المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأسواق المالية في ميزان الفقه الإسلامي: علي محيي الدين القرةداغي



أم طارق
16-09-23 ||, 09:02 PM
الأسوَاق المالِيَّة
في
مِيزان الفقه الإسلاَمي
إعدَاد
الدكتور علي محيي الدّين القره داغي
جامعة قطر - كلية الشريعة

البحث الكامل (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد-9697)

أم طارق
16-09-23 ||, 09:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للمخلوقات، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وسار على الهدى والبينات.
وبعد:
فقد أولى الإسلام عناية منقطعة النظير بالحضارة والتقدم، والرقي، والتمدن، وترك البداوة (1) . وحثّ على النشاط المالي وتوفير الرفاهية والرخص للجميع، ولذلك منّ الله تعالى على قريش بأن سهل لهم الوصول إلى أهم الأسواق في عصرهم، ووفر لهم نعمة أمن الطريق، حيث يقول: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1-4] .

فقد من الله عليهم بنعمة توفير الرحلات التجارية التي يترتب عليها الغنى، كما منّ عليهم بنعمة الأمن الذي هو الأساس لكل ازدهار اقتصادي، وبنعمة الأمن الغذائي الذي هو العنصر الأساسي في الاستقرار النفسي.

بل إن الإسلام بذل مجهودًا كبيرًا لإزالة الأوهام المستقرة في نفوس العرب حول الاسواق والأعمال التجارية، حيث كانوا يظنون أنها لا تتناسب مع هيبة القادة والأنبياء والرؤساء، فنزلت الآيات القرآنية لتدفع هذا الوهم، ولتبين بكل وضوح أن جميع الرسل كانوا يدخلون في الأسواق فقال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7] .
فرد الله عليهم بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] .
فصحح النظرة إلى السوق بأنها لا تتنافى مع الهيبة، ولا تتعارض مع الرسالة والنبوة، والشرف والرفعة والعزة والمكانة.
كما أن استعمال القرآن لـ: " السوق " بمعناها المعروف، وبمعنى ساق الشيء، وما يقوم عليه الشيء لمشعر بأهمية السوق للمجتمع، فكما أن الحيوان يقوم على ساقه، كذلك الاقتصاد يقوم على سوقه حيث يقول: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 33] .
وقال: {فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} [الفتح: 29] .
فالأسواق المالية المنظمة المتطورة عنوان الحضارة والتقدم، وبقدر تطورها يكون تطور الحياة التجارية، والصناعية، والاقتصادية التي لا تستغني عنها المجتمعات المتقدمة، ولذلك أولى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عنايته بالسوق لكنه أراد أن يصوغها صياغة إسلامية قائمة على الأمانة والثقة والعفة والتقوى، وأن تكون عنوان ((بيع المسلم من المسلم)) (2) . أي لاغش فيه ولا خداع ...

كما أولى الخلفاء الراشدون عنايتهم ببناء الأمصار، وازدهار أسواقها، وبرعايتها وتعيين المحتسبين عليها، حتى أصبحت مراكز حضارية ووسائل للتنمية المالية في العالم الإسلامي.
لذلك فإن العناية بأمر هذه الأسواق هي من تمام إقامة الواجب في حفظ المال، وتنميته باعتبار ذلك أحد مقاصد الشريعة، وباعتبار ما يستتبعه هذا من التعاون لسد الحاجات العامة، وأداء ما في المال من حقوق دينية أو دنيوية (3) .

وفي عصرنا الحاضر تطورت الأسواق المالية، وازدهرت آلياتها ازدهارًا رائعًا، وأدخلت فيها أنظمة متقدمة جدًّا من حيث الربط والاتصال، وربطت بالعالم أجمع من خلال (الكومبيوترات) فأصبحت حلقات الوصل في التجارة الدولية والتصدير والاستيراد، فلم تعد تقتصر على (سوق الإصدارات) بل تشمل الأسواق الثانوية، وتوفير السيولة، وتوظيف المال وغير ذلك من الأعمال والتجارة الدولية.

ولكن الأسواق المالية – بوضعها الحالي – ليست الأنموذج الذي تنشده الشريعة الإسلامية من تحقيق الكسب الحلال، واستثمار المال، وتنمية المدخرات بشكل يحقق الحلال الطيب، لذلك يتطلب الأمر من أولي العلم الثقات أن يعنوا بدراستها دراسة جادة جيدة للوصول إلى صورة متكاملة لسوق مالية إسلامية تتوفر فيها الشروط والضوابط الشرعية، وتقوم على الأسس والقواعد الشرعية.

فعالمنا الإسلامي بأمس الحاجة إلى أسواق مالية إسلامية نظرًا لسعة أطرافها، وما حباها الله تعالى بمواد خام، وثروات معدنية، وكثرة أفرادها حتى تكون منافعهم لهم، إضافة إلى حاجة المصارف الإسلامية إليها حاجة ماسة.

فالأمل كبير بالله تعالى في أن يوفق مجمع الفقه الإسلامي لإيجاد حلول بناءة لهذه القضية، ويصل إلى فكرة متكاملة لسوق تبنى على شرع الله تعالى، وتجمع بين ثوابت الشرع ووسائل التقدم والتطور الذي يشهده عصرنا الحاضر.

ويشرفنا أن نشارك في إثراء هذا الموضوع المهم بجهد وإن كان متواضعًا، وأحاول أن يكون منهجي قائمًا على التأصيل الفقهي، والتقعيد، بحيث يكون رجوعي أولًا إلى الكتاب والسنة، ثم إلى أقوال الفقهاء لأجد للأمور المستحدثة دليلًا شرعيًّا، أو قياسًا فقهيًّا، أو اجتهادًا لأحد سلفنا الصالح، فإن وجدت ذلك فبها ونعمت حيث يكون دوري الترجيح فقط، وإلاَّ فأبحث عن مدى موافقة هذا العقد الجديد للقواعد العامة، وعدم مخالفته للنصوص الشرعية.

وقد بدأت في بحثي بالتعريف بالأسواق المالية، ونبذة تاريخية لها، والتكييف الشرعي للأسواق المالية، ثم أسهبت في أهم الأدوات المستخدمة في الأسواق المالية، وهي الأسهم والسندات، والخيارات والمستقبليات حيث فصلت فيها تفصيلًا في أنواع كل واحدة منها، وحكمها الشرعي، وقد بذلت جهدي قدر طاقتي لإيجاد البدائل الإسلامية المشروعة، وذكرها.

والله أسأل أن يعصمني من الخطأ والزلل في القول والعمل، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، إنه مولاي فنعم المولى ونعم النصير.
(1) وردت أحاديث كثيرة تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشجع القبائل العربية على التحضر، ويمنع المهاجر إلى المدينة من العودة إلى الحالة البدوية إلَّا لأسباب خاصة، فقد روى أحمد في مسنده: 1/357؛ وأبو داود في سننه - مع عون المعبود - كتاب الصيد: 8/61؛ والترمذي - مع تحفة الأحوذي كتاب الفتن: 6/532، بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سكن البادية جفا ... أي قسا قلبه، وغلظ. ويراجع بحث الأستاذ الدكتور عثمان سيد أحمد عن الأمصار الإسلامية، المنشور في حولية مركز الدراسات الإنسانية بجامعة قطر
(2) الحديث رواه البخاري تعليقًا انظر: صحيحه – مع الفتح -: 4/309؛ ورواه الترمذي في سننه – بشرح تحفه الأحوذي – كتاب البيوع: 4/407؛ وابن ماجه، كتاب التجارات: 2/756
(3) التوصية الأولى من توصيات ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية التي عقدت في الرباط بين 20- 24 /4/1410هـ بالمغرب

أم طارق
16-09-23 ||, 09:17 PM
التّعريفُ بالأسوَاق الماليّة لغَة واصطلاَحاً

تطلق كلمة " السوق " في اللغة ويراد بها: موضع البياعات قال ابن سيده: السوق التي يتعامل فيها، تذكر وتؤنث. ولها معان أخرى (1) وجاء بهذا المعنى قوله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} (2) .
وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} (3) .
والأسواق جمع السوق وهي موضع البياعات والتعامل.

