المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجوب حرمة أهل العلم وتوقيرهم



شهاب الدين الإدريسي
09-03-13 ||, 03:33 AM
يعج الميدان الدعوي اليوم بحالة من الخلل الناشئ عن التضخم الكمي الذي فرض نفسه على حساب التربية النوعية، الأمر الذي أفرز كثيرًا من الظواهر المرضية من أخطرها تطاول الصغار على الكبار، والجهال على العلماء، وطلبة العلم بعضهم على بعض، حتى إن الواحد منهم ينسى قاموس التآخي، وما أسرع ما يخرج إلى العدوان على إخوانه، ويجردهم من كل فضل، فلا يحلم ولا يعفو ولا يصبر، ولكن يجهل فوق جهل الجاهلينا، بل إن من طلاب آخر الزمان من غاص في أوحال السب والشتم والتجريح، وانتدب نفسه للوقيعة في أئمة كرام اتفقت الأمة على إمامتهم، وهو لا يدري أنما ذلكم الشيطان يستدرجه إلى وحل العدوان، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ويتوهم أنه يؤدي ما قد وجب عليه شرعًا.

إن الجناية على العلماء خرق في الدين، فمن ثم قال الطحاوي في «عقيدته»: «وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء؛ فهو على غير السبيل»([1]).

قال ابن المبارك: «من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته»([2]).

وقال الإمام أحمد بن الأذرعي: «الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب»([3]).

والطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم:

وهم مفسدون في الأرض، وقد قال -تعالى-: {إن اللَّه لا يصلح عمل المفسدين} [يونس: 81].

وهم عرضة لحرب اللَّه -تعالى-، القائل في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا؛ فقد آذنته بالحرب»([4]).

وهم متعرضون لاستجابة دعوة العالم المظلوم عليهم، فدعوة المظلوم -ولو كان فاسقًا- ليس بينها وبين اللَّه حجاب، فكيف بدعوة ولي اللَّه الذي قال فيه: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»؟!(2).

قال الإمام الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: «ما هذا؟! قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتق اللَّه في المشايخ، فربما استجيب فيك دعوة»([5]).

ولما أنكر السلطان على الوزير نظام الملك صرف الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم؛ أجابه: «أقمت لك بها جندًا لا ترد سهامهم بالأسحار»؛ فاستصوب فعله، وساعده عليه([6]).

وبما أن الجزاء من جنس العمل؛ فليبشر الطاعن في العلماء المستهزئ بهم؛ بعاقبة من جنس فعله:

فعن إبراهيم -رحمه اللَّه- قال: «إني أجد نفسي تحدثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به».

وليعلم أنه يخشى على من تلذذ بغيبة العلماء والقدح فيهم أن يبتلى بسوء الخاتمة -عياذًا باللَّه منها-؛ فهذا القاضي الفقيه الشافعي محمد بن عبداللَّه الزبيدي، قال الجمال المصري: «إنه شاهده عند وفاته وقد اندلع([7]) لسانه واسودَّ، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في الشيخ محيي الدين النووي -رحمهم اللَّه جميعًا-»([8]).

وروي عن الإمام أحمد أنه قال: «لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات»([9]).

قال الحافظ ابن عساكر -رحمه اللَّه تعالى-:

«واعلم يا أخي -وفقنا اللَّه وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته-: أن لحوم العلماء -رحمة اللَّه عليهم- مسمومة،وعادة اللَّه في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه برآء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره اللَّه منهم لنعش العلم خلق ذميم»([10]).

وقال -أيضًا- رحمه اللَّه-: «.. ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب؛ ابتلاه اللَّه -تعالى- قبل موته بموت القلب، {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63].

ومن مخاطر الطعن في العلماء: التسبب إلى تعطيل الانتفاع بعلمهم.

كان الحسن البصري -رحمه اللَّه- يقول:: «الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالس العلماء»([11]).

وقال السخاوي -رحمه اللَّه-: «إنما الناس بشيوخهم؛ فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟!»([12]).

