى كتاب صفة النفاق وذم المنافقين للفريابي، وإذا ذكر التفكر ذكر بعض الآثار من كتاب التفكر لابن أبي الدنيا؛ وهكذا دواليك.
ومنها: أنه بضميمة ما سبق فقد كان قارئا ناقدا فاحصا، ففي مسألة المسبوق في الصلاة هل ما يقضيه أول صلاته أو آخرها؟ يقول بعد أن ساق الخلاف في المسألة:وقد تبين بهذا أن أكثر العلماء ليس لهم في المسألة قول مطرد.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) )
ومنها: قوة شخصيته وتميزها وشجاعتها، ففي النقل السابق لم يبال بأن يدعي أن أكثر العلماء ليس لهم في المسألة قول مطرد، وهذا في العادة لا يقول مثله إلا من كان على صنو ابن رجب.
ومنها: أنه من أعيان أهل الحديث ومن حفاظه الكبار ومن نقاده الصيارفة، ومن خاصة فقهاء الحديث والمشتغلين به، وهو بهذا يدفع أمرين ربما يكونان مانعين من تحقيق هذه المسألة :
1- بعض المشتغلين بالحديث من ناحية الإسناد، والذي قد يوقعه قصورهم في إدراك متنه في أنواع من الأغلاط منها ما يسمى بالشذوذ.
2- جماعة من المتفقهة والذين يحملهم قصورهم في معرفة النصوص، وغلبة التقليد عليهم على عدم تحقيق المسائل على الوجه الذي ينبغي أن يكون مما يرتب عليه دفع بعض النصوص مع أنها غاية في الصحة والصراحة.
ومنها: أن ابن رجب رحمه الله كان متتبعاً لأنواع الشذوذ ومسائله وأسبابه كما سيظهر ذلك في مبحث خاص.
ومنها: أنه كان عند ذكر تراجم الرجال في السير أو حينما يعرض لهم في المسائل ينبه على ما وقعوا فيه من الشذوذ، حتى وقع له ذلك مع ابن تيمية رحمه الله مع تعظيمه له حتى كان يسمه بشيخ الإسلام.

([1]) فتح الباري: (5/409)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-09 ||, 03:36 PM
موقف ابن رجب من الإجماع:
نسوق النقولات أولاً ثم نستخلص منه النتائج بإذن الله:
النقل الأول:
يقول ابن رجب رحمه الله في كتابه الحافل بالأعلاق النفيسة والممتلئ بالجواهر الثمينة "جامع العلوم والحكم":
- في الجملة فما ترك الله ورسولُه حلالاً إلا مُبيَّناً ولا حراماً إلاَّ مبيَّنا.
- بعضُه كان أظهر بياناً من بعض.
- ما ظهر بيانُه، واشتهرَ وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة لم يبق فيه شكٌّ، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهر فيه الإسلام.
- ما كان بيانُه دون ذلك، فمنه:
1- ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم.
2- ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضاً ، فاختلفوا في تحليله وتحريمه.
وذلك لأسباب :
منها: أنَّه قد يكون النصُّ عليه خفياً لم ينقله إلا قليلٌ من الناس ، فلم يبلغ جميع حملة العلم.
ومنها: أنَّه قد ينقل فيه نصان ، أحدهما بالتحليل ، والآخر بالتحريم ، فيبلغ طائفةً أحدُ النصين دون الآخرين ، فيتمسكون بما بلغهم ، أو يبلغ النصان معاً من لم يبلغه التاريخ ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ.
ومنها: ما ليس فيه نصٌّ صريحٌ، وإنَّما يُؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس ، فتختلف أفهامُ العلماء في هذا كثيراً .
ومنها: ما يكون فيه أمر ، أو نهي ، فيختلفُ العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب ، وفي حمل النهي على التحريم أو التنْزيه.
وأسبابُ الاختلاف: أكثرُ مما ذكرنا .
ومع هذا فلابد في الأمة:
من عالم يُوافق قولُه الحقَّ ، فيكون هو العالِم بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهاً عليه ولا يكون عالماً بهذا.
فإنَّ هذه الأمة:
1- لا تجتمع على ضلالة.
2- ولا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها ، فلا يكونُ الحقُّ مهجوراً غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشتبهات : (لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من النَّاس) فدل على أنَّ من الناس من يعلمها، وإنَّما هي مشتبهة على من لم يعلمها وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء ."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
النقل الثاني:
ويقول أيضاً في نفس الكتاب:
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أنَّها سُئِلَتْ عن أكل الصيدِ للمحرم، فقالت: إنَّما هي أيامٌ قلائل فما رابك فدعه.
يعني: ما اشتبه عليك ، هل هو حلال أو حرام ، فاتركه ، فإنَّ الناسَ اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْه هُوَ . ...
وقد يستدلُّ بهذا: على أنَّ الخروج من اختلاف العلماء أفضلُ ؛ لأنَّه أبعدُ عن الشبهة
ولكن المحققون من العلماء من أصحابنا وغيرهم :
على أنَّ هذا ليس هو على إطلاقه، فإنَّ من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رخصة ليس لها معارض، فاتباعُ تلك الرخصة أولى من اجتنابها ، وإنْ لم تكن تلك الرخصة بلغت بعضَ العلماء ، فامتنع منها لذلك ، وهذا كمن تَيَقَّن الطهارة ، وشكَّ في الحدث ، فإنَّه صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (لا يَنْصَرِف حتّى يَسمع صوتاً أو يَجِدَ ريحاً)
ولاسيما إنْ كان شكُّه في الصلاة ، فإنَّه لا يجوز له قطعُها لِصحة النهي عنه ، وإنْ كان بعض العلماء يوجب ذلك .
وإنْ كان للرخصة معارض:
1- إما من سنة أخرى.
2- أو من عمل الأُمَّةِ بخلافها.
فالأولى: تركُ العمل بها.
وكذا: لو كان قد عمل بها شذوذٌ من الناس ، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة ، فإنَّ الأخذ بما عليه عملُ المسلمين هو المتعيَّنُ ، فإنَّ هذه الأمة قد أجارها الله أنْ يظهر أهلُ باطلها على أهل حَقِّها ، فما ظهر العملُ به في القرون الثلاثة المفضلة ، فهو الحقُّ ، وما عداه فهو باطل."
النقل الثالث:
ويقول أيضاً في نفس الكتاب:


"قال معاذ بن جبل :
أحذركم زيغةَ الحكيم ، فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق


فقيل لمعاذ:
ما يُدريني أنَّ الحكيمَ قد يقول كلمةالضلالة ، وأنَّ المنافق يقول كلمةَ الحقِّ ؟
قال:
اجتنبمن كلام الحكيم المشتهرات التي يُقال : ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه ، فإنَّهلعلَّه أنْ يُراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إذا سمعته ، فإنَّه على الحقِّ نوراً. خرَّجه أبو داود.
وفي روايةٍ له:
قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيمِ حتَّى تقول : ما أراد بهذه الكلمة؟

يقول ابن رجب رحمه الله:
فهذا يدل على أنَّ الحقَّ والباطل لايلتبِسُ أمرُهما على المؤمن البصير ، بل يعرف الحقَّ بالنُّور الذي عليه ، فيقبلهقلبُه ، ويَنفِرُ عن الباطل ، فينكره ولا يعرفه ، ومِنْ هذا المعنى قولُ النَّبيِّصلى الله عليه وسلم: (سيكون في آخر الزَّمان قوم يحدِّثونَكم بما لمتسمعوا أنتم ولا آباؤكم ، فإيَّاكم وإياهم)يعني : أنَّهم يأتون بما تستنكره قلوبُالمؤمنين ، ولا تعرفه.


