المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فهم النصوص الشرعية بين النظر الظاهري والنظر المقاصدي



شهاب الدين الإدريسي
09-04-13 ||, 02:11 AM
إن الناظر إلى جهود العلماء في تفسير النصوص الشرعية وبيان مدلولاتها يظهر له وجود مدارس ومناهج في فهم تلك النصوص، وَمَرَدُّ ذلك الى طبيعة ونوعية الأصول التي يستند إليها أصحاب كل اتجاه، ومن ثم يمكن التمييز بصفة عامة بين اتجاهين رئيسين في فهم النصوص الشرعية ويتعلق الأمر بالاتجاه الظاهري والاتجاه المقاصدي، ولكل اتجاه أعلامه ورجاله كَمَالَهُ مصادره ومصنفاته، يقول الدكتور >أحمد الريسوني<: (إن تفسير النصوص الشرعية يتجاذبه عادة اتجاهان: اتجاه يقف عند ألفاظ النصوص وحرفيتها مكتفيا بما يعطيه ظاهرها، واتجاه يتحرى مقاصد الخطاب ومراميه ···)(1)·
ويمثل الاتجاه الأول أصحابُ المدرسة الظاهرية التي يتزعمها الإمام >داود الظاهري< كما يمثله كذلك (عدد من الفقهاء من مختلف المذاهب وممن ليس لهم مذاهب قديما وحديثا إلا أنه يتفاوت في درجته ومداه من فقيه لآخر)(2)·
وإذا كان لكل اتجاه فكري أو مذهب فقهي خصائصه وسماته التي تميزه فإن للمدرسة الظاهرية خصائص عامة في فهم الألفاظ والنصوص، وقد تتبع الدكتور >نور الدين الخادمي< - في دراسة متخصصة - هذه الخصائص من خلال استدلالاتهم واجتهاداتهم فتوصل الى أن (هذه الخصائص إطلاقا تتفق جميعها على خاصية الأخذ بالظاهر، أي الأخذ بظواهر النصوص والإجماعات وعدم الالتفات الى ما وراء تلك النصوص والإجماعات من أسرار ومقاصد وتعليل ونظر بوجه عام)(3)·
فالعبرة عند أهل الظاهر بألفاظ النصوص الشرعية ومنطوقها وليس بتعليل هذه النصوص وأحكامها أو النظر في حِكَمها ومقاصدها·
أما الاتجاه الثاني فتمثله المدرسة المقاصدية، وهذا الاتجاه يستند الى التسليم العام بكون الشريعة لها مقاصد وحكم في عموم أحكامها ونصوصها·
إن هذا الاتجاه ينطلق من أن العلم بمقاصد الشريعة ليس مقصودا لذاته، وإنما يُرادُ به - إعماله واستثماره في فهم النصوص الشرعية وتوجيهها وهذا يكون على الخصوص (في النصوص ظنية الدلالة إذ يستعين المجتهد بالمقاصد في فهم النصوص واختيار المعنى المناسب لتلك المقاصد وتوجيه معنى النص بما يخدمها وقد يصل الأمر بالمجتهد الى تأويل النص وصرفه عن ظاهره في حال مخالفة ذلك المعنى الظاهر لمقاصد الشريعة وكلياتها)(4)·
وبذلك تكون النصوص الشرعية قرآنا وسنَّة مجالا من مجالات إعمال المقاصد بل عدَّها بعض الباحثين في علم المقاصد أول مجال اجتهادي يحتاج إلى النظر المقاصدي قال الدكتور أحمد الريسوني: (ولعل أول مجال اجتهادي يتوقف على النظر المقاصدي ويستفيد منه هو مجال فهم النصوص وتفسيرها سواء كانت قرآناً أو سنة)(5)، ولئن كانت عبارة الدكتور الريسوني تفيد شيئا من التردد، فإن الدكتور >يوسف أحمد محمد البدوي< قد جزم بأن النصوص الشرعية أول مجال لإعمال المقاصد ونص على ذلك صراحة بقوله: (المجال الأول: فهم النصوص وتفسيرها ومعرفة دلالتها)(6)·
وبذلك فإن الاتجاه المقاصدي لا يلتزم التفسير الحرفي للنصوص الشرعية، ولا يكتفي بظواهر النصوص وألفاظها·
إن فهم النصوص الشرعية على وجهها الأمثل مفتقر إلى ضرورة العلم بمقاصد الشريعة ولذلك قرر الشيخ >الطاهر بن عاشور< أن (أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية)(7)·
ومن الأمثلة التي يظهر فيها تَرَدُدُ الفهم بين النظر الظاهري والنظر المقاصدي ما جاء في تفسير >ابن العربي< لقوله تعالى: >والذين يرمون المحصنات< سورة النور: الآية 4: (اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنا كان قذفا وذنبا موجبا للحد فإن عرض ولم يصرح فقال مالك: هو قذف وقال الشافعي وأبو حنيفة: ليس بقذف ومالك أسد طريقة فيه لأن التعريض قول يفهم منه سامعه الحد فوجب أن يكون قذفا كالتصريح والمعوَّل على الفهم، قال اللّه مخبرا عن قوم شعيب: >إنك لأنت الحليم الرشيد< (هود: 87) وقال في أبي جهل: >ذق إنك أنت العزيز الكريم< الدخان: 49، وهذا ظاهر)(8)·
