المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجزء الثاني: موقف ابن رجب من الإجماع.



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-15 ||, 12:14 AM
سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (5)...موقف ابن رجب من الإجماع والشذوذ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)
الفصل الثاني: موقف ابن رجب من الإجماع:
وفيه ستة مباحث:
o المبحث الأول: موقف ابن رجب من الإجماع.
o المبحث الثاني: تقييد الإجماع بمن يعتد به.
o المبحث الثالث: هل يقضي الإجماع المتأخر على الخلاف المتقدم.
o المبحث الرابع: موقف ابن رجب من العمل.
o المبحث الخامس:أصالة ابن رجب في باب الإجماع والشذوذ لم تمنعه من الإبداع.
o المبحث السادس: موقف ابن رجب من اتباع غير المذاهب الأربعة.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-16 ||, 04:18 PM
المبحث الأول: موقف ابن رجب من الإجماع:
نسوق النقولات أولاً ثم نستخلص منها النتائج بإذن الله:
النقل الأول:
يقول ابن رجب رحمه الله في كتابه الحافل بالأعلاق النفيسة والممتلئ بالجواهر الثمينة "جامع العلوم والحكم":
- في الجملة فما ترك الله ورسولُه حلالاً إلا مُبيَّناً ولا حراماً إلاَّ مبيَّنا.
- بعضُه كان أظهر بياناً من بعض.
- ما ظهر بيانُه، واشتهرَ وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة لم يبق فيه شكٌّ، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهر فيه الإسلام.
- ما كان بيانُه دون ذلك، فمنه:
1- ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم.
2- ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضاً ، فاختلفوا في تحليله وتحريمه.
وذلك لأسباب :
منها: أنَّه قد يكون النصُّ عليه خفياً لم ينقله إلا قليلٌ من الناس ، فلم يبلغ جميع حملة العلم.
ومنها: أنَّه قد ينقل فيه نصان ، أحدهما بالتحليل ، والآخر بالتحريم ، فيبلغ طائفةً أحدُ النصين دون الآخرين ، فيتمسكون بما بلغهم ، أو يبلغ النصان معاً من لم يبلغه التاريخ ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ.
ومنها: ما ليس فيه نصٌّ صريحٌ، وإنَّما يُؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس ، فتختلف أفهامُ العلماء في هذا كثيراً .
ومنها: ما يكون فيه أمر ، أو نهي ، فيختلفُ العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب ، وفي حمل النهي على التحريم أو التنْزيه.
وأسبابُ الاختلاف: أكثرُ مما ذكرنا .
ومع هذا فلابد في الأمة:
من عالم يُوافق قولُه الحقَّ ، فيكون هو العالِم بهذا الحكم، وغيرُه يكون الأمر مشتبهاً عليه ولا يكون عالماً بهذا.
فإنَّ هذه الأمة:
1- لا تجتمع على ضلالة.
2- ولا يظهرُ أهلُ باطلها على أهلِ حقِّها ، فلا يكونُ الحقُّ مهجوراً غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشتبهات : (لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من النَّاس) فدل على أنَّ من الناس من يعلمها، وإنَّما هي مشتبهة على من لم يعلمها وليست مشتبهة في نفس الأمر، فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء ."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))

النقل الثاني:
ويقول أيضاً في نفس الكتاب:
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أنَّها سُئِلَتْ عن أكل الصيدِ للمحرم، فقالت: إنَّما هي أيامٌ قلائل فما رابك فدعه.
يعني: ما اشتبه عليك ، هل هو حلال أو حرام ، فاتركه ، فإنَّ الناسَ اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْه هُوَ . ...
وقد يستدلُّ بهذا: على أنَّ الخروج من اختلاف العلماء أفضلُ ؛ لأنَّه أبعدُ عن الشبهة
ولكن المحققون من العلماء من أصحابنا وغيرهم :
على أنَّ هذا ليس هو على إطلاقه، فإنَّ من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رخصة ليس لها معارض، فاتباعُ تلك الرخصة أولى من اجتنابها ، وإنْ لم تكن تلك الرخصة بلغت بعضَ العلماء ، فامتنع منها لذلك ، وهذا كمن تَيَقَّن الطهارة ، وشكَّ في الحدث ، فإنَّه صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (لا يَنْصَرِف حتّى يَسمع صوتاً أو يَجِدَ ريحاً)
ولاسيما إنْ كان شكُّه في الصلاة ، فإنَّه لا يجوز له قطعُها لِصحة النهي عنه ، وإنْ كان بعض العلماء يوجب ذلك .
وإنْ كان للرخصة معارض:
1- إما من سنة أخرى.
2- أو من عمل الأُمَّةِ بخلافها.
فالأولى: تركُ العمل بها.
وكذا: لو كان قد عمل بها شذوذٌ من الناس ، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة ، فإنَّ الأخذ بما عليه عملُ المسلمين هو المتعيَّنُ ، فإنَّ هذه الأمة قد أجارها الله أنْ يظهر أهلُ باطلها على أهل حَقِّها ، فما ظهر العملُ به في القرون الثلاثة المفضلة ، فهو الحقُّ ، وما عداه فهو باطل."

