المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فائدة ملتقطة من رسالة "النصيحة والتعبير" لابن رجب في بيان المنهج القويم في الرد على المخالفين



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-16 ||, 01:17 AM
فائدة ملتقطة من رسالة "النصيحة والتعبير" لابن رجب في بيان المنهج القويم في الرد على المخالفين

o منهج ابن رجب في الرد على المخالف.
o الفرق بين الغيبة وبين الرد على أهل العلم.
o الرد على من سوى بينهما.
o الفرق بين حكم الظاهر وبين حكم الباطن.
o الفرق بين الرد على أهل العلم وبين الرد على من تشبه بأهل العلم أو كان من أهل الأهواء
:

يقول ابن رجب في رسالته "النصيحة والتعبير":
" اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره:
محرم: إذا كان المقصود منه مجرد الذم والعيب والنقص.
فأما إن كان فيه:
1- مصحلة لعامة المسلمين أو خاصة لبعضهم.
2- وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة:
فليس بمحرم بل مندوب إليه.
وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل
وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة
وردوا على من سوى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه ولا فرَّق:
1- بين الطعن في رواة ألفاظ الحديث والتمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل.
2- وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأول شيئا منها على غير تأويله وتمسك بما لا يتمسك به ليحذّّّّّّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه.
وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضاً.
ولهذا تجد كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير وشرح الحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك:
o ممتلئة من المناظرات.
o وردوا أقوال من تضعف أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
o ولم ينكر ذلك أحد من أهل العلم.
o ولا ادعى فيه طعنا على من رد عليه قوله ولا ذما ولا نقصا.
اللهم إلا أن يكون المصنف:
يفحش في الكلام ويسيء الأدب في العبارة فينكر عليه فحشه وإساءته دون أصل رده ومخالفته إقامة الحجج الشرعية والأدلة المعتبرة.
وسبب ذلك:
1- أن علماء الدين كلهم مجمعون:
على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمته هي العليا.
2- وكلهم معترفون:
بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين.
فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم:
يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيرا ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم.
وكان يقول الشافعي في كتبه: لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة لأن الله تعالى يقول: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا }
ومن كانت هذه حاله:
فإنه لا يكره أن يرد عليه قوله ويتبين له مخالفته للسنة لا في حياته ولا في مماته.
وهذا هو الظن بغيره من أئمة الإسلام الذابين عنه القائمين بنصره من السلف والخلف ولم يكونوا يكرهون مخالفة من خالفهم أيضا بدليل عرض له ولو لم يكن ذلك الدليل قويا عندهم بحيث يتمسكون به ويتركون دليلهم له.....
وحينئذ فرد المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية:
ليس هو مما يكره العلماء بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه فلا يكون داخلا في باب الغيبة بالكلية.
فلو فرض أن أحدا يكره إظهار خطئه المخالف للحق:
فلا عبرة بكراهته لذلك: فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفا لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة.
بل الواجب على المسلم: أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين به سواء كان ذلك في موافقته أو مخالفته وهذا من النصيحة لله ولكتابه ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم وذلك هو الدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما المبين لخطأ من أخطأ من العلماء قبله:
إذا تأدب في الخطاب وأحسن الرد والجواب فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه عليه ، وإن صدر منه الاغترار بمقالته فلا حرج عليه، وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول: كذب فلان ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (كذب أبو السنابك)، لما بلغه أنه أفتى أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا لا تحل بوضع الحمل حتى يمضي عليها أربعة أشهر وعشر.
وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء:
وردوها أبلغ الرد كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها ويبالغ في ردها عليهم هذا كله حكم الظاهر.
وأما في باطن الأمر:
فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق، وأن لا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته:
فلا ريب أنه مثاب على قصده ودخل بفعله هذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
وسواء كان الذي يبين خطؤه صغيرا أو كبيرا وله أسوة:
1- بمن رد من العلماء مقالات ابن عباس التي شذ بها وأنكرت عليه من العلماء مثل المتعة والصرف والعمرتين وغير ذلك.
2- وممن رد على سعيد بن المسيب قوله في إباحته المطلقة ثلاثا بمجرد العقد وغير ذلك مما يخالف السنة الصريحة.
3- ورد على الحسن قوله في ترك الإحداد عن المتوفى عنها زوجها.
4- وعلى عطاء قوله في إباحته إعارة الفروج.
5- وعلى طاوس قوله في مسائل متعددة شذ بها عن العلماء .
6- على غير هؤلاء ممن أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم.
ولم يعد أحد منهم مخالفيه في هذه المسائل ونحوها طعنا في هؤلاء الأئمة ولا عيبا لهم.
وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف:
بتبيين خطأ هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث غيرهما ممن ادعوا هذه المقالات وما كان بمثابتها شيء كثير ولو ذكرنا ذلك بحروفه لطال الأمر جدا.
وأما إن كان مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه وتنقصه وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك:
كان محرما:
- سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته.
- وسواء كان في حياته أوبعد مماته.
وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز ودخل أيضا في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته. )
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين:
فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء وليس منهم فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيرا من الاقتداء بهم وليس كلامنا الآن في هذا القبيل والله وأعلم."

