المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شفاء العليل بفقه الدليل ( بداية من كتاب المعاملات )



خالد بن سالم باوزير
18-05-05 ||, 12:24 AM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا إلى يوم الدين، أما بعد: فهذه دروس سهلة ميسرة بعون الله تعالى في فقه الدليل، بدأتها بمقدمة في الفقه، ثم شرعت في كتاب المعاملات وما بعده، ولم أهمل ربع العبادات إذ هو الأصل، لكن لما كانت العبادات مما نمارسه بحمد الله تعالى كثيرا في حياتنا كان تصوره سهلا يسيرا في الجملة على طلبة العلم، بخلاف الأرباع الثلاثة الأخيرة، لا سيما المعاملات، إذ يصعب تصور كثير من مسائلها لا سيما المعاصرة، نتيجة لقلة ممارستها أو انعدام ذلك عند بعضنا، فأحببت أن أساهم في نفع نفسي وإخوتي، إذ لا يضبط العلم إلا بمذاكرته وكتابته، كما سار على ذلك أسلافنا.

وهذا أوان الشروع في المقصود:


(( تأريخ الفقه ))


*تعريف الفقه:

الفقه لغةً: الفهم.

والفقه في اصطلاح الفقهاء: معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، أو التي طريقها الاجتهاد.

والأحكام العمليَّة مثل: أحكام الصلاة، والحج، والبيع، والميراث، والزواج.

والأدلة التفصيليَّة مثل: آيات الأحكام، وأحاديث التبي صلى الله عليه وسلَّم.

*نشأة الفقه:

1 - في حياة النبي صلى الله عليه وسلم: كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتلقون الأحكام من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، إما من القرآن الكريم أو من ما يذكره لهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، وكانوا إذا لم يعرفوا حكم مسألة معينة سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحكمها.

2 - وأما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا وردت عليهم مسألة:

أ - ينظرون في القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن وجدوا حكم المسألة فيهما أو في أحدهما حكموا به، ولم يلتفتوا إلى غيره.

ب - وكان بعضهم يسأل بعضا فيما خفي عليهم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ت - فإن لم يجدوا عندهم نصًّا من السنة تشاوروا في حكم المسألة، واجتهدوا فيها بحسب ما لديهم من الأصول الشرعية، وقد يلجؤون إلى القياس على النصوص الشرعية.

ث - وقد يُجمِعون على حكم المسألة، كإجماعهم على قتال مانعي الزكاة، وقد يختلفون في حكم المسألة، كاختلافهم في الوضوء من مسِّ الفرج.[ 1 ]

ومن ما سبق يمكن أن نستخرج المصادر التي كان يعتمدها الصحابة رضي الله تعالى عنهم في معرفة الأحكام الشرعية:

فأولها: القرآن الكريم.

وثانيها: السنة النبوية المطهرة.

وثالثها: القياس.

ورابعها: الإجماع.

*ظهور المدارس الفقهيَّة:

1 - اجتهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم في نشر العلم وتفقيه الناس، وانتشروا في أنحاء الأرض يبلغون دينَ الله تعالى، فانتشر العلم في الأمصار الإسلاميَّة، فكان للعلم حواضر[ 2 ] كثيرة ينهل منها المتعلمون، من أهمِّها:

أ - المدينة النبوية: وفيها الخلفاء الأربعة، وعائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم.

ب - مكة المكرمة: وفيها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما.

ت - الكوفة: وفيها عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، ثم انتقل إليها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

ث - البصرة: وفيها أنس وجابر رضي الله تعالى عنهما.

ج - الشام: وفيها معاذ وأبو الدرداء ومعاوية رضي الله تعالى عنهم.

ح - مصر: وفيها عمرو بن العاص وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما.

2 - وفي أواخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني بدأت الآراء الفقهيَّة تتجه نحو تكوين مدرستين كبيرتين، لكل منهما منهج تختص به عن الأخرى، وهاتان المدرستان:

المدرسة الأولى: مدرسة الحجاز:

وتسمَّى: ( مدرسة المدينة ) أو ( مدرسة الأثر )، وسبب هذه التسمية:

1 - اعتماد مدرسة الحجاز على الأحاديث والآثار غالبًا، لكثرتها عندهم.

2 - قلَّة المسائل الحادثة في المجتمع الحجازي ذلك الوقت.

3 - اجتنابهم المسائل الفقهيَّة المفروضة غير الواقعة.

وليس معنى ذلك أنهم لا ينظرون في الرأي، ولكن غلب عليهم النظر في الآثار.

ومن أشهر علماء هذه المدرسة: فقهاء المدينة السبعة، وهم:

سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وخارجة ابن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير رحمهم الله تعالى.

المدرسة الثانية: مدرسة العراق:

وتسمَّى: ( مدرسة الكوفة ) أو ( مدرسة الرأي )، وسبب هذه التسمية:

1 - أن أهل العراق كثر عندهم الأخذ بالرأي، نتيجة لكثرة المسائل الحادثة عندهم.

2 - قلَّة الأحاديث بالنسبة لما عند أهل الحجاز، فلذلك احتاجوا لاستنباط الأحكام من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية التي كانت عندهم بالنظر والتأمل، حتى كثر ذلك عندهم، فسمُّوا: أهل الرأي.

ومن أشهر علماء هذه المدرسة:

علقمة النخعي، ومسروقٌ الهمداني، وشريحٌ القاضي، وإبراهيمُ النَّخعيُّ رحمهم الله تعالى.

*ظهور المذاهب الفقهية الأربعة:

في القرن الثاني الهجري إلى منتصف القرن الثالث برز في الفقه عدد من العلماء الذين استفادوا مِن مَّن قبلهم، فاجتمع حولهم الطلاب، ورجع الناس إليهم في الفتوى، وجمعوا أقوالهم ودوَّنوا مذاهبهم.

فمنهم: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري رحمهم الله تعالى.

ومن أشهرهم: الأئمة الأربعة الذين تنسب إليهم المذاهب المشهورة، وهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى.

وفي الملف المرفق نبذة مختصرة عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى:
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
[ 1 ] فروي عن عمر وأبي هريرة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم: أنه ينقض الوضوء، وروي عن علي وعمار وابن مسعود وحذيفة وعمران بن الحصين وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم: أنه لا ينقض الوضوء. ( ينظر: المغني 1 / 116 ).

[ 2 ] حواضر: جمع حاضرة، والمراد: المدن والمناطق الكبرى.

خالد بن سالم باوزير
18-05-05 ||, 06:18 PM
(( الاجتهاد والتقليد ))


أولا: الاجتهاد

*تعريف الاجتهاد

الاجتهاد: بذل الجهد بالنظر في الأدلَّة الشرعيَّة، للتوصُّل إلى حكم شرعيٍّ.

*مثال الاجتهاد:

مسألة اشتراط الطهارة لصحة الطواف، اختلف العلماء فيها، وعمل المجتهد: أن يجمع أقوال العلماء وأدلتهم ويتأملها بدقَّة، وينظر في كلِّ دليل:

أ - هل هو صحيح أو ضعيف ؟

ب - هل دلالته على هذا القول قوية أو ضعيفة ؟

ت - ثم يوازن بين الأدلة ويأخذ بالأرجح منها.

*حكم الاجتهاد

الاجتهاد فرضُ كفايةٍ على الأمَّة.

لأن هناك مسائلَ كثيرةً متجددةً تحتاجُ إلى بيان حكمها الشرعي، ولا يتحقق ذلك إلا بالاجتهاد، وما لا يتم الواحب إلا به فهو واجب.

