المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لطائف أصولية من كتاب أحكام القرآن لابن العربي



شهاب الدين الإدريسي
09-03-18 ||, 02:37 AM
الاستحسان


قوله تعالى: {وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذَا لِشُرَكَائِنَا، فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلَى اللهِ، وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ. وَكَذلِكِ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ ‎، فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورهَا وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ، سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. وَقَالُوا مَا في بُطُونِ هذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا، وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ، سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ، قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الآيات:136ـ140].
فيها سبع مسائل:
المسألة الأولى:روى سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه قال: مَنْ أراد أن يعلم جَهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله تعالى: {قد خَسِرَ الذين قَتَلوا أولادهم سَفَهاً بغير علم} [الأنعام:140].
وهذا الذي قاله ـ رضي الله عنه ـ كلامٌ صحيح، فإنه تصرَّفت بعقولها القاصرة في تنويع الحلال والحرام سفاهةً بغير معرفةٍ ولا عَدْلٍ، والذي تصرَّفت بالجهل فيه من اتخاذ آلهةٍ أعظم جهلاً وأكبر جُرْماً؛ فإنَّ الاعتداء على الله أعظمُ من الاعتداء على المخلوقين.
والدليلُ على أنَّ الله تعالى واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في مخلوقاته أبْيَنُ وأوضح من الدليل على أنَّ هذا حلال، وهذا حرام.
وقد رُويَ أنَّ رجلاً قال لعَمْرو بن العاص: إنك على كمال عقولكم ووفورِ أحلامكم كنتم تعبدون الحجر. فقال عمرو: تلك عقولٌ كادها بَاريها.
المسألة الثانية:
هذا الذي أخبر الله تعالى عنه من سخافة العرب وجهلها أمرٌ أذهبَه اللهُ تعالى بالإسلام، وأبطله ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من الظاهر لنا أنَّ نميته حتى لا يظهر، وننساه حتى لا يذكر إلا أنَّ ربنا تباركَ وتعالى ذكَره بنصّه، وأورده بشرحه، كما ذكر كُفْرَ الكافرين به. وكانت الحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أنَّ قضاءه قد سبق، وحكْمَه قد نفذ، بأنَّ الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة، وقد قضى اللهُ ألا يُصَدَّ كافِر عن ذِكْرِ الكُفر، ولا مُبتدع عن تغيير الدين، قصده ببيان الأدلة، ثمَّ وفَّق مَنْ سبق له عنده الخير فيسَّر له معرفتها، فآمن وأطاع، وخذل من سبق له عنده الشر فصدَفَه عنها، فكفر وعصى {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42]؛ فتعيَّن علينا أن نشيرَ إلى بَسْطِ ما ذكر الله تعالى من ذلك ـ وهي:
المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ}:
أي: أظهر بالخلق والإيجاد من الحرث والأنعام نصيباً، وجميعه له لا شريكَ معه في خَلْقِه، فكيف فعلوا له شريكاً في القُربان به من الأوثان التي نَصبُوها للعبادة معه، وشرُّ العبيد كما يأتي بيانه في الأثر مَنْ أنعم عليه سيّده بنعمة فجعل يشكُر غَيْرَه عليها، وكان هذا النصيب الذي للأوثان جعلوه للهِ من الحرْثِ مصروفاً في النفقة عليها وعلى خدَّامها، وكذلك نصيبُ الأنعام أنهم كانوا يجعلونها قُرباناً للآلهةِ.