وورد لفظ " السوق " و " الأسواق " في السنة المشرفة كثيرًا حتى خصص بعض أصحاب الصحاح والسنن بابًا خاصًَّا بالسوق، بل ذكر البخاري أربعة أبواب لها، ترجم الأول: باب ما ذكر في الأسواق، وأورد فيه عدة آثار وأحاديث فذكر: قال عبد الرحمن بن عوف: لما قدمنا المدينة، قلت: هل من سوق فيه تجارة؟ فقال: سوق قينقاع. وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق،
ثم روى بسنده عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال رجل: (يا أبا القاسم ) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة أحدكم في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعًا وعشرين درجة )) ، وترجم الثاني: باب كراهية السخب في الأسواق – أي رفع الصوت بالخصام، وترجم بابًا ثالثًا: باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتبايع بها الناس في الإسلام، ثم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: " كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} " [2: 198] .

قال ابن بطال: " فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها. . " (1) .، وأورد بابًا رابعًا ترجم له: باب التجارة أيام الموسم، والبيع في أسواق الجاهلية، وأورد فيه حديث ابن عباس السابق بلفظ: ((كان ذو المجاز، وعكاظ متجر الناس في الجاهلية (2) .

والمال لغة هي كما يقول ابن الأثير: المال في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتني ويملك من الأعيان، وذكر الفيروز أبادي أن المال يطلق على كل ما ملكته من كل شيء وأصله من مال الرجل يمول، ويمال مولًا إذا صار ذا مال (3) .
وقد ثار خلاف بين الفقهاء في تعريف المال، فعرفه الحنفية بأنه عين يجري التنافس والابتذال، حيث خصصوا المال بالأعيان دون المنافع، كما أنهم عمموه للمال المباح، والمحرم، وأما عند الجمهور فهو عام للأعيان والمنافع لكنه لا يشمل المحرمات لعينها كالخمر والخنزير (4) .

فالأسواق المالية أو (البورصات) هي الأماكن الخاصة التي تخصص للنشاطات التجارية الخاصة بالصرف، والنقد، والأسهم والسندات، والأوراق التجارية وشهادات الودائع، ونحوها، بالإضافة إلى عقود السلع بين المنتجين والتجار (5) .
(1) لسان العرب؛ والقاموس المحيط؛ ومختار الصحاح، مادة (سوق)
(2) سورة الفرقان: الآية 7، ويراجع تفسير الماوردي، طبعة وزارة الأوقاف الكويتية: 3/149
(3) سورة الفرقان: الآية 20
(1) صحيح البخاري – مع الفتح – كتاب البيوع: 4/321، 338، 342
(2) صحيح البخاري – مع الفتح – كتاب البيوع: 4/321، 338، 342، كتاب الحج: 3/593
(3) لسان العرب؛ والقاموس المحيط؛ ومختار الصحاح، مادة (مول)
(4) يراجع: مجمع الأنهر: 2/3؛ وحاشية ابن عابدين: 4/3؛ والبحر الرائق: 5/256 – 257؛ والأشباه والنظائر، للسيوطي: ص354؛ وشرح المحلى على المنهاج مع حاشيتي القليوبي وعميرة: 3/28. ويراجع: الملكية ونظرية العقد، للأستاذ أحمد فراج، طبعة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة: ص6
(5) موريس سلامة: الأسواق المالية في العالم، ترجمة يوسف الشدياق، طبعة عويدات ببيروت وباريس 1983م: ص5. ود. معبد الجارحي: المصارف الإسلامية، والأسواق العالمية، بحث مقدم للمؤتمر الثالث للمصارف الإسلامية في دبي أكتوبر 1985م: ص2 ..

أم طارق
16-09-23 ||, 09:20 PM
نبذة تاريخية:
وبما أن المال في اللغة والفقه عام للنقود والعروض (الموجودات المالية) فإن اسواقه، أو الأسواق المالية في عصرنا الحاضر لا يختلف مفهومها عن مفهومها في السابق، لكنها تطورت من أسواق عادية للبضائع إلى أسواق متطورة يغلب فيها العناية بالنقود والأسهم والودائع والسندات.

كانت الأسواق موجودة منذ التاريخ السحيق، منذ أن تكونت المجتمعات المدنية واحتاجت إلى التداول والمقايضة، والمبادلة حيث كان الناس من خلالها يحصلون على حاجياتهم ويتبادلون فيها الأموال، لكنها تطورت في القرون الأخيرة حيث ظهرت منذ القرن السادس عشر الميلادي كظاهرة حديثة يتم فيها بصورة عامة تبادل سندات التحويل، والسندات لأمر، والسندات التجارية وغير ذلك.

وقد ازداد عدد الأسواق المالية في العالم وازداد نشاطها، ويصل عددها في أمريكا أربع عشرة بورصة، أهمها بورصة نيويورك التي تقدر قيمة الأسهم فيها بحوالي 1500 مليار دولار، وفي بريطانيا اندمجت كل الأسواق المالية منذ عام 1973م في جهاز واحد وهو بورصة لندن التي تقدر قيمة الأسهم فيها بمليار دولار، وفي اليابان تعمل ثماني بورصات، وأهمها بورصة طوكيو حيث تستأثر بـ75 % من مجموع المضاربات في اليابان، والتي تقدر قيمة أسهمها بأكثر من مليارين من الدولارات، وفي ألمانيا توجد ثماني بورصات تقع بورصة فرانكفورت في مقدمتها حيث تحقق 44 % من مجمل الأعمال، وفي فرنسا توجد سبع بورصات أهمها بورصة باريس، وفي سويسرا أيضًا سبع بورصات أهمها بورصات جنيف، وبال، وزيوريخ (1) . وهكذا..(1) المراجع السابقة

أم طارق
16-09-23 ||, 09:25 PM
التكييف الشرعي للأسواق المالية:

إن فكرة الأسواق المالية – من حيث المبدأ – تدخل تحت قاعدة المصالح المرسلة، والتنظيمات التي تعتبر من صلاحيات أولي أمر المسلمين، وهي بلا شك تساعد على تطوير الأعمال التجارية والاقتصادية التي هي شريان الحياة لكل المجتمعات المتقدمة، ولذلك عبر الله عن المال بأنه قيام للمجتمع لا ينهض ولا يقوم إلَّا به: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] .

وقد اشتهرت أمور المال والإشراف عليه منذ الصدر الأول بالحسبة، جاء في السيرة الحلبية: " أن هذه الولاية تعرف بالحسبة، وموليها بالمحتسب " (1) . وفي التيسير لابن سعيد: " اعلم أن الحسبة من أعظم الخطط الدينية، فلعموم مصلحتها، وعظيم منفعتها تولى أمرها الخلفاء الراشدون، ولم يكلوا أمرها إلى غيرهم مع ما كانوا فيه من شغل الجهاد، وتجهيز الجيوش " (2) .

وقد اعتبر حاجي خليفة هذه الولاية علمًا خاصًّا فقال: " علم الاحتساب علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم اللاتي لا يتم التمدن بدونها من حيث إجراؤها على القانون المعدل حيث يتم التراضي بين المتعاملين، وعن سياسة العباد بنهي المنكر، وأمر بالمعروف بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد، بحيث ما رآه الخليفة من الزجر والمنع ثم قال: " ومبادؤه بعضها فقهي، وبعضها أمورٌ استحسانية ناشئة من رأي الخليفة، والغرض منه تحصيل الملكة في تلك الأمور، وفائدته إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم، وهذا أدق العلوم، ولا يدركه إلَّا من له فهم ثاقب وحدس صائب، إذ الأشخاص، والأزمان، والأحوال ليست على وتيرة واحدة، بل لابد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة، وذلك من أصعب الأمور، فلذلك لا يليق بمنصبها إلَّا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى كعمر بن الخطاب (3) .