ومن الأدلَّة على ذلك:

1 - قول الله تعالى: (( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... ))[ 1 ] ، والمراد بأولي الأمر في الآية: العلماء، والاستنباط: هو الاجتهاد بالنَّظر في الأدلَّة الشَّرعيَّة.

2 - قول الله تعالى: (( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ))[ 2 ] ، والاجتهاد من التفقه في الدِّين.

*شروط الاجتهاد

لا يجوز الاجتهاد إلا إذا اجتمعت الشروط الآتية:

الشرط الأول: أن يكون المجتهد ثقة في دينه، وهو: المسلم المعروف بعدالته واستقامته، فلا يصحُّ من فاسق، سواء أكان فسقه بقول أو بفعل أو باعتقاد.

الشرط الثاني: أن يكون المجتهد ثقة في علمه، وهو: الذي توفَّرت فيه شروط المجتهد التي سيأتي بيانها - إن شاء الله تعالى -.

الشرط الثالث: أن تكون المسألة من مَّا يسوغ فيها الاجتهاد.

ويخرج بهذا الشرط المسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد، وهي:

أ - المسائل المجمع عليها، مثل: كون الطهارة شرطا لصحة الصلاة، وأن الصلوات الخمس واجبة، وأن الظهر أربع ركعات، وأن في كل ركعة سجدتين.

ب - المسائل التي لم ينعقد فيها إجماع ولكن ظهر فيها الدليل جليًّا، وتبيَّن ضعف القول الآخر بوضوح، فوجب المصيرُ فيها إلى النَّصِّ، فلا يسوغ فيها الاجتهاد، مثل: مشروعيَّة المسح على الخفَّين.

*شروط المجتهد:

للمجتهد شروط، هي:

الشرط الأول: أن يكونَ عالمًا بآيات الأحكام من القرآن الكريم، عارفا ناسخَها ومنسوخَها، ومحكمَها ومجمَلها، وأسبابَ نزولها.

الشرط الثاني: أن يكونَ عالمًا بأحاديث الأحكام، قادرا على تمييز صحيحها من ضعيفها.

الشرط الثالث: أن يكونَ عالمًا بالمجمع عليه من الأحكام حتى لا يخالفَها.

الشرط الرابع: أن يكونَ قادرًا على استنباط الأحكام الشَّرعيَّة من الأدلة، بأن يكون عارفا بأصول الفقه، مثل:

أ - معرفة الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، وبخاصة القياس، قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: ( من لم يعرف القياس فليس بفقيه ).

ب - معرفة قواعد الاستدلال، كقاعدة: الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي التحريم.

ت - معرفة دلالات الألفاظ، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين.

ث - معرفة الناسخ والمنسوخ.

الشرط الخامس: أن يكونَ عالمًا باللُّغة العربية من نحو وصرف، لأن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وفهمه متوقف على فهمها.

الشرط السادس: أن يكونَ عالمًا بمقاصد الشرع المُطَهَّر، خبيرا بمصالح الناس وأحوالهم وعاداتهم.

*أنواع المجتهدين

ينقسم المجتهدون إلى قسمين:
1 - المجتهد المطلق، وهو: الذي يمكنه الاجتهاد في جميع أبواب الفقه.
2 - المجتهد الجزئيُّ، وهو: الذي يمكنه الاجتهاد في بعض الأبواب الفقهيَّة، أو باب واحد، أو مسألة واحدة.

مثاله: بعض المجتهدين يستطيع الاجتهاد في مسائل العبادات، لكنه لا يستطيع الاجتهاد في النوازل الماليَّة المعاصرة.

*أجر المجتهد

إذا تحرَّى المجتهد الحقَّ فأصاب فله أجران: أجر المجتهد، وأجر الإصابة، وإن أخطأ فله أجر واحد: أجر الاجتهاد.

والدليل على ذلك: حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ )).[ 3 ]

*الاجتهاد من غير علماء الشَّريعة

الاجتهاد من غير علماء الشَّريعة المؤهَّلينَ للنَّظر في الأدلَّة الشَّرعيَّة حرام، سواء أكانوا من الأدباء أو الصحفيين أو السياسيين أو طلاب العلم المبتدئين أو غيرهم من مَّن ليس لديه صفات المجتهد المطلق أو المجتهد الجزئي، واجتهادهم نوع من العبث والجهل، وفيه تعدٍّ على الشَّريعة وجنايةٌ على أحكامها، لأنه مجرد ظن واتباع للهوى، وتخرص في أحكام الشريعة، والنتيجة المترتبة عليه: الضلال والإضلال الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول: (( إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ اِنتِزَاعًا يَّنتزِعُه مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِن يَّقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمُ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فََضَلُّوا وَأَضَلُّوا )).[ 4 ]

ثانيًا: التَّقليد

*تعريف التَّقليد

التَّقليدُ هو: الأخذُ بقولِ عالمٍ، من غير نظرٍ في الأدلَّة.

والمقلِّدُ ليس بعالم، لأنَّ العالمَ هو الَّذي يعرف الحقَّ بالدَّليل.

*حكم التَّقليد

أ - التَّقليدُ واجبٌ على العامِّيِّ، وهو: الذي لا يستطيع النَّظر في الأدلَّة، فيقلد من يثق في علمه وورعه من العلماء، دون أهل البدع والضَّلالات.

ب - التَّقليدُ واجبٌ على طالب العلم الذي لا يستطيع الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فيقلِّدُ من يثق في دينه وورعه وعلمه في المسائل التي لا يستطيع الاجتهاد فيها.

ت - التَّقليدُ المطلقُ لواحدٍ من العلماء في كلِّ ما يقولُه سواءٌ أصابَ أم أخطأَ لا يجوز، لأنَّ الواجبَ اتباعُ الكتابِ والسُنَّة، لأدلَّةٍ مِّنها:

1 - قول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَّأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )).[ 5 ]

2 - قول الله تعالى: (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )).[ 6 ]



والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
[ 1 ] سورة النساء آية 83.
[ 2 ] سورة التوبة آية 122.
[ 3 ] أخرجه البخاريُّ في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم ( 7352 )، ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم ( 1716 ).
[ 4 ] أخرجه البخاريُّ في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم برقم ( 100 )، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل برقم ( 2673 ).
[ 5 ] سورة النساء آية 59.
[ 6 ] سورة الشورى آية 10.

خالد بن سالم باوزير
18-05-07 ||, 12:27 AM
(( الخلاف الفقهي ))


*أسباب اختلاف الفقهاء

يعودُ الخلافُ بينَ العُلماءِ إلى أسبابٍ كثيرةٍ، أهمُّها ما يلي:

السبب الأول: أن يعرفَ أحدُ العُلماء دليلًا فيعملَ به، ولا يعرفه الآخرُ فيجتهد ويخالفه.

مثال ذلك: بلغ عائشةَ - رضي اللهُ تعالى عنها - أن عبدَ الله بنَ عمرو - رضي اللهُ تعالى عنهما - يأمرُ النِّساء إذا اغتسلن أن ينقضنَ رؤوسَهنَّ، فقالت: يا عجبًا لابن عمرٍو هذا، يأمرُ النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسَهن، أفلا يأمرُهن أن يحلقنَ رؤوسَهنَّ ؟! لقد كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، ولا أزيدُ على أن أُفرِغَ على رأسي ثلاثَ إفراغات.[ 1 ]

السبب الثاني: أن يبلغَ الحديثُ عالمين لكنَّه يكون صحيحًا عند عالِم، ضعيفًا عند العالِم الآخر.