ومن الأمثلة في السنة النبوية ما رواه الشيخان عن >جابر بن عبداللّه< رضي اللّه عنهما قال كان رسول اللّه [ >في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظُلِّلَ عليه فقال: ما هذا قالوا: صائم قال: ليس من البر الصيام في السفر<(9)، وفي رواية: >عليكم برخصة اللّه التي رخَّص لكم<·
قال الدكتور >يوسف القرضاوي< فمن أخذ بلفظ الحديث وظاهره في الرواية الأولى >ليس من البر الصيام في السفر< قال كل صيام في السفر حرام لأنه ليس من البر وإذا لم يكن من البر فهو من ضده وهو الإثم·
ولكن من نظر الى جو الحديث وسياقه وسببه يتبين له أن المراد ليس من البر الصيام في مثل هذا السفر الذي يشعر فيه المسافر بمثل هذه المشقة الشديدة المنافية لما ختم اللّه به آية الصيام في رمضان (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)·
يؤيد هذا الفهم الرواية الأخرى التي تدل على أن الفطر في السفر رخصة من اللّه وصدقة منه تصدق بها على عباده فلا يجوز أن ترفض مع شدة الحاجة إليها·
يؤكد هذا الأحاديث الأخرى التي ثبت فيها شرعية الصوم في السفر لمن لم تبلغ به المشقة ما بلغت بهذا الرجل وهي أحاديث صحيحة بلا شك (10)·
على أنه لا يعني إعمال المقاصد في تفسير النصوص الشرعية إلغاء ظواهرها وتعطيل ألفاظها جملة وتفصيلا والاستعاضة عن ذلك بمصالح وهمية أو ما أشبه ذلك·

بقلم الكاتب: علي الوزاني التهامي

المراجع :-----------------------------------------------------
1- مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور أحمد الريسوني ص: 8-9 الناشر المكتبة السلفية الطبعة الأولى 1996م - 1417هـ·
2- من أعلام الفكر المقاصدي للدكتور أحمد الريسوني ص: 111 سلسلة قضايا إسلامية معاصرة دار الهادي الطبعة الأولى 1424هـ -2003م·
3- الدليل عند الظاهرية للدكتور نور الدين الخادمي ص:39 ، دار ابن حزم، ط1، 1421 - 2000م·
4- طرق الكشف عن مقاصد الشارع للدكتور نعمان جغيم ص: 46، دار النفائس، الأردن، ط1، 1422هـ-2002م·
5- الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده للدكتور أحمد الريسوني ص: 92، منشورات جريدة الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999 ·
6- مقاصد الشريعة عند ابن تيمية للدكتور يوسف أحمد محمد البدوي ص: 885، دار النفائس الأردن، ط:8، 8428هـ - 2000م·
7- مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور ص:847، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، دار الفجر، دار النفائس، ط:8، 8420هـ - 8999م·
8- أحكام القرآن لابن العربي المعافري، 342/3، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه محمد عبدالقادر عطا، دار الفكر لبنان·
9- متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب تحول النبي [ لمن ظُلِّل عليه واشتد الحر ليس من البر الصوم في السفر وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية اذا كان سفره مرحلتين فأكثر·
10- المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة للدكتور يوسف القرضاوي، ص:232 - 233، مكتبة وهبة - القاهرة

السيد رضـا
09-09-24 ||, 11:34 PM
مدى اعتبار المقاصد الشرعية عند ابن حزم الظاهري
بقلم: صورية عائشة باية بن حسين/ الجزائر[1]
نُعت الإمام ابن حزم – رحمه الله تعالى – بالجمود على الظاهر وبالحرفية المتشددة في تفسير النصوص الشرعية، وأنه ألغى العقل، فلم يعد له تأثير من قريب أو بعيد في بيان الأحكام الشرعية، واقتصر على ظاهر الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وأنكر القياس قولاً واضطر إليه فعلاً فسماه الدليل، وأصبح لا يذكر اجتهاد ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلا فيما خالف فيه بقية المذاهب من أصول أجمعوا عليها، أو في مسألة شذَّ فيها شدوذًا واضحًا، وصار شائعًا بين الفقهاء أنه لا يعتد بخلاف الظاهرية في الإجماع.