وعلى ضوء ذلك فالأسواق المالية – من حيث المبدأ – من الأمور التي يسعى لتحقيقها الإسلام لكنه يضع لها الشروط والضوابط حتى لا تتنافى مع مبادئه وقواعده العامة، فهي بلا شك من المصالح النافعة، والتنظيمات المفيدة التي أخذ بأمثالها الخلفاء الراشدون (رضي الله عنهم) .
وإذا كانت الأسواق المالية اليوم لا تحقق المقاصد التي يتوخاها الإسلام فإن هذا لا يعني إغفالها، وتركها وشأنها، أو الحكم على ما فيها حكمًا مطلقًا بالتحريم، وإنما الأمانة تقتضي أن نبحث عن كل تفصيلاتها وجزئياتها، ونحكم من خلال تصور دقيق لكل جزئياتها، ونبذل كل ما في وسعنا، ونستفرغ كل جهدنا للوصول إلى بديل إسلامي يجمع بين الأصالة والتجديد والتطوير.
فالأسواق المالية تشمل عدة أمور، فلها أنظمتها الإدارية والإجرائية المتطورة، وهذا الجانب يدخل ضمن المصالح المرسلة، والسياسة الشرعية التي تعطي الحق لولي الأمر إلزام الناس بنوع من التنظيمات ما دامت لا تتعارض مع النصوص الشرعية الثابتة الخالية من معارض.

وبالإضافة إلى هذا الجانب، فإن هناك مهامًّا وأعمالًا تجري في الأسواق المالية لأداء دور الوساطة، أو السمسرة، أو الخدمات الإعلامية، والكتابية، أو الوكالة، أو القرض، أو الصرف فهذه التصرفات تطبق عليها الأحكام الشرعية الخاصة بكل تصرف أو عقد (4) .

لكن أهم الأدوات المستخدمة في الأسواق المالية هي الأسهم والسندات، والخيارات، والمستقبليات، إضافة إلى عمليات الصرف والسلع، والصيغ الجارية للعقود.

وسنخصص هذا البحث لدراسة هذه الأمور حسب الخطة التي وضعها المجمع الفقهي الموقر، دون الخوض في أمور أخرى لنصل إلى نتائج محددة بإذن الله تعالى.
(1) السيرة الحلبية 3/354
(2) التراتيب الإدارية: 2/286
(3) كشف الظنون
(4) البيان الختامي والتوصيات لندوة الأسواق المالية التي عقدت بالرباط في 20-25/4/1410هـ. ص5

أم طارق
16-09-23 ||, 09:38 PM
سوق الأسهم: أنواعها، وحكم كل نوع منها:
الأسهم هي جمع سهم، وهو لغة له عدة معانٍ منها: النصيب، وجمعه: " السهمان " بضم السين، ومنها العود الذي يكون في طرفه نصل يرمى به عن القوس، وجمعه: السهام، ومنها: بمعنى القدح الذي يقارع به، أو يلعب به في الميسر، ويقال: أسهم بينهم أي أقرع، وساهمه أي باراه ولاعبه فغلبه، وساهمه أي قاسمه وأخذ سهمًا، أي نصيبًا جاء في المعجم الوسيط: "ومنه شركة المساهمة " (1) وفي القرآن الكريم: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] .

أي قارع بالسهام فكان من المغلوبين (2) . والاقتصاديون يطلقون السهم مرة على الصك، ومرة على النصيب، والمؤدى واحد، فباعتبار الأول قالوا: السهم هو صك يمثل جزءًا من رأس مال الشركة، يزيد وينقص تبع رواجها.

وبالاعتبار الثاني: قالوا: السهم هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال، أو الجزء الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة المثبت في صك له قيمة اسمية، حيث تمثل الأسهم في مجموعها رأس مال الشركة، وتكون متساوية القيمة (3) .

وتتميز الأسهم بكونها متساوية القيمة، وأن السهم الواحد لا يتجزأ وأن كل نوع منها – عاديًّا أو ممتازًا – يقوم – من حيث المبدأ – على المساواة في الحقوق والالتزامات وأنه قابل للتداول، ولكن بعض القوانين – مثل النظام السعودي – استثنى الأسهم المملوكة للمؤسسين حيث لا يجوز تداولها قبل نشر الميزانية إلَّا بعد سنتين ماليتين كاملتين – كقاعدة عامة – وكذلك لا يجوز تداول أسهم الضمان التي يقدمها عضو مجلس الإدارة لضمان إدارته طوال مدة العضوية وحتى تنقضي المدة المحددة لسماع دعوى المسؤولية (4) .

حكم تقسيم رأس مال الشركة:
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص وأجزاء، واشتراط الشروط السابقة لا يتنافى مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية، والقواعد العامة للشركة في الفقة الإسلامي، إذ ليس فيها ما يتنافى مع مقتضى عقد الشركة، بل فيها تنظيم وتيسير ورفع للحرج الذي هو من سمة هذه الشريعة، وداخل ضمن الوفاء العام بالعقود: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
وتحت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون عند شروطهم)) (1) . وفي رواية: (( والمسلمون على شروطهم إلَّا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا)) (2) . قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح " (3) .

فهذه النصوص وغيرها تدل على أن كل مصالحة وكل شرط جائزان إلَّا ما دل الدليل على حرمته، وعلى أن الأصل فيهما هو الإباحة، والحظر يثبت بدليل خاص، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا المعنى هو الذي يشهد عليه الكتاب والسنة " (4) . ويقول أيضًا: " إن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلَّا ما دل الدليل على خلافه فإن الكتاب والسنة قد دلا على الوفاء بالعقود والعهود، وذم الغدر والنكث والمقصود هنا: أن مقتضى الأصول والنصوص: أن الشرط يلزم إلَّا إذا خالف كتاب الله ".

ولا يخفى أن هذه القواعد السابقة تجعل الفقه الإسلامي يقبل بكل عقد، أو تصرف، أو تنظيم مالي أو إداري ما دام لا يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة، وقواعدها العامة، وأن الشريعة الغراء تجعل كل حكمة نافعة ضالة المؤمن دون النظر إلى مصدرها أو اسمها، وإنما الأساس معناها ومحتواها، ووسائلها وغاياتها، وما تحققه من مصالح ومنافع، أو مضار ومفاسد.

خصائص السهم وحقوقه:
للأسهم عدة خصائص من أهمها: تساوي قيمتها حسبما يحددها القانون، وتساوي حقوقها، وكون مسؤولية كل مساهم بقدر قيمة أسهمه، وقابليتها للتداول، وعدم قابلية السهم للتجزئه وأما حقوق السهم فهي حق بقاء صاحبه في الشركة، وحق التصويت في الجمعية العمومية، وحق الرقابة، وحق رفع دعوى المسؤولية على الإداريين، والحق في نصيب الأرباح، والاحتياطات والتنازل عن السهم والتصرف فيه، والأولوية في الاكتتاب، وحق اقتسام موجودات الشركة عند تصفيتها (1)