مثال ذلك: حديثُ العِينة[ 2 ] الذي رواه عبدُ الله بنُ عمرَ - رضي اللهُ تعالى عنهما - أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا تبايعتُم بالعينةِ، وأخذتُم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرعِ، وتركتُم الجهاد، سلَّط اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزِعُه حتى ترجعوا إلى دينكم )).[ 3 ] فلم يعملْ به الشافعيُّ لضعفِه عنده، وعَمِلَ به الجمهور، لأن له طرقًا تقوِّيه، وقد عضَدته بعضُ الآثار عن الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم - في تحريم العينة.

السبب الثالث: أن يبلغَ الحديثُ العالمَ ويعلمَ أنه صحيحٌ لكن يظنُّه منسوخًا، والعالمُ الآخر بخلاف ذلك.

مثال ذلك: اختلف العلماء في الحجامة للصائم هل تفطر أو لا ؟ فمن قال: إنها لا تفطر استدل بحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - (( أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرمٌ، واحتجم وهو صائمٌ ))[ 4 ]، ومن قال: إنها تفطر استدل بحديث: (( أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ ))[ 5 ]، ومن الأجوبة التي أجابوا بها عن حديث ابن عباس - رضي اللهُ تعالى عنهما - قالوا: إنَّ الحديثَ منسوخ، ولم يسلِّمْ لهم الآخرون بأنَّ الحديثَ منسوخ.

السبب الرابع: اختلافُهم في تفسيرِ لفظِ الدَّليل.

مثال ذلك: اختلافُ الفقهاءِ في مسِّ المرأة، هل ينقضُ الوضوءَ أو لا ينقضُ الوضوءَ ؟، وذلك بسبب اختلافِهم في تفسير قوله تعالى في آيةِ الوضوء: (( ... أو لا مستمُ النِّساءَ ... ))[ 6 ]، فمن فسَّرها بمجرد اللمس قال: هو ينقضُ الوضوء، ومن فسَّرها بالجماع قال: اللمس لا ينقضُ الوضوء.

السبب الخامس: أن لا يكونَ في المسألة نصٌّ، فيجتهد العلماء في استنباط حكمها من بعض النصوص والقواعد الشَّرعيَّة، فيختلف اجتهادهم.

مثال ذلك: اختلافُ العلماء المعاصرين في حكم الإجارة المنتهية بالتمليك، بناءً على خلافهم في تنزيلها على النصوص والقواعد الشرعيَّة.

*الموقف من خلاف الفقهاء

أولا: أصولٌ مهمَّةٌ تُراعَى عند اختلاف الفقهاء

1 - يجبُ احترامُ العلماءِ وإجلالُهم، المخطئِ منهم والمصيبِ، ولا يعني خطأُ بعضِ الأئمة المجتهدين التعدِّيَ عليه والطعنَ فيه وانتقاصَه، فهذا ما أدَّى إليه اجتهادُه، وهو معذورٌ في ذلك مأجور.

والدليل على عذرهم:

أ - قولُ الله تعالى: (( وداودَ وسليمانَ إذ يحكمانِ في الحرثِ إذ نفَشَتْ فيه غنمُ القوم وكنَّا لحكمهم شاهدين. ففهَّمناها سليمانَ وكلًّا آتينا حكمًا وعلمًا ))[ 7 ]، فالحق كان مع سليمان عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك قال الله تعالى عنهما: (( وكلًّا آتينا حكمًا وعلمًا )).

ب - حديث عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهد ثمَّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمَّ أخطأَ فله أجرٌ )).[ 8 ]

2 - الأئمةُ المجتهدون متفقون في أصول الشَّريعة، وإنما خلافُهم في بعض المسائل المتعلقة بالصلاة والحج والبيع ونحوِها.

3 - التعظيمُ يكون للنصوص الشرعية لا للأشخاص، فكلٌّ يُؤخذُ من قوله ويردُّ إلا نبيَّنا محمَّدًا صلى اللهُ عليه وسلم.

4 - لا يجوزُ التَّعصُّبُ لقول أحدٍ من العلماءِ ونحن نعلم أن الحقَّ مع العالمِ الآخر، فالعالِم الذي أخطأ معذورٌ مأجورٌ، ولكن لا يعني ذلك متابعتَه على خطئه أو التعصب له، وردَّ النصوص المعصومة، أو تأويلَها من أجل تصحيح قوله.

5 - المسائلُ التي اتَّفقَ العلماءُ عليها كثيرةٌ جدًّا، ولكن بسبب كثرة تداول المسائل الخلافيَّة قد يظنُّ بعضُ النَّاس أنها أكثرُ من مسائلِ الإجماع، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ - رحمه الله تعالى -: فإن قال قائلٌ: مسائلُ الاجتهادِ والخلافِ في الفقه كثيرةٌ جدا، قيل له: مسائلُ القطعِ والنَّصِّ والإجماعِ بقدر تلك أضعافًا مُّضاعفةً. اهـ[ 9 ]

6 - قال بعض العلماء: ( الخلاف سعة )، ومرادهم: أنه سعة للعالم المجتهد ليتخير من أقوال الفقهاء المختلفة ما يعضده الدليل، فيكون لديه مجالٌ رَحْبٌ للنظر والتأمل في الأدلة والقواعد الشرعية حتى يتوصلَ إلى ترجيح أحد الأقوال المختلفة، وليس المعنى: أن يؤخذَ من أقوالهم بالتشهِّي دون دليل، أو يؤخذَ الأسهلُ مطلقًا.[ 10 ]

ثانيًا: الموقف العملي عند اختلاف الفقهاء

النَّاس من حيث عملُهم بالمسائل التي اختلف فيها الفقهاءُ قسمان:

القسم الأول: طالبُ علمٍ عنده من العلم ما يتمكَّنُ به من تمييز الراجحِ من أقوال الفقهاء.

فهذا عليه: أن يبحثَ ويسألَ عن الدليل حتى يصلَ إلى الراجح، ولكن عليه التثبت قبل الجزم لأنه قد يغفُل عن شيءٍ لا بد منه للوصول إلى الراجح، كأن يخفى عليه دليلٌ خصَّص ما كان عامًّا، أو قيَّد ما كان مطلقًا، أو نسخَ ما ظنَّه ثابتًا، فإن لم يتمكنْ من معرفة الراجح فله حكم العامِّيِّ المقلدِ في هذه المسألة.

القسم الثاني: عامِّيٌّ بالنسبة للأحكام الشرعيَّة، وهو: الذي لا يعرفُ تفصيلَ الأحكام الشرعيَّة ولا أدلتَها ولا طرقَ الاستدلال، وإن كان عالمًا في فنٍّ آخر.

فهذا عليه: أن يسألَ أهل العلم ليبيِّنوا له الحكم في مسألته، ولا يجوز له أن يتخير من الأقوال ما شاء، والدليل على ذلك قوله تعالى: (( فسألوا أهلَ الذِّكر إن كنتم لا تعلمون )).[ 11 ]

ويتعلق بذلك مسألتان:

أ - الأَولى له أن يسأل من يراه أفضل في دينه وعلمه، ويظنُّه أقرب للصواب، فإذا أفتاه بفتوى عمل بفتواه.

ب - لا يجوزُ له سؤال أكثرَ من عالم بقصد العمل بأخفِّ الفتاوى وأسهلِها، لأنَّ هذا من تتبع الرخص الذي حذّر منه العلماء.

*تتبعُ الرُّخص

المراد به: تتبعُ أيسر أقوال العلماء في المسائل الخلافية، والأخذُ به، دون اعتبار لصحته من عدمها، ولا لكونه راجحًا أو مرجوحًا.