ومن شؤم الطعن في العلماء:

أن القدح بالحامل يفضي إلى القدح بما يحمله من الشرع والدين، ولهذا أطبق العلماء على أن من أسباب الإلحاد: «القدح في العلماء».

لما استهزأ رجل من المنافقين بالصحابة -رضي اللَّه عنهم-، قائلاً: «ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء» أنزل اللَّه -عز وجل-: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أباللَّه وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: 65-66]([13]).

ويقول بكر بن عبداللَّه أبو زيد: «بادرة ملعونة... وهي تكفير الأئمة: النووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني، أو الحط من أقدارهم، أو أنهم مبتدعة ضلال، كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جرح شهود الشرع جرح المشهود به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون»([14]).

ومن شؤم تلويث الجو الدعوي بالطعن في العلماء، وتجريح الأخيار:

التسبب في إنزواء بعض هؤلاء الأخيار، وابتعادهم عن ساحة التربية والتعليم والدعوة، صيانة لأعراضهم، وحفظًا لحياة قلوبهم؛ لأن القلوب الحرة يؤذيها التعكير:

فأقبح به من تعويق، وتثبيط، وتزهيد حذرنا منه العلامة الشيخ طاهر الجزائري -وهو على فراش الموت بكلمات حقها أن تكتب بماء العيون لا بماء الذهب-؛ إذ قال -رحمه اللَّه-:

«عدوا رجالكم، واغفروا لهم بعض زلاتهم، وعضوا عليهم بالنواجذ؛ لتستفيد الأمة منهم، ولا تنفروهم؛ لئلا يزهدوا في خدمتكم»([15]).

فإذا خلت الساحة من أهل العلم والتقى؛ اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، يفتونهم بغير علم، وإذا أفتوهم بغير علم؛ فلا تسأل عن الحرمات التي تستباح، والدم المعصوم الذي يهراق،والعرض الذي ينتهك، والمال الذي يهدر، ونظرة واحدة إلى الواقع الأليم في بعض بلاد المسلمين،وما يقع فيها من مجازر ومذابح بأيدي الأدعياء الذين استبدوا برأيهم، وتأولوا بأهوائهم، وركبوا رؤوسهم، ولم يصغوا إلى نصائح العلماء؛ تنبئك عن مخاطر تغييب العلماء، وقطع الصلة بينهم وبين الشباب.

إن العلماء هم «عقول الأمة»، والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء.




ومن الوقيعة ما قتل!

لا ينحصر شؤم الوقيعة في العلماء في ولائم السوء التي تشيع فيها الغيبة والنميمة، لكنه يتعداها إلى آثار خطيرة في واقع الأمة، فالشر مبدؤه شرارة، «ومعظم النار من مستصغر الشرر».

وكثير من الفتن تبذر بذرتها في مجالس الغيبة والوقيعة، ولا يتوقع أصحابها أن تبلغ ما بلغت، ثم تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، وإذا بها تشتعل وتضطرم رويدًا رويدًا حتى يستعصي إطفاؤها حتى على الذين أوقدوا شرارتها، فهؤلاء الغيابون أكلة لحوم البشر هم من الذين وصفهم رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم فقال: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل اللَّه مفاتيح الخير على يديه، وويل من جعل اللَّه مفاتيح الشر على يديه»([16]).

وهاك هذه الشواهد التاريخية التي تدل على أنه «رُبَّ قولٍ يَسيلُ منه دم»([17]).

قال أبو معبد عبداللَّه بن عكيم الجهني -تابعي جليل- في خطبة له: «لا أعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان»، فقال رجل متعجبًا: «يا أبا معبد! أو أعنت على دمه، فقال أبو معبد: «إني لأرى ذكر مساوىء الرجل عونًا على دمه»([18]).

فهؤلاء الساعون بالوشاية والنميمة، أحصوا اجتهادات أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-، وصوروها بحسب ما تتخيل عقولهم الضعيفة، وقلوبهم المريضة، فاتخذوا ذلك سلمًا إلى الفتنة.