وقيل: كان لله البَحيرة والسائبة والوَصيلة والحام، وكان ما جعلوه لله إذا اختَلَطَ بأموالهم لم يردُّوه، وإذا اختلط ما للأوثان بها ردُّوه وذلك قوله: {فَمَا كانَ لِشُرَكائِهِمْ...} الآية.
وقيل: كان ذلك إذا هلك ما جعلوه للهِ لم يغرموه، وإذا هلك ما جُعل للأوثان غرموه.
وقيل: كانوا يذكرون اسمَ الأوثان على نصيب الله، ولا يذكرون الله على نصيب الأوثان، وهي:
المسألة الرابعة:فإنَّ تركهم لذِكْر اسم الله مذموم منهم وفيهم؛ فكان ذلك أصلاً في تَرْك أكْل ما لم يسمَّ الله عليه.
المسألة الخامسة: ثم قال بعد ذلك: {وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شركاؤهم}:
يعني: في الوأد للبنات مخافَة السِّبَاء وعدم الحاجة، وما حُرِمْنَ من النصرة، كما كانت الجاهليةُ تفعله.
وقيل: كما فعل عبدُ المطلب حين نذر ذَبْحَ وَلَده عبدالله.
وحقيقة التزيين إظهار الجميل، وإخفاء القبيح، وقد يتغلب بخذلان الله للعبدِ، كما يتحقق بتوفيقه له. ومن الباطل الذي ارتكبوه بتزيين الشيطان تصويره عندهم جواز أكل الذكور من القَرَابين، ومنع الإناث من أكلها، كالأولاد والألبان، وكان تفضيلهم للذكور لأحَدِ وجهين، أو بمجموعهما: إما لفَضْلِ الذكر في نفسه على الأنثى، وإما لأنَّ الذكور كانوا سدَنَةَ بيوت الأصنام؛ فكانوا يأكلون مما جعل لهم منها؛ وذلك كله تعدٍّ في الأفعال، وابتداء في الأقوال، وعَمَلٌ بغير دليل من الشرع؛ ولذلك أنكر جمهورٌ من الناس على أبي حنيفة القولَ بالاستحسان ـ وهي:
المسألة السادسة:
فقالوا: إنه يحرِّمُ ويحلِّلُ بالهوى من غير دليل، وما كان ليفعل ذلك أحَدٌ من أتباع المسلمين، فكيف أبو حنيفة!
وعلماؤنا من المالكية كثيراً ما يقولون: القياسُ كذا في مسألة، والاستحسان كذا، والاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العملُ بأقوى الدليلين.
وقد بيَّنا ذلك في مسائل الخلاف. نكتته المجزئة ههنا أنَّ العموم إذا استمرَّ والقياس إذا اطَّرد فإنَّ مالكاً وأبا حنيفة يريانِ تخصيص العمومِ بأيّ دليل كان من ظاهرٍ أو معنى، ويستحسنُ مالك أن يخصَّ بالمصلحة، ويستحسن أبو حنيفة أن يخصَّ بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس.
ويرى مالك وأبو حنيفة تخصيصَ القياس ببعض العلة، ولا يرى الشافعي العلَّة الشرع إذا ثبت تخصيصاً، ولم يفهم الشريعةَ من لم يحكم بالمصلحة ولا رأى تخصيصَ العلَّة، وقد رام الجُويني ردَّ ذلك في كتبه المتأخرة التي هي نخبةُ عقيدته ونخيلة فكرته فلم يستطعه، وفاوضت الطّوسي الأكبر في ذلك وراجعتُه حتى وقف، وقد بيَّنت ذلك في المحصول والاستيفاء بما في تحصيله شفاء إن شاء الله تعالى.
فإن قال أصحاب الشافعي: فقد تاخَمْتُم هذه المهواة، وأشرفتم على التردّي في المَغْواة؛ فإنكم زعمتم أنَّ اليمين يحرّم الحلال ويقلِبُ الأوصاف الشرعية، ونحن براء من ذلك؟
قلنا: هيهات! ما حرَّمْنا إلاّ ما حرّم الله، ولا قُلْنا إلا ما قال الله، ألم تسمعوا قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ} [التحريم:1]، وهي:
المسألة السابعة:
وسنبينها في سورة التحريم إن شاء الله.