صورتُه

أ - في مسائلَ متنوعة: أن يأخذ بقول بعض العلماء في: إباحة الجمع بين الصلاتين من غير عذر، وبقول آخرين في: إباحة الفوائد الربوية، وبقول آخرين في: إباحة السُّفور، وبقول آخرين في: إباحة الاختلاط، وبقول آخرين في: إباحة التأمين التجاري، وبجمعه لهذه الأقوال يكون قد اجتمع فيه ما لم يقل به أحد من العلماء.

ب - في مسألة واحدة[ 12 ]: كالزواج، فيأخذ بقول بعض العلماء في: عدم اشتراط الوليِّ للنكاح، وأن المرأةَ البالغةَ تُزوِّج نفسَها، وبقول آخرين في: عدم اشتراط الشهود، وبقول آخرين في: عدم اشتراط إعلان النكاح.

فيتزوج امرأة بـ ( نكاح السرِّ ) الذي لا يقول به أحدٌ من العلماء، وما هو إلا نوعٌ من الزنا.

حكمُه

تتبع الرخص حرام، وقد نقل جماعة من العلماء الإجماع على تحريمه، منهم: ابن عبد البر، وابن حزم، وابن الصلاح رحم الله تعالى الجميع.

قال سليمانُ التيميُّ رحمه الله تعالى: لو أحذتَ برخصةٍ كلِّ عالم اجتمع فيك الشرُّ كلُّه.

وقال إسماعيلُ القاضي - رحمه الله تعالى -: من جمع زللَ العلماء، ثم أخذ بها، ذهب دينُه.

الاستدلالُ بالخلاف

الاستدلالُ بالخلاف أو الاحتجاجُ بالخلاف هو: جعلُ خلاف الفقهاء دليلًا على إباحة فعل مَّا، فإذا اختلف الفقهاء في مسألة فقال بعضهم: هي حرام، وقال آخرون: هي جائزة، قال قائل: لا حرج عليك في فعل هذا، لأن الفقهاء اختلفوا فيه.

وهذا مسلكٌ خطيرٌ، وغلطٌ عظيمٌ على الشريعة، فإن الله تعالى قد أمرنا عند التنازع بالرجوع إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا أن نأخذَ بأيسرِ القولين احتجاجًا بأنَّه مختلفٌ فيه، قال الله تعالى: (( فإن تنازعتم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرسولِ إن كنتم تؤمنون بالله واليومِ الآخِرِ ذلك خيرٌ وَّأحسنُ تأويلًا ))[ 13 ]، ونهاية هذا المسلك: الإفضاءُ إلى اتِّباع الهوى، وتتبعِ الرخصِ الذي حذر منه العلماء.[ 14 ]


والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
[ 1 ] أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب حكم ضفائر المغتسلة 1 / 260 ( 331 ).
[ 2 ] العِينة هي: أن يبيع سلعةً بثمنٍ مُؤجَّل، ثم يشتريَها من الذي أخذها بأقلَّ من الثمن حالًّا.
[ 3 ] أخرجه أحمد 8 / 440 ( 4825 )، 9 / 395 ( 5562 )، وأبو داود في كتاب البيوع والإجارات، باب النهي عن العينة 3 / 274 ( 3462 ) وهذا لفظه، وصحح الحديث وقواه: ابن تيمية ( مجموع الفتاوى 29 / 30 )، وابن القيم ( إعلام الموقعين 3 / 178 )، ( وتهذيب سنن أبي داود مع عون المعبود 9 / 240 )، وابن القطان ( نصب الراية 4 / 17 )، والشوكاني ( نيل الأوطار 6 / 298 )، والألباني في السلسلة الصحيحة ( 11 ).
[ 4 ] أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الحجامة والقيء للصائم برقم ( 1938 ).
[ 5 ] أخرجه أحمد 28 / 335 ( 17112 )، وأبو داود في كتاب الصوم، بابٌ في الصائم يحتجم برقم ( 2368 )، ( 2369 )، وابن ماجه في كتاب الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم برقم ( 1681 )، وصححه ابن حبان 8 / 302 ( 3533 )، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 1 / 592، ونقل تصحيحه عن إسحاق بن راهويه وابن المديني وأحمد الدارمي، وذكره الكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص131 عن خمسة عشر صحابيًّا.
[ 6 ] سورة المائدة آية 6.
[ 7 ] سورة الأنبياء الآيتان ( 78 ، 79 ).
[ 8 ] أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم ( 7352 )، ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم ( 1716 ).
[ 9 ] الاستقامة 1 / 59 - 60 مختصرًا، وينظر كلام الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني على كثرة مسائل الإجماع في البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي 3 / 490.
[ 10 ] ينظر: المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد، للشيخ بكر أبو زيد 1 / 98.
[ 11 ] سورة النحل آية 43.
[ 12 ] ويسمى: التلفيق.
[ 13 ] سورة النساء آية 59.
[ 14 ] ينظر: الموافقات للشاطبي 5 / 92 - 93 ، ومثال ذلك: اختلف الفقهاء في الإيجار المنتهي بالتمليك، فلا حرج فيه، واختلف الفقهاء في التأمين التجاري، فلا حرج فيه.

خالد بن سالم باوزير
18-05-11 ||, 11:49 PM
(( أحكام الفتوى ))


*المراد بالفتوى

الفتوى هي: إجابة سائل، عن حكمٍ شرعيٍّ، في واقعةٍ معيَّنة.

حكم الإفتاء

إفتاء الناس في أمور دينهم: فرض كفاية.

ويدل لذلك: قول الله تعالى:

1 - قول الله تعالى: (( وإذ أخذ اللهُ ميثاقَ الَّذين أُوتُوا الكتابَ لتُبَيِّنُنَّهُ للنَّاسِ ولا تكتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِم واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَليلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون )).[ 1 ]

2 - حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: (( مَن سُئِلَ عنْ علمٍ فكتمَه، أُلْجِمَ بلِجامٍ من نَّارٍ يومَ القيامة )).[ 2 ]

حكم الاستفتاء

إذا وقع بالمسلم أمر يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي وهو لا يعلمه، فإنه يجب عليه أن يستفتي أهل العلم ليكون على بصيرة من أمره.

والدليل على ذلك: (( فسألوا أهلَ الذِّكر إن كنتم لا تعلمون )).[ 3 ]

حكم استفتاء غير العلماء

لا يجوز للمسلم أن يستفتي في دينه من ليس بأهل الفتوى، لأن الواجب عليه هو سؤال أهل العلم، قال الله تعالى: (( فسألوا أهلَ الذِّكر إن كنتم لا تعلمون )).[ 4 ]

واستفتاء غير العلماء فيه ضررٌ على المستفتي في دينه، وضررٌ على الأمة بتصدير[ 5 ] غير العماء، فيضلُّونهم عن دينهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما - قال: (( إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ اِنتِزَاعًا يَّنتزِعُه مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِن يَّقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمُ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فََضَلُّوا وَأَضَلُّوا )).[ 5 ]

يقول الإمام محمَّد بن سيرين - رحمه الله تعالى -: ( إن هذا العلمَ دينٌ، فانظروا عن مَّن تأْخذونَ دينَكم )[ 7 ].

*أهميَّة الفتوى ومكانتها

الإفتاء منصب عظيم وشرف كبير لمن يقوم به، وتتبين أهمية الفتوى من خلال معرفة ما يأتِ:

أ - أن الله سبحانه وتعالى تولَّى الإفتاءَ بنفسه الشريفة وهو العليم الخبير، فقال جلَّ وعلا: (( ويستفتونك في النِّساء قلِ اللهُ يُفْتيكمْ فيهِنَّ ... ))[ 8 ]، وقال جل وعلا: (( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ... ))[ 9 ].

ب - أن أول من قام بهذا المنصب الشريف من هذه الأمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فكان يفتي عن الله جل وعلا بوحيه المبين، فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب.