هذه الرؤية تكاد تكون مجمعًا عليها بين علماء الأمة، من ذلك ما قاله محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي: "إن مذهب أهل القياس، أقرب إلى الترقيات العصرية، وتطورات الزمان والمكان، والحال بخلاف الظاهرية، فإنه مخالف لناموس العمران والمكان والاجتماع البشري المبني على النظر للمصالح العامة متباعد من اعتبار الحكم التي شرعت الشريعة لأجلها وحقائق روح التشريع في الأحكام."[2]
وأيضًا ما نشر بمجلة الوعي الإسلامي تحت عنوان: "علم المقاصد بين الضرورة والحذر" للدكتور محمد الصالح بن عزيز، تناول فيه خطر النزعة الظاهرية على الفكر المقاصدي، حيث قال: "فالظاهرية يرفضون كل مصلحة لا يكون طريقها النص الصريح، ولا عبرة عندهم بالمعاني والمقاصد، إذا خالفت الظواهر، فنفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحكمة."[3]
فهل صحيح أن المذهب الظاهري، ينفي المصالح الشرعية فلا يعتد بها ؟ وأنه عاجز على إدراك المصالح البشرية بمنهجه القاصر، وأن اجتهاداته هي مجرد آراء يعوزها الدليل الصحيح.
إن حدة الخلاف بين الجمهور وابن حزم، حول مفهوم العلة وحجيتها، يمكن أن تقلص من دائرتها، إذا علمنا أن كثيرًا من الخلافات قد تكون راجعة إلى اختلاف لفظي أو اصطلاحي وهو ما أشار إليه ابن حزم بقوله: "والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد، اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بدلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير دلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والإشكال."[4]
فمن جوانب الموضوع التي يمكن إخراجها من دائرة الخلاف بين ابن حزم والجمهور مفهومه للعلة، فلقد عرفها بقوله: "هي اسم لكل صفة توجب أمرًا ما إيجابًا ضروريًّا والعلة لا تفارق المعلول ألبتة، ككون النار علة الإحراق، والثلج علة التبريد، الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلا ولا بعده فالمولى عز وجل لا يفعل شيئا لعلة، فلا علة لما فعل، ولا علة لما لم يفعل، لأنه ليس مضطرا ولا علة موجبة عليه أن يفعل شيئا. لأن الفعل لعلة يلزم عليه لوازم تمتنع في حق الله تبارك وتعالى. ولأن هذه صفة الخلق، والله خلاف خلقه من كل الوجوه، فيجب أن يكون فعله لا لعلة بل لأنه شاء ذلك. "[5]
فتعريف العلة بهذا المعنى لا يقول به أحد من أهل السنة، بل دأب العلماء إنكار هذا على الفلاسفة.
إذن هناك اتفاق بين الطرفين على أن العلة بهذا المعنى في حقه تبارك وتعالى لا تصح. والملاحظ أيضًا أن ابن حزم لم يفرق بين تعليل أحكامه عز وجل، وتعليل أفعاله التي لا يجري فيها حكم التعقيب والمساءلة، لأنه ليس لأحد من المخلوقات سلطان يزاحم سلطانه جل وعلا، أما تعليل أحكامه فهو البحث عن مقصد الشارع من الحكم الذي اشتمل عليه النص لتعميمه على جميع الحوادث والمستجدات.
وأيضا إذا راعينا مفهوم السبب عند ابن حزم، فإن الخلاف سينقص درجة أخرى، فلقد عرف السبب بقوله:" هو أمر فعل المختار فعلا من أجله، لو شاء لم يفعله، كغضب أدى إلى انتصار، فالغضب سبب الانتصار، ولو شاء المنتصر أن لا ينتصر لم ينتصر، وليس السبب موجبًا للشيء المسبب منه ضرورة."[6]
فالسبب بهذا المعنى يتفق والمراد عند أهل السنة والفرق الجوهري عند ابن حزم بين العلة والسبب، يتمثل فيما يلي:
1 - العلة موجبة ضرورة لمعلولها، وليس أحدهما قبل الثاني أصلاً ولا بعده.
2 – السبب لا إيجاب فيه ولا اضطرار، ويبقى فاعل السبب مختارا في أداء الفعل، أو الامتناع منه، وهو قبل الفعل المتسبب منه.
على أنه يحيط اعترافه بهذا النوع من السببية بين الأحكام وأسبابها بشرطين، تجعل الفرق بينه وبين جمهور العلماء كبيرًا وهي:
1 – هذه الأسباب المنصوصة لا يجوز تعديتها إلى غير محل النص، أي لا يجوز القياس عليها.
2 – هذا الربط المنصوص بين بعض الأحكام، وبعض الأسباب ليس وراءه سوى الانقياد لأمر الله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم -.