النقل الثالث:

ويقول أيضاً في نفس الكتاب:

"قال معاذ بن جبل :أحذركم زيغةَ الحكيم ، فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق )


فقيل لمعاذ:ما يُدريني أنَّ الحكيمَ قد يقول كلمةالضلالة ، وأنَّ المنافق يقول كلمةَ الحقِّ ؟
قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يُقال : ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه ، فإنَّه لعلَّه أنْ يُراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إذا سمعته ، فإنَّه على الحقِّ نوراً. خرَّجه أبو داود.
وفي روايةٍ له:
قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيمِ حتَّى تقول : ما أراد بهذه الكلمة؟
يقول ابن رجب رحمه الله:
فهذا يدل على أنَّ الحقَّ والباطل لايلتبِسُ أمرُهما على المؤمن البصير ، بل يعرف الحقَّ بالنُّور الذي عليه ، فيقبلهقلبُه ، ويَنفِرُ عن الباطل ، فينكره ولا يعرفه ، ومِنْ هذا المعنى قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (سيكون في آخر الزَّمان قوم يحدِّثونَكم بما لمتسمعوا أنتم ولا آباؤكم ، فإيَّاكم وإياهم)
يعني : أنَّهم يأتون بما تستنكره قلوبُالمؤمنين ، ولا تعرفه.)


وفي قوله: (أنتم ولا آباؤكم)


إشارةٌ إلى أنَّ مااستقرَّت معرفتُه عند المؤمنين مع تقادُمِ العهد وتطاول الزَّمان، فهو الحقُّ،وأنَّ ما أحدث بعد ذلك مما يستنكر ، فلا خيرَ فيه ."


النقل الرابع:
يقول رحمه الله في رسالته "الحكم الجديرة بالإذاعة":
"وهذه الأمة عصمها الله عن الاجتماع على ضلالة:
فلا بد أن يكون فيها من يبين أمر الله ورسوله، ولو اجتهدت الملوك على جمع الأمة خلافه لم يتم لهم أمرهم . كما جرى مع المأمون والمعتصم والواثق ، حيث اجتهدوا على إظهار القول بخلق القرآن وقتلوا الناس وضربوهم وحبسوهم على ذلك، وأجابهم العلماء تقية وخوفاً ، فأقام الله إمام المسلمين في وقتهم أحمد بم حنبل ، فرد باطلهم حتى اضمحل أمرهم، وصار الحق هو الظاهر في جميع بلاد الإسلام والسنة ، ولم يكن الإمام أحمد يحابي أحداً في مخالفة شيء من أمر الرسول وإن دق ولو عظم مخالفة في نفوس الخلق . فقد تكلم في بعض أعيان مشايخ العلم والدين لمسألة أخطأها ، فحمل أمره حتى لما مات لم يصل عليه إلا نحو أربعة أنفس ، وكان كلما تكلم في أحد سقط ، لأن كلامه تعظيم لأمر الله ورسوله لا هوى نفسه ."([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))

النقل الخامس:
"عن أم سلمة حدثتها ، قالت: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتي ، فقال : أنفست ؟ فقلت : نعم ، فدعاني فانضطجعت معه في الخميلة."
ظاهر حديث أم سلمة وعائشة يدل على الحيض يسمى نفاساً ...
وقد اعتمد ابن حزم على هذا الحديث:
في أن الحائض والنفاس مدتهما واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض ، وَهو قول لم يسبق إليه، ولو كان هذا الاستنباط حقاً لما خفي علي أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه."

النقل السادس:
يقول ابن رجب رحمه الله:
"ومتى خالف ، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئه عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع عَلَى ذَلِكَ ابن عَبْد البر وغيره ، وإنما خالف فِيهِ شذوذ من متأخري الظاهرية ، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم."