*حاجة الناس إلى الفتوى

حاجة الناس للفتوى من أعظم الحاجات لارتباطها بجميع أمور دينهم من التوحيد، والصلاة والزكاة والحج والصيام، والنكاح والطلاق، والبيع والشراء، وغير ذلك، وهذه الحاجة دائمة في عموم الأوقات والأحوال، إذ لا يخلو المسلم من نازلة يحتاج فيها لمعرفة الحكم الشرعي فيما يفعله أو يتركه، وبخاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الحاجات وتنوعت، قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -:( الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه في كل ساعة )[ 10 ].

حكم الفتوى بغير علم

الفتوى بغير علم حرام، وهي من القول على الله تعالى وعلى دينه وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم بغير علم، وهي من كبائر الذنوب، وقد قرنها الله جل وعلا بالشرك به، فقال تعالى: (( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقِّ وأن تشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )).[ 11 ]

ومن سأل من يظنُّه عالمًا، فأفتاه بغير علم، فعمل بفتواه وهو يظنها صحيحةً فالإثم على من أفتاه، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أفتي بغير علم، كان إثمه على من أفتاه ))[ 12].

تعظيم الفتوى

كان أهل العلم - رحمهم الله تعالى - من المتقدمين والمتأخرين يعظمون شأن الفتوى، ويحذرون من التساهل فيها، وما ذلك إلا لعظم شأنها، ولأنها إخبار عن حكم الله جل وعلا وشرعه، وليست خبرًا عن الشَّخص نفسه.

ومن أقوالهم في ذلك:

1 - قال حصين الأسدي - رحمه الله تعالى: ( إن أحدكم ليفتي في المسألة، لو وردت على عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - لجمع لها أهل بدر ).

2 - وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى - رحمه الله تعالى -: ( لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئةً من الأنصار وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ورد أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا ).

3 - وقال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى: ( أجسر النَّاس على الفتيا أقلُّهم علمًا ).

التحذير من التساهل في الفتوى

لا يجوز لأحد أن يتساهل في الفتوى بغير علم، لأنه إنما يخبر بإفتائه عن حكم الله تعالى وشريعته، ويبين الحلال من الحرام، فلهذا:

أ - يحرم على غير المؤهل للفتوى أن يفتي مطلقا، وهو من مداخل الشيطان على العبد ليضله، ويضل الناس به، قال الله تعالى: (( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ))[ 13 ]

ب - ويحرم على المؤهل للفتوى أن يفتي بمجرد الظن من غير اجتهاد وتبين للحكم الشرعي.

ت - ويلزم المؤهل للفتوى إذا كان الحكم غير حاضر في ذهنه أثناء الاستفتاء، أو كان مترددا فيه: أن ينتظر حتى يتبين له الحكم، ولا يتجرأ على الإفتاء من غير أن يتبين له الحكم الشرعي.

قال الله تعالى: (( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقِّ وأن تشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )).[ 14 ]

ث - وعلى من سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: ( لا أدري ) ، أو: ( لا أعلم ) ، أو: ( الله أعلم ) ، ونحوها من العبارات:

1 - عن جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه - أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي البلدان شر ؟ قال: فقال: (( لا أدري، فلما أتاه جبريل عليه السلام قال: (( يا جبريل، أي البلدان شر ؟ قال: لا أدري حتى أسأل ربي عز وجل. فانطلق جبريل عليه السلام، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم جاء، فقال: يا محمد، إنك سألتني أي البلدان شر، فقلت: لا أدري، وإني سألت ربي عز وجل، أي البلدان شر ؟ فقال: أسواقها )).

2 - قال علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - " وابردها على الكبد، إذا سئلت عن ما لا أعلم أن أقول: الله أعلم ".

3 - وقال عامر الشعبي - رحمه الله تعالى -: ( لا أدري ) نصف العلم.[ 15 ]

*آداب المستفتي

على المستفتي أن يتأدب بالآداب الآتية:

1 - أن يقصد باستفتائه معرفة مراد الله تعالى فيما أشكل عليه ليعمل به حتى لو خالف هواه.

2 - أن يبحث عن الأوثق عنده من العلماء في العلم والورع.

3 - أن يحرص على معرفة الدليل ما أمكن.

4 - أن يوضح سؤاله ولا يترك ما قد يكون مؤثرا في الجواب.

5 - أن يختصر في سؤاله ما أمكن.

6 - أن يتجنب العبارات التي توحي بقصد جواب معين.

7 - أن يتجنب التحايل في السؤال بإخفاء شيء أو إظهاره بحيث يؤثر على الفتوى.

- وإذا كان السؤال عن طريق الهاتف، فينبغي مراعاة ما يأتي:

1 - اختصار السؤال، وعدم الإطالة بذكر ما لا حاجة له، وذلك حفظا لوقت المفتي، وحتى يتمكن من الإجابة على أكثر عدد من الأسئلة.

2 - اختيار الوقت المناسب، وإذا كان المستفتي محتاجا للاتصال في الأوقات غير المناسبة فيكتب سؤاله برسالة نصية، أو يكتب رسالة يسأل فيها عن مناسبة الوقت للاتصال.

3 - إذا كان السؤال عن أمر متصل بفعل معصية أو من ما يستحيا من التصريح به فبدلا من أن يقول: فعلت كذا وكذا، يقول: شخص حصل له كذا وكذا.

- وإذا كان السؤال عن طريق القنوات الفضائية، فينبغي مراعاة ما يأتي:

1 - أن يعد السؤال مسبقا، حتى لا يخطئ فيما أراد، أو يهمل شيئا مهما مؤثرا في الفتوى، وحتى لا يضيع وقت البرنامج.

2 - أن يتأدب في عرض السؤال.

3 - أن يتجنب السؤال في المسائل التي تثير الجدل، أو الخادشة للحياء.

4 - أن يتجنب تسميةَ الشخصيات.


والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
[ 1 ] سورة آل عمران آية 187.
[ 2 ] أخرجه أحمد 13 / 17 - 18 ( 7571 )، وأبو داود في كتاب العلم، باب كراهية منع العلم برقم ( 3658 )، والترمذي في أبواب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم برقم ( 2649 )، وابن ماجه في المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه برقم ( 266 )، قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان 1 / 297 ( 952 )، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 1 / 181، والألباني في صحيح الجامع ( 2684 ).
[ 3 ] سورة النحل آية 43.
[ 4 ] سورة النحل آية 43، وسورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام آية 7.
[ 5 ] المراد: جعلهم في الصَّدارة، بحيث يقدَّمون على أنهم من العلماء وهم ليسوا كذلك.
[ 6 ] أخرجه البخاريُّ في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم برقم ( 100 )، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل برقم ( 2673 ).
[ 7 ] أخرجه الإمام مسلمٌ في مقدِّمة الصَّحيح 1 / 14.
[ 8 ] سورة النساء آية 127.
[ 9 ] سورة النساء 176.
[ 10 ] ينظر: مفتاح دار السعادة 1 / 61، وطبقات الحنابلة 1 / 146، والمقصد الأرشد 1 / 355، والآداب الشَّرعيَّة 2 / 44.
[ 11 ] سورة الأعراف آية 33.
[ 12 ] أخرجه أحمد 14 / 17 - 18 ( 8266 )، وأبو داود في كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا برقم ( 3657 )، وهذا لفظه، وابن ماجه في المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس برقم ( 53 )، وحسنه في صحيح الجامع ( 6068 ) ، ( 6069 ).
[ 13 ] سورة البقرة آية 169.
[ 14 ] سورة الأعراف آية 33.
[ 15 ] ينظر في هذه الأقوال: سنن الدارمي 1 / 41 وما بعدها، وبدائع الفوائد 3 / 792 - 794.