حكم الأسهم باعتبار نشاطها ومحلها:
ذكرنا أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص متساوية تسمى بالأسهم جائز ليس فيه أية مخالفة لمبادئ الإسلام وقواعده.
وهنا نذكر بصورة عامة حكم تداول هذه الأسهم والتصرف فيها بالبيع والشراء وغيرهما بصورة عامة، ثم نذكر عند بيان كل نوع من الأسهم حكمه الخاص بإذن الله تعالى.
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن بعض الباحثين (2) . أطلقوا اختلاف العلماء المعاصرين حول الأسهم مطلقًا دون تفصيل من غير أن يجد منهم تصريحًا بذلك بل اعتمادًا على ما فهم من آرائهم في الشركات بصورة عامة (3) .
وهذا الإطلاق لا ينبغي الركون إليه، إذ أن لازم المذهب ليس بمذهب – كما هو مقرر في الأصول – كما أن جل نقاش هؤلاء العلماء في الشركات التي أنشئت في بلاد الإسلام وليس في الشركات التي حدد نشاطها في المحرمات كالخنزير والخمور ونحوها.. (4) .
ولذلك نقسم الأسهم إلى نوعين: نوع محرم تحريمًا بينًّا، ونوع فيه النقاش والتفصيل والخلاف.
فالنوع الأول هو الأسهم التي محلها الخنزير، والخمور والمخدرات، والقمار ونحوها من المحرمات، وكذلك الشركات التي يكون نشاطها محصورًا في الربا كالبنوك الربوية.
فهذه الأسهم جميعها لا يجوز إنشاؤها ولا المساهمة في إنشائها، ولا التصرف فيها بالبيع والشراء ونحوهما، يقول ابن القيم بعد أن ذكر الأحاديث الخاصة بحرمة بيع بعض الأشياء -: " فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشارب تفسد العقول – كالخمر – ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثًا – مثل الميتة، والخنزير – وأعيان – كالأصنام تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك، فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها، ويفسدها، وبالثاني القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها ، وبالثالث الأديان عما وضع لإفسادها " (1) .
هذا هو المبدأ الذي لا يجوز تجاوزه، ولا ينبغي التوقف فيه، وما سوى هذا النوع من الأسهم الحرام قسمان:
(1) القاموس المحيط؛ ولسان العرب؛ والمعجم الوسيط، مادة (سهم)
(2) النكت والعيون، للماوردي، طبعه أوقاف الكويت: 3/426، ويراجع: أحكام القرآن لابن العربي، طبعة دار المعرفة، بيروت: 4/1622
(3) يراجع: د. على حسن يونس: الشركات التجارية، طبعة الاعتماد، بالقاهرة: ص539، ود. شكري حبيب شكري، وميشيل ميكالا: شركات الأشخاص، وشركات الأموال علمًا وعملًا، طبعة الإسكندرية: ص184، ود. صالح بن زابن المرزوقي البقمي، طبعة جامعة أم القرى، 1406هـ: ص332، ود. أبو زيد رضوان: الشركات التجارية في القانون المصري المقارن، طبعة دار الفكر العربي، القاهرة 1989م: ص526
(4) د. صالح البقمي: طبعة جامعة أم القرى، 1406هـ: ص337 – 338
(1) رواه البخاري في صحيحه – تعليقًا بصيغة الجزم – كتاب الإجارة: 4/451
(2) سنن الترمذي – مع شرح تحفة الأحوذي – كتاب الأحكام: 4/584، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 29/147) : (وهذه الأسانيد، وإن كان الواحد منها ضعيفًا فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا) .
(3) مجموع الفتاوى، طبعة الرياض: 29/150، ويراجع لإثبات أن الأصل في العقود والشروط هو الإباحة: مبدأ الرضا في العقود، طبعة دار البشائر الإسلامية: 2/1148.
(4) مجموع الفتاوى 29/346،351
(1) يراجع: المراجع الفقهية السابقة، ويراجع: د. محمد عبد الغفار الشريف، بحثه المقدم لمجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة: ص10 – 11، ود. محمد الحبيب الجراية، بحثه عن الأدوات المالية التقليدية، المقدم إلى مجمع الفقه في دورته السادسة، ود. الخياط: الشركات، طبعة الرسالة: 2/94 ... ، ود. صالح بن زابن: شركة المساهمة: ص334
(2) د. صالح بن زابن البقمي: شركة المساهمة ص340، حيث قال: ومن هنا يمكن أن نقسم أقوالهم إلى ثلاثة: قسم حرم التعامل بها – أي بالأسهم – مطلقًا، وقسم أباح الأسهم مطلقًا، واشترط بعضهم خلوها مما يستوجب الحرمة، وقسم أباح أنواعًا من الأسهم، وحرم أنواعًا أخرى
(3) د. صالح بن زابن البقمي: شركة المساهمة ص 340
(4) يراجع في تفصيل ذلك: الشركات في الفقه الإسلامي للشيخ علي الخفيف، طبعة دار النشر للجامعات المصرية: ص96، والشركات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي للدكتور عبد العزيز الخياط، طبعة المطابع التعاونية 1971م: 2/153 – 212، وشركة المساهمة في النظام السعودي، للدكتور صالح بن زابن، طبعة جامعة أم القرى 1406هـ: ص 340، ومن الذين حرموا التعامل بالأسهم حرامًا مطلقًا الشيخ تقي الدين النبهاني في كتابه النظام الاقتصادي في الإسلام، طبعة القدس 1953م: ص141 – 142، ومن الذين قالوا بإباحتها دون تفصيل فيها، الدكتور محمد يوسف موسى، والشيخ شلتوت، لكنهم بلا شك يقولون بضرورة خلوها من المحرمات. انظر الفتاوي للشيخ شلتوت، طبعة الشروق: ص355. والمصادر السابقة
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد، طبعة مؤسسة الرسالة: 5/746

أم طارق
16-09-23 ||, 09:55 PM
القسم الأول
أسهُم لشركات قَائمة عَلى شَرع الله تعَالى
حيث رأس مالها حلال، وتتعامل في الحلال، وينص نظامها وعقدها التأسيسي على أنها تتعامل في حدود الحلال، ولا تتعامل بالربا إقراضًا واقتراضًا، ولا تتضمن امتيازًا خاصًَّا أو ضمانًا ماليًّا لبعض دون آخر.
فهذا النوع من أسهم الشركات – مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية – من المفروض أن يفرغ الفقهاء من القول بحلها وحل جميع التصرفات الشرعية فيها، وذلك لأن الأصل في التصرفات والعقود المالية الإباحة، ولا تتضمن هذه الأسهم أي محرم، وكل ما فيها أنها نظمت أموال الشركة حسبما تقتضيه قواعد الاقتصاد الحديث دون التصادم بأي مبدأ إسلامي.
ومع ذلك فقد أثير حول هذا النوع أمران:
الأمر الأول: ما أثاره أحد الكتاب من أن هذه الأسهم جزء من النظام الرأسمالي الذي لا يتفق جملة وتفصيلًا مع الإسلام، بل إن الشركات الحديثة ولا سيما شركات الأموال حرام لا تجوز شرعًا، لأنها تمثل وجهة نظر رأسمالية فلا يصح الأخذ بها، ولا إخضاعها لقواعد الشركات في الفقه الإسلامي (1) .
وهذا الحكم العام لا يؤبه به، ولا يجنح إليه، فالإسلام لا يرفض شيئًا لأنه جاء من النظام الفلاني، أو وجد فيه، وإنما الحكم في الإسلام موضوعي قائم على مدى موافقته لقواعد الشرع، أو مخالفته، " فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنّى وجدها " وبما أن الأسهم القائمة على الحلال لا تتضمن مانعًا شرعيًّا فلا يجوز القول بتحريمها، - كما سبق.
واستدل كذلك بأن الأسهم بمثابة سندات بقيمة موجودات الشركة، وهي تمثل ثمن الشركة وقت تقديرها وليست أجزاء لا تتجزأ من الشركة، ولا تمثل رأس مالها عند إنشائها (1) .
غير أن هذا الحكم والتصور للأسهم مجاف للحقيقة، والواقع الذي عليه الشركات المعاصرة، لأن الأسهم ليست سندات، وإنما هي حصص الشركة، وأن كل سهم بمثابة جزء لا يتجزأ من كيان الشركة، وأن مجموع الأسهم هي رأس مال الشركة (2) .
كما قاس الأسهم على أوراق النقد حيث يهبط سعرها، ويرتفع، وتتفاوت قيمتها وتتغير، ومن هنا ينسلخ السهم بعد بدء الشركة عن كونه رأس مال، وصار ورقة مالية لها قيمة معينة.
والواقع أن هذا التكييف الفقهي للأسهم غير دقيق، وقياسها على الأوراق النقدية قياس مع الفارق، لأن الأسهم في حقيقتها هي حصص الشركة، وأجزاء تقابل أصولها، وموجوداتها، وهي وإن كانت صكوكًا مكتوبة لكنها يعني بها ما يقابلها.
ومسألة الهبوط والارتفاع يختلف سببها في الأسهم عن سببها في النقود، فتغير قيمة الأسهم يعود إلى نشاط الشركة نفسها، حيث ترتفع عندما تزداد أرباحها، أو تزداد معها موجوداتها، وثقة الناس بها، وتنخفض عند الخسارة، ومثل ذلك كمثل شخص أو شركاء لهم سلع معينة فباعوها بأرباح جيدة فزادت نسبة مال كل واحد منهم بقدر الربح، وكذلك تنقص نسبة مال كل واحد منهم لو فقد منها بعضها، أو هلك، أو بيعت السلعة بخسارة، فهذا هو الأنموذج المصغر للأسهم في الشركات.