ولابن حزم مصطلح ثالث إذا أخذنا مضمونه بعين الاعتبار، نقص الخلاف درجة أخرى، وهو مصطلح الغرض الذي عرفه بقوله:"هو الأمر الذي يجري إليه الفاعل ويقصده بفعله، وهو بعد الفعل ضرورة." [7] فالغرض من الانتصار إطفاء الغضب وإزالته. فابن حزم يقر أن لبعض الأحكام أغراضا أي أهدافًا ومقاصدًا ولكنها أغراض تنحصر في دائرتها الشرعية، ولا تمتد لتشمل غيرها من الأحكام. من ذلك ما نبه إليه في رسالته طوق الحمامة، بقوله: "وما جعل الله فيه أربعة شهود وفي كل حكمين شاهدين إلا حياطة منه ألا تشيع الفاحشة في عباده لعظمها وشنعتها وقبحها، وكيف لا تكون شنيعة، ومن قذف بها أخاه المسلم أو أخته المسلمة دون صحة علم أو تيقن معرفة، فقد أتى كبيرة من الكبائر استحق عليها النار غدا، ووجب عليه بنص التنزيل أن تضرب بشرته ثمانين سوطًا، ومالك - رضي الله عنه – يرى ألا يؤخذ في شيء من الأشياء حد بالتعريض دون التصريح إلا في القذف. وأن في الزنا من إباحة الحريم وإفساد النسل، والتفريق بين الأزواج الذي عظم الله أمره، ما لا يهون على ذي عقل، أومن له أقل خلاق، ولولا مكان هذا العنصر من الإنسان، وأنه غير مأمون الغلبة، لما خفف الله عن البكرين وشدد عن المحصنين. وإن عن المعاصي لمذاهب للعقل واسعة، فما حرم الله شيئا، إلا وقد عوض عباده من الحلال ما هوأحسن من المحرم، وأفضل لا إله إلا هو."[8]
هذا النص جلي في بيان ابن حزم لأغراض الشارع ومقاصده، من تحريم أي علاقة غير شرعية بين الرجل والمرأة، وما يستتبعها من مفاسد تفقد التوازن الحقيقي للنظام البشري.
ولابن حزم – رحمه الله تعالى – اجتهاداته المبنية على كليات الشريعة ومقاصدها، كالمشقة تجلب التيسير، والحرج مرفوع، والضرر يزال، المستنبطة من عموم الآيات القرآنية: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].
فجميع أوامر الله تعالى التي كلفنا بها في نظر ابن حزم، هي يسر وتخفيف ورفع حرج، لأنه لا يسر ولا تخفيف ولا رفع حرج أعظم من شيء أدى إلى الجنة، ونجى من جهنم، وسواء كان حظرًا أو إباحة.[9]
وإنما يقع الحرج إذا تعرض للمكلف موانع حسية أو معنوية، أخرجته إلى دائرة العجز، لأن الاستطاعة هي صحة الجوارح مع ارتفاع الموانع وتوفيق من عنده تبارك وتعالى.
وكل فرض كلفه الله تعالى الإنسان، إن قدر عليه لزمه، وإن عجز عن جميعه سقط عنه ما عجز عنه ولزمه ما قدر عليه منه سواء أقله أوأكثره.[10]
ومن المسائل الفقهية التي بناها ابن حزم على اليسر ورفع الحرج:
النذر:
فمن نذر ما لا يطيق أبدا لم يلزمه، لقول الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة : 286] وكذلك من نذر نذرًا في وقت محدد، فجاء ذلك الوقت، وهولا يطيقه، فإنه غير لازم له لا حينئذ ولا بعد ذلك.[11]
صيام الأسير في دار الحرب:
والأسير في دار الحرب إن عرف رمضان لزمه صيامه، إن كان مقيمًا لأنه مخاطب بصومه في القرآن... فإن لم يعرف الشهر وأشكل عليه سقط عنه صيامه... قال تعالى:" فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أوعلى سفر فعدة من أيام أخر" فلم يوجب تعالى صيامه إلا على من شهده، وبالضرورة ندري أن من جهل وقته فمن لم يكن في وسعه معرفة دخول رمضان، فلم يكلفه الله تعالى صيامه بنص القرآن ومن سقط عنه صوم الشهر فلا قضاء عليه، لأنه صوم غير ما أمر الله تعالى به.[12]
كفارة العتق: راعى ابن حزم الحالة النفسية للذي لزمته كفارة عتق، إذا كان من نتائجها حصول مشقة وضرر، فأسقط عنه عتق جاريته لأنه يضيع ببعدها عنه. ولا أعلم أحدًا من الفقهاء تجرأ على هاته الفتوى سوى ابن حزم. قال رحمه الله تعالى: " فمن لم يجد إلا رقبة، لا غنى به عنها لأنه يضيع ببعدها، أو يخاف على نفسه من حبها، لم يلزمه عتقها، لقول الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة : 286] وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وكل ما ذكرنا حرج وعسر لم يجعله تعالى علينا، ولا أراده منَّا وفرضه حينئذ الصيام، فإن كان في غنى عنها، وهو قائم بنفسه، ولا مال له فعليه عتقها، لأنه واجد رقبة لا حرج عليه في عتقها.[13]
كما أن المصلحة الشرعية التي جاءت الشريعة بحفظها معتبرة في الفقه الظاهري، سواء التي تتعلق بشخص المكلف أم بمجموع الأفراد إذا اتحدت نيتهم على إيجاد عمل ما يحقق مصلحة مشتركة بينهم.
