المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معادلات أصول الفقه بين الإفراط والتفريط



د. عامر بن محمد بن بهجت
09-03-05 ||, 11:09 AM
معادلات أصول الفقه!
بين الإفراط والتفريط

عندما كنت صغيرا سألني صديقي عبد الرحمن فقال:
شجرة عليها 10 عصافير، رمي عصفوران منها بالبندقية فماتا، كم بقي على الشجرة؟
كان جوابي بسرعة أحسبها إذ ذاك سرعة بديهة: 8 عصافير.
فقال عبد الرحمن: خطأ. لا يبقى على الشجرة أي عصفور، لأنّها ستطير هربًا.

تذكرتُ تلك العصافير حينما جرّدتُ قلمي بل لوحة مفاتيحي لكتابة هذا الموضوع.

مهلا...

ما علاقة العصافير بأصول الفقه؟ وما علاقتها بالمعادلات؟

الجواب بكل بساطة:
عندما تأملتُ في تعامل الناس مع هذا العلم التطبيقي، إذا بهم في طرفي نقيض..
• فطائفة تتعامل مع قواعد أصول الفقه بنفس تعامل عامر –في صغره- مع مسألة العصافير وهو تعاملٌ سطحيٌّ غير مسدد.
• وطائفة تهمل أصول الفقه بالكلية وتتعامل مع مسائل الفقه مسألةً مسألةً بحسب ما يظهر له في كل مسألة بحسبها وحسب ما يحتف بها من الأدلة والقرائن –دون قواعد أصوليّة واضحة مطردة-.

وكلا طرفي قصدِ الأمور ذميمُ.
فليس من السداد أن نتعامل مع القواعد الأصولية على شكل معادلات رياضية لا تقبل الاستثناء إلا بنص صحيح صريح فصيح... إلخ، ونتعامل معها كتعامل عامر مع العاصفير.
إذ لا بد من إعمال القرائن وما يحتفُّ بالمسألة..
فمثلا عندما نقول : إنّ الأمر يفيد الوجوب إلا بدليل، لا يعني هذا أننا نحتاج لصرفه عن الوجوب إلى قول الشارع: (إن هذا الفعل ليس بواجب عليكم) أو إلى نصٍّ صريح لا يقبل الاحتمال، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم -مثلا- بخلاف الأمر يحتمل الخصوصيّة، ويحتمل تقدمه على الأمر، ويحتمل تخصيص تلك الصورة بعدم الوجوب دون غيرها، ويحتمل صرف الأمر عن الوجوب...إلخ... والناظر لا بدّ أن يعمل فكره في كل مسألة ليقوّي أحد تلك الاحتمالات.... وهذا النظر في كل مسألة قد يُخرجه عن حروف القاعدة والاطراد الجامد عليها.
ومثلا عندما يقول قائل: إنّ قول الصحابي ليس بحجّةٍ لا يعني أبدًا أنّ قول الصحابي = صفر. في المعادلة الأصولية... بل قد يحتجُّ صاحب ذاك التقعيد بقول صحابي احتفت به قرائن لا تقوى آحادها على الاحتجاج.
فإذا قلنا في المعادلة الأصولية –افتراضًا- : إن الحجة لا تحصل إلا بدليل يحصل على تقدير لا يقلُّ عن 70% أو 80% في ميزان الاحتجاج؛ فإنّ هذا لا يعني بحال أنّ الدليل الي يحصل على تقدير 65% = صفر في ميزان الحجة؛ بل لا بدّ أن يكون في الاعتبار ولو لم يكن حجّة في ذاته، ولهذا أمثلة أخرى:
فمثلا: الحديث الضعيف ليس بحجّة عند جماعة ، لكنّ هذا لا يعني أبدًا أبدًا أبدًا مساواته بالموضوع وإعطاؤه درجة 0%، بل –على سبيل الافتراض المحض- قد يكون الحديث الضعيف –بمفرده- مع حديث ضعيف آخر مع ثالث مع عاشر مع خمسمائة كلها محكوم عليها بالضعف في أفرادها = حديث متواتر قطعي الثبوت يفيد العلم اليقيني.
وكذلك قل في مباحث الدلالات كالمفهوم ، وكذلك القياس وغيرها من الأدلة والدلالات المختلف فيها.
بل إنّ ما هو متفق على عدم الاحتجاج به كقول العالم المجتهد الواحد قد يكون جزءًا من الحجة في صورة الإجماع –لا سيّما مع قلّة المجتهدين- بل قد يكون هو الحجّة في صورة ما لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد –على قول-، ولستُ هنا في مقام بحث لمسألة اشتراط المستند في الإجماع أو غيرها.