أما الورقة النقدية فيعود انخفاضها إلى التضخم، وإلى الأنظمة الدولية بهذا الخصوص وسياسة الدولة في إصدار المزيد من الأوراق النقدية التي قد لا يوجد لها مقابل حقيقي، وغير ذلك من العوامل الاقتصادية، بينما السهم يمثل ذلك المبلغ الذي تحول إلى جزء من الشركة ممثل في أصولها وموجوداتها.

الأمر الثاني: الذي أثير حول هذا النوع من الأسهم هو ما أثير حول شرائها، أو بيعها من ملحوظات ثلاث نذكرها مع الإجابة عنها (1) .
الملحوظة الأولى: الجهالة، حيث لا يعلم المشتري علمًا تفصيليًّا بحقيقة محتوى السهم.
للجواب عن ذلك نقول: إن الجهالة إنما تكون مانعة من صحة العقد إذا كانت مؤدية إلى النزاع، أو كما يعبر عنه الفقهاء بالجهالة الفاحشة (2) يقول الإمام القرافي: " الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعًا كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعًا كأساس الدار، ومتوسط اختلف فيه " (3) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيع المغيبات كالجزر، واللفت والقلقاس: " والأول – أي القول بصحة بيعها وهو مذهب مالك وقول لأحمد – أصح، فإن أهل الخبرة إذا رأوا ما ظهر منها من الورق وغيره دلهم ذلك على سائرها، وأيضًا فإن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق! وأباح بيع العرايا بخرصها فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر، وهذه قاعدة الشريعة، وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما " (4) ، ويقول الأستاذ الصديق الضرير: " الغرر الذي يؤثر في صحة العقد هو ما كان في المعقود عليه أصالة، أما الغرر في التابع.. فإنه لا يؤثر في العقد " (5) .

فالواقع أن المشترى يعلم علمًا إجماليًّا كافيًا بقيمة السهم، وما يقابله من الموجودات من خلال نشر الميزانية ونشاط الشركة ونحو ذلك، وهذا العلم يكفى لصحة البيع بالإضافة إلى أن العلم في كل شيء بحسبه.
ثم إن بيع الحصص المشاعة جائز بالاتفاق، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1) . ويقول ابن قدامة: " وإن اشترى أحد الشريكين حصة شريكه جاز، لأنه يشتري ملك غيره وكذلك الأمر لو باعه لأجنبي وكذلك الأمر عند غيره من العلماء (2) .

الملحوظة الثانية: إن بيع السهم يعني بيع جزء من الأصول، وجزء من النقود، وهذا يقتضي ملاحظة قواعد الصرف من التماثل والتقابض في المجلس بين الجنس الواحد، والتقابض فيه عند اختلاف الجنس، وذلك لأن السهم في الغالب يكون مساويًا لموجودات الشركة بما فيها النقود. للجواب عن ذلك أن وجود النقود في الأسهم يأتي تبعًا غير مقصود لأن الأصل والأساس فيها هي الموجودات العينية، ولذلك نقول: إن بيع السهم قبل بدء عمل الشركة وقبل شراء المباني ونحوها لا يجوز إلَّا مع مراعاة قواعد الصرف.
فالسهم يراد به هذا الجزء الشائع من الشركة دون النظر إلى تفصيلاته فما دام للسهم مقابل من موجودات الشركة لا يعامل معاملة النقد بسبب أن جزءًا من الموجودات نقد، والقاعدة الفقهية تقضي أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، وأنه يغتفر في الشيء ضمنًا ما لا يغتفر فيه قصدًا، قال السيوطي: " ومن فروعها أنه لا يصح بيع الزرع الأخضر إلَّا بشرط القطع، فإن باعه مع الأرض جاز تبعًا " (3) .
بل إن مسألتنا هذه لها أصل مقرر في السنة المشرفة حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز شراء عبد وله مال – وحتى وإن كان نقدًا – فيكون ماله تبعًا للمشترى إذا اشترط ذلك دون النظر إلى قواعد الصرف، فقد روى البخاري ومسلم، وغيرهما بسندهم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ومن ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلَّا أن يشترط المبتاع)) (1) . قال الحافظ ابن حجر: " ويؤخذ من مفهومه أن من باع عبدًا ومعه مال وشرطه المبتاع أن البيع يصح ". ثم ذكر اختلاف العلماء فيما لو كان المال ربويًّا، حيث ذهب مالك إلى صحة ذلك ولو كان المال الذي معه ربويًّا لإطلاق الحديث، ولأن العقد إنما وقع على العبد خاصة والمال الذي معه لا مدخل له في العقد" (2) . قال مالك: " الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إن اشترط مال العبد فهو له نقدًا كان أو دينًا أو عرضًا يعلم أو لا يعلم " (3) .

الملحوظة الثالثة: أن جزءًا من السهم يمثل دينًا للشركة وحينئذٍ لايجوز بيعه بثمن مؤجل، لأنه يكون بيع الدين بالدين وهو منهي عنه حيث روي ((أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) – أي الدين بالدين - (4) .
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الحديث ضعيف، لأن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف (1) فلا ينهض حجة، كما أن الحديث فسره بعدة تفسيرات لا يدخل موضوعنا في أكثرها.
الوجه الثاني: لا ينطبق عليه بيع الدين بالدين، إذ أن هذا الجزء من ديون الشركة داخل في السهم تبعًا، وحينئذ يكون الجواب السابق في الملحوظة الثانية جوابًا لهذا الإشكال بكل تفاصيله.
الوجه الثالث: ليس الحكم السابق – في كون الدين جزءًا من السهم – عامًا، إذ قد لا توجد الديون للشركة، وإنما تتعامل بالنقد، وعلى فرض وجودها فهي تمثل نسبة قليلة من موجودات الشركة، والقاعدة الفقهية تقضي بأن العبرة بالأكثر (2) .
والخلاصة أن الأسهم التي تقوم على الحلال، وتتبع الشركات التي تمتنع عن مزاولة أي نشاط محرم، وتتوفر فيه قواعد الشركة من المشاركة في الأعباء، وتحمل المخاطر، ولا تكون لهذه الأسهم ميزة مالية على غيرها فهي حلال لما ذكرناه ويجوز إنشاؤها، والتصرف فيها، وذلك لأن ذلك كله داخل حدود التصرفات المباحة التي أجازها الشارع للمالك في ملكه، امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] .
والأدلة الأخرى التي ذكرنا بعضها.
(1) الشيخ تقي الدين النبهاني: النظام الاقتصادي في الإسلام، طبعة القدس الثالثة 1372هـ: ص133
(1) النبهاني: النظام الاقتصادي في الإسلام، طبعة القدس الثالثة 1372هـ: ص141 - 142.
(2) د. صالح بن زابن: وشركة المساهمة في النظام السعودي، للدكتور صالح بن زابن، طبعة جامعة أم القرى 1406هـ: ص344
(1) يراجع: الشيخ عبد الله بن سليمان: بحث في حكم تداول أسهم الشركات المساهمة: ص0003، وفتوى الشيخ محمد بن إبراهيم مفتى الديار السعودية، بجواز تداول أسهم الشركات الوطنية ضمن كتاب فتاوى ورسائل: 7/42 –43.
(2) يراجع: الموسوعة الفقهية (الكويتية) مصطلح جهالة 16/167.
(3) الفروق، طبعة دار المعرفة 3/265 – 266.
(4) مجموع الفتاوى، طبعة الرياض 29/227
(5) الغرر وأثره: ص594
(1) مجموع الفتاوى: 29/233
(2) يراجع: المغنى: 5/45، والمجموع: 9/292، ويراجع: د. صالح بن زابن: شركة المساهمة في النظام السعودي، للدكتور صالح بن زابن، طبعة جامعة أم القرى 1406هـ: ص348، والمصادر السابقة الأخرى
(3) الأشباه والنظائر للسيوطي، طبعة عيسى الحلبي بالقاهرة: ص133، ويراجع في نفس المعنى: الأشباه والنظائر، لابن نجيم، طبعة مؤسسة الحلبي بالقاهرة: ص121 – 122.
(1) صحيح البخاري – مع الفتح، طبعة السلفية – المساقاة: 5/49، ومسلم، طبعة عيسى الحلبي، البيوع: 3/1173؛ وأحمد: 2/150؛ والموطأ: ص378.
(2) فتح الباري 5/51.
(3) الموطأ: ص378.
(4) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 4/80، رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف
(1) تقريب التهذيب: 2/286، ومجمع الزوائد: 4/80.
(2) المراجع السابقة جميعها

أم طارق
16-09-23 ||, 10:09 PM
القسم الثاني
أسهُم لَم تَتَوفّر فيَها الشُروط السَّابقَة
وهي الأسهم التي ليست شركات تزاول المحرمات – كالنوع الأول – ولا لشركات قائمة على الحلال – كالقسم الأول – وإنما هي أسهم لشركات قد تدع في بعض الأحيان بعض فلوسها في البنوك بفائدة، أو تقترض منها بفائدة، أو قد تكون نسبة قليلة من معاملاتها تتم من خلال عقود فاسدة كمعظم الشركات في الدول الإسلامية، والشركات في الدول غير الإسلامية مما يكون محلها أمورًا مباحة كالزراعة، والصناعة والتجارة (أي فيما عدا المحرمات السابقة في النوع الأول) .

