المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقوال العلماء فيما يظن به التعارض من النصوص



كامل محمد عامر
16-08-12 ||, 11:39 PM
أقوال العلماء فيما يظن به التعارض من النصوص
إعداد
دكتور كامل محمد محمد عامر
ذهب البعض إلى ترك الحديثين إذا كان أحدهما يُحَرِّم والآخر يُبيح.
وهذا غير صحيح لأننا قد أيقنا أن النصوص لا تتعارض لقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً } [النساء:82] مع إخباره تعالى أن كل ما قال نبيه فإنه وحي فبطل أن يكون في شيء من النصوص تعارض أصلاً.
وأيضاً فإن هذا ترك لكلا الخبرين والحق في أحدهما بلا شك.
وقال البعض نأخذ بأشبه الخبرين بالكتاب والسنة.
وهذا غير صحيح؛ لأن النصوص كلها سواء في وجوب الأخذ بها.
وقال البعض إن كان أحد الخبرين معمولاً به والآخر غير معمول به رجحنا الخبر المعمول به.
و الجواب أنه لا يخلو الخبر قبل أن يعمل به من أن يكون حقاً أو باطلاً، فإن كان حقاً لم يزده العمل به قوة، وإن كان باطلاً فالباطل لا يصححه أن يعمل به.
وقال البعض إن كان أحد الخبرين ناهياً والآخر مبيحاً فإنما نأخذ بالناهى وندع المبيح.
وهذا تحكم بلا برهان، ولقائل أن يقول: بل نأخذ بالمبيح لقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78]
ولقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [البقرة:185]
فيكون قوله أقوى من قولهم.
ويبطل ما قالوا أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام:«إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخارى كِتَاب الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ باب الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ]
فأوجب عليه الصلاة والسلام من الفعل ما انتهت إليه الطاقة، ولم يفسح في ترك شيء منه إلا ما خرج عن الاستطاعة، ووقع العجز عنه فقط.
وقالوا: نرجح بأن يكون راوي أحد الخبرين أضبط وأتقن.
وهذ دعوى لا برهان عليها من نصّ ولا إجماع.
وقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون رواه جماعة، وروى الآخر واحد.
إن خبر الواحد وخبر الجماعة سواء في باب وجوب العمل بهما، وقد ترك جميع علماء الأمة ظاهر القرآن الذي نقله أهل الأرض كلهم لخبر نقله واحد، مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها.
وقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قصد به بيان الحكم، والآخر لم يقصد به الحكم.
وهذا صحيح، لأن الحديث إذا لم يقصد به بيان الحكم فلا إشكال في أنه خلاف الذي قصد به بيان الحكم
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا [ البخاري: كِتَاب الْجَنَائِزِ؛ بَاب الْكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ]
فهذا الحديث قصد به بيان حكم العمل في تكفين المحرم، فهو أولى من منع من ذلك بما روي من قوله عليه السلام : « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ » [مسلم: كتاب الوصية؛ بَاب مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ] لأن هذا الحديث لم يقصد به بيان حكم عملنا نحن فيمن مات من محرم أو غيره.
وقالوا: نرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الأمر الذي حدث به بنفسه وراوي الآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى
ومثلوا ذلك بالرواية عن مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ [مسلم: كِتَاب النِّكَاحِ؛ بَاب تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَكَرَاهَةِ خِطْبَتِهِ] وبالرواية عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ [مسلم: كِتَاب النِّكَاحِ؛ بَاب تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَكَرَاهَةِ خِطْبَتِهِ]
وهذا ترجيح صحيح، لأنا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله عن غيره، ولا ندري عمن نقله، ولا تقوم الحجة بمجهول، ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه.
وأما كل نص عارضه نص آخر فإن الزائد في حكمه على الآخر هو الحق المتيقن لأنه شرع وارد من عند الله تعالى لا يحل تركه إلا بنص يبين أنه منسوخ أو مخصوص.

(بتصرف شديد من كتاب الأحكام لابن حزم)