المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رفع الاشكال فيما تداخل فيه معنى النص مع المقاصد في كل حال



أحمد العربي بايزيدي
17-04-28 ||, 01:51 AM
رفع الاشكال فيما تداخل فيه معنى النص مع المقاصد في كل حال:
وهذا بيانا باخنصار لسائل قد تداخل عليه الامر بين الاستنباط والمقاصد
اشكال مهم وجوابه بسيط.
انطلاقا من المثال التالي يتضح ذلك التداخل بين المقاصد ومعنى النص.
مثال: لو ان رجلا بلغ به الجوع الى درجة لا تطاق فأدركك امام بيتك ، وقال اطعمني ترابا؟
ففي الحال هذه: نص كلامه من خلال الظاهر، يريد اكل التراب.
امام مقصده: فهو يريد أكل أي نوع من الطعام مهما كان كما او كيفا.
القرائن الصارفة: فالذي يسوغ لنا العدول عن ظاهر كلامه هو الوقوف على مراد المتكلم، لان الوقوف على المراد يرفع الخلاف
ومن القرائن ايضا ان التراب كان بامكانه اكله دون طلب من غيره لانه متوفر وغير مفقود.
فجمعا بين الظاهر والمقصد اننا لا نقدم له ترابا وانما طعاما، بالرغم انه لم يطلب الطعام من خلال ظاهر كلامه ولكننا فهمناه من خلال مقصده من وراء الكلام.
وحتى يكون الجواب وافيا للغرض، يستحسن توضح معاني النص:
النص : ما ازداد وضوحاً على الظاهر لمعنى المتكلم، وهو سوق الكلام لأجل ذلك المعنى، فإذا قيل: أحسنوا إلى فلان الذي يفرح بفرحي ويغتم بغمي، كان نصاً في بيان محبته. وما لا يحتمل إلا معنًى واحداً، وقيل: ما لا يحتمل التأويل.
والنص قد يطلق على كلام مفهوم المعنى سواء كان ظاهراً أو نصاً أو مفسراً اعتباراً منه للغالب لأن عامة ما ورد من صاحب الشريعة نصوص ,والنص إذا لم يدرك مناطه لزم الانحصار على المورد .
قال التهاوني انه في عرف الأصوليين يطلق على معان متعددة وهي:
1كل ملفوظ مفهوم المعنى من الكتاب و السنة ظاهرا او مفسرا,حقيقة او مجازا عاما او خاصا
2ما ذكر الشافعي فانه سمى الظاهر نصا فهو منطلق من اللغة بمعنى الظهور.
ـ3ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا كالخمسة فانه نص في معناه لا يحتمل شيئا أخر
4مالا يتطرق إليه احتمال مخصوص وهو معتضد بالدليل
5الكتاب والسنة اي ما يقابل الإجماع و القياس.
فان قصد صاحب الاشكال النص بمعناه الاصولي، اي ما ازداد وضوحاً على الظاهر لمعنى المتكلم، وهو سوق الكلام لأجل ذلك المعنى،
فهذا قد ابان المقصد، وبالتالي يكون هذا النوع مصدرا من مصادر الكشف عن المقاصد وذلك لوضوح معناه ولا يقبل التاويل.
أما ان قصد السائل النص بمعناه غير الاصولي، فهاك الجواب:
فهو ماترتب من حمل معنى الدليل او ادلة الباب النقلية من الكتاب والسنة الناهضة بالحكم الشرعي الظني على وجه يوافق مراد الشارع.
وهذا التعريف مصدره احد مذكراتي للتخرج عنوانها: أثر المقاصد في توجيه النص الشرعي، تحت اشراف أ.د. الاخضر الاخضري
فحاولت بلورة معاني العنوان في ذلك التعريف السالف.