ويؤسس ابن حزم قاعدة المصلحة الشرعية على دليل نصي، وهو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وأحيانًا يعضد هذا الدليل بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"2[14]
وقد تكرر استدلاله بآية التعاون على البر التقوى في ما يقارب ثمانية وأربعين موضعًا من كتابه المحلى، يتوزع أغلبها في الأجزاء الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر.
ويلتزم ابن حزم بحدود هاته الآية، فيعطي للفظ العام أعلى درجاته، فكل ما دل عليه لفظ التعاون سواء بين المسلم وأخيه المسلم، أو بين المسلم والذمي، أكسبه الصفة الشرعية.
وكل ما دل عليه لفظ البر والتقوى من أعمال الخير والمنفعة، الخاصة أو العامة التي تعود على الفرد والمجتمع، أصبح من الواجب القيام به والسعي لتحصيله.
وكل ما دل عليه لفظ الإثم والعدوان، والذي يعود على مجموع الأفراد أو الفرد الواحد بالضرر والمفسدة، أصبح من الواجب دفعه.
ويعطي ابن حزم مفهوما دقيقا لهاته الآية بقوله:"وهذه وصية جامعة لكل خير في العالم"[15]
وهو ما يقابل القاعدة الفقهية "جلب المصلحة ودرء المفسدة "
ومن بين اجتهادات ابن حزم التي بناها، على هذا المقصد الذي جعله ثابتا عنده بالنص[16]
السابق الذكر وهو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى...}، ما يلي:
وجوب قيام الأغنياء بالفقراء:
وفرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم. فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة[17]
إحرام الزوجة بغير إذن زوجها:
فإن أحرمت الزوجة من الميقات، أومن مكان يجوز الإحرام منه، بغير إذن زوجها أوأحرم العبد بغير إذن سيده، فإن كان حج تطوع، فله منعهما وإحلالهما، وإن كان حج الفرض نظر، فإن كان لا غنى به عنها أوعنه، لمرض ولضيعته دونه أودونها، أوضيعة ماله، فله إحلالهما، لما ذكرنا من قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " المسلم أخوالمسلم لا يظلمه ولا يسلمه.". وإن كان لا حاجة به إليهما لم يكن له منعهما أصلا، فإن منعهما فهوعاص لله عزوجل وهما في حكم المحصر، وكذلك القول في الابن والابنة مع الأب والأم ولا فرق.[18]
ويلاحظ هنا تعارض مصلحتين، مصلحة الزوجة في إتمام حجها، ومصلحة الزوج في مراعاة الزوجة لشؤونه، وكلا المصلحتين ثابتتين عنده بالنص.
وقد رجح ابن حزم مصلحة الزوج، وأجاز له أن يحل زوجته من حج التطوع إذا كان بغير إذنه، وعلل منعه بأن طاعته فرض عليها، فيما لا معصية لله تعالى فيه وليس في ترك حج التطوع معصية.
كذلك أجاز للزوج أن يحل زوجته من حج الفرض، إذا كانت مصلحته تقتضي وجودها معه، واستدل على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -:" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ". فإذا انعدمت المصلحة لم يكن له منعها.
حضانة الصغير:
فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها ودنياها، نظر للصغير والصغيرة بالأحوط في دينهما ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين وجبت هنالك.[19]
واضح هنا مراعاة ابن حزم مقصد الشارع من حضانة الطفل، وهو تحقيق الرعاية للازمة له من غير أن يتعرض لمضايقات ومشاكل تمنع من تنشئته نشأة سوية.
فالأصل أن حضانة الطفل لأمه، فإذا كانت غير مأمونة في دينها ودنياها، انتقلت حضانته إلى غيرها، فالضابط هو تحقيق مصلحة الطفل.

بيع صغار الحيوان:
وجائز بيع الصغار من جميع الحيوان حين تولد، ويجبر كلاهما على تركها مع الأمهات، إلى أن يعيش دونها عيشا لا ضرر فيه عليها وكذلك يجوز بيع البيض المحضونة، ويجبر كلاهما على تركها إلى أن تخرج وتستغني عن الأمهات. برهان ذلك، قول الله – عزوجل -: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، وأما ترك كل ذلك إلى أن يستغنى عن الأمهات فلقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]. والنهي عن إضاعة المال والوعيد الشديد على من عذب الحيوان وأصبرها، وإزالة الصغار عن الأمهات قبل استغنائها عنها عذاب لها وقتل إلا من ذبحها للأكل فقط.... وإزالة البيض بعد أن تغيرت بالحضن عن حالها إضاعة للمال.[20]
يتضح لنا في هذا المثال أيضا مراعاة ابن حزم للمصلحة، وتحقق المنفعة ليس للإنسان فقط بل تعداها للحيوان.