وفي الجانب الآخر فإنّ إهمال القواعد الأصولية والاقتصار على النظر في المسائل مسألةً مسألةً مسلكٌ غير سديد يؤدي إلى اضطراب كبير وخللٍ غير يسير.
فتارة يحكم بالمفهوم، وتارة لا
وتارة يجعل الأمر للوجوب وتارة لا
وتارة يحتج بقول الصحابي وتارة لا
إلخ التنقضات التي تستند إلى "دليل ينقدح في ذهنه يعجز عن التعبير عنه".

والأمثلة لكلا الطرفين غير متناهية، وأحسب أنّ المقصود اتضح؛ فلا حاجة إلى التطويل أترككم للتأمّل.
والسلام عليكم.

د. رأفت محمد رائف المصري
09-03-05 ||, 11:38 AM
كلامكم ثمين، جزاكم الله خيرا.

وما ذكرتموه يجول في القلب منذ زمن، وقد أحسنتَ - أحسن الله إليك - في عرض القكرة، وطرح الموضوع .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-03-05 ||, 11:57 AM
بارك الله فيكم
كلام متقن، وعرض رائع
كما أن هناك جملة من الإشكالات في فهم "الحجة" وفي فهم معنى "الدليل"
وقد أبنتم - رعاكم الله - شيئا من ذلك.
ولو تأملنا مناهج الأئمة الكبار في التعامل مع هذه الحجج لعلمنا ما أشرتم إليه...
فقول الصحابي حجة عند جمهور الفقهاء، وقد يقال: وعند الأئمة الأربعة
ومع ذلك يستقري الشافعي ومن بعده ابن حزم أن ليس أحدٌ من أهل العلم التزم الاحتجاج به ، وأنهم وجدوا الناس يأخذون به تارة ويتركونه أخرى.
وهذا وهو حجة عندهم!
ابن حزم، اعتبر هذا تناقضاً منهم.
ولا نعفيهم من أصل دعوى التناقض
لكن ننازع أن يكون من شأنهم التناقض.
وكم كنت أعجب من ترك ابن تيمية وابن القيم لقول الصحابي (ابن عمر) في احتساب التطليق في الحيض ، وفي فهمه لها.
وكيف كان الاعتراض أنها رأي له في مقابل النص.
مع أنه أولى الناس بفهم النص فالقصة قصته.
وأين كلام ابن القيم في إعلام الموقعين في تمام انتصاره لحجية قول الصحابي، وأنه لا يكون إلا عن نص أو اجتهاد فالأولى فلا كلام، وفي الثانية فاجتهادهم خير من اجتهادنا....
لكن إذا تمهلنا وجدناه منتظما في استقراء الشافعي وابن حزم، وهذا هو شأن الأدلة التبعية.
ومن هذا الباب أيضا ما حكاه ابن نصر المروزي أنه وقف على 400 مسألة للشافعي خالف فيها الإجماع.
وعند التدقيق تجد أن الأمر يدور ليس في حجية هذه الأدلة من حيث الأصل أو في حجية تلك الدلائل بقدر ما هو في حد اعتبار مقدار هذه الحجج، فلا ريب أنهم يختلفون في ذلك، وفي تحقيق هذه الحجج في أعيان المسائل.
لاسيما إذا التزمنا طريقة الشافعي [باعتباره منظر مذهب الفقهاء] في ترتيب الأدلة وجعلها طبقات، والتزام الأدلة التبعية متى ما كانت مقتضية للأدلة الأصلية، وهذا هو معنى قولهم الإجماع لا يكون إلا عن نص.
يؤكد لك هذا أن كثيرا من الخلافات في أدلة أصول الفقه يعز عليك أن تجد فيها كلاما متقدما[الإجماع، قول الصحابي، الاستحسان...] ، وما ذاك إلا لأنها لم تكن محل إشكال، وإنما الشأن في "زمن " و"محل" الإعمال، ومتى يقتضي الحجية، ومتى لا يقتضيه، ومتى يفيد معنى الدليل الأصلي، ومتى لا يفيده.
وهذا هو شأنهم وكلاهم فيه كثير وعريض.
بينما كثير من المتأخرين فاتتهم هذه المنازلة المتقدمة، واشتغلوا في "الحجية"برأسها و"عدم الحجية"برأسها، وادعوا على السابقين بالتناقض، مهما كان قولهم.
ومنهم عامر لما كان صغيراً وقصة العصافير العشرة!!

