المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين ابن قدامة والحجاوي "نموذج لتجديد الأسلوب الفقهي"



د. عامر بن محمد بن بهجت
09-03-12 ||, 05:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
بين ابن قدامة والحجاوي "نموذج لتجديد الأسلوب الفقهي"

(أما بعدُ:
فهذا مختصر في الفقه من مقنع الإمام الموفق أبي محمد على قول واحد وهو الراجح في مذهب أحمد، وربما حذفتُ منه مسائل نادرة الوقوع، وزدتُ ما على مثله يُعتمَد؛ إذ الهمم قد قصرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت.)
بهذه الكلمات بدأ الحجاويّ كتابه الشهير "زاد المستقنع" مبررًا ذلك التغيير للأسلوب والمضمون الفقهي لـ"المقنع".
لقد أدرك الحجاوي أنّ ما كتبه أسلافه ليس قرآنًا لا يجوز العدول عنه، ولا مصحفًا يجب التقيّد بحروفه، وأدرك حاجة عصره إلى تجديدٍ في الأسلوب والصياغة بل والمسائل الفقهية التي تُذكر في الكتاب، (فربما حذفتُ منه مسائل نادرة الوقوع وزدتُ ما على مثله يُعتمد).
رغم أنّ الاختلافات بين عصر ابن قدامة والحجاوي ليست بتلك الضخامة ولا بذلك التباين كما بين عصرنا والحجاويّ، بل ربما في 10 سنوات من زماننا يجري فيها من المتغيرات والمستجدات التي لم يحصل عُشرها في المدة بين زمن ابن قدامة والحجاوي، ومع هذا فقد غدت بعض مسائل المقنع (نادرة الوقوع)، لا يحسنُ إيرادها في المتون الفقهية.
وهذا الذي فعله الحجاويّ هو الدور الحقيقي للعالم : أن يقدّم العلم الشرعي بلغة قومه وصياغة عصره، (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم)، والعلماء ورثة الأنبياء.
بل إنّ الحجاوي مع التزامه بمذهب أحمد قد خرج عن المعتمد من المذهب وبرر ذلك في قوله: (ولا يشترط كون البذر من رب الأرض وعليه عمل الناس)، لقد أدرك الحجاوي أنّه ليس من المناسب أن يقدّم للناس فقهًا لا يُعمل به، ونظرياتٍ غير قابلة للتطبيق أو لا علاقة لها بواقع الناس.
إنّ الحجاوي حينما ألّف الزاد لم يلغِ به جهد الموفّق، ولم يدعُ إلى الاستغناء عن كتب السابقين -وإنْ كان قد حصل من الناس شيءٌ من هذا-.
وتوفي الحجاوي في عام 960هـ وجاء بعده مرعي الكرمي فأخذ كتابي الإقناع للحجاوي، والمنتهى لابن النجار فأضاف عليها تخريجات وتوجيهات لم يذكراها، ووجد في كتب المذهب ثغرات ومسائل لم تذكر لا بدّ من سدّها والاجتهاد فيها.
وتوفي مرعي ومضى على وفاته 400سنة، استجدّت فيها مستجدّات لا تحصى عددًا، ونزلت نوازل لا تحصر كثرةً، والناسُ ينتظرون ذلك العالم الذي يصوغ لهم متنًا فقهيًا يلامس حياتهم، ويحكم على واقعاتهم!.
ولكن الانتظار طال وطال وطال، والناس لا يكادون يجدون سوى فتاوى متفرقة وسؤالات متناثرة يعسر جمعها في سياق واحد، حتى أصبح الطور الفقهي الذي نعيشه يشبه بدايات تاريخ الفقه حينما كان الفقه متناثرًا في كتب السؤالات والمسائل، وعدنا إلى زمن ما قبل الخلال والخرقي وأبي يعلى –من هذه الحيثية-.
وما زال المتفقّه المبتدئ يقرأ ويحفظ زاد المستقنع أو دليل الطالب، فيمتلئ ذهنه من عشرات أو مئات المسائل التي لا تمتّ للواقع المعاصر بأي صلة، في حين أنّ ذهنه خليٌّ من جلّ المسائل الواقعية المتكررة.
فيا فقهاء الأمّة ويا مجامع العصر هل من مشمّر لكتابة متنٍ فقهيٍّ يلامس حياة الناس وواقعهم يحذف (منه مسائل نادرة الوقوع ويزيد ما على مثله يُعتمَد) ويسدّ الفراغ الفقهي الحاصل؟؟.
عسى أن يكون قريبًا.


عامر بن بهجت
المحاضر بالمعهد العالي للأئمة والخطباء -جامعة طيبة بالمدينة النبوية
14/ربيع الأول/ 1430هـ -جدّة.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-03-12 ||, 09:01 PM
فضيلة الشيخ الكريم،،،
ما عاد يستغرب منكم هذا، فلقد أضحت موضوعاتك، يشكل كل واحد منها بعداً آخر للملتقى.
ملاحظة: أرى الموضوع أوسع من العنوان فلو عسكت صياغته فقلت:
تجديد الأسلوب الفقهي"نموذج ابن قدامة والحجاوي "
ولعل الموضوع يتسع لديك فيكون نموذج ابن قدامة والحجاوي هو أحد نماذجها.
وفي الملتقى موضوعٌ بعنوان: "الأسلوب الفقهي"من جملة مباحث الشيخ عبد الوهاب [أبو] سليمان.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-03-13 ||, 03:13 PM
فيا فقهاء الأمّة ويا مجامع العصر هل من مشمّر لكتابة متنٍ فقهيٍّ يلامس حياة الناس وواقعهم يحذف (منه مسائل نادرة الوقوع ويزيد ما على مثله يُعتمَد) ويسدّ الفراغ الفقهي الحاصل؟؟.
عسى أن يكون قريبًا.
لعلَّه مشروع حياة؛ ولعل ملتقى المذهب الحنبلي يُسهم في المستقبل لانطلاقته.
ومثلك بالإعداد له جدير؛ والله على كل شيءٍ قدير.

حامد الحاتمي
09-03-14 ||, 04:06 PM
جزاكم الله خيرا ..

د. هشام يسري العربي
09-03-14 ||, 08:21 PM
أحيي الأخ الشيخ عامر بهجت على هذه الدعوة المباركة، وهي ليست غريبة على فقهاء الحنابلة الذين ظلوا على مدى التاريخ الإسلامي يصرون على فتح باب الاجتهاد، ويفتون بذلك.
كما أحيي الأستاذ فؤاد يحيى هاشم على تعليقه، وأتفق معه فيه وأضم صوتي إلى صوته.
وهو مطلب- لعمري- حيوي وفي غاية الأهمية؛ فالفقه الذي يعنى باستنباط الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين لابد أن يكون مرتبطا بأحوال هؤلاء المكلفين، فالفقه الآن إنما هو استنباط الأحكام الشرعية للمكلفين الموجودين في هذا العصر بأماكنه وبيئاته المختلفة، وليس استنباط الأحكام المناسبة لمن مات من عشرات ومئات السنين. وهذا هو التجديد في الفقه؛ لكي يكون فعالا وذا أثر في حياة الناس، وهي دعوة مباركة- كما قلت- وأسأل الله أن يقيض لها من يقوم بها، وليس شرطا أن يكون واحدا، بل من الممكن أن يكون المجددون كثر، وهذا يتفق مع ما ورد في الحديث الشريف "إن الله يبعث على رأس كل مائة عام لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها" فـ "من" الموصولة تحتمل الجماعة كما تحتمل الفرد.

علاء ممدوح على
09-04-02 ||, 05:05 AM
جزاكم الله خيرا