وفي قوله: ( أنتم ولا آباؤكم )


إشارةٌ إلى أنَّ مااستقرَّت معرفتُه عند المؤمنين مع تقادُمِ العهد وتطاول الزَّمان، فهو الحقُّ،وأنَّ ما أحدث بعد ذلك مما يستنكر ، فلا خيرَ فيه ."

النقل الرابع:
يقول رحمه الله في رسالته "الحكم الجديرة بالإذاعة":
"وهذه الأمة عصمها الله عن الاجتماع على ضلالة:
فلا بد أن يكون فيها من يبين أمر الله ورسوله، ولو اجتهدت الملوك على جمع الأمة خلافه لم يتم لهم أمرهم . كما جرى مع المأمون والمعتصم والواثق ، حيث اجتهدوا على إظهار القول بخلق القرآن وقتلوا الناس وضربوهم وحبسوهم على ذلك، وأجابهم العلماء تقية وخوفاً ، فأقام الله إمام المسلمين في وقتهم أحمد بم حنبل ، فرد باطلهم حتى اضمحل أمرهم، وصار الحق هو الظاهر في جميع بلاد الإسلام والسنة ، ولم يكن الإمام أحمد يحابي أحداً في مخالفة شيء من أمر الرسول وإن دق ولو عظم مخالفة في نفوس الخلق . فقد تكلم في بعض أعيان مشايخ العلم والدين لمسألة أخطأها ، فحمل أمره حتى لما مات لم يصل عليه إلا نحو أربعة أنفس ، وكان كلما تكلم في أحد سقط ، لأن كلامه تعظيم لأمر الله ورسوله لا هوى نفسه ."([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))
قال أبو فراس:
هذه النصوص تفيد ما يلي:
1- هذه الأمة عصمها الله أن تجتمع على ضلالة.
2- هذه الأمة لا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها، فلا يكونُ الحقُّ مهجوراً غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار.
3- مااستقرَّت معرفتُه عند المؤمنين مع تقادُمِ العهد وتطاول الزَّمان، فهو الحقُّ،وأنَّ ما أحدث بعد ذلك مما يستنكر ، فلا خيرَ فيه.
4- لابد في الأمة من عالم يُوافق قولُه الحقَّ ويبين أمر الله ورسوله ولا يكون مشتبها عليه.
5- في الجملة فما ترك الله ورسولُه حلالاً إلا مُبيَّناً ولا حراماً إلاَّ مبيَّنا.
6- يختلف بعضه بالظهور والبيان.
7- ما ظهر بيانُه، واشتهرَ وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة لم يبق فيه شكٌّ، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهر فيه الإسلام.
8- ما كان بيانُه دون ذلك، فهو على قسمين:
أ‌- ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم.
ب‌- ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضاً ، فاختلفوا في تحليله وتحريمه، لأسباب.
9- من أسباب خفاء بعض النصوص مما أوجب الخلاف فيها هو ما يلي:
§ خفاء النص وقلة نقلته.
§ بلوغ أحد النصين، كبلوغ المنسوخ دون الناسخ، أو بلوغهما دون بلوغ التاريخ.
§ خلو المسألة من نص صريح، وإنَّما يُؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس ، فتختلف فيه أفهامُ العلماء.
§ ما يكون فيه أمر، أو نهي ، فيختلفُ العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب ، وفي حمل النهي على التحريم أو التنْزيه.
10- استحباب الخروج من اختلاف العلماء؛ لأنَّه أبعدُ عن الشبهة لكن هذا ليس على إطلاقه:
- ما ثبت فيه الرخصة التي ليس لها معارض فاتباعُ تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وقد يجب ذلك.
- إنْ كان للرخصة معارض: إما من سنة أخرى، أو من عمل الأُمَّةِ بخلافها، فالأولى: تركُ العمل بها.
- لو عمل بها شذوذٌ من الناس ، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة ، فإنَّ الأخذ بما عليه عملُ المسلمين هو المتعيَّنُ ، فإنَّ هذه الأمة قد أجارها الله أنْ يظهر أهلُ باطلها على أهل حَقِّها ، فما ظهر العملُ به في القرون الثلاثة المفضلة ، فهو الحقُّ ، وما عداه فهو باطل.

([1])جامع العلوم والحكم.