ونضرب لذلك شاهدا:
قال تعالى :(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ )
لفظ اهلك في الاية كان على مقصود الشارع وعرفه لا على عرف المخاطب
الدليل:(وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِين)
الشاهد في الدليل أن حمل معنى الأهل على خلاف ما أراده الشارع يترتب عليه أمرٌ لم يرضاه ولن يرضاه .
فالذي لم يرضه ففي قوله( فلا تسئلن ماليس لك به علم )وقرينة عدم الرضى ظاهر في ان تكون من الجاهلين ,وقد كانت قرائن تدل على المراد الحقيقي من الاهل في هذا المقام منها ان الله تعالى قد امر نبيه عليه السلام ان لا يخاطبه في الذين ظلموا ,وايضا الاستثناء في الا من سبق عليه القول ثم جاء التصريح بالمقصود في انه ليس من اهلك لان عمله غير صالح.
واما الذي لن يرضاه فهو الاهانة الى انبيائه عليهم الصلاة والسلام ,فلو حملنا معنى الاهل هنا بمعنى صحة البنوة اي النسب فيكون نفيها في قوله ليس من اهلك معنى انه ليس ابنك الشرعي فمآل هذا حمل معنى الخيانة في سورة التحريم (اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) 1 بمعنى الزنا وهذا جد جد بعيد .فالوقوف مع المقصود اثره بين في توجيه النص الشرعي .
فيمكن القول ان حمل الفاظ الشارع على عرفه مقصود شرعا ,فيكون هذا اصلا يراعى في توجيه النص والله اعلم.
فنقول هذا ما صرح به الشارع في هذا الدليل اي المقصود.
ملحوظة هامة:الملاحظ ان معنى الاهل كان ظنيا قبل ركوب السفينة ابتداء ولكن بعد الحادثة صار قطعيا وذالك بمأل الابن ثم التصريح وهذا اثر يرقي بالمعنى من الظن الى القطع. فالوقوف على المراد يزيل الظن ويبقي القطع ، والشواهد كثر.
ونختم بشاهد، تحت فرع سميته: : توسيع المدلول,للمآل المحتمل
قد يستعمل الشارع لفظا واحدا لأكثر من مدلول تحسبا لتوظيفه اعتبار للمآل المتوقع فتستوعب سعة المدلول ذالك المآل رعاية لمقصد شرعي
قال تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير)ٌ1
فلفظ امرأتين في الآية أطلق على غير المتزوجات بقرينة السياق في قوله تعالى:(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) 2
وفي موضع أخر أطلق اللفظ وأراد به المتزوجة
قال تعالى:(وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ )3
الحاصل من الآيات ,أن لفظ امرأة أطلقه الشارع على المتزوجة وعلى غيرها كما أطلقه على الفتاة و على العجوز .
فقد وسع الله مدلول امراة في عرفه تحسبا لمآل متوقع في التشريع.
قال تعالى:
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) 1
فهذا تشريع آل حمكه في البدائل لفظا قد وسع الشارع مدلوله رفعا للحرج وحفظا للمصالح,فلفظ امراتين في الاية لاينطبق على مدلول واحد كأن يقصد به المتزوجة فقط ,او الفتاة او الكبيرة فقط ,لان ذالك مدعاة للمشقة ,والمقام يستدعي التيسير حفظا للاموال من الضياع.
آلية التوجيه:الاستعمال السابق في عرف الشرع هذا منفصل ـ أي دليل خارجي غير متصل ــ
أما المتصل : قوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ):
وهذا إطلاق يستوعبه لفظ امرأة الذي وسع الشارع مدلوله
فالعدالة التي تقتضيها الشهادة ويرضاها الأطراف قد تكون في غير المتزوجة ولا تكون في المتزوجة وقد تكون في الفتاة ولا تكون في الكبيرة أو العكس.
ما قصد في الآية: الإشهاد بشهود يرضاها الأطراف,ويشمل ذالك النساء عند تعذر الشاهدين من الرجال/ والله تعالى اعلى و اعلم.