وقبل أن أذكر حكم هذه الأسهم أود أن أبين جملة من المبادئ الشرعية في هذا الصدد منها:
أولًا: أن المسلمين مطالبون بتوفير المال الحلال الطيب الذي لا شبهة فيه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] .
{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا} [النحل: 114] .
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )) (1) .
قال الحافظ بن حجر: " واختلف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم. وهو مردود، وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف ". ثم قال: " رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوى الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم الخلاف الأولى " ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كان يقول: " المكروه عقبة بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام ، وهو منزع حسن " (2) .

ثانيًا: أن الشريعة الإسلامية الغراء مبناها على رفع الحرج ودفع المشقة، وتحقيق اليسر والمصالح للأمة، فقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .
وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
وهذا المبدأ من الوضوح ما لا يحتاج إلى دليل، بل هو مقصد من مقاصد الشريعة.
وبناء على هذا الأصل العظيم أبيحت المحظورات للضرورة، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] .
وكما أن الضرورة مرفوعة كذلك نزلت الحاجة منزلة الضرورة، يقول السيوطي، وابن نجيم وغيرهما: " الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت، أو خاصة ". ولهذا جوزت الإجارة والجعالة، ونحوها (1) .
يقول الشيخ أحمد الزرقاء: " والمراد بالحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرًا، أو تسهيلًا لأجل الحصول على المقصود فهي دون الضرورة من هذه الجهة وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرًا، والثابت للضرورة مؤقتًا " (2) .
ومن الأمثلة الفقهية لهذه القاعدة ما أجازه فقهاء الحنفية من بيع الوفاء مع أن مقتضاه عدم الجواز، لأنه إما من قبيل الربا، لأنه انتفاع بالعين بمقابلة الدين، أو صفقة مشروطة في صفقة كأنه قال: بعته منك بشرط أن تبيعه مني إذا جئتك بالثمن، وكلاهما غير جائز، ولكن لما مست الحاجة إليه في بخارى بسبب كثرة الديون على أهلها جوز على وجه أنه رهن أبيح الانتفاع بثمراته ومنافعه كلبن الشاة، والرهن على هذه الكيفية جائز (3) .

ومن هذه الاجتهادات ما ذكره ابن عابدين أن مشايخ بلخ، والنسفي أجازوا حمل الطعام ببعض المحمول، ونسج الثوب ببعض المنسوج لتعامل أهل بلادهم بذلك، وللحاجة مع أن ذلك خلاف القياس، وأن متقدمي الحنفية صرحوا بعدم جوازه (1) .
وذكر أيضًا أن بعض قدماء الحنفية لما سئلوا عن النسبة المئوية التي يأخذها السمسار مثل 10 % قالوا: ذاك حرام عليهم، وإنما يجب لهم أجر المثل. بينما أجازه بعضهم مثل محمد بن سلمة حيث سئل عن أجرة السمسار فقال: أرجو أنه لا بأس به – وإن كان في الأصل فاسدًا -، لكثرة التعامل، وكثير من هذا غير جائز فجوزوه لحاجة الناس إليه (2) .

ولهذه القاعدة أدلة عملية من السنَّة المشَرَّفة، منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أباح بيع العرايا (3) . مع أن أصلها يدخل في باب الربا، حيث لم يجوز صلى الله عليه وسلم بيع التمر بالرطب (4) لوجود النقصان، وعدم تحقيق التماثل الحقيقي، ومع ذلك أباح العرايا لحاجة الناس إليها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية " وأباح بيع العرايا عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا) " ويقول أيضًا: "الشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم " (6) ويقول: "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه في البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك " (7) .

ثالثًا: لا ينكر دور العرف وأثره في الفقه الإسلامي ما دام لا يتعارض مع نصوص الشريعة، يقول ابن نجيم: " واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا "، ثم قال: " والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره، فأقول على اعتباره أن يفتى بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة من خلو الحوانيت لازم، ويصير الخلو في الحانوت حقًا له، فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها، ولا إجارتها لغيره ولو كانت وقفًا، وقد وقع في حوانيت الجملوث بالغورية أن السلطان الغوري لما بناها أسكنها للتجار بالخلو، وجعل لكل حانوت قدرًا أخذه منهم، وكتب ذلك بمكتوب الوقف، وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص".
ويقول ابن نجيم مضيفًا إلى ما سبق من مسائل: " وقد اعتبروا عرف القاهرة في مسائل، منها ما في فتح القدير من دخول السُّلم في البيت المبيع في القاهرة دون غيرها، لأن بيوتهم طبقات لا ينتفع بها إلَّا به " (1) .

بل إن المحققين من العلماء لا يبيحون لعالم يفتي إلَّا بعد معرفته بأحوال الناس، وأعرافهم، وأن يلاحظ عرف كل بلد، وفي هذا يقول ابن القيم: " فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغِهِ، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله على عرف بلده فأجره عليه " (2) .

رابعًا: إننا – نحن المسلمين اليوم – لا نعيش عصرًا يطبق فيه المنهج الإسلامي بكامله، فيسوده نظام الإسلام السياسي، والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وإنما نعيش في عصر يسوده النظام الرأسمالي، والاشتراكي، وحينئذٍ لا يمكن أن نحقق ما نصبو إليه فجأة من أن تسير المعاملات بين المسلمين على العزائم دون الرخص، وعلى المجمع عليه دون المختلف فيه، وعلى الحلال الطيب الخالص دون وجود الشبهة، فعصرنا يقتضي البحث عن الحلول النافعة حتى ولو قامت على رأي فقيه واحد معتبر ما دام رأيه يحقق المصلحة للمسلمين، بل لا ينبغي اشتراط أن نجد رأيًا سابقًا، وإنما علينا أن نبحث في إطار المبادئ والأصول العامة التي تحقق الخير للأمة، ولا يتعارض مع نصّ شرعي ثابت.
علينا أن نبحث عن تحقيق نظام اقتصادي، علينا أن نبحث بجد عن حماية أموال المسلمين، وإبقاء اقتصادهم بأيديهم، دون سيطرة غيرهم عليه، فلننظر إلى هذا الأفق الواسع لشيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث يقول: " لو عمَّ الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز أن يستحل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات لأنه لو وقف عليها لأدَّى إلى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولا نقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام (1) .
(1) صحيح البخاري – مع الفتح – الإيمان: 1/126، ومسلم، المساقاة: 3/1220؛ وأحمد: 4/267.
(2) فتح الباري: 1/127
(1) الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص97 – 98؛ والأشباه والنظائر، لابن نجيم، ص91 – 92.
(2) شرح القواعد الفقهية، تأليف الشيخ أحمد الزرقاء، رحمه الله، طبعة دار الغرب الإسلامي: ص155
(3) شرح القواعد الفقهية، تأليف الشيخ أحمد الزرقاء، رحمه الله، طبعة دار الغرب الإسلامي: ص155
(1) حاشية ابن عابدين، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت: 5/36 – 37.
(2) حاشية ابن عابدين: 5/39.
(3) انظر الحديث ترخيص بيع العرايا، لحاجة الناس إليها. صحيح البخاري – مع الفتح -: 4/390؛ ومسلم: 3/1168؛ وأحمد: 5/181؛ والعرية هي بيع الرطب فوق النخل بالتمر بالتخمين والتقدير.
(4) فقد سئل (عليه السلام) عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال: أينقص الرطب إذا جفَّ؟ فقيل: نعم، فقال: (فلا إذا) انظر: مسند الشافعي: ص51؛ وأحمد: 3/312؛ والترمذي: 1/231؛ والنسائي: 7/269؛ وابن ماجه: 2/761؛ وسنن أبي داود: 3/251؛ والسنن الكبرى: 5/294؛ ويراجع تلخيص الحبير: 3/9 – 10.
(5) مجموع الفتاوى: 29/227، 249.
(6) مجموع الفتاوى: 29/227، 249.
(7) مجموع الفتاوى: 29/227، 249.
(1) الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ص93 – 103 – 104، ويراجع: نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف، ضمن رسائل ابن عابدين، طبعة أستانة: 2/115 – 118.
(2) أعلام الموقعين، طبعة شقرون بالقاهرة: 3/78.
(1) قواعد الأحكام: 2/159.