([2]) الحكم الجديرة بالإذاعة

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-09 ||, 03:48 PM
قراءة في رسالة ابن رجب "فضل علم السلف على علم الخلف" مع تسجيل النتائج (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-12 ||, 09:29 PM
موقف ابن رجب من العمل:
الحافظ ابن رجب رحمه الله ملتزم بالتمسك بما عليه العمل عند أهل العلم، ومنافر للأخذ بالأقوال التي ليس عليها أهل العلم:
وشواهد ذلك:
النقل الأول:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"جلوس الإمام على المنبر يوم الجمع إذا رقي المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة تلقاها الأمة بالعمل بها خلفا عن سلف ألا أن ابن عبد البر حكى عن أبي حنيفة أنه غير مسنون ولا خلاف أنه غير واجب."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
قال أبو فراس:
في هذا المثال إضافةً إلى اعتبار العمل إشارة إلى استفادة ابن رجب من ابن عبد البر، وسيأتي تناول ذلك في مبحث خاص.
النقل الثاني:
يقول ابن رجب في الأذان الثاني الذي أحدثه عثمان يوم الجمعة:
قوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا : ( فثبت الأمر على ذلك) ، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان أستمر ، ولم يترك بعد .
وهذا يدل: على أن عليا أقر عليه ولم يبطله فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين."([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))
النقل الثالث:
نقل رجب عن أبي هريرة في ساعة الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء:
أنها تلتمس في جميع مظانها ، من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس .
ونبه ابن رجب إلى أن أبا هريرة لم يرد- والله أعلم - :
أنها ساعتان : في أول النهار وآخره .
وإنما أراد:
أنها تلتمس في هذين الوقتين .
ثم قال:
ولا أعلم في التماسها في أول النهار عن أحد من السلف غير هذا، والمشهور عنهم قولان....([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))
النقل الرابع:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"بعد زوال الشمس وقبل خروج الإمام:
فهذا الوقت تستحب الصلاة فيه بغير خلاف نعلمه بين العلماء سلفا وخلفا.
ولم يقل أحد من المسلمين:
إنه يكره الصلاة يوم الجمعة بل القول بذلك خرق لإجماع المسلمين وإنما اختلفوا في وقت قيام الشمس.([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))
فائدة:
لابن رجب رسالتان:
§ نفي البدعة عن الصلاة قبل الجمعة
§ إزالة الشنعة عن الصلاة قبل الجمعة([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))
النقل الخامس:
يقول رحمه الله:
"ذكر الله في هذه الأيام نوعان:
أحدهما: مقيد عقيب الصلوات.
والثاني: مطلق في سائر الأوقات.
فأما النوع الأول:
فاتفق العلماء: على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة.
وليس فيهِ: حديث مرفوع صحيح.
بل إنما فيهِ: آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ.
وهذا مما يدل: على أن بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل يكتفى بالعمل به ." ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))
النقل السادس:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولا به عند الصحابة: ومن بعدهم: أو عند طائفة منهم فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به.
قال عمر بن عبد العزيز:
خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم."
النقل السابع:
وهي متضمنة لطريقةٍ في الحكم على الحديث بالشذوذ:
"يُستثنى من عُموم قوله تعالى : { النَّفْسَ بالنَّفْسِ } صُورٌ :
منها: أنْ يقتل الحرُّ عبداً ، فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردت في ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ.
وقيل: يقتل بعبدِ غيره دُون عبدِه، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه.
وقيل: يقتل بعبده وعبدِ غيره ، وهي رواية عن الثوري ، وقول طائفةٍ من أهل الحديث؛ لحديث سمرة ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (من قَتَلَ عبدهُ قتلناهُ ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ) وقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره.
وقد أجمعوا:
على أنَّه لا قصاص بين العبيدِ والأحرار في الأطراف.
وهذا يدلُّ:
على أنَّ هذا الحديث مطَّرَحٌ لا يُعمل به ، وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ المراد بقوله تعالى : {النَّفْسَ بالنَّفْسِ} الأحرار ؛ لأنَّه ذكر بعده القصاص في الأطراف ، وهو يختصُّ بالأحرار."([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))
قال أبو فراس:
هذه الطريقة يستعملها ابن عبد البر باستمرار، وليست هي بالأمر الظاهر عند ابن رجب، ولا أستبعد أن يكون قد استفادها منه، وممن يستعملها كثيرا ابن حزم وابن تيمية، ولكن نَفَس ابن عبد البر يتردد بين أحرف هذه المسألة.
النقل الثامن:
وهو يتضمن نقلا عن أحمد وإسحاق فيه التعبير بـ "سنة صحيحة مستعملة":
فقد نقل ابن رجب الحنبلي عن البيهقي الشافعي في كتابه: ( مناقب الإمام أحمد ) في مسألة رفع اليدين إذا قام من الثنتين الواردة في حديث ابن عمر: أن الإمام أحمد قال فيها:
"سنة صحيحة مستعملة، وقد روى مثلها علي بن أبي طالب وأبو حميد في عشرة من الصحابة ، وأنا أستعملها."
قالَ الحاكم أبو عبد الله : سئل الشيخ أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - عن ذَلِكَ ؟ فقال: أنا أستعملها ، ولم أر من أئمة الحديث أحدا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها.
يقول ابن رجب:
وهذه الرواية غريبة عن أحمد جدا ، لا يعرفها أصحابنا ، ورجال إسنادها كلهم حفاظ مشهورون ، إلا أن البيهقي ذكر أن الحاكم ذكرها في كتاب (رفع اليدين) وفي كتاب (مزكي الأخبار) ، وأنه ذكرها في(كتاب التاريخ) بخلاف ذلك ، عند القيام من الركعتين ، فوجب التوقف . والله أعلم ."([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))
قلت:
هذا فيه نظر أهل العلم إلى السنة من حيث استعمالها، إذ يدل على أنه من المعهود عندهم ورود بعض السنن التي يظهر صحتها من ناحية الإسناد ولم يستعملها أهل العلم.
النقل التاسع:
تصريح النصوص ببعض الأحكام التي لا يعلم قائل بها:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"في الحديث: تأكيد في خروج النساء في العيدين.
وقد ورد التصريح بوجوبه.
فخرج الإمام أحمد:
من رواية طلحة بن مصرف ، عن امرأة من بني عبد القيس ، عن أخت عبد الله بن رواحة الانصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : (وجب الخروج على كل ذات نطاق).
وفيه : امرأة لا تُعرف .
وخرج ابن شاهين في (كتاب العيدين) من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (العيدان واجبان على كل حالم ، من ذكر وأنثى) .
وفي إسناده : عمرو بن شمر، ضعيف جدا .
وروى الحارث عن علي ، قال : حق على كل ذات نطاق أن تخرج في العيدين .
وهذا مما لا يعلم به قائل أعني : وجوب الخروج على النساء في العيد . ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9))
النقل العاشر: وهو في موضوع النقل السابق
يقول ابن رجب رحمه الله:
"فأما الإنفراد بصلاتها لآحاد الناس في بيوتهم ، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فعله، ولو كان مشروعاً لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل ."([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10))
قال أبو فراس:
لابن حزم رحمه الله كلام في هذه المسألة فإنه لما استدل على مشروعية شهود النساء المساجد بأدلة العموم أورد على نفسه اعتراضا بأن هذا يلزمه بمقتضى الاستدلال بأدلة العموم القول بجواز إمامتهن الرجال فذكر وجها من التخريج كاد أن يكون على حساب تمسكه بمعالم مدرسته الظاهرية.
النقل الحادي عشر: تقديم الإجماع على النص:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"وقد روي عن عمار، أنهم تيمموا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط: من رواية الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن ابن عمار ، قال: نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع النبي ، فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وقد اختلف في إسناده على الزهري ....
وهذا حديث منكر جدا ، لم يزل العلماء ينكرونه ، وقد أنكره الزهري راويه ، وقال : هو لا يعتبر به الناس : ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما .
وروي عن الزهري ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : لم اسمعه إلا من عبيد الله . وروي عنه، أنه قال : لا أدري ماهو ؟! .
وروي عن مكحول ، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث . وعن ابن عيينة ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : ليس العمل عليه .
وسأل الإمام أحمد عنه ، فقال : ليس بشيء . وقال أيضا: اختلفوا في إسناده ، وكان الزهري يهابه . وقال : ما أرى العمل عليه .
وعلى تقدير صحته ، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة ، وإنما فعلوه عند نزول الآية ؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين ، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة ، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم التيمم بفعله وقوله : (التيمم للوجه والكفين) ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه صلى الله عليه وسلم، ومنهم عمار راوي الحديث؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين ، عن أبي مالك ، عنه ، كما سبق .
وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة .
والثاني : ما قاله الشافعي ، وانه أن كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منسوخ ؛ لأن عمارا اخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم ، فكل تيمم كان للنبي صلى الله عليه وسلم بعده مخالف له ، فهو له ناسخ .
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء .
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري ، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه .
وروي عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، أن الزهري قال : التيمم إلى الآباط . قال سعيد : ولا يعجبنا هذا .
قلت : قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول ، واخبر أن الناس لا يعتبرون به ، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته . والله أعلم ."
قال أبو فراس:
في هذا إشارة إلى اعتبار ابن رجب للإجماع ولعمل أهل العلم وتقديمه على النص على فرض ثبوته، كما أن فيه محاولة تخريج الرواية الشاذة على فرض صحيتها، وهذا سيأتي بيان عناية ابن رجب به في مبحث خاص.
قلت:
هذا تمام أحد عشر مثالا، وثمة أمثلة أخرى في اعتبار الحافظ ابن رجب للعمل آثرتُها لبعض المباحث الأخرى لمعنىً يلاحظ، لاسيما مع ثراء هذا المبحث بالأمثلة.