شهاب الدين الإدريسي
09-03-18 ||, 03:02 AM
الرخصة والعزيمة ورفع الحرج


قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الآية:78].

فيها أربع مسائل:

المسألة الأولى:الحرَجُ هو الضِّيق، ومنه الحرَجَة، وهي الشجرات الملتفّة لا تُسلك؛ لالتفافِ شجراتها، وكذلك وقع التفسير فيه من الصحابة رضي الله عنهم.
رُوي أنّ عبيد بن عُمير في ناسٍ من قومه إلى ابْن عباس، فسأله عن الحَرَج، فقال: أولستُم العرب؟ فسألوه ثلاثاً. كلُّ ذلك يقول: أولستم العرب! ثم قال: ادْعُ لي رجلاً من هُذَيْل، فقال له: ما الحَرَج فيكم؟ قال: الحرَجة من الشجرة: ما ليس له مخرج.
وقال ابن عباس: ذلك الحرَج، ولا مخرج له.
المسألة الثانية: في محل النفي:
وقد روي عن عثمان بن يسار، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} قال: هذا في تقديم الأهِلّة وتأخيرها بالفِطْرِ، والأضحى، وفي الصوم.
وثبت صحيحاً عن ابن عباس قال: تقول: ما جعل عليكم في الدِّيْنِ منْ حَرَج، إنما ذلك سعة الإسلام: ما جعل اللهُ فيه من التوبة والكفّارات.
وقال عِكْرمة: أُحلّ لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، وما ملكت يمينك.
قال القاضي: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "بُعثت بالحنيفية السمحة". وقد كانت الشدائد والعزائم في الأمم، فأعطى الله هذه الأمةَ من المسامحة واللّين ما لم يُعْطِ أحداً قبلها في حُرْمة نبيها، ورَحْمة نبيه صلى الله عليه وسلم لها.
فأعظمُ حَرَجٍ رَفْع المؤاخذة بما نبدي في أنفسنا ونخفيه، وما يقترن به من إصْر وُضِع، كما بينا من قبل في سورة الأعراف وغيرها.
ومنها التوبة بالندم، والعزم على ترك العَوْدِ في المستقبل، والاستغفار بالقلب واللسان. وقيل لمن قَبْلَنا: {فَتُوبُوا إلى بارئكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم} [البقرة:54]، ولو ذهبت إلى تعديد نِعَم الله في رَفْع الحرَج لطال المرام.
ومن جملته أنه لا يؤاخِذُنا تعالى إن نسينا أو أخطأنا. وقد بيناه أيضاً فيما قبل ذلك.
وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو وغيره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أَذْبح. قال: "اذبح، ولا حرَج". فجاء آخر، فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أَرْمي، فقال: "ارمِ، ولاَ حرَج". فما سُئل يومه عن شيء قُدِّمَ لا أُخِّر إلا قال: افْعَل ولا حرَج.
فأعجب لمن يقول: إنّ الدمَ على مَنْ قَدّم الحلق على النحر، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قد قال: ولا حرَج، ولقد نزلت بي هذه النازلة سنة تسع وثمانين، كان معي ما استيسر من الهدْي، فلما رميتُ جَمْرَةَ العقبة، وانصرفْتُ إلى النحر ـ جاء المزيِّن وحضر الهدْي، فقال أصحابي: ننحر ونحلق، فحلقت، ولم أشعر قبل النحر، وما تذكَّرْتُ إلاى وجُلُّ شَعري قد ذهب بالُموسى، فقلت: دم على دم، لا يلزم، ورأيت بعد ذلك الاحتياط لارتفاع الخِلاف. والحقّ و الأول، فهو المعقول.
المسألة الثالثة:
إذا تعارَض دَلِيلان أحدهما بالحظر، والآخر بالإباحة، فمن العلماء مَنْ مال إلى الاستظهار، وقال: يقدم دليلُ الحَظْرِ. ومنهم من قال: يقدَّمُ دليلُ الإباحة، ويختلف في ذلك مقاصِدُ مالك، إلا في باب الربا، فيقدّم دليل الحظر، وذلك من فقهه العظيم.
وكذلك لو قام دليلٌ على زيادةِ ركْنٍ في العبادة، أو شرط، وقام الدليل على إسقاطه، فاختلف العلماءُ أيضاً فيه؛ فمن العلماءِ مَنْ أخذ بالاحتياط، وقضى بزيادة الركن والشرط، ومنهم من أخذ بالخفّة، وقال بدليل الإسقاط، ولم يعوِّل مالك هاهنا على أقوى الدليلين: كان بزيادة أو بإسقاط، ورَأْيُه هو الذي نراه، وقد مهدناه في أصول الفقه، فهنالك ينظر إن شاء الله.
المسألة الرابعة:إذا كان الحرَج في نازلةٍ عامّاً في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصاً لم يُعْتَبَر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتبارُه، وذلك يُعْرَض في مسائل الخلاف، فمنه خُذوه بعَوْن الله.