خالد بن سالم باوزير
18-08-01 ||, 12:40 AM
(( الضَّروريَّات الخمس ))


(( حفظ الشَّريعة للضَّرويَّات الخمس ))

*معنى الضَّروريَّات

الضَّروريَّات هي: المقاصد الكليَّة التي لا بد منها لقيام مصالح الدِّين والدُّنيا، بحيث إذا فقدت ترتب عليها فوتُ مصالح الدُّنيا، وفوتُ النَّجاة والنَّعيم في الآخرة.

الضَّروريَّات الخمس:

( الضروريات الخمس )، هي:

1 - حفظ الدين.

2 - حفظ النفس.

3 - حفظ النسل.

4 - حفظ العقل.

5 - حفظ المال.

*اتفاق الشرائع السماويَّة على المحافظة على الضروريات الخمس

قال الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى -:( فقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل ).[1]

*أهميَّة المحافظة على الضروريات

اهتمت الشرائع السماوية بالضروريات الخمس لما يترتب على المحافظة عليها من صلاح الدين والدنيا، والسعادة في الدنيا والآخرة، ولما يترتب على الإخلال بها من ضياع أمر الدين والدنيا، والشقاوة في الدنيا والآخرة.

فأي مجتمع يحصل فيه الإخلال بهذه الضروريات فسوف ينتشر فيه من الفساد والضياع بقدر إخلاله بها، من انتشار الشرك بالله جل وعلا والكفر به، والقتل، والزنا، وتعاطي المسكرات وغيرها من ما يؤدي إلى تدمير الأمم وهلاك الشعوب، وقتل الفطرة السليمة والأخلاق الكريمة، فلهذا كان بناء الشريعة على المحافظة على هذه الضروريات هو محض الحكمة، وعين المصلحة.



الضرورية الأولى: حفظ الدين


مصلحة حفظ الدين فوق كل مصلحة، فهو عماد صلاح أمر الدين والآخرة، ولا تستقيم أمور العباد إلا به، والدين مبني على ما اشتمل عليه كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونحن مأمورون بالتمسك بهما.

وقد عنيت الشريعة بحفظ الدين بطريقين:

الأول: الأوامر،وذلك بالأمر بإقامة أركان الدين وواجباته وإظهار شعائره، وإقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحقيق ذلك، وإقامة شعيرة الجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس، والدعوة إلى الله تعالى باللسان والقلم، لتحقيق نشر الدين وحمايته.

الثاني: النواهي، وذلك بالمنع من كل ما يتسبب في:

أ - ذهاب الدين كله في الأفراد والمجتمعات، كالمنع من الشرك الأكبر بأنواعه، والمنع من الارتداد عن الدين بعد الدخول فيه، ودعوة أهل الردة لمراجعة دينهم والتوبة إلى الله تعالى، ومعاقبتهم بالقتل إذا امتنعوا، حمايةً للمجتمع من انتشار فسادهم.

ب - نقص الدين في الأفراد والمجتمعات، كالمنع من الشرك الأصغر بأنواعه، والتحذير من البدع بأنواعها، والنهي عن المعاصي كلِّها، وحاربة الذين ينشرون الفساد في المجتمع، وذلك بإقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنعهم من نشر الباطل بكل سبيل، ودعوتهم للرجوع إلى الحق، أو معاقبتهم إذا لم يرتدعوا.


الضرورية الثانية: حفظ النفس

حفظ النفس أمر ضروري مقصود لذاته، فالله جل وعلا قد كرم الإنسان فخلقه في أحسن تقويم، فحريٌّ به أن يحافظ على نفسه ويحميَها من كل ما يؤدي إلى إتلافها أو إتلاف جزء منها، فلا يكون سببا في قتل نفسه أو إزهاق روحه، ولا يتعدى على غيره بما ينتج عنه الوقوع في هذا الذنب العظيم.

وقد عنيت الشريعة بحفظ النفس بطريقين:

الأول: الأوامر، وذلك بالأمر بالمحافظة على النفس، ونكاح المرأة الولود، وابتغاء الولد، وغير ذلك.

الثاني: النواهي،وذلك بتحريم قتل النفس المعصومة، أو الإضرار بها بأي وجه من الوجوه.

قال الله تعالى: (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما )).[2]

وقال تعالى: (( ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا )).[3]

وقتل النفس إحدى الموبقات السبع، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم في بيان خطره: (( لن يزالَ المؤمنُ في فسحةٍ من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا ))[ 4 ]


الضرورية الثالثة: حفظ النسل [5]


حفظ النسل من الركائز الضرورية في الحياة، ومن أسباب عمارة الأرض، وفيه تكمن قوة الأمم، ومن حكمة الله تعالى أن جعل في الذكر والأنثى طبائع وغرائز فطرية ليتحقق البقاء البشري في هذه الحياة الدنيا، وقيدها بضوابط تمنع الإنسان من تعدي حدود الله تعالى.

وقد عنيت الشريعة بحفظ النسل بطريقين:

الأول: الأوامر، وذلك بالحث على ما يحصل به استمرار النسل وبقاؤه وكثرته، كالأمر بالنكاح والترغيب فيه، كما شرع ما يحوط النسل بالحفظ والرعاية، فشرع الأحكام وأرشد إلى الآداب كالأمر بالحجاب، وغض البصر، وغيرها، قال الله تعالى: (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ... )).[6]

الثاني: النواهي، وذلك بتحريم الزِّنا، والمعاقبة عليه، وتحريم مقدِّماته كالنظر للنساء الأجنبيّات، والخَلوة بالأجنبيَّة، واختلاط النساء بالرِّجال، وتبرُّجِ النساء، وسفرِهنَّ بدون محرم، ونحو ذلك، كما حرَّم اللهُ تعالى الوقوع في أعراض الناس بالقذف بالزِّنا أو اللواط، قال الله تعالى: (( ولا تقربوا الزِّنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا )).[7]

الضرورية الرابعة: حفظ العقل


العقل منَّة كبرى ونعمة عظمى أنعم الله تعالى به على الإنسان وميَّزه به عن الحيوان، فإذا فقد الإنسان عقله صار كالبهيمة.

والمحافظة على العقل والحرص على سلامته أمر مغروس في الفِطر ومتفق عليه بين عقلاء البشر، وقد جاءت جميع الشرائع بالمحافظة عليه.

وقد عُنِيَت الشريعة بحفظ العقل بطريقين:

الأول: الأوامر، بأن جعلت العقل مناط التكليف إذ به يميز الإنسان بين المصالح والمفاسد، فلا تكليف على غير العاقل، وأمر الله تعالى بالتفكر في آلائه ومخلوقاته، وأثنى على العقلاء، ونبه إلى أنهم هم الذين يستفيدون ويعتبرون بآيات الله تعالى.

الثاني: النواهي، حيث حرم الله تعالى كل ما يفسد العقل أو يُخِلُّ به، ومفسدات العقل نوعان:

أ - حسية: كالخمور والمخدَّرات، إذ هي مفتاح كل شر، فكم حصل بسببها من إفساد عقول، وتفويت مصالح، قال الله تعالى في بيان أضرار الخمر الوخيمة: (( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون )).[8]

ب - معنوية: وهي التصورات الفاسدة التي تطرأ على العقول بسبب خوضها في ما لا تدركه من ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولا مصلحة للناس في التفكير فيه، كالخوض الباطل في مسائل القدر الذي أنتج فرقتي: القدَريَّة والجبريَّة[9]، والخوض الباطل في مسائل الصِّفات الذي أنتج فرقًا كثيرة: كالجهميَّة والمعطَّلة.[10]


الضّروريَّة السادسة: حفظ المال

من الضروريات التي لا تستقيم مصالح الناس إلا بها المال، فهو عصَبُ الحياة، قال الله تعالى: (( ولا تؤتوا السُّفهاءَ أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولًا مَّعروفًا )).[11]، والحاجة إلى المال ماسَّة للفرد والمجتمع.