حكم الصغير المنبوذ:
إن وجد صغير منبوذ ففرض على من بحضرته أن يقوم به ولا بد،لقول الله تعالى:"من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" ولا إثم أعظم من إثم من أضاع نسمة مولودة على الإسلام صغيرة لا ذنب لها، حتى تموت وهو قاتل نفس عمدا بلا شك.[21]
تسجية الميت بثوب:
ويسجى الميت بثوب ويجعل على بطنه ما يمنع انتفاخه.أما التسجية فلما ذكرناه في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكل ما فعل فيه – صلى الله عليه وسلم – فهو حق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] 3 وهذا عموم لا يجوز تخصيصه إلا بنص. وأما قولنا يوضع على بطنه، فلقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى...}، وكل ما فيه رفق بالمسلم ودفع للمثلة عنه فهو بر وتقوى.[22]
الترجيح بالمصلحة:
قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 3] ، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة : 140]، {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة : 283]، {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة : 282]، ففي هاته الآيات القرآنية دعوة إلى إقامة الشهادة، والإدلاء بها وعدم كتمانها. وما روي عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة."[23]
ففي هذا الحديث دعوة إلى مساعدة المسلم وستره في أموره وعدم الإشهار به. ولا يرجح بين الدليلين إلا بمرجح.
فإن خصص عموم الآيات الخبر، فالقيام بالشهادات كلها والإعلان بها فرض، إلا ما كان منها ستر المسلم في حد من الحدود فالأفضل الستر. وإن خصص عموم الخبر الآيات، فالستر على المسلم حسن إلا ما كان من أداء الشهادات فإنه واجب.
قال ابن حزم:" فنظرنا في الحديث المذكور، فوجدناه ندبا لا حتما وفضيلة لا فرضا، فكان الظاهر منه أن للإنسان أن يستر على المسلم يراه على حد بهذا الخبر، ما لم يسأل عن تلك الشهادة نفسها، فإن سئل عنها ففرض عليه إقامتها، وأن لا يكتمها، فإن كتمها حينئذ فهو عاص لله تعالى. وأن إقامة الشهادة لله تعالى وتحريم كتمانها، وكون المرء ظالما بذلك فهوإذا ما دعي فقط لا إذا لم يدع، كما قال تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة : 282].
وأن من كان لإنسان عنده شهادة والمشهود له لا يدري بها ففرض عليه إعلامه بها، لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:" الدين النصيحة "[24]، فإن سأله المشهود أداءها لزمه ذلك فرضا "[25].
وكنتيجة يمكن القول: أن الذنب إذا كان بين العبد وربه، بحيث لا يتعدى ضرره إلى الغير فمن المستحب ستر المسلم وعدم الإشهار به، لقوله – صلى الله عليه وسلم –:" ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ".
أما إذا تضرر الغير من المعصية، ووقع الظلم والحيف على المسلم كسرقة ماله مثلا، فمن الواجب أداء الشهادة ورفع الظلم عنه، سواء علم المشهود له بالشهادة أولم يعلم.
وبعد عرض هاته الأمثلة الفقهية، والتي تدل على مراعاة المذهب الظاهري للمصلحة الشرعية:
يمكن استخلاص النتائج التالية:
1 – أعطى ابن حزم مفهومًا للآية الكريمة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، بأنها وصية جامعة لكل خير في العالم، ويجعلها كالنص الخاص في الاستدلال على جلب المصلحة ودرء المفسدة.
2- وجوب جلب المصلحة، قال رحمه الله تعالى:" كل مسلم ولي كل مسلم، وأنه مأمور بالنظر له بالأحوط والقيام له بالقسط، وبالتعاون على البر والتقوى."[26]
3- وجوب دفع المفسدة، قال رحمه الله تعالى:" ومن البر والتقوى حفظ الزروع والثمار، التي هي أموال الناس، فلا يعان على فسادها، فإبعاد ما يفسدها فرض."[27]
4 – يرجح بين مصلحتين متعارضتين، فيما إذا كان أحد الطرفين سيلحقه ضررا أشد من الآخر.
5- يوسع من مفهوم المصلحة لتشمل المسلم حين موته، وكذلك الحيوان.
6- يمثل النص بشقيه الكتاب والسنة محور الفقه الظاهري، وبالتالي فإن مقاصد الشريعة عند ابن حزم هي مقاصد نصية بالدرجة الأولى.
واجتهادات ابن حزم المقاصدية، ليست هي اجتهادات محصورة في الكلمة مقيدة بحروفها، فتكون أحكامها أحكامًا عقيمة لا تتعدى حدود الآية، بل إن لابن حزم أدوات أو وسائل لتفسير النصوص واستخراج قواعدها، تجعلها طيعة لتشمل جميع الحوادث التي لم ينص عليها الشرع.