النتائج:
1- اعتباره لتلقي الأمة وعملها، سلفها عن خلفها.
2- بيانه لخرق بعض الأقوال لإجماع المسلمين.
3- حكى عن الأئمة وفقهاء أهل الحديث أنهم يتابعون الحديث الصحيح بشرط أن يكون معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم.
4- ما اتفق السلفعلىتركه فإنه لا يجوز العمل به ؛لأنهم ما تركوه إلاَّعلىعلم أنه لا يعمل به.
5- نقل عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نصيحته بأن يأخذوا من الرأي ما وافق من قبلهم لأنهم كانوا ألمَّ منهم.
6- ونقل عنه أيضاً: أن ما خالف أهل المدينة من الحديث فلأهل العلم مسلكان:
أ‌- مالك يرى الأخذ بعمل أهل المدينة.
ب‌- الأكثرون أخذوا بالحديث.
7- اعتبر عمل الخليفتين الراشدين: عثمان وعلي رضي الله عنهما للتأذين الذي أحدثه عثمان في يوم الجمعة لاسيما مع ثباته واستمراره بعدهما.
8- تخريج القول الذي يخالف العمل على معنىً صحيح لا يعارضه.
9- بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل يكتفى بالعمل به.
10- الاستدلال بالإجماع على أن بعض الروايات هي في حكم المطَّرح الذي لا يعمل به.
11- فرزه السنن الصحيحة المستعملة من السنن غير المستعملة.
12- ينبه على تصريح بعض النصوص ببعض الأحكام التي لا يعلم قائل بها.
13- ينبه على بعض الأفعال التي لم ينقل فيها عن أحد من السلف فعله، وأنه لو كان مشروعاً لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل.

([1]) فتح الباري (8/229).

([2]) فتح الباري: (8/231)

([3]) فتح الباري: (8/302)

([4]) فتح الباري: (8/331)

([5]) فتح الباري: (8/335)

([6]) فتح الباري (9 / 21).

([7]) جامع العلوم والحكم

([8])فتح الباري (6 / 349).


([9])فتح الباري (9 / 55).