شهاب الدين الإدريسي
09-03-18 ||, 03:18 AM
مخاطبة الكفار بفروع الشريعة


قوله تعالى: {وَأَخْذِهِم الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً ألِيماً} [الآية:161].
المسألة الأولى:
قد قَدّمْنا القولَ في مخاطبةِ الكفّار بفروع الشريعة في مسائل الأصول، وأشَرْنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب، ولا خلاف في مذهب مالك في أنهم يخاطبون.
وقد بيَّن اللهُ تعالى في هذه الآية أنهم نُهوا عن الربا وأكْلِ المال بالباطل، فإن كان ذلك خبراً عما نزل على محمدٍ في القرآن، وأنهم دخلوا في الخطاب فيها ونِعْمَت، وإن كان ذلك خبراً عما أنزل اللهُ عزَّ وجل على موسى في التوراة، وأنهم بدَّلُوا وحرَّفوا وعصوا وخالفوا - فهل يجوز لنا معاملتهم، والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن معاملتَهم لا تجوز؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد.
والصحيحُ جوازُ معاملتهم مع رباهم واقتحامهم ما حرَّم الله سبحانه عليهم، فقد قام الدليلُ القاطع على ذلك قرآناً وسنة: قال الله تعالى: {وطَعَامُ الَّذيِنَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لكم وطعامُكُم حِلٌّ لهم} [المائدة:5].
وهذ نصٌّ في مخاطبتهم بفروع الشريعة، وقد عامل النبيُّ صلى الله عليه وسلم اليهودَ، ومات ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهوديّ في شعيرٍ أخذه لعياله.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب أنه سئل عمن أخذ ثمن الخمر في الجزية والتجارة، فقال: ولّوهم بيعَها وخُذُوا منهم عُشْرَ أثمانها؛ والحاسمُ لداء الشك والخلاف اتفاقُ الأئمة على جواز التجارة مع أهل الحرب، وقد سافر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم تاجراً، وهي:
المسألة الثانية:
وذلك من سفره صلى الله عليه وسلم أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم.
فإنْ قيل: كان ذلك قبل النبوّة.
قلنا: إنه لم يتدنَّسْ قبل النبوة بحرام، ثبت ذلك تَواتُراً، ولا اعتذر عنه إذ بعث ولا منع منه إذ نبىء، ولا قطعه أحدٌ من الصحابة في حياته ولا أحد من المسلمين بعد وفاته؛ فقد كانوا يسافرون في فكِّ الأسري، وذلك واجبٌ، وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره، وقد يجب وقد يكون ندباً، فأما السفر إليهم لمجرد التجارة فذلك مباحٌ.
المسألة الثالثة:
فإن قيل: فإذا قلتم إنهم مخاطبون بفروع الشريعة، كيف يجوزُ مبايعتهم بمحرّم عليهم، وذلك لا يجوز للمسلم؟
قلنا: سامح الشرعُ في معاملتهم وفي طعامهم رفْقاً بنا، وشدَّد عليهم في المخاطبة تغليظاً عليهم، فإنه ما جعل علينا في الدين من حَرَج إلا ونَفَاهُ، ولا كانت في العقوبة شدة إلا وأثبتها عليهم.
المسألة الرابعة:
مع أنَّ الله شَرع لهم الشرع، وبيَّن لهم الاحكام فقد بدَّلُوا وابتدعوا رَهْبانية التزموها، فأجرى الشرْعُ الأحكامَ على ما هم عليه في بَيْع وطعام حتى في اعتقادهم في أولادهم وبناتهم، سواء تصرَّفوا في ذلك بشرْعتهم أو بعصبيتهم، حتى قال مالك؛ وهي:
المسألة الخامسة:
يجوزُ أن يؤخذ منهم في الصلح أبناؤهم ونساؤهم إذا كان الصلْحُ للعامَيْنِ ونحوها؛ لأنهما مُهادنة، ولو كان دائماً أو لمدّة كثيرة لم يَجُزْ، لأنه يكون لهم من الصلح مثل ما لآبائهم.
وقال ابن حبيب: لا يجوزُ ذلك؛ فراعى مالك اعتقادَهم في الأولاد والنساء، كما راعى اعتقادَهم في الطعام، فإن كان ذلك شرطاً مع بطارقتهم - يعني باتفاق منهم - جاز.
المسألة السادسة:
فإن عامل مسلمٌ كافراً بِرِباً فلا يخْلُو أن يكونَ في دار الحرب أو في دار الإسلام، فإن كان في دار الإسلام لم يَجُزْ، وإن كان في دار الحرب جاز عند أبي حنيفة وعبد الملك من أصحابنا.
وقال مالك والشافعي: لا يجوز، وتعلّق أبو حنيفة بأنّ مالَه حلال فبأيِّ وجه أخذ جاز.
قلنا إنَّ ما يجوز أخْذُه بوجه جائز في الشرع من غلّة وسرقةٍ في سرية، فأما إذا أعطى من نفسه الأمان ودخل دارَهم فقد تعيَّنَ عليهم أن يَفي بألا يخون عَهْدَهم، ولا يتعرّض لمالهم، ولا شيء من أمرهم؛ فإنْ جوَّز القومُ الربا فالشرْعُ لا يجوِّزُه. فإنْ قال أحد: أنهم لا يخاطبون بفروع الشريعة فالمسلم مخاطبٌ بها.
المسألة السابعة:
توهم قومٌ أنَّ ابن الماجِشُون لما قال: إن مَنْ زنا في دارِ الحرب بحَرْبِيَّةٍ لم يُحَدّ أنّ ذلك حلال. وهو جَهْلٌ بأصول الشريعة. ومأخَذُ الأدلّة قال الله تعالى: {والذين هم لفُروجِهم حافظون، إلاَّ على أزواجهم، أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون:5، 6]؛ فلا يباح الوطْءُ إلا بهذين الوجهين، ولكن أبا حنيفة يرى أن دارَ الحرب لا حدَّ فيها، نازع بذلك ابن الماجشون معه، فأما التحريم فهو متفقٌ عليه فلا تستنزلنكُم الغَفْلة في تلك المسألة.

خديجة نور الدين
13-11-07 ||, 12:23 AM
المسألة الرابعة:إذا كان الحرَج في نازلةٍ عامّاً في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصاً لم يُعْتَبَر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتبارُه، وذلك يُعْرَض في مسائل الخلاف، فمنه خُذوه بعَوْن الله.
للتتميم : لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد 64&idto=164&bk_no=99&ID=211

خديجة نور الدين
13-11-07 ||, 12:35 AM
فيما يخص بعض الأخطاء المطبعية في التحقيق المتوفر لهذا الكتاب القيم :

فإن كان ذلك خبراً عما نزل على محمدٍ في القرآن، وأنهم دخلوا في الخطاب فيها ونِعْمَت، " فَبِهَا ونعمت " ؛

فقد كانوا يسافرون في فكِّ الأسري في فك الأَسْرَى ؛

وهو جَهْلٌ بأصول الشريعة. ومأخَذُ الأدلّة قال الله تعالى: وهو جهل بأصول الشريعة وماخذِ الأدلة ؛ قال الله تعالى : ...