والمراد بالمال: كل ما يتموله الإنسان من متاعٍ أو نقدٍ أو نحوِهما.

وقد عنيت الشريعة بحفظ المال بطريقين:

الأول: الأوامر، وذلك بالحثِّ على الكسب، وإنفاق المال في وجوهه الشَّرعيَّة، والمحافظة عليه، وشرعيَّة الدفاع عنه ضدَّ كل معتدٍ.

الثاني: النواهي، وذلك بتحريم الاعتداء على المال بالغصب والسرقة وأكله بالباطل وغيرها، وتحريم إضاعته وإتلافه في الوجوه غير المفيدة، وبمعاقبة سارقه والمعتدي عليه.




والله تعالى أعلم.


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
[ 1 ] الموافقات لإبراهيم بن موسى الشاطبي 1 / 38
[ 2 ] سورة النساء آية 29.
[ 3 ] سورة النساء آية 93.
[ 4 ] أخرجه البخاريُّ في كتاب الدِّيات، باب قول الله تعالى:(( ومن يقتل مؤمنًا متعمِّدًا فجزاؤه جهنم )) برقم(6862).
[ 5 ] أضاف بعض الأصوليِّين ضرورية سادسة هي: حفظ العِرض، وأكثرهم على عدم إضافتها، لأن حفظ العرض في الحقيقة راجعٌ إلى حفظ النسل، فهو مكمل ومتمم له. ( ينظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، للدكتور أحمد الريسوني ص47 ).
[ 6 ] سورة النور الآيتان 30 ، 31.
[ 7 ] سورة الإسراء آية 32.
[ 8 ] سورة المائدة آية 91.
[ 9 ] القدريَّة: فرقة ضالة، تنفي تقدير الله تعالى للمخلوقات قبل خلقها، وهم طوائف شتَّى.
والجبريَّة: فرقة ضالَّة، تزعم أن الإنسان مجبور على جميع أفعاله، وأنه لا اختيار له في شيء منها.
[10] الجهميَّة: فرقة ضالَّة، تنسب إلى جهم بن صفوان، من أشهر عقائدهم الفاسدة: القول بخلق القرآن، وإنكار أسماء الله تعالى وصفاته، وأكثر العلماء على تكفيرهم.
والمعطَّلة: فرقة ضالَّة، تنكر صفات الله تعالى، وتعطِّلها عن معانيها.
[11] سورة النِّساء آية 5.

حسن بن ضياء الهاشمي
18-09-23 ||, 05:04 AM
نفع الله بك ، لو تنزل ملف نحتفظ به ..

خالد بن سالم باوزير
18-12-10 ||, 04:57 PM
من كمال الشريعة أنها أوضحت الأحكام لكل ما يخص أفعال العبد المسلم مع ربه من عبادات كالصلاة وغيرها، وجاءت - أيضًا - بتوضيح الأحكام لكل ما يخص أفعال العبد المسلم مع الناس من معاملات كالبيع ونحوه.

الأصل في المعاملات

الأصل في المعاملات الإباحة، فلا يحرم منها شيء إلا بدليل شرعي، دلَّ على هذا الأصل ما يلي:

1 - قوله تعالى: (( وأحل الله البيع وحرم الربا ))"1".

وجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى أحل البيع، وفي المقابل حرم الربا.

2 - قوله تعالى: (( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ))"2".

وجه الاستدلال من الآية: أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة، حيث أباح الله تعالى لنا جميع ما خلق، والبيع منه.

3 - قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياءَ رحمةً بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ))"3".

وجه الاستدلال من الحديث: الالتزام بما أمر الله جل وعلا وما شرع من فرائض وحلٍّ وحرمة، والنهي عن السؤال في أشياء سكت الشارع عن ذكرها رحمة بالناس.

خصائص المعاملات في الشريعة

جاءت هذه الشريعة بنظام كامل، ومنهج محكم، ينظم معاملات الناس في ما بينهم، متميز بخصائص فريدة، من أهمها ما يلي:

1 - ربانية المصدر، فهي أحكام من خالق البشر العالم بما يصلحهم أو يُضِرُّ بهم، فلم يمنع إلا ما يُضِرُّ بهم عاجلًا أو آجلًا، ولم يشرع إلا ما فيه صلاحهم عاجلًا أو آجلًا.

2 - أنها مرتبطة بتوحيد الله تعالى، والإيمان بأحقيَّته المطلقة في التشريع، وأنه لا أحد يملك هذا الحق سواه، وأن اتباع شرعه تعالى في المعاملات هو من توحيد العبادة كاتباع شرعه في العبادات من صلاة وصيام وغيرها.

3 - يرتبط تطبيق أحكام المعاملات الشرعية بمراقبة الله تعالى وخشيته، فليست الرقابة في النظام الشرعي للمعاملات مقتصرة على المراقبة التي مصدرها السلطة الحاكمة، بل الأساس فيها المراقبة الداخلية النابعة من القلب، حيث يراقب العبدُ فيها ربَّه تبارك وتعالى ويخشاه، وهذا من أعظم الدواعي لانضباط الناس في تطبيق هذه الأحكام.

4 - أن ما شرعه الله تعالى في المعاملات كامل شامل لجميع شؤونها، صالح للتطبيق في كل زمان ومكان بما تضمنه هذا التشريع من قواعدَ وضوابطَ لا تخرج عنها جزئياتُ المسائل مهما تطاول الزمان أو تغير المكان أو حدثت الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل.

5 - أن المعاملات الشرعية يُنظر فيها إلى مقاصدها، وليس إلى صورتها فقط، ومن قواعد الشريعة المقررة: " الأمور بمقاصدها "، فلربما اتحدت صورة بعض الأشياء ولكن لأجل الاختلاف في مقاصدها أبيحت إحداها وحرِّمت الأخرى، وله أمثلة كثيرة، منها: مبادلة البرِّ بالبر إلى أجل - مثلا - فإن كان القصد من المبادلة البيع فهي حرام، لأنها ربا نسيئة، وإن كان القصد منها القرض فهي جائزة، والصورة واحدة وإنما اختلفت المقاصد، والله تعالى هو الرَّقيب العالم بما تخفي الصدور.

6 - أن الجزاء المرتبط بتطبيق المعاملات ليس مقتصرًا على الجزاء الدنيوي من ربح أو خسارة، أو عقوبة من السلطة أو مكافأة، بل هو مرتبط - مع ذلك - بالجزاء الأخروي إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

7 - أنها مبنية على العدل الكامل فلا ميل فيها لأحد على حساب آخر، ولا لفئة على حساب أخرى، قائمة على الموازنة بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فلا ضرر ولا ضرار.

8 - يرتبط تطبيق أحكام المعاملات الشرعية بدين المرء إيجابًا وسلبًا، فمن أحسن فيها وعملها على الوجه المشروع فذلك من تمام دينه، ومن خالف فيها وتنكَّب الطريق المشروع فذلك من نقصان دينه.

9 - أنها مبنية على مراعاة الأخلاق الفاضلة، والصِّفات الحميدة، والتنفير من مَّا يضادها، فالصدق من أعظم دِعامات المعاملات الشرعية، والكذب من أكبر ما يُنفَّر منه في سبيل سلامتها، وهكذا سائر الأخلاق.