([10])فتح الباري (9 / 87).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-12 ||, 09:30 PM
موقف ابن رجب من العمل:
الحافظ ابن رجب رحمه الله ملتزم بالتمسك بما عليه العمل عند أهل العلم، ومنافر للأخذ بالأقوال التي ليس عليها أهل العلم:
وشواهد ذلك:
النقل الأول:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"جلوس الإمام على المنبر يوم الجمع إذا رقي المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة تلقاها الأمة بالعمل بها خلفا عن سلف ألا أن ابن عبد البر حكى عن أبي حنيفة أنه غير مسنون ولا خلاف أنه غير واجب."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
قال أبو فراس:
في هذا المثال إضافةً إلى اعتبار العمل إشارة إلى استفادة ابن رجب من ابن عبد البر، وسيأتي تناول ذلك في مبحث خاص.
النقل الثاني:
يقول ابن رجب في الأذان الثاني الذي أحدثه عثمان يوم الجمعة:
قوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا : ( فثبت الأمر على ذلك) ، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان أستمر ، ولم يترك بعد .
وهذا يدل: على أن عليا أقر عليه ولم يبطله فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين."([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))
النقل الثالث:
نقل رجب عن أبي هريرة في ساعة الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء:
أنها تلتمس في جميع مظانها ، من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس .
ونبه ابن رجب إلى أن أبا هريرة لم يرد- والله أعلم - :
أنها ساعتان : في أول النهار وآخره .
وإنما أراد:
أنها تلتمس في هذين الوقتين .
ثم قال:
ولا أعلم في التماسها في أول النهار عن أحد من السلف غير هذا، والمشهور عنهم قولان....([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))
النقل الرابع:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"بعد زوال الشمس وقبل خروج الإمام:
فهذا الوقت تستحب الصلاة فيه بغير خلاف نعلمه بين العلماء سلفا وخلفا.
ولم يقل أحد من المسلمين:
إنه يكره الصلاة يوم الجمعة بل القول بذلك خرق لإجماع المسلمين وإنما اختلفوا في وقت قيام الشمس.([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))
فائدة:
لابن رجب رسالتان:
§ نفي البدعة عن الصلاة قبل الجمعة
§ إزالة الشنعة عن الصلاة قبل الجمعة([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))
النقل الخامس:
يقول رحمه الله:
"ذكر الله في هذه الأيام نوعان:
أحدهما: مقيد عقيب الصلوات.
والثاني: مطلق في سائر الأوقات.
فأما النوع الأول:
فاتفق العلماء: على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة.
وليس فيهِ: حديث مرفوع صحيح.
بل إنما فيهِ: آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ.
وهذا مما يدل: على أن بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل يكتفى بالعمل به ." ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))
النقل السادس:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولا به عند الصحابة: ومن بعدهم: أو عند طائفة منهم فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به.
قال عمر بن عبد العزيز:
خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم."
النقل السابع:
وهي متضمنة لطريقةٍ في الحكم على الحديث بالشذوذ:
"يُستثنى من عُموم قوله تعالى : { النَّفْسَ بالنَّفْسِ } صُورٌ :
منها: أنْ يقتل الحرُّ عبداً ، فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردت في ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ.
وقيل: يقتل بعبدِ غيره دُون عبدِه، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه.
وقيل: يقتل بعبده وعبدِ غيره ، وهي رواية عن الثوري ، وقول طائفةٍ من أهل الحديث؛ لحديث سمرة ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (من قَتَلَ عبدهُ قتلناهُ ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ) وقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره.
وقد أجمعوا:
على أنَّه لا قصاص بين العبيدِ والأحرار في الأطراف.
وهذا يدلُّ:
على أنَّ هذا الحديث مطَّرَحٌ لا يُعمل به ، وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ المراد بقوله تعالى : {النَّفْسَ بالنَّفْسِ} الأحرار ؛ لأنَّه ذكر بعده القصاص في الأطراف ، وهو يختصُّ بالأحرار."([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))
قال أبو فراس:
هذه الطريقة يستعملها ابن عبد البر باستمرار، وليست هي بالأمر الظاهر عند ابن رجب، ولا أستبعد أن يكون قد استفادها منه، وممن يستعملها كثيرا ابن حزم وابن تيمية، ولكن نَفَس ابن عبد البر يتردد بين أحرف هذه المسألة.
النقل الثامن:
وهو يتضمن نقلا عن أحمد وإسحاق فيه التعبير بـ "سنة صحيحة مستعملة":
فقد نقل ابن رجب الحنبلي عن البيهقي الشافعي في كتابه: ( مناقب الإمام أحمد ) في مسألة رفع اليدين إذا قام من الثنتين الواردة في حديث ابن عمر: أن الإمام أحمد قال فيها:
"سنة صحيحة مستعملة، وقد روى مثلها علي بن أبي طالب وأبو حميد في عشرة من الصحابة ، وأنا أستعملها."
قالَ الحاكم أبو عبد الله : سئل الشيخ أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - عن ذَلِكَ ؟ فقال: أنا أستعملها ، ولم أر من أئمة الحديث أحدا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها.
يقول ابن رجب:
وهذه الرواية غريبة عن أحمد جدا ، لا يعرفها أصحابنا ، ورجال إسنادها كلهم حفاظ مشهورون ، إلا أن البيهقي ذكر أن الحاكم ذكرها في كتاب (رفع اليدين) وفي كتاب (مزكي الأخبار) ، وأنه ذكرها في(كتاب التاريخ) بخلاف ذلك ، عند القيام من الركعتين ، فوجب التوقف . والله أعلم ."([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))
قلت:
هذا فيه نظر أهل العلم إلى السنة من حيث استعمالها، إذ يدل على أنه من المعهود عندهم ورود بعض السنن التي يظهر صحتها من ناحية الإسناد ولم يستعملها أهل العلم.
النقل التاسع:
تصريح النصوص ببعض الأحكام التي لا يعلم قائل بها:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"في الحديث: تأكيد في خروج النساء في العيدين.
وقد ورد التصريح بوجوبه.
فخرج الإمام أحمد:
من رواية طلحة بن مصرف ، عن امرأة من بني عبد القيس ، عن أخت عبد الله بن رواحة الانصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : (وجب الخروج على كل ذات نطاق).
وفيه : امرأة لا تُعرف .
وخرج ابن شاهين في (كتاب العيدين) من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (العيدان واجبان على كل حالم ، من ذكر وأنثى) .
وفي إسناده : عمرو بن شمر، ضعيف جدا .
وروى الحارث عن علي ، قال : حق على كل ذات نطاق أن تخرج في العيدين .
وهذا مما لا يعلم به قائل أعني : وجوب الخروج على النساء في العيد . ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9))
النقل العاشر: وهو في موضوع النقل السابق
يقول ابن رجب رحمه الله:
"فأما الإنفراد بصلاتها لآحاد الناس في بيوتهم ، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فعله، ولو كان مشروعاً لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل ."([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10))
قال أبو فراس:
لابن حزم رحمه الله كلام في هذه المسألة فإنه لما استدل على مشروعية شهود النساء المساجد بأدلة العموم أورد على نفسه اعتراضا بأن هذا يلزمه بمقتضى الاستدلال بأدلة العموم القول بجواز إمامتهن الرجال فذكر وجها من التخريج كاد أن يكون على حساب تمسكه بمعالم مدرسته الظاهرية.
النقل الحادي عشر: تقديم الإجماع على النص:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"وقد روي عن عمار، أنهم تيمموا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط: من رواية الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن ابن عمار ، قال: نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع النبي ، فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وقد اختلف في إسناده على الزهري ....
وهذا حديث منكر جدا ، لم يزل العلماء ينكرونه ، وقد أنكره الزهري راويه ، وقال : هو لا يعتبر به الناس : ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما .
وروي عن الزهري ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : لم اسمعه إلا من عبيد الله . وروي عنه، أنه قال : لا أدري ماهو ؟! .
وروي عن مكحول ، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث . وعن ابن عيينة ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : ليس العمل عليه .
وسأل الإمام أحمد عنه ، فقال : ليس بشيء . وقال أيضا: اختلفوا في إسناده ، وكان الزهري يهابه . وقال : ما أرى العمل عليه .
وعلى تقدير صحته ، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة ، وإنما فعلوه عند نزول الآية ؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين ، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة ، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم التيمم بفعله وقوله : (التيمم للوجه والكفين) ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه صلى الله عليه وسلم، ومنهم عمار راوي الحديث؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين ، عن أبي مالك ، عنه ، كما سبق .
وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة .
والثاني : ما قاله الشافعي ، وانه أن كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منسوخ ؛ لأن عمارا اخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم ، فكل تيمم كان للنبي صلى الله عليه وسلم بعده مخالف له ، فهو له ناسخ .
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء .
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري ، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه .
وروي عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، أن الزهري قال : التيمم إلى الآباط . قال سعيد : ولا يعجبنا هذا .
قلت : قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول ، واخبر أن الناس لا يعتبرون به ، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته . والله أعلم ."
قال أبو فراس:
في هذا إشارة إلى اعتبار ابن رجب للإجماع ولعمل أهل العلم وتقديمه على النص على فرض ثبوته، كما أن فيه محاولة تخريج الرواية الشاذة على فرض صحيتها، وهذا سيأتي بيان عناية ابن رجب به في مبحث خاص.
قلت:
هذا تمام أحد عشر مثالا، وثمة أمثلة أخرى في اعتبار الحافظ ابن رجب للعمل آثرتُها لبعض المباحث الأخرى لمعنىً يلاحظ، لاسيما مع ثراء هذا المبحث بالأمثلة.

النتائج:
1- اعتباره لتلقي الأمة وعملها، سلفها عن خلفها.
2- بيانه لخرق بعض الأقوال لإجماع المسلمين.
3- حكى عن الأئمة وفقهاء أهل الحديث أنهم يتابعون الحديث الصحيح بشرط أن يكون معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم.
4- ما اتفق السلفعلىتركه فإنه لا يجوز العمل به ؛لأنهم ما تركوه إلاَّعلىعلم أنه لا يعمل به.
5- نقل عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نصيحته بأن يأخذوا من الرأي ما وافق من قبلهم لأنهم كانوا ألمَّ منهم.
6- ونقل عنه أيضاً: أن ما خالف أهل المدينة من الحديث فلأهل العلم مسلكان:
أ‌- مالك يرى الأخذ بعمل أهل المدينة.
ب‌- الأكثرون أخذوا بالحديث.
7- اعتبر عمل الخليفتين الراشدين: عثمان وعلي رضي الله عنهما للتأذين الذي أحدثه عثمان في يوم الجمعة لاسيما مع ثباته واستمراره بعدهما.
8- تخريج القول الذي يخالف العمل على معنىً صحيح لا يعارضه.
9- بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل يكتفى بالعمل به.
10- الاستدلال بالإجماع على أن بعض الروايات هي في حكم المطَّرح الذي لا يعمل به.
11- فرزه السنن الصحيحة المستعملة من السنن غير المستعملة.
12- ينبه على تصريح بعض النصوص ببعض الأحكام التي لا يعلم قائل بها.
13- ينبه على بعض الأفعال التي لم ينقل فيها عن أحد من السلف فعله، وأنه لو كان مشروعاً لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل.

([1]) فتح الباري (8/229).

([2]) فتح الباري: (8/231)

([3]) فتح الباري: (8/302)

([4]) فتح الباري: (8/331)

([5]) فتح الباري: (8/335)

([6]) فتح الباري (9 / 21).