ولا يجب أن ينظر إلى الاجتهاد المقاصدي عند ابن حزم، على أنه اجتهاد مقعد ومنظر، كما هو الحال عند الإمام الشاطبي – رحمه الله تعالى – بل هي اجتهادات متناثرة في المحلى تنبئ عن حقيقة المذهب الظاهري في تعامله مع النص الشرعي وفق مقاصده الشرعية، حيث لا يخرج في ذلك عن إطار النص وما يحتمله من معان، إلا أن الملاحظ أن ابن حزم كثيرا ما يستدل على المعاني والأغراض بالنصوص العامة، التي ينزلها منزلة النص الخاص.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] تفضلت الباحثة بتزويد الموقع بمقالها هذا، ونحن ننشره كما ورد، وهو يعبر عن وجهة نظرها، جزاها الله خيرًا، ووفقها في طريق العلم النافع والعمل الصالح.
[2] محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي خرج أحاديثه عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ، المدينة المنورة المكتبة العلمية 1977 ج2 ص28.
[3] محمد الصالح بن عزيز علم المقاصد بين الضرورة والحذر مجلة الوعي الإسلامي الكويت ع 247 رجب.
[4] ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام تحقيق أحمد شاكر، ط2، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1983، ج 8 ص 101.
[5] المصدر نفسه ج1 ص44، ج8 ص 99
[6] ابن حز م الإحكام في أصول الأحكام ج8 ص 100
[7] المصدر نفسه ج8 ص104
[8] رسائل ابن حزم الأندلسي تحقيق إحسان عباس رسالة طوق الحمامة في الألفة والإلاف ج1 ص 289
[9] ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام ج 2 ص 41
[10] ابن حزم المحلى ج1 ص 68،69 م 106
[11] ابن حزم المحلى ج 8 ص 25 م 1118
[12] المصدر نفسه ج 6 ص 261، 262 م 769
[13] المصدر نفسه ج 6 ص 202، 203 م 750.
[14] صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم ولا يسلمه، ج5 ص 97
[15] ابن حزم المحلى ج11 ص 109.
[16] والملاحظ أن هذا النص عام وليس خاصًّا، وبالتالي فإن الاستدلال به يعرض من قبيل الاستدلال بعمومات الشريعة وقواعدها العامة.
[17] المحلى ج6 ص 156 م 725.
[18] المصدر نفسه ج 7 ص 52 م 814
[19] ابن حزم المحلى ج 10 ص323م 2014
[20] المصدر نفسه ج 8 ص 458 م 1472.
[21] ابن حزم المحلى ج 8 ص 273، 274 م 1284.
[22] المصدر نفسه ج 5 ص 146 م 588
[23] صحيح البخاري كتاب المظالم والغصب باب لا يظلم المسلم ولا يسلمه ج 5 ص 97
[24] صحيح البخاري كتاب الإيمان باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم – الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ج1 ص 137
[25] ابن حزم المحلى ج 11 ص 145 م 2175.
[26] ابن حزم المحلى ج 8 ص 323 م 1399.
[27] المصدر نفسه ج 8 ص 146،147 م 1265.
*********************
كاتبة المقال/الأستاذة الفاضلة : صورية عائشة باية بن حسين
ماجيستير / الشريعة و القانون
أستادة / بجامعة الامير عبد القادر للعلوم الاسلامية
الانتاج العلمي : بصدد طباعة رسالة الماجيستير بدار ابن حزم بالرياض تحت عنوان : منهجية ابن حزم في تفسير النصوص مقارنة بالقانون الوضعي .... وفقها الله تعالى .
المصدر لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

السيد رضـا
09-09-24 ||, 11:36 PM
الأخوة الكرام .... هذا مثال واضح يدل على أن فقه أهل الظاهر هو المتفق مع ما يسميه غيرهم مقاصد الشريعة لأن أهل الظاهر أتبع للنصوص وظواهرها فمع بركة المتابعة توفيق من الله وتحقيق لمقصود الشرع .....
أجاب الدكتور المطلق عن الفتوى بأن الزواج بنية الطلاق جائز ، كما يحدث مع بعض الناس المقيمين بصفة مؤقتة فى البلاد الأوروبية ..