حين علم حذيفة -رضي اللَّه عنه- بمقتل عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- قال: «اللَّهم العن قتلته وشتامه، اللَّهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا، فاتخذوا ذلك سلمًا إلى الفتنة، اللَّهم لا تمتهم إلا بالسيوف»([19]).

قال عبدالواحد بن زيد للحسن البصري -وكلاهما من التابعين-: «يا أبا سعيد أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه»، فقال الحسن: «يا ابن أخي كم يد عقرت الناقة؟»، قلت: «يد واحدة»، قال: «أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتماليهم»([20]).

ولعل النزعة الخارجية التي تطل برأسها من وقت إلى آخر لتبعث الحياة في فكر الخوارج الأولين وسلوكهم هي المسؤولة عن كثير من التعديات على الحرمات، فقد قال صلى الله عليه و سلم في شأن الخوارج: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان»، وهذه العلامة هي التي جعلت أحد العلماء، وقد وقع مرة في يد بعض الخوارج، فسألوه عن هويته، فقال: «مشرك مستجير، يريد أن يسمع كلام اللَّه»، وهنا قالوا له: «حق علينا أن نجيرك، ونبلغك مأمنك»، وتلوا قول اللَّه -تعالى-: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللَّه ثم أبلغه مأمنه} [التوبة: 6] بهذه الكلمات نجا «مشرك مستجير»، ولو قال لهم: «مسلم» لقطعوا رأسه([21]).

وفي عصر آخر اتهم القاضي عياض بأنه «يهودي»؛ لأنه كان يلزم بيته للتأليف نهار السبت، وهذا الشيخ علاء الدين العطار تلميذ الإمام النووي
-رحمهما اللَّه- مع أنه كان شيخ زمانه- كان يمشي متأبطًا وثيقة من أحد القضاة بصحة إيمانه وبراءته من كل ما يكفره مخافة أن يصادفه أفاك في مجلس.

وفي القصة التالية معتبر ومزدجر وتذكرة بأن «من الغيبة ما قتل»:

عن رشيد الخباز قال: «خرجت مع مولاي إلى مكة، فجاورنا، فلما كان ذات يوم، جاء إنسان فقال لسفيان: «يا أبا عبداللَّه! قدم اليوم حسن وعليٌّ ابنا صالح»، قال: «وأين هما؟»، قال: «في الطواف»، قال: «إذا مرَّا، فأرنيهما»، فمر أحدهما، فقلت: «هذا علي»، ومر الآخر، فقلت: «هذا حسن»، فقال: «أما الأول؛ فصاحب آخرة، وأما الآخر؛ فصاحب سيف، لا يملأ جوفه شيء»، قال: فيقوم إليه رجل ممن كان معنا، فأخبر عليًّا، ثم مضى مولاي إلى علي يسلم عليه، وجاء سفيان يسلم عليه، فقال له علي: «يا أبا عبداللَّه! ما حملك على أن ذكرت أخي أمس بما ذكرته؟ ما يؤمنك أن تبلغ هذه الكلمة ابن أبي جعفر، فيبعث إليه، فيقتله؟»، قال: فنظرت إلى سفيان وهو يقول: «أستغفر اللَّه» وجادتا عيناه([22]).