([7]) جامع العلوم والحكم

([8])فتح الباري (6 / 349).


([9])فتح الباري (9 / 55).

([10])فتح الباري (9 / 87).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-12 ||, 09:31 PM
موقف ابن رجب من العمل:
الحافظ ابن رجب رحمه الله ملتزم بالتمسك بما عليه العمل عند أهل العلم، ومنافر للأخذ بالأقوال التي ليس عليها أهل العلم:
وشواهد ذلك:
النقل الأول:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"جلوس الإمام على المنبر يوم الجمع إذا رقي المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة تلقاها الأمة بالعمل بها خلفا عن سلف ألا أن ابن عبد البر حكى عن أبي حنيفة أنه غير مسنون ولا خلاف أنه غير واجب."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
قال أبو فراس:
في هذا المثال إضافةً إلى اعتبار العمل إشارة إلى استفادة ابن رجب من ابن عبد البر، وسيأتي تناول ذلك في مبحث خاص.
النقل الثاني:
يقول ابن رجب في الأذان الثاني الذي أحدثه عثمان يوم الجمعة:
قوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا : ( فثبت الأمر على ذلك) ، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان أستمر ، ولم يترك بعد .
وهذا يدل: على أن عليا أقر عليه ولم يبطله فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين."([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))
النقل الثالث:
نقل رجب عن أبي هريرة في ساعة الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء:
أنها تلتمس في جميع مظانها ، من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس .
ونبه ابن رجب إلى أن أبا هريرة لم يرد- والله أعلم - :
أنها ساعتان : في أول النهار وآخره .
وإنما أراد:
أنها تلتمس في هذين الوقتين .
ثم قال:
ولا أعلم في التماسها في أول النهار عن أحد من السلف غير هذا، والمشهور عنهم قولان....([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))
النقل الرابع:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"بعد زوال الشمس وقبل خروج الإمام:
فهذا الوقت تستحب الصلاة فيه بغير خلاف نعلمه بين العلماء سلفا وخلفا.
ولم يقل أحد من المسلمين:
إنه يكره الصلاة يوم الجمعة بل القول بذلك خرق لإجماع المسلمين وإنما اختلفوا في وقت قيام الشمس.([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))
فائدة:
لابن رجب رسالتان:
§ نفي البدعة عن الصلاة قبل الجمعة
§ إزالة الشنعة عن الصلاة قبل الجمعة([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))
النقل الخامس:
يقول رحمه الله:
"ذكر الله في هذه الأيام نوعان:
أحدهما: مقيد عقيب الصلوات.
والثاني: مطلق في سائر الأوقات.
فأما النوع الأول:
فاتفق العلماء: على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة.
وليس فيهِ: حديث مرفوع صحيح.
بل إنما فيهِ: آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ.
وهذا مما يدل: على أن بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل يكتفى بالعمل به ." ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))
النقل السادس:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولا به عند الصحابة: ومن بعدهم: أو عند طائفة منهم فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به.
قال عمر بن عبد العزيز:
خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم."
النقل السابع:
وهي متضمنة لطريقةٍ في الحكم على الحديث بالشذوذ:
"يُستثنى من عُموم قوله تعالى : { النَّفْسَ بالنَّفْسِ } صُورٌ :
منها: أنْ يقتل الحرُّ عبداً ، فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردت في ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ.
وقيل: يقتل بعبدِ غيره دُون عبدِه، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه.
وقيل: يقتل بعبده وعبدِ غيره ، وهي رواية عن الثوري ، وقول طائفةٍ من أهل الحديث؛ لحديث سمرة ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (من قَتَلَ عبدهُ قتلناهُ ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ) وقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره.
وقد أجمعوا:
على أنَّه لا قصاص بين العبيدِ والأحرار في الأطراف.
وهذا يدلُّ:
على أنَّ هذا الحديث مطَّرَحٌ لا يُعمل به ، وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ المراد بقوله تعالى : {النَّفْسَ بالنَّفْسِ} الأحرار ؛ لأنَّه ذكر بعده القصاص في الأطراف ، وهو يختصُّ بالأحرار."([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))
قال أبو فراس:
هذه الطريقة يستعملها ابن عبد البر باستمرار، وليست هي بالأمر الظاهر عند ابن رجب، ولا أستبعد أن يكون قد استفادها منه، وممن يستعملها كثيرا ابن حزم وابن تيمية، ولكن نَفَس ابن عبد البر يتردد بين أحرف هذه المسألة.
النقل الثامن:
وهو يتضمن نقلا عن أحمد وإسحاق فيه التعبير بـ "سنة صحيحة مستعملة":
فقد نقل ابن رجب الحنبلي عن البيهقي الشافعي في كتابه: ( مناقب الإمام أحمد ) في مسألة رفع اليدين إذا قام من الثنتين الواردة في حديث ابن عمر: أن الإمام أحمد قال فيها:
"سنة صحيحة مستعملة، وقد روى مثلها علي بن أبي طالب وأبو حميد في عشرة من الصحابة ، وأنا أستعملها."
قالَ الحاكم أبو عبد الله : سئل الشيخ أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - عن ذَلِكَ ؟ فقال: أنا أستعملها ، ولم أر من أئمة الحديث أحدا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها.
يقول ابن رجب:
وهذه الرواية غريبة عن أحمد جدا ، لا يعرفها أصحابنا ، ورجال إسنادها كلهم حفاظ مشهورون ، إلا أن البيهقي ذكر أن الحاكم ذكرها في كتاب (رفع اليدين) وفي كتاب (مزكي الأخبار) ، وأنه ذكرها في(كتاب التاريخ) بخلاف ذلك ، عند القيام من الركعتين ، فوجب التوقف . والله أعلم ."([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))
قلت:
هذا فيه نظر أهل العلم إلى السنة من حيث استعمالها، إذ يدل على أنه من المعهود عندهم ورود بعض السنن التي يظهر صحتها من ناحية الإسناد ولم يستعملها أهل العلم.
النقل التاسع:
تصريح النصوص ببعض الأحكام التي لا يعلم قائل بها:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"في الحديث: تأكيد في خروج النساء في العيدين.
وقد ورد التصريح بوجوبه.
فخرج الإمام أحمد:
من رواية طلحة بن مصرف ، عن امرأة من بني عبد القيس ، عن أخت عبد الله بن رواحة الانصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : (وجب الخروج على كل ذات نطاق).
وفيه : امرأة لا تُعرف .
وخرج ابن شاهين في (كتاب العيدين) من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (العيدان واجبان على كل حالم ، من ذكر وأنثى) .
وفي إسناده : عمرو بن شمر، ضعيف جدا .
وروى الحارث عن علي ، قال : حق على كل ذات نطاق أن تخرج في العيدين .
وهذا مما لا يعلم به قائل أعني : وجوب الخروج على النساء في العيد . ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9))
النقل العاشر: وهو في موضوع النقل السابق
يقول ابن رجب رحمه الله:
"فأما الإنفراد بصلاتها لآحاد الناس في بيوتهم ، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فعله، ولو كان مشروعاً لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل ."([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10))
قال أبو فراس:
لابن حزم رحمه الله كلام في هذه المسألة فإنه لما استدل على مشروعية شهود النساء المساجد بأدلة العموم أورد على نفسه اعتراضا بأن هذا يلزمه بمقتضى الاستدلال بأدلة العموم القول بجواز إمامتهن الرجال فذكر وجها من التخريج كاد أن يكون على حساب تمسكه بمعالم مدرسته الظاهرية.
النقل الحادي عشر:
[ لم يقل أحد بظاهر حديث ابن أم مكتوم]:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"أشار الجوزجاني:
إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره.
يعني:
أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم .
وقيل:
إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته .
واستدل بعض من نصر ذلك وهو البيهقي:
بما خرجه في (سننه) من طريق أبي شهاب الحناط ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، عن ابن أم مكتوم ، قال : قلت : يا رسول الله ، إن لي قائدا لا يلائمني في هاتين الصلاتين ؟ قال: أي الصلاتين ؟ قلت: العشاء والصبح . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبوا).
وحديث ابن أم مكتوم يدل:
على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة، إذا كان قادرا على إتيانها، وهو مذهب أصحابنا."
النقل الثاني عشر:
تقديم الإجماع على النص:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"وقد روي عن عمار، أنهم تيمموا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط: من رواية الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن ابن عمار ، قال: نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع النبي ، فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وقد اختلف في إسناده على الزهري ....
وهذا حديث منكر جدا ، لم يزل العلماء ينكرونه ، وقد أنكره الزهري راويه ، وقال : هو لا يعتبر به الناس : ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما .
وروي عن الزهري ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : لم اسمعه إلا من عبيد الله . وروي عنه، أنه قال : لا أدري ماهو ؟! .
وروي عن مكحول ، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث . وعن ابن عيينة ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : ليس العمل عليه .
وسأل الإمام أحمد عنه ، فقال : ليس بشيء . وقال أيضا: اختلفوا في إسناده ، وكان الزهري يهابه . وقال : ما أرى العمل عليه .
وعلى تقدير صحته ، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة ، وإنما فعلوه عند نزول الآية ؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين ، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة ، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم التيمم بفعله وقوله : (التيمم للوجه والكفين) ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه صلى الله عليه وسلم، ومنهم عمار راوي الحديث؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين ، عن أبي مالك ، عنه ، كما سبق .
وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة .
والثاني : ما قاله الشافعي ، وانه أن كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منسوخ ؛ لأن عمارا اخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم ، فكل تيمم كان للنبي صلى الله عليه وسلم بعده مخالف له ، فهو له ناسخ .
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء .
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري ، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه .
وروي عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، أن الزهري قال : التيمم إلى الآباط . قال سعيد : ولا يعجبنا هذا .
قلت : قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول ، واخبر أن الناس لا يعتبرون به ، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته . والله أعلم ."
قال أبو فراس:
في هذا إشارة إلى اعتبار ابن رجب للإجماع ولعمل أهل العلم وتقديمه على النص على فرض ثبوته، كما أن فيه محاولة تخريج الرواية الشاذة على فرض صحيتها، وهذا سيأتي بيان عناية ابن رجب به في مبحث خاص.
قلت:
هذا تمام اثني عشر مثالا، وثمة أمثلة أخرى في اعتبار الحافظ ابن رجب للعمل آثرتُها لبعض المباحث الأخرى لمعنىً يلاحظ، لاسيما مع ثراء هذا المبحث بالأمثلة.