حامد الحاتمي
09-03-05 ||, 07:45 PM
باركــ الله فيكم ..

طرح طيب .. لاحرمت الأجر .

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-03-05 ||, 11:48 PM
إسقاط قصة العصافير بهذا الخصوص موفَّقة؛ لا سيَّما وهي براعة استهلالٍ؛ مع شواهد القصص الأدبي لذكريات الحياة.
وأعجبني أيضاً إدخال المعادلات الرياضية؛ والتي تعطي بعداً تجديدياً.
وفعلاً نجد فئاماً من الناس إذا اطرحوا الحجيَّة سحبوا معها الاعتبار أيضاً؛ ولم يأبهوا به.
زادك الله شيخنا عامر من فضله، وعمر به الملتقى بجدِّه وجديده!.

ومثلا عندما يقول قائل: إنّ قول الصحابي ليس بحجّةٍ لا يعني أبدًا أنّ قول الصحابي = صفر. في المعادلة الأصولية... بل قد يحتجُّ صاحب ذاك التقعيد بقول صحابي احتفت به قرائن لا تقوى آحادها على الاحتجاج.
فإذا قلنا في المعادلة الأصولية –افتراضًا- : إن الحجة لا تحصل إلا بدليل يحصل على تقدير لا يقلُّ عن 70% أو 80% في ميزان الاحتجاج؛ فإنّ هذا لا يعني بحال أنّ الدليل الي يحصل على تقدير 65% = صفر في ميزان الحجة؛ بل لا بدّ أن يكون في الاعتبار ولو لم يكن حجّة في ذاته، ولهذا أمثلة أخرى:
فمثلا: الحديث الضعيف ليس بحجّة عند جماعة ، لكنّ هذا لا يعني أبدًا أبدًا أبدًا مساواته بالموضوع وإعطاؤه درجة 0%، بل –على سبيل الافتراض المحض- قد يكون الحديث الضعيف –بمفرده- مع حديث ضعيف آخر مع ثالث مع عاشر مع خمسمائة كلها محكوم عليها بالضعف في أفرادها = حديث متواتر قطعي الثبوت يفيد العلم اليقيني.

محمد عبد الرحمن محمد
11-01-21 ||, 10:03 PM
كلام في غاية الروعة
أحسن الله اليكم

ممدوح بن سالم الثبيتي
11-01-21 ||, 11:19 PM
لفتة بديعة..
بارك الله فيكم.

مع أن أهل الحديث ربما خالفوك في تقوية الحديث الضعيف بكثرة الطرق - أي ليست على إطلاقها - .

بل عند بعضهم أن تعدد طرق الحديث الضعيف يزيده ضعفاً!!