وعن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، قال: «كنا مع رجاء بن حيوة، فتذاكرنا شكر النعم، فقال: «ما أحد يقوم بشكر نعمة»، وخلفنا رجل على رأسه كساء، فقال: «ولا أمير المؤمنين؟»، فقلنا: «وما ذكر أمير المؤمنين هنا! وإنما هو رجل من الناس»، قال: فغفلنا عنه، فالتفت رجاء فلم يره، فقال: «أتيتم من صاحب الكساء، فإن دعيتم فاستحلفتم فاحلفوا»، قال: فما علمنا إلا بحرسي قد أقبل عليه، قال: «هيه يا رجاء، يذكر أمير المؤمنين، فلا تحتج له؟!»، قال: فقلت: «وما ذاك يا أمير المؤمنين؟»، قال: «ذكرتم شكر النعم، فقلتم: ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم: ولا أمير المؤمنين؟ فقلت: أمير المؤمنين رجل من الناس!»، فقلت: «لم يكن ذلك»، قال: «آللَّه؟»، قلت: «آللَّه»، قال: فأمر بذلك الرجل الساعي، فضرب سبعين سوطًا، فخرجت وهو متلوث بدمه، فقال: «هذا وأنت رجاء بن حيوة؟»، قلت: «سبعين سوطًا في ظهرك خير من دم مؤمن»، قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس يقول ويتلفَّت: «احذروا صاحب الكساء»([23]).

وكتبه الشيخ سليم بن عيد الهلالي
------------------------------------------------------------

([1]) «شرح العقيدة الطحاوية» (2/ 740).

([2]) «سير أعلام النبلاء» (8/ 408).

([3]) «الرد الوافر» (ص 197).

([4]) رواه البخاري في «صحيحه» (7/ 190).

([5]) «سير أعلام النبلاء» (14/ 159).

([6]) «تحفة الطالبين» (ص 115- 117)، و«المنهاج السوي» (ص 74-76).

([7]) خرج من الفم واسترخى، وسقط على العنفقة، وهي الشعيرات بين الشفة السفلى والذقن.

([8]) «الدرر الكامنة» (4/ 106).

([9]) «المعيد في أدب المفيد والمستفيد» (ص 71).

([10]) «تبين كذب المفتري» (ص 28).

([11]) «جامع بيان العلم» (264) (ص 236).

([12]) «فتح المغيث» (2/ 320).

([13]) «تفسير الطبري» (14/ 333-335).

([14]) «تصنيف الناس بين الظن واليقين» (ص 94).

([15]) «التعالم» (ص 91).

([16]) حسن - أخرجه ابن ماجه (237)، وابن أبي عاصم في «السنة» (رقم (297)، وحسنه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- بطرقه في «الصحيحة» (رقم 1332).

([17]) انظر: «المنهج المسلوك في سياسة الملوك» (ص 447).

([18]) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (3/ 80).

([19]) «الكامل» لابن الأثير (3/ 51).

([20]) «الزهد» للإمام أحمد (ص 289).

([21]) وانظر صورًا مماثلة من تهور الخوارج وانتهاكهم حرمات الإسلام مع تورعهم مع الكافرين في «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص 128-129).

([22]) «سير أعلام النبلاء» (7/ 366).

([23]) «سير أعلام النبلاء» (4/ 561).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-03-13 ||, 02:50 PM
أحسن الله إليك، وبارك فيما تنقل.
في مخزون الذاكرة نقلٌ عن الإمام الألباني -رحمه الله- أود التوثُّق منه؛ فحبذا من اطَّلع عليه أن يتكرم بإيراده.
مفاد قوله عن أحوال طائفة من المتعلمين اليوم: أنَّا نعيش صحوة علميَّة، ونفتقدها أدبيَّة!.

شهاب الدين الإدريسي
09-03-15 ||, 03:04 AM
حياك الله شيخنا أبا أسامة، ورحم الله الشيخ الإمام الألباني، فقد كان احد فضلاء الحنابلة بحق، من كبار حنابلة العصر...
وقد كان أمة في رجل ورجل في أمة، وأحسب من خلال تتبعي لتطور منهجيته في الفتوى أنه مر بثلاثة أطوار في حياته، فبعدما برّز في العلم، كان محدثا متينا، ثم صار مجتهدا في الحديث، وأنجز من التحقيقات والدراسات الحديثية ما ينوء به جيل من العلماء، وهذه ولا شك مباركة من رب الكون ونعمة عظيمة، ثم صار بعد ذلك فقيها بارعا، بل مجتهدا في الفقه، مجتهد اشتغل بمنهج حنبلي في الفهم للأدلة وترتيب الحجاج والاستدلال لكن بروح استقلالية نادرة لا يتمتع بها إلا فضلاء المذاهب، فرحمه الله وغفر لنا وله، وكلما ذكر الإمام الألباني أجدني مضطرا إلى التحدث عنه ولو بالقليل...
أما ما سألتم عنه يا أبا أسامة أطال الله عمرك على طاعته، فقد قال "نحن الآن في صحوة علمية ولسنا في صحوة تربوية"