النقل السابع:
يقول ابن رجب في مسألة الغسل من التقاء الختانين ورجوع الصحابة الذين قالوا بعدم وجوب الغسل أولاً، وذكر بعض أسانيد رجوعهم، وبين أن فيها ضعفا:
" اعلم أن هذا الضعف: إنما هو في الطرق التي وصلت إلينا منها هذه الأخبار ، فأما المجمع الذي جمع عمر فيه المهاجرين والأنصار ، ورجع فيه أعيان من كان سمع من النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة ، فإنهم لم يرجعوا إلا لأمر ظهر لهم الصحابة بعد ذلك إظهار الفتيا بخلافه ، فوجب اتباع سبيل المؤمنين ، والأخذ بما جمع عليه الأمة أمير المؤمنين ، والرجوع إلى من رجعت إليه الصحابة في العلم بهذه المسألة ، وهي أم المؤمنين .
والمخالف: يشغب بذكر الأحاديث التي رجع عنها رواتها ، ويقول: هي صحيحة الأسانيد، وربما يقول: هي أصح إسنادا من الأحاديث المخالفة لها .
ومن هنا: كره طوائف من العلماء ذكر مثل هذه الأحاديث والتحديث بها ؛ لأنها تورث الشبهة في نفوس كثير من الناس.
وخرج الإسماعيلي في صحيحه: من حديث زيد بن أخزم، قال: سمعت يحيى يعني : القطان وسئل عن حديث هشام بن عروة : حديث أبي أيوب : (الماء من الماء) ؟ فقال : نهاني عنه عبد الرحمن يعني : ابن مهدي .
ولهذا المعنى والله أعلم: لم يخرج مالك في الموطأ شيئا من هذه الأحاديث ، وهي أسانيد حجازية على شرطه .
والمقصود بهذا: أن المسائل التي اجتمعت كلمة المسلمين عليها من زمن الصحابة، وقل المخالف فيها وندر ، ولم يجسر على إظهارها لإنكار المسلمين عليه ، كلها يجب على المؤمن الأخذ بما اتفق المسلمون على العمل به ظاهرا؛ فإن هذه الأمة لا يظهر أهل باطلها على أهل حقها ، كما أنها لا تجتمع على ضلالة ، كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.خرجه أبو داود وغيره .
فهذه المسائل: قد كفى المسلم أمرها ، ولم يبق فيها إلا اتباع ما جَمَعَ عليه الخلفاء الراشدون أولي العلم والعدل والكمال ، دون الاشتغال فيها بالبحث والجدال وكثرة القيل والقال؛ فإن هذا كله لم يكن يخفى عمن سلف، ولا يظن ذلك بهم سوى أهل الجهل والضلال."([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))
========================= =====
قال أبو فراس:
هذه النصوص تفيد ما يلي:
1- هذه الأمة عصمها الله أن تجتمع على ضلالة.
2- هذه الأمة لا يظهرُ أهلُ باطلها على أهل حقِّها، فلا يكونُ الحقُّ مهجوراً غير معمولٍ به في جميع الأمصار والأعصار.
3- مااستقرَّت معرفتُه عند المؤمنين مع تقادُمِ العهد وتطاول الزَّمان، فهو الحقُّ،وأنَّ ما أحدث بعد ذلك مما يستنكر ، فلا خيرَ فيه.
4- لابد في الأمة من عالم يُوافق قولُه الحقَّ ويبين أمر الله ورسوله ولا يكون مشتبها عليه.
5- في الجملة فما ترك الله ورسولُه حلالاً إلا مُبيَّناً ولا حراماً إلاَّ مبيَّنا.
6- يختلف بعضه بالظهور والبيان.
7- ما ظهر بيانُه، واشتهرَ وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة لم يبق فيه شكٌّ، ولا يُعذر أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهر فيه الإسلام.
8- ما كان بيانُه دون ذلك، فهو على قسمين:
أ‌- ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم.
ب‌- ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضاً ، فاختلفوا في تحليله وتحريمه، لأسباب.
9- من أسباب خفاء بعض النصوص مما أوجب الخلاف فيها هو ما يلي:
§ خفاء النص وقلة نقلته.
§ بلوغ أحد النصين، كبلوغ المنسوخ دون الناسخ، أو بلوغهما دون بلوغ التاريخ.
§ خلو المسألة من نص صريح، وإنَّما يُؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس ، فتختلف فيه أفهامُ العلماء.
§ ما يكون فيه أمر، أو نهي ، فيختلفُ العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب ، وفي حمل النهي على التحريم أو التنْزيه.
10- لا يعبأ بخلاف المتأخرين لما انعقد من الإجماع القديم.
11- لو كانت الاستنباطات المتأخرة والتي تخالف الإجماع القديم حقاً لما خفيت علي أئمة الإسلام كلهم إلى تلك الأزمنة.
12- ما قلَّ فيه المخالف أو ندر ، ولم يجسر على إظهار المخالفة لإنكار المسلمين عليه فإنه يجب الأخذ بما اتفق المسلمون على العمل به ظاهرا.
13- ما جمع عليه الخلفاء الراشدون الناسَ فإنه يجب اتباعه.
14- استحباب الخروج من اختلاف العلماء؛ لأنَّه أبعدُ عن الشبهة لكن هذا ليس على إطلاقه:
- ما ثبت فيه الرخصة التي ليس لها معارض فاتباعُ تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وقد يجب ذلك.
- إنْ كان للرخصة معارض: إما من سنة أخرى، أو من عمل الأُمَّةِ بخلافها، فالأولى: تركُ العمل بها.
- لو عمل بها شذوذٌ من الناس ، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة ، فإنَّ الأخذ بما عليه عملُ المسلمين هو المتعيَّنُ ، فإنَّ هذه الأمة قد أجارها الله أنْ يظهر أهلُ باطلها على أهل حَقِّها ، فما ظهر العملُ به في القرون الثلاثة المفضلة ، فهو الحقُّ ، وما عداه فهو باطل.

([1])جامع العلوم والحكم.


([2]) الحكم الجديرة بالإذاعة

([3]) فتح الباري (1 / 386- 388).