النتائج:
1- اعتباره لتلقي الأمة وعملها، سلفها عن خلفها.
2- بيانه لخرق بعض الأقوال لإجماع المسلمين.
3- حكى عن الأئمة وفقهاء أهل الحديث أنهم يتابعون الحديث الصحيح بشرط أن يكون معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم.
4- ما اتفق السلفعلىتركه فإنه لا يجوز العمل به ؛لأنهم ما تركوه إلاَّعلىعلم أنه لا يعمل به.
5- نقل عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نصيحته بأن يأخذوا من الرأي ما وافق من قبلهم لأنهم كانوا ألمَّ منهم.
6- ونقل عنه أيضاً: أن ما خالف أهل المدينة من الحديث فلأهل العلم مسلكان:
أ‌- مالك يرى الأخذ بعمل أهل المدينة.
ب‌- الأكثرون أخذوا بالحديث.
7- اعتبر عمل الخليفتين الراشدين: عثمان وعلي رضي الله عنهما للتأذين الذي أحدثه عثمان في يوم الجمعة لاسيما مع ثباته واستمراره بعدهما.
8- تخريج القول الذي يخالف العمل على معنىً صحيح لا يعارضه.
9- بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل يكتفى بالعمل به.
10- الاستدلال بالإجماع على أن بعض الروايات هي في حكم المطَّرح الذي لا يعمل به.
11- فرزه السنن الصحيحة المستعملة من السنن غير المستعملة.
12- ينبه على تصريح بعض النصوص ببعض الأحكام التي لا يعلم قائل بها.
13- ينبه على بعض الأفعال التي لم ينقل فيها عن أحد من السلف فعله، وأنه لو كان مشروعاً لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل.

([1]) فتح الباري (8/229).

([2]) فتح الباري: (8/231)

([3]) فتح الباري: (8/302)

([4]) فتح الباري: (8/331)

([5]) فتح الباري: (8/335)

([6]) فتح الباري (9 / 21).

([7]) جامع العلوم والحكم

([8])فتح الباري (6 / 349).


([9])فتح الباري (9 / 55).

([10])فتح الباري (9 / 87).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-13 ||, 02:27 PM
تم إضافة هذا المثال:



موقف ابن رجب من العمل:

النقل الحادي عشر:
[ لم يقل أحد بظاهر حديث ابن أم مكتوم]:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"أشار الجوزجاني:
إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره.
يعني:
أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم .
وقيل:
إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته .
واستدل بعض من نصر ذلك وهو البيهقي:
بما خرجه في (سننه) من طريق أبي شهاب الحناط ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، عن ابن أم مكتوم ، قال : قلت : يا رسول الله ، إن لي قائدا لا يلائمني في هاتين الصلاتين ؟ قال: أي الصلاتين ؟ قلت: العشاء والصبح . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبوا).
وحديث ابن أم مكتوم يدل:
على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة، إذا كان قادرا على إتيانها، وهو مذهب أصحابنا.".