وهذا تجدونه في شريط الأجوبة الألبانية على الأسئلة الكويتية جوابا على سؤال نصه ما يلي:

"ما رأي فضيلتكم في أوضاع الدعوة السلفية عموماً، في الكويت و مصر و السعودية خصوصاً؟

الجواب:

أنا أقول إن الدعوة السلفية الآن -مع الأسف- في اضطراب، وأعزو السبب في ذلك إلى تسرع كثير من الشباب المسلم في ادعاء العلم، فهو يتجرأ على الإفتاء والتحريم والتحليل قبل أن يُعرف، بعضهم -كما سمعنا كثيراً- لا يحسن أن يقرأ آية من القرآن، ولو أنها أمامه في المصحف الكريم، فضلاً عن أنه كثيراً ما يلحن في قراءة حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فيصدق فيه المثل المعروف في بعض البلاد: "تزبب قبل أن يتحصرم" أي: العنب حينما يبدأ يصير حباً أخضر، وهذا هو الحصرم، ويكون حامضاً جداً، فهو قبل أن يتحصرم جعل نفسه كالزبيب، أي: كالعنب الذي نضج وصُيِّرَ زبيباً، ولذلك فركوب كثير من هؤلاء الناس رءوسهم وتسرعهم في ادعاء العلم والكتابة، وهم لَمْ يمشوا بعد إلى منتصف طريق العلم، هو الذي جعل الذين ينتمون للدعوة السلفية الآن -مع الأسف- شيعاً وأحزاباً.
ولذلك علاجه الوحيد بأن يتقي هؤلاء المسلمون ربهم عز وجل، وأن يعرفوا أنه ليس لكل من بدأ في طلب العلم أن يتصدر في الإفتاء في التحريم والتحليل، وفي تصحيح الحديث وتضعيفه، إلا بعد عمر طويل، يتمرس في هذا العمر على معرفة كيف يكون الإفتاء، وكيف يكون الاستنباط من الكتاب ومن السنة.
وفي هذا الصدد لا بد أن يتقيد هؤلاء الدعاة السلفيون بالقيد الثالث، الذي سبق أن ذكرته في أثناء الكلام عن العلم النافع والعمل الصالح، فقد قلنا: إن العلم النافع يجب أن يكون على منهج السلف الصالح ، فحينما يحيد كثير من الدعاة الإسلاميين اليوم عن التقيد بهذا القيد الثابت، الذي أشار إليه الإمام ابن القيم رحمه الله في شعره السابق حين قال:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
فعدم الالتفات إلى ما كان عليه السلف الصالح يعود بالناس بعد أن اتفقوا إلى الفُرقة التي تُبَاعِدُ بينهم، كما باعدت من قبل بين كثير من المسلمين، فجعلتهم شيعاً وأحزاباً: ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [المؤمنون:53] .
هذا رأيي في هذا الواقع، فعليهم إذا كانوا مخلصين -كما نرجو- أن يتمسكوا بالمبادئ العلمية الصحيحة، وألا يتجرأ من لم يكن قد وصل إلى مرتبة العلم وصولاً صحيحاً أن يتورع عن ذلك، وأن يكل العلم إلى عالميه.
ويعجبني في هذا الصدد بعض الروايات التي وردت في كتب الحديث -وأنا أظن أنها عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله، وهو من كبار علماء السلف الصالح - قال: [ لقد أدركت في هذا المسجد -ولعله يشير إلى مسجد المدينة المنورة - سبعين من الصحابة، كان أحدهم إذا سُئل عن مسألة أو استفتي عن فتوى، يتمنى أن يتولى ذلك غيره من علماء الصحابة الحاضرين ].
والسبب في ذلك هو أنهم يخشون أن يقعوا في خطأ، فيوقعون غيرهم في الخطأ، فيتمنى أحدهم ألا يتحمل هذه المسئولية ويتحملها غيره.