قواعد المعاملات في الشريعة

يمكن أن نستخلص جملة من القواعد التي تدور عليها أحكام المعاملات في الشريعة التي تنظم مصالح العباد والبلاد، والأدلة والأحكام الشرعية، ويمكن إجمال أهم هذه القواعد في ما يلي:

1 - إباحة كل ما فيه مصلحة محضة أو راجحة، مثل: بيع المباحات وشرائِها، والإجارة، والشُّفعة.

2 - مشروعية كل ما فيه ضمان لحقوق الناس وحفظ لها، مثل: الرهن، والإشهاد.

3 - مشروعية كل ما فيه تعاون على الخير، وتأليف لقلوب الناس، وتيسير عليهم، مثل: القرض، والعارية.

4 - مشروعية كل فيه مصلحة المتعاقدين، مثل: الإقالة، والخيار.

5 - منع كل ما يتضمن ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل، مثل: الربا، والغصب، والاحتكار.

6 - منع كل ما يتضمن أكل المال بغير عمل ولا كدٍّ ولا تعب، ولا عمل نافع مثمر، مثل: القمار، والربا، وأخذ العوض على المسابقات المحرمة وغير النافعة.

7 - منع كل معاملة يغلب فيها الجهالة والغرر، مثل: بيع الشخص ما لا يملكه، وبيع الشيء المجهول، وبيع ما في بطون الأنعام، وبيع الثمر قبل ظهور صلاحه.

8 - منع كل ما يُشغل عن طاعة الله تعالى، مثل: البيع بعد نداء الجمعة الثَّاني.

9 - منع كل ما فيه ضرر على المسلمين في دينهم ودنياهم، أو نشر للفساد والرَّذيلة، مثل: بيع المحرَّمات، أو ما يتوصَّل به إلى الحرام.

10 - منع كل ما فيه حيلة على الحرام، مثل: بيع العينة.

11 - منع كل ما يُورث العداوة والأحقاد بين المسلمين، أو يُوغِرُ صدورَهم على بعضهم، مثل: بيع الرَّجل على بيع أخيه، أو شرائه على شراء أخيه.


والله تعالى أعلى وأعلم.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
"1" سورة البقرة الآية ( 25 ).
"2" سورة البقرة، الآية ( 29 ).
"3" رواه الدارقطنيُّ 184/4، وله شواهد، وقد حسَّنه النوويُّ والسَّمعانيُّ ( انظر جامع العلوم والحكم حديث رقم 30 ).

خالد بن سالم باوزير
18-12-11 ||, 07:30 PM
(( البيع ))


المراد بالبيع

مبادلة مالٍ بمالٍ لغرض التملُّك.

حكم البيع

البيع مباح، دلَّ على ذلك ما يلي:

1 - قولُ الله تعالى: (( وأحلَّ الله البيع وحرَّم الرِّبا ))"1"

2 - قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم - في حديث ابن عمرَ رضي الله تعالى عنهما -: (( البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا ))"2".

وجه الدلالة من الحديث على إباحة البيع: أنه أثبت للبائعين حق الخيار، فلو لم يكن البيع مباحًالما ثبت لهما حقُّ الخيار.

الحكمة من إباحته

أباح الشرع البيع لما فيه من المصالح العظيمة إذ لا تقوم حياة النَّاس إلا به، وذلك لأن حاجات الناس مختلفة، وما يملكونه منها لا يفي بأغراضهم، فتعلقت حاجة كلِّ شخص منهم بما عند غيره من أنواع المال، وهم لا يدفعونها غالبًا إلا بمقابل، فكان في إباحة البيع تحصيلٌ لهذه المصالح.

أركان البيع ثلاثة، هي:

1 - المتعاقدان، وهما البائع والمشتري.

2 - المعقود عليه، وهو الثَّمن والمثمن.

3 - صيغة العقد، وهي كل قول أو فعل يدل على إرداة البيع والشِّراء.

مثال القول: أن يقول البائع: بعتك هذا الثوب بكذا، فيقول المشتري: اشتريت أو قبلت.

ومثال الفعل: أن تدفع إلى الخبَّاز ريالًا فيأخذه ويدفع إليك خبزًا فتأخذه، وتنصرف دون تلفظ منكما أو من أحدكما.

ومن صيغ البيع الحديثة: البيع والشِّراء عن طريق الشبكة العنكبوتيَّة ( الإنترنت ).

شروط صحَّة البيع سبعة:

1 - تراضي المتعاقدين، فلا يصح بيع المكره، ويستثنى من ذلك: الإكراه بحق، كما لو أكره القاضي المدينَ على بيع بعض أملاكه ليسدد ديونه، ومثل: نزع الملكيَّة الخاصة لأجل المصلحة العامة بشروطها الشرعية.

دليل هذا الشرط:

قول الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ... ))"3".

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إنما البيع عن تراضٍ ))"4".

2 - أن يكون كل واحد من المتعاقدين جائزَ التصرف، بأن يكون كل منهما بالغًا عاقلًا رشيدًا، فلا يصح العقد من صغير أو مجنون أو سفيه، ويستثنى من ذلك: إذا أذن وليُّه، أو كان تصرف الصغير في الشيء اليسير كشراء حلوى ونحوها.

دليل هذا الشرط:

قول الله تعالى: (( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا ... ))"5".

3 - أن يكون المتعاقد مالكًا للمال أو من يقوم مقامه، والذي يقوم مقام المالك هو وكيله، أو ولي الطفل والمجنون والوصي عليهما، ونحو ذلك.

دليل هذا الشرط:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لا تبع ما ليس عندك ))"6".

4 - أن يكون المبيع مباح المنفعة، فلا يجوز بيع ما فيه منفعة محرمة، مثل: الخمر، والدخان، والآلات الموسيقية، وأشرطة الغناء، وأفلام الفيديو المحرمة.

دليل هذا الشرط:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه ))"7".

5 - أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه، فلا يصحُّ - مثلًا - بيع سيارة مفقودة.

6 - أن يكون المبيع معلومًا عند البائع والمشتري وقت العقد.

6 - أن يكون ثمن السلعة معلومًا وقت العقد.

دليل الشروط الثلاثة الأخيرة: حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( نهى عن بيع الغرر ))"8".

وجه الاستدلال من الحديث على الشروط الثلاثة الأخيرة:

وجه الاستدلال من الحديث على الشرط الخامس: أن عدم القدرة على التسليم تُفضي إلى الغرر.

وجه الاستدلال من الحديث على الشرط السادس: أن جهالة المبيع تؤدي إلى الغرر في البيع.

وجه الاستدلال من الحديث على الشرط السابع: أن جهالة الثمن تؤدي إلى الغرر والنِّزاع.




والله تعالى أعلى وأعلم.


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــ
"1" سورة البقرة، الآية ( 275 ).
"2" أخرجه البخاريُّ في كتاب البيوع، باب إذا بيَّن البيعان ولم يكتما ونصحا برقم ( 2079 ) ومسلم في كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان.
"3" سورة النساء، الآية ( 29 ).
"4" رواه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب بيع الخيار، 737/2 برقم ( 1285 ). وصحَّحه ابن حبان ( 4367 )، قال في مصباح الزجاجة 10/2: إسناده صخيح.
"5" سورة النساء، الآية ( 5 ).
"6" رواه الترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، برقم ( 1232 )، وأبو داود في كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، برقم ( 3503 ).
"7" رواه الإمام أحمد 247/1، وأبو داود في كتاب البيوع والإجارات، باب في ثمن الخمر والميتة، برقم ( 3488 )، قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد 746/5: إسناده صحيح.
"8" رواه مسلم في البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر 153/3 برقم ( 1513 ).