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-13 ||, 02:36 PM
موقف ابن رجب من المتأخرين:
لم يكن موقف ابن رجب في الجملة من المتأخرين حسنا، بل لك أن تقول: إنه كان مستاء من طريقة طوائف متعدِّدة من المتأخرين، ولأجل هذه النظرة ألف جملة من رسائله منها فضل علم السلف على الخلف والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة.....
كما أننا نلاحظ أن ابن رجب رحمه الله كان ذا اشتغال ظاهر بنقل النصوص عن الأئمة المتقدمين، وكان أيضاً قليل النقل عن المتأخرين، وإذا نقل عنهم فتارة يذكرهم بأسمائهم، والغالب عليه أنه يشير إليهم، كأن يقول: وقال بعض أهل الظاهر...فرَّق بعض المتأخرين...وهكذا، والغالب أنه يتعقبهم.
الأمثلة :
المثال الأول:
يقول الحافظ في جامع العلوم والحكم في التفريق بين التكفير والمغفرة:
"وقد فرَّق بعضُ المتأخرين بينهما :
بأنَّ التكفير محوُ أثر الذَّنب ، حتَّى كأنَّه لم يكن، والمغفرة
تتضمن مع ذلك إفضالَ اللهِ على العبد وإكرامه.
وفي هذا نظر."
المثال الثاني:
يقول ابن رجب:
" وهذا مرسل، وفيه جواز التيمم بتراب جدار المسجد، وهو رد على من كرهه من متأخري الفقهاء، وهو من التنطع والتعمق..."
المثال ثالث:
يقول ابن رجب رحمه الله في ما ورد من النهي عن التشبيك لمن قصد الصلاة، وما جاء في تشبيك النبي صلى الله عليه وسلم:
" ذكر أبو بكر الإسماعيلي في "صحيحه" المخرج على "صحيح البخاري":
أن حديث كعب بن عجرة وما في معناه لا ينافي حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب، وأنه يمكن الجمع بينهما ، بأنه إنما يكره التشبيك لمن كان في صلاة ، أو حكمه حكم من كان في صلاة ، كمن يمشي إلى المسجد أو يجلس فيه لانتظار الصلاة ، فأما من قام من الصلاة وانصرف منها ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم من ركعتين وقام إلى الخشبة المعترضة ، فإنه صار منصرفا من الصلاة لا منتظرا لها ، فلا يضره التشبيك حينئذ .
قال: وقد قيل:
إن من كان في صلاة ومنتظرا الصلاة في جماعة فهم على ائتلاف ، فإذا شبك لم يؤمن أن يتطير بهم عدوهم، بأنهم سيختلفون ، ألا تراه في حديث عبد الله بن عمرو يقول: (مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وصاروا هكذا) وشبك بين أصابعه، ولم يؤمن أن يكون ذلك سببا أو أمارة لاختلاففهم ، كما أمرهم بأن يستووا في صفوفهم ، وقال: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم). انتهى ما ذكره .
يقول ابن رجب:
وهو مناسبة بعيدة جدا ؛ فإن التشبيك كما مثل به الاختلاف والافتراق فقد مثل به الائتلاف والتعاون والتناصر، كما في حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري في أول الباب، فليس كراهته لمشابهته لمثل الافتراق بأولى من عدم كراهته لمشابهته لمثل التعاون والتعاضد والتناصر.
ومثل هذه المعاني توجد كثيرا في كتب شروح الحديث المتأخرة، وأكثرها مدخول، ولم يكن علماء سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك، وكذلك لم أستكثر من ذكر مثله في هذا الكتاب، وإنما ذكرت هذا لأن الإسماعيلي مع تقدمه ذكره في (صحيحه) ، ونبهت على ما فيه ."
المثال الرابع
موقف ابن رجب رحمه الله من العلماء المتأخرين:
يقول ابن رجب رحمه الله في رسالته "سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز":
"وعلماء السلف كانوا يقسمون العلماء ثلاثة أقسام:
1- قسم يعرفون الله ويخشونه ويحبونه ويتوكلون عليه وهم العلماء بالله.
2- وقسم يعرفون أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه وهم العلماء بأمر الله.
3- وقسم يجمعون بين الأمرين وهم أشرف العلماء حيث جمعوا بين العلم بالله والعلم بأمر الله.
وكان عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك من هذا القسم.
وكذلك أكثر السلف رضي الله عنهم:
يجمعون بين العلم بالله الذي يقتضي خشيته ومحبته والتبتل إليه وبين العلم بالله الذي يقتضي معرفة الحلال والحرام والفتاوى والأحكام، ومنهم من كان متوسعا في كلا العلمين كالحسن البصري وسفيان وأحمد بن حنبل، ومنهم من كان نصيبه من أحدهما أوفر من نصيبه من الآخر .
وأما المتأخرون:
فقلَّ فيهم من جمع بين العلمين الذي كان عليه علماء المسلمين، وسلك كلا الطريقين، والله الموفق للخير والمعين عليه بمنه وكرمه.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) )
المثال الخامس:
يقول ابن رجب رحمه الله في طريقة متابعة المؤذن:
"والأفضل: أن يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخير، كما دل عليه حديث معاوية.
ومن زعم من المتأخرين:
أنه يجوز الإجابة حتى يفرغ ثم يجيبه
وزعم:
أنه لا يسمى مؤذناً حتى يفرغ من أذانه
فقد:
أبطل، وقال ما خالف به الأولين و الآخرين، وفي تسميته مؤذناً بعد فراغ أذانه حقيقة اختلاف أيضا فإنه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم، ولو سابق المؤذن في بعض الكلمات."

النتائج:

§ لم يكن موقف ابن رجب في الجملة من المتأخرين حسنا.
§ كان مستاء من طريقة طوائف متعدِّدة من المتأخرين لاسيما ما كان في الشذوذ وخرق الإجماع.
§ لأجل هذه النظرة ألف جملة من رسائله منها فضل علم السلف على الخلف والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة.
§ كان ذا اشتغال ظاهر بنقل النصوص عن الأئمة المتقدمين، كما كان قليل النقل عن المتأخرين، وإذا نقل عنهم فتارة يذكرهم بأسمائهم، والغالب عليه أنه يشير إليهم، وما أكثر ما يتعقبهم.
§ أشار في أكثر من موضع إلى أنه لا يذكر إلا أقوال المتقدمين وأورد مرة قولا ضعيفا فرده ثم علل ذكره بأنه من العلماء المتقدمين فذكره خشية أن يغتر به أحد.
§ نبه إلى أن المعاني المتكلَّفة توجد كثيرا في كتب شروح الحديث المتأخرة، وأن أكثرها مدخول، وأنه لم يكن علماء سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك، وأنه لم يستكثر ذكر مثل هذا في كتابه.
§ كلما تأخر العالم كلما تأخر ذكر ابن رجب له فمثلا ابن قدامة والنووي لا يشير إليهما إلا بصاحب المجموع وبصاحب المغني أما ابن تيمية وشيوخ ابن رجب فلا ذكر لهما البتة في شرح البخاري والأربعين وإن أشار فهو بصيغة: قال بعض أصحابنا.
§ بين ابن رجب أن أكثر السلف رضي الله عنهم يجمعون بين العلم بالله الذي يقتضي خشيته، وبين العلم بالله الذي يقتضي معرفة الحلال والحرام، ومنهم من كان متوسعا في كلا العلمين كالحسن البصري وسفيان وأحمد بن حنبل، ومنهم من كان نصيبه من أحدهما أوفر من نصيبه من الآخر .
§ أما المتأخرون: فقلَّ فيهم من جمع بين العلمين الذي كان عليه علماء المسلمين.
([1]) رسائل ابن رجب: 2/481 سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-15 ||, 12:18 AM
تم إعادة ترتيب الموضوع على هذا الرابط (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)