أما الآن فالظاهرة معاكسة تماماً مع الأسف الشديد، وذلك يعود إلى سبب واضح، وأنا أذكره دائماً وأبداً، وهو أن التفتح الذي نشعر به الآن للكتاب والسنة والدعوة السلفية هو أمر حادث، ولم يمض على هذا التفتح الذي يسمونه بالصحوة، لم يمض زمن طويل حتى يجني هؤلاء الناس ثمرة هذه الدعوة والصحوة والتفتح في أنفسهم، أي: أن يتربوا على أساس الكتاب السنة، ثم هم بالتالي يفيضون بهذه التربية الصحيحة القائمة على الكتاب والسنة على غيرهم ممن حولهم الأدنى فالأدنى، فالسبب أن هذه الدعوة لم يظهر أثرها؛ لأنها حديثة العهد بهذا العصر الذي نحن نعيش فيه؛ ولذلك نجد الظاهرة المعاكسة لما ذكرناه آنفاً، مما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أولئك الصحابة الذين كانوا يتورعون عن أن يسألوا، ويتمنون أن يُسأل غيرهم، وما كانوا يجيبون عن السؤال إلا لعلمهم بأنه لا يجوز لهم أن يكتموا العلم، لكن في قرارة قلوبهم كانوا يتمنون أن يتولى ذلك غيرهم.
أما الآن فتجد في كثير من المجتمعات السلفية -فضلاً عن غيرها- يُسأل أحد ممن يظن فيه أنه أكثر من الحاضرين علماً، وإذا بك تجد فلاناً بدأ يتكلم وهو غير مسئول، وفلاناً بدأ يتكلم وهو غير مسئول، ما الذي يدفع هؤلاء؟ إنه حب الظهور، والأنانية، ولسان حاله يقول: أنا هنا، أي: أنا عندي علم، وما شاء الله عليه! هذا على ماذا يدل؟ يدل على أننا لم نترب التربية السلفية، نحن نشأنا على العلم السلفي، وكل بحسب اجتهاده وسعيه إلى هذا العلم، أما التربية فما حصلناها بعدُ كمجتمع إسلامي سلفي، ولذلك هذه الجماعات والتكتلات والأحزاب، في كل حزب نجد مثل هذا التفرق وما سببه إلا عدم التربية الإسلامية الصحيحة.
أقول: علاج هذه الأمة ليعود إليها مجدها، ولتتحقق لها دولتها، ليس لذلك سبيلٌ إلا البدء بما ألخصه بكلمتين اثنتين: بالتصفية والتربية، خلافاً لجماعات كثيرة يسعون إلى إقامة الدولة المسلمة -بزعمهم- بوضع أيديهم على الحكم؛ سواءً كان ذلك بطريق سلمي كما يقولون: بالانتخابات، أو كان ذلك بطريق دموي، كانقلابات عسكرية وثورات دموية، ونحو ذلك، نقول: هذا ليس هو السبيل لإقامة دولة الإسلام على أرض الإسلام، وإنما السبيل هو سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي دعا في مكة -كما تعلمون- ثلاث عشرة سنة، ثم أتم الدعوة في المدينة ، وهناك بدأ بعد أن استصفى له ممن اتبعه وآمن به رجالاً لا تأخذهم في الله لومة لائم، فبدأ بوضع أسس الدولة المسلمة.
والتاريخ -كما يقولون- يعيد نفسه، فلا سبيل أبداً، وأنا على يقين مما أقول، والتجربة الواقعية منذ نحو قرن من الزمان تدل على أنه لا مجال إطلاقاً، لتحقيق نهضة إسلامية صحيحة، ومن ورائها إقامة الدولة المسلمة إلا بتحقيق هذين الهدفين: التصفية: وهو كناية عن العلم الصحيح، والتربية: وهو أن يكون الإنسان مربىً على هذا العلم الصحيح على الكتاب والسنة.
نحن الآن في صحوة علمية ولسنا في صحوة تربوية، ولذلك نجد كثيراً من الأفراد من بعض الدعاة يستفاد منه العلم، لكن لا يستفاد منه الخُلُق، لماذا؟ لأنه هو نشَّأ نفسه على العلم، ولكنه لم يكن في بيئة صالحة رُبِّيَ فيها منذ نعومة أظفاره؛ فلذلك فهو يحيا ويعيش وهو يحمل الأخلاق التي ورثها من ذاك المجتمع الذي عاش فيه وولد فيه، وهو مجتمع بلا شك ليس مجتمعاً إسلامياً، لكنه استطاع بشخصه أو بدلالة بعض أهل العلم أن ينحو منحىً علمياً صحيحاً، لكن هذا العلم ما ظهر أثره في خلقه وسلوكه وأعماله، فهذه الظاهرة التي نحن الآن في صدد الكلام عنها سببها هو: أولاً: أننا لم ننضج علمياً إلا أفراداً قليلين.
وثانياً: الأفراد أكثر من ذلك لم يربوا تربية إسلامية صحيحة، ولذلك فتجد كثيراً من المبتدئين في طلب العلم ينصب نفسه رئيساً رئيساً لجماعة أو لحزبٍ، وهنا تأتي حكمة قديمة لتعبر عن أثر هذا الظهور، وهي التي تقول: (حب الظهور يقطع الظهور).
فهذا أسبابه يعود إلى عدم التربية الصحيحة على هذا العلم الصحيح".اهـ