أم طارق
16-09-23 ||, 10:23 PM
حكم هذا القسم من الأسهم:
بعد ذكر تلك المبادئ نعود إلى حكم هذا القسم من الأسهم، واختلاف المعاصرين، وأدلتهم مع الترجيح.
لقد اختلف المعاصرون على رأيين:
الرأي الأول: هو حرمة التصرف في هذه الأسهم ما دامت لا تقوم على الحلال المحض، وبعضهم اشترط وجود هيئة رقابة شرعية لها (1) .
الرأي الثاني: إباحة الأسهم (السابقة) والتصرف فيها.
هذا وقد قال الكثيرون بإباحة الأسهم في الدول الإسلامية مطلقًا دون التطرق إلى التفصيل الذي ذكرته، منهم الشيوخ: على الخفيف، وأبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن حسن، وعبد العزيز الخياط، ووهبة الزحيلي، والقاضي عبد الله سليمان بن منيع، وغيرهم على تفصيل وتفريع لدى بعضهم يجب أن يراجع (2) .
وقد بنى أصحاب الرأي الأول رأيهم على أن هذه الأسهم ما دام فيها حرام، أو تزاول شركاتها بعض أعمال الحرام كإيداع بعضها بعض أموالها في البنوك الربوية فتصبح هذه الأسهم محرمًا شراؤها، بناءً على النصوص الدالة على وجوب الابتعاد عن الحرام، والشبهات، وعلى قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.
أما المبيحون فهم يعتمدون على أن الأسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة، وما شابها من بعض الشوائب والشبهات والمحرمات قليل بالنسبة للحلال، فما دام أكثرية رأس المال حلالًا، وأكثر التصرفات حلالًا فيأخذ القليل النادر حكم الكثير الشائع، ولا سيما يمكن إزالة هذه النسبة من المحرمات عن طريق معرفتها من خلال الميزانية المفصلة، أو السؤال عن الشركة، ثم التخلص منها (3) .

ويمكن تأصيل ذلك من خلال القواعد الفقهية، ونصوص الفقهاء المبنية على عموم الشريعة ومبادئها في اليسر، ورفع الحرج على ضوء ما يأتي:
أولًا: اختلاط جزء محرم لا يجعل مجموع المال محرمًا عند الكثيرين، حيث أجازوا في المال الحلال المختلط بقليل من الحرام التصرفات الشرعية من التملك والأكل والبيع والشراء ونحوها، غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن الحرام نوعان ".
حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة، وغير طعمه، أو لونه، أو ريحه حرمه، وإن لم يغيره ففيه نزاع
والثاني: الحرام لكسبه: كالمأخوذ غصبًا، أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه، فلو غصب الرجل دراهم، أو دنانير أو دقيقًا، أو حنطة أو خبزًا، وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع لا على هذا، ولا على هذا، بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه ويأخذ هذا قدر حقه، وهذا قدر حقه. فهذا أصل نافع، فإن كثيرًا من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدرهم الحلال حرم الجميع، فهذا خطأ، وإنما تورع الناس فيما إذا كانت – أي الدراهم الحلال – قليلة، أما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعًا .

وعلى ضوء ذلك فمسألتنا هذه من النوع الثاني حيث كلامنا في أسهم شابتها بعض تصرفات محرمة كإيداع بعض نقودها في البنوك الربوية، وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر نصوص الفقهاء في هذه المسألة:
يقول ابن نجيم الحنفي: " إذا كان غالب مال المهدي حلالًا فلا بأس بقبول هديته، وأكل ماله ما لم يتبين أنه حرام، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يأكل إلَّا إذا قال: إنه حلال ورثه، أو استقرضه "، ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر بياعات أهل السوق لا تخلو عن الفساد والحرام يتنزه المسلم عن شرائه، ولكن مع هذا لو اشتراه يطيب له. وقال أيضًا: " إذا اختلط الحلال والحرام في البلد فإنه يجوز الشراء، والأخذ إلَّا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام، كذا في الأصل (1) .
ثم ذكر صورًا أخرى فقال: " ومنها البيع، فإذا جمع بين حلال وحرام في صفقة واحدة، فإن كان الحرام ليس بمال كالجمع بين الذكية والميتة، فإنه يسري البطلان إلى الحلال لقوة بطلان الحرام، وإن كان الحرام ضعيفًا كأن يكون مالًا في الجملة كما إذا جمع بين المدبر والقن فإنه لا يسري الفساد إلى القن لضعفه ) .
وقال الكاساني: " كل شيء أفسده الحرام، والغالب على الحلال فلا بأس ببيعه " (3) .
وقد أفاض الفقيه ابن رشد في هذه المسألة، نذكر منها ما يلي: حيث قال: " فأما الحال الأولى: وهي أن يكون الغالب على ماله الحلال فالواجب عليه في خاصة نفسه أن يستغفر الله تعالى، ويتوب إليه بردِّ ما عليه من الحرام أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم وإن كان الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائد على ما أعطي ".
ثم قال: " وإن علم بائعه في ذلك كله ردّ عليه ما أربى فيه معه فإذا فعل هذا كله سقطت حرمته، وصحت عدالته، وبرئ من الإثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه وقبول هديته وأكل طعامه بإجماع من العلماء.
واختلف إذا لم يفعل ذلك في جواز معاملته، وقبول هديته، وأكل طعامه فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب وحرَّمه أصبغ ...