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-16 ||, 01:43 AM
النقل الثاني:
الإنكار على من بالغ في الإنكار في ما كان من الخلاف السائغ:
" لم يخرج البخاري في صحيحه في رفع اليدين غير:
1- حديث ابن عمر.
2- وحديث مالك بن الحويرث.
وقد أفرد للرفع كتابا:
خرج فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة.
وكذلك صنف في الرفع غير واحد من أئمة أهل الحديث ، منهم:
1- النسائي.
2- ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما .
وسبب اعتنائهم بذلك:
أن جميع أمصار المسلمين: كالحجاز واليمين ومصر والعراق كان عامة أهلها يرون رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع والرفع منه.
سوى أهل الكوفة: فكانوا لا يرفعون أيديهم في الصلاة ، إلا في افتتاح الصلاة خاصة ، فاعتنى:
علماء الأمصار بهذه المسألة ، والاحتجاج لها ، والرد على من خالفها .
قل الأوزاعي:
"ما اجتمع عليهِ علماء أهل الحجاز والشام والبصرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، وحين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع
إلا أهل الكوفة: فإنهم خالفوا في ذلك أئمتهم." خرجه ابن جرير وغيره.
وقال البخاري في ( كتابه رفع اليدين ) بعد أن روى الآثار في المسألة:
فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي .
وقال محمد بن نصر المروزي:
لا نعلم مصرا من الأمصار تركوا الرفع بأجمعهم في الخفض والرفع منه ، إلا أهل الكوفة .
وروى البيهقي بإسناده عن الأوزاعي:
أنه تناظر هو والثوري في هذه المسألة بمكة، وغضب واشتد غضبه ، وقال للثوري : قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق ، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد رضي الله عنهما.
وحديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر:
مما اتفق العلماء كلهم على صحته وتلقيه بالقبول ، وعليه اعتمد أئمة الإسلام في هذه المسألة ، منهم : الأوزاعي وابن المبارك ...كذلك قالَ الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .
وأما مالك: فإنه خرجه في كتاب الموطأ في باب: افتتاح الصلاة، وذكر عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يعمل به .
وقد روى عامة أصحاب مالك ، أنه كانَ يعمل به.
وإنما روى عنه الرفع عند افتتاح الصلاة خاصة:
ابن القاسم ، قال: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا . وقال : إن كان ففي الإحرام .
قال محمد بن الحكم: لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم.
وذكر ابن عبد البر:
عن أحمد بن خالد وهو ابن الجباب، وكان أعلم أهل الأندلس بالفقه والحديث في وقته، قال:
كان جماعة من أصحابنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر ، ورواية من روى ذلك عن مالك وجماعة لا يرفعون ، على رواية ابن القاسم ، ولايعيب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء .
قلت : افترق الناس في هذه المسألة فرقا ثلاثة .
ففرفة منهم : تنكر على من يرفع أو تبدعه.
وهؤلاء عامة فقهاء أهل الكوفة.
حتى غالى بعضهم: فجعله مبطلا للصلاة.
وادعى بعضهم: أن الرفع نسخ.
وقد وافقهم بعض المتقدمين من أهل الشام: حتى ضرب من رفع يديه في صلاته في زمن عمر بن عبد العزيز وغضب عمر من ذلك وأنكره على من فعله وحجبه عنه .
وفرقة : لا ينكرون على واحد من الفريقين ، ويعدون ذلك من مسائل الخلاف السائغ ، ثم منهم من يميل إلى الرفع ، ومنهم من يميل إلى تركه، ومنهم: سفيان الثوري .
وقد روى ابن أبي شيبة في كتابه:
عن طائفة كثيرة من الصحابة والتابعين ، أنهم لم يرفعوا أيديهم إلا عند الافتتاح ، منهم عمر وابن عمر .
وهي رواية مجاهد عنه، وقد ضعفها الإمام أحمد والبخاري والدار قطني وغيرهم .
ومنهم: علي وابن مسعود وأصحابهما .
وقد روي ذلك عن علي وابن مسعود مرفوعا ، وضعف المرفوع عامة أئمة الحديث قديما وحديثا .
وأكثر الصحابة والتابعين:
على الرفع عند الركوع، والرفع منه أيضا حتى قال قتادة ، عن الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتهم كأن أيديهم المراوح، إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم .
وقال عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير أنه سئل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: هو شيء يزين به الرجل صلاته ؛ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم في الافتتاح، وعند الركوع ، وإذا رفعوا رؤوسهم .
وهو قول عامة التابعين .
وقال عمر بن عبد العزيز : إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا .
وقول عامة فقهاء الأمصار .
وكان الإمام أحمد لا يبالغ في الإنكار على المخالفة في هذه المسألة:
روى عنه المروذي وغيره ، أنه سئل عمن ترك الرفع يقال : إنه تارك للسنة ؟
قال: لا تقل هكذا ، ولكن قل : راغب عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم.


ونقل عنه الميموني ، قال: الرفع عندنا أكثر وأثبت ، فإن تأول رجل ، فما أصنع ؟ !
وسئل الإمام أحمد، فقيل له: إن عندنا قوما يأمروننا برفع اليدين في الصلاة ، وقوما ينهوننا عنه ؟ فقال: لا ينهاك إلا مبتدع، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابن عمر يحصب من لا يرفع.
فلم يبدع إلا من نهى عن الرفع وجعله مكروها ، فأما المتأول في تركه من غير نهي عنه فلم يبدعه."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
هذا النقل فيها فوائد:
1- تقرير مذهب عامة فقهاء الأمصار في مقابل مذهب أهل الكوفة.
2- عدم المبالغة في الإنكار في الخلاف السائغ.
3- الإنكار على مَنْ بالغ في الإنكار.


([1])فتح الباري (6 / 328).