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-03-15 ||, 03:16 AM
جزاكم الله خيرا،،،
لكن الألباني رحمه الله لم يكن حنبلياً
وقد قيل إنه حنفي بسبب دراسته الأولى عند والده..
ولا يبدو أبدأ أن ناصر الدين الألباني منتسب إلى أحد المذاهب الفقهية الأربعة
وقد كان رحمه الله إماما مجتهداً مستقلاً ينزع إلى ظاهر الحديث.
وحتى لا يخرج الموضوع عن سياقه نرجئ الكلام عن منهجه الفقهي إلى مناسبة أخرى بإذن الله.

شهاب الدين الإدريسي
09-03-15 ||, 02:44 PM
الذي أقصده بالمذهبية ليس ما صار في أذهان الناس من معنى قدحي، وإنما المذهبية بالمعنى الأصولي لا تعدو ان تكون عبارة عن منهجية في الفقه عن الله ورسوله...
وأزيدك بأن الإمام الألباني كاد أن يكون مالكيا لقوله بالعمل، ليس عمل أهل المدينة وإنما كان يلحظ عمل الصحابة والتابعين، خاصة في السنن ذوات الهيآت ويعتمده في الاستدلال والترجيح، ويقيد به مطلقات الأحاديث، كما في فهمه الخاص لمعنى قص الشارب، وإعفاء اللحى، وعدم وجوب النقاب، وعدم وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة بعد الركوع، كل ذلك بناء على تقييد مطلقات الأحاديث بما جرى به العمل لدى الصحابة والتابعين، وقد كان من قبل يميل إلى الأخذ بظواهر النصوص في الأوامر والنواهي مطلقا، ولا يميل إلى تخصيص ولا تقييد إلا قليلا على عادة فقهاء الحنابلة في هذا الشأن.

لكنه إمام مجتهد مجدد تقبله الله في الصالحين، وينبغي أن يهتم ذوو الهمم العالية في ملتقانا بدراسة منهجية الفتوى عند الإمام الألباني .

بارك الله فيك وحفظك ورعاك.

باحثة شريعة
13-03-24 ||, 08:48 PM
كلام في الصميم
آلآن وللآسف الاساتذه ومن هم يرون انفسهم علماء نعم علماء وشيوخ في الماده العلميه ولكن الاخلاق للاسف صفر