* قال الشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري ـ حفظه الله تعالى ـ متعقباً الدكتور عبدالله بن محمد المطلق ـ حفظه الله تعالى ـ في فتواه الزواج بنية الطلاق :
" فضيلة الشيخ معالي الدكتور عبدالله بن محمد المطلق عضو كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء : من العلماء الإجلاء الذين صبغ الله في قلبوب العباد محبتهم من العامة والخاصة من خلال فتاواه عبر التلفاز ، وذلك بحول الله دليل الصلاح وحسن النية .. ومن فُتح له في العلم النافع فقد حقق له الله التقوى ، كما في قوله تعالى : ( .. واتقوا الله ويعلمكم الله .. )[سورة البقرة 2/ 282]، وصحة المعتقد والتصور تنتج حسن السلوك ، وما خرج من القلب دخل القلب .. هكذا كان شعوري وأنا أتابع فتاواه / وفي يوم الجمعة الموافق 2/2 1424هـ نشر معاليه في جريدة الجزيرة العدد 11145 ص 25 فتوى عن الزواج بنية الطلاق .. ومنه حفظه الله أتعلم ، ولكن الله جعل العلم والملاحظة مشاعة بين ذوي العلم ؛ فيصيب الشيخ في خمسين مسألة ، وقد يسهو العالم في مسألة فيستدركها عليه تلميذه .. وفتوى معاليه عن شخص يقيم في أوروبا بصفة مؤقته ويريد تزوُّج إحدى بنات ذلك البلد .. ثم يطلقها عند عودته .. وأجاب معاليه بأن الزواج بنية الطلاق جائز ، وبذلك أفتى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله .. وأضاف معاليه : أن المحظور الذهاب إلى البلد
الأوروبي من أجل الزواج أياماً معدودة ثم يعود ، ويكون زواجه بنية الطلاق .. وهذا جنوح منه حفظه الله إلى التسهيل على الناس ، لأن شريعتنا المطهرة يسر ورفع حرج ..
وملاحظاتي على هذه الفتوى من أمور :
أولها : أنه ينبغي تبسيط الأمر للعامة والخاصة أيضاً في التفريق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي في هذه المسألة ؛ فالحكم الوضعي : أن الزواج صحيح ليس سفاحاً ولا نكاحاً فاسداً ، وأما الحكم التكليفي فلعل معاليه يحقق الحكم في ذلك ما بين الحرمة أو الكراهية الشديدة ؛ لأن مقتضى النكاح شرعاً استدامة العقد ، وإضمار الطلاق سلفاً ينافي مقتضى العقد ، كما أن النصوص وأقوال العلماء متضافرة على المنع من الطلاق بغير ضرورة ملجئة ؛ ولهذا شُرع الحَكَمَان عند الأختلاف من أهله وأهلها ، ولأن الزواج بنية الطلاق تدليس وغش للمرأة التي ترغب زواجاً مستديماً ، والغش محرم شرعاً .. فإن صرّح لها بأنه سيطلقها بعد مدة ، وأنهما سيمتنعان عن الولد تغيرت المسألة فلم تكن نكاحاً بنية الطلاق ، وإنما كان هذا تصريحاً في حكم المتعة .
وأضرب أمثلة لمعاليه في التفريق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي ؛ فمن ذبح ذبيحة في شهر شوال ، وسمَّ الله عليها ، وصرّح بأنها أضحية له أو لوالديه : فالأضحية غير صحيحة بالحكم الوضعي ، وأكل الذبيحة حلال بالحكم التكليفي ؛ لانه ذكر اسم الله عليها .. وأن كان جاهلاً بوقت الأضحية لا تجوز إلا في وقتها المعين فذبيحته حلال أكلها ، وغير صحيحة أضحية ، وفعله هو المحرم في أعتقادها أضيحة ؛ لأنه متلاعب بالدين مع علمه بالحكم .. ومن ذبح الأضحية في وقتها ولم يذكر اسم الله عليها عمداً فأكل الذبيحة حرام بالحكم التكليفي ، والأضحية غير صحيحة ؛ لأنها صادرة عن فعل محرم .
وثانيها : أن معاليه أطلق الزواج من البنات في أوروبا ولم يفرَّق بين مسلمة وكتابية ، ونكاح المؤمن لكتابية مباح بالإجماع في شريعتنا المطهرة بلا عكس .. ولكن علم معاليه الجم قمين بأن يحرِّر الحكم الاجتهادي في هذه المسألة إذا كان المسلم سيتزوج كتابية ، وكان عقد النكاح ومعقّباته يخضع لقانون وضعي لا يجعل للزوج ولايةً على الولد إن رغب غير دين الإسلام ، ويخضع في العلاقة مع الزوجة ولاية وعشرة وحقوقاً لقانون وضعي بخلف أحكام الشريعة ، فهذه الفوارق تحتاج إلى نظر وتدقيق بينما زواج المسلم بالكتابية في تاريخنا الإسلامي خاضع للحكم الشرعي فيما يتعلق بالولاية والنسل والحقوق ؛ ولهذا السبب والله أعلم امتنع نكاح الكتابي للمؤمنة .. والمجتمع والدولة اليوم يعانون من زواج مسلمين بكتابيات تحت ولاية قانونهم الوضعي ؛ فتنصر الأولاد ، وصاروا في ولاية أمهاتهم على الرغم من بلوغهم ، وضربت بالزوج عرض الحائط ، وظُلم قانونياً بحقوق مجحفة ليست من دين الله .. وأقل ما في ذلك مقاسمته في ثروته .
وثالثها : أن الشريعة المطهرة يسر ورفع حرج بلا ريب .. ولكن اليسر ورفع الحرج حالة نكتشفها من الشريعة ولا نؤسسها ، وفي الشريعة المطهرة ما يثقل على النفوس ولكنه مستطاع ؛ ولهذا حُفت الجنة بالمكاره وحُفت النار بالشهوات .