ثم قال ابن رشد: " وقول ابن القاسم هو القياس، لأن الحرام قد ترتَّب على ذمته فليس متعينًا في جميع ما في يده من المال بعينه شائعًا وأما قول أصبغ فإنه تشديد على غير قياس".
وأما الحال الثانية: وهي أن يكون الغالب على ماله الحرام فالحكم فيما يجب على صاحبه في خاصة نفسه على ما تقدم سواء.
وأما معاملته وقبول هديته فمنع من ذلك أصحابنا، قيل على وجه الكراهة – وعزى هذا القول إلى ابن القاسم – وقيل على وجه التحريم إلَّا أن يبتاع سلعة حلالًا فلا بأس أن تشترى منه وأن تقبل منه هبةً ) .
وقال العز بن عبد السلام: " وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة ، ومثله قال الزركشي (3) .
بل إن السيوطي ذكر أن الأصح عند فقهاء الشافعية – ما عدا الغزالي – أنهم لم يحرموا معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه، ولكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام على يده كما قال في المهذب: إن المشهور فيه الكراهة، لا التحريم خلافًا للغزالي [c قال في الإحياء " لو اختلط في البلد الحرام لا ينحصر لم يحرم الشراء منه بل يجوز الأخذ منه إلَّا أن يقترن به علامة على أنه من الحرام "، وقال: ويدخل في هذه القاعدة تفريق الصفقة، وهي أن يجمع في عقدين حرام وحلال، ويجري في أبواب وفيها غالبًا قولان، أو وجهان أصحهما الصحة في الحلال، والثاني البطلان في الكل ومن أمثلة ذلك في البيع أن يبيع خلًّا وخمرًا (4) ، وقال ابن المنذر: اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام، وقبول هديته وجائزته، فرخص فيه الحسن، ومكحول والزهري والشافعي، قال الشافعي: " لا أحب ذلك، وكره ذلك طائفة" (5) .
(1) الأسواق المالية، للأستاذ الدكتور على السالوس، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة: ص7.
(2) الشركات، للشيخ على الخفيف: ص96 – 97؛ وبحث الشيخ أبي زهرة المنشور في منشورات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية: 2/184؛ ود. الخياط: الشركات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، طبعة الرسالة: 2/187 - ... ؛ وبحث د. وهبة الزحيلي المقدم لمجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة: ص5؛ ود. صالح بن زابن، شركة المساهمة في النظام السعودي، للدكتور صالح بن زابن، طبعة جامعة أم القرى 1406هـ: ص 342؛ وبحث القاضي عبد الله بن سليمان المشار إليه سابقًا.
(3) المراجع السابقة، ولا سيما بحث فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان حيث أفاض فيه إفاضةً جيدة.
(1) مجموع الفتاوى، طبعة الرياض: 29/320، 321.
(1) الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ص112، 113، 114، ويراجع حاشية ابن عابدين: 4/130.
(2) الأشباه والنظائر، لابن نجيم: ص112، 113، 114، ويراجع حاشية ابن عابدين: 4/130.
(3) بدائع الصنائع: 6/144.
(1) فتاوى ابن رشد، تحقيق: المختار بن الطاهر التليلي، طبعة دار الغرب الإسلامي: 1/631 – 649؛ ومواهب الجليل: 5/277.
(2) قواعد الأحكام: 1/72، 73.
(3) المنثور في القواعد، طبعة أوقاف الكويت: 2/253.
(4) الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص120، 121؛ وحاشيتي القليوبي مع عميرة على المنهاج: 2/186.
(5) المجموع، للنووي: 9/353، طبعة المنيرية.

أم طارق
16-09-23 ||, 10:34 PM
وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة تفصيلًا حينما سئل سؤالًا لا نزال نسمعه حتى في عصرنا الحاضر، وهو: أن رجلًا نقل عن بعض السلف من الفقهاء: أنه قال: أكل الحلال متعذِّر لا يمكن وجوده في هذا الزمان، فقيل له: لم ذلك؟ فذكر: أن وقعة المنصورة لم تقسم الغنائم فيها، واختلطت الأموال بالمعاملات بها، فقيل له: إن الرجل يؤجر نفسه لعمل من الأعمال المباحة، ويأخذ أجرته حلال، فذكر أن الدرهم في نفسه حرام.
فأجاب – رحمه الله – هذا القائل.. غالط مخطئ فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل الشك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة وقال: انظر إلى هذا الخبيث يحرم أموال المسلمين.
ثم ذكر خطورة آثار هذا التصور الفاسد، منها أن بعض الناس ظنوا ما دام الحرام قد أطبق الأرض، إذن لماذا البحث عن الحلال؟ فاعتبروا الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا منه، وبعضهم اخترعوا الحكايات الكذبة بحجة الورع.
ثم ردَّ على هذه المقالة، وبين بأن الغالب على أموال المسلمين الحلال، ثم ذكر عدة أصول:
"أحدها: أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حرامًا، وإنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو قياس مرجح لذلك، وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول "، ثم بين بأن حمل المسلمين على مذهب معين غلط.
ثم ذكر أصلًا آخر وهو أن خلط الحرام بالحلال لا يحرم جميع المال، - كما سبق -.
كما ذكر أصلًا آخر وهو أن المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه، ولذلك إذا لم يعلم صاحب اللقطة حل لملتقطها بعد التعريف بها، ومن هنا، فإذا لم يعلم حال ذلك المال الذي بيده بنى الأمر على الأصل، وهو الإباحة (1) .
وذكر في جواب سؤال حول التعامل مع من كان غالب أموالهم حرامًا مثل المكاسين وأكلة الربا؟
فأجاب: إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة، فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحلال إلَّا أن يعرف الكره من وجه آخر، وذلك أنه إذا باع ألفًا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال، بل له أن يأخذ قدر الحلال، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين، وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام، والباقي حلال له (2) .
وسئل عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب: يخرج قدر الحرام بالميزان، فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال له، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (3) .
وقريبًا من ذلك يقرره ابن القيم موضحًا أن " التحريم لم يتعلق بذات الدرهم – أي الدرهم الحرام الذي اختلط بماله – وجوهره، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبقَ لتحريم ما عداه معنى وهذا هو الصحيح في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخلق إلَّا به " (1) .
وعلى ضوء هذا المبدأ نرى كثيرًا من أهل العلم أجازوا التعامل مع من كان في ماله حرام، ولكن غالبه حلال، ومن هنا يمكن القول بإباحة التعامل في هذا النوع من الأسهم، ولكن يخرج صاحبها بقدر نسبة الحرام فيها إلى الجهات الخيرية العامة، مع مراعاة الضوابط التي نذكرها في الأخير (2) .
ثانيًا: قاعدة: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، وقد ذكرنا هذه القاعدة مع دليلها من السنة الصحيحة المتفق عليها (3) .
وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعًا، وليست أصلًا مقصودًا بالتملك والتصرف، فما دامت أغراض الشركة مباحة، وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية، أو الاقتراض منها.
فهذا العمل بلا شك عمل محرم يؤثم فاعله (مجلس الإدارة) لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة، وهو أيضًا عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت الشركة.
ثالثًا: قاعدة للأكثر حكم الكل، وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء في حكم المال المختلط بالحرام، حيث أن الجمهور على أن العبرة بالأغلب – كما سبق - (1) وقد ذكرنا الفقهاء لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة في أبواب الطهارة، والعبادات والمعاملات، واللباس – كالحرير – والصيد، والطعام، والأيمان، وغيرها (2) .
إضافة إلى قاعدة: " الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة " – كما سبق ذكرها – وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشراء ممن في ماله شبهة لا كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه (3) .
وتنزيل هذه القاعدة على موضوعنا من حيث إن حاجة الناس إلى أسهم الشركات في عالمنا الإسلامي ملحة، فالأفراد كلهم لا يستغنون عن استثمار مدخراتهم، والدول كذلك بحاجة إلى توجيه ثروات شعوبها إلى استثمارات طويلة الأجل بما يعود بالخير على الجميع، ولو امتنع المسلمون من شراء أسهم تلك الشركات لأدى ذلك إلى أحد أمرين:
أحدهما: توقف هذه المشروعات التي هي حيوية في العالم الإسلامي.
ثانيهما: غلبة غير المسلمين على هذه الشركات، وعلى إدارتها، أو على الأقل غلبة الفسقة والفجرة عليها.

لكن لو أقدم على شرائها المسلمون المخلصون لأصبحوا قادرين في المستقبل على منع تعاملها مع البنوك الربوية ولغيروا اتجاه الشركة لصالح الإسلام.
وهذا لا يعني أن المسؤولين القادرين في الشركة وفي غيرها على التغيير معفوون عن الإثم، بل هم آثمون، لكن عامة الناس لهم الحق في شراء هذه الأسهم حسب الضوابط التي نذكرها، ولذلك لو كان المساهم قادرًا على منع الشركة من إيداع بعض أموالها في الشركة لوجب عليه ذلك.
(1) مجموع الفتاوى: 29/311 – 323.
(2) مجموع الفتاوي: 29/272، 273
(3) مجموع الفتاوي: 29/308.
(1) بدائع الفوائد
(2) المراجع السابقة؛ وبحث الشيخ عبد الله بن سليمان: ص16.
(3) المراجع السابقة؛ والشيخ عبد الله بن سليمان بحثه السابق
(1) المرجع السابق
(2) يراجع: جمل الأحكام للناطقي، رسالة ماجستير بالأزهر، تحقيق حمد الله سيد، ص370 – 381.
(3) مجموع الفتاوى: 29/241؛ كما ذكر قاعدة الاعتبار بالأغلب فيمن في ماله حرام

أم طارق
16-09-24 ||, 02:00 PM
لإكمال البحث من هنا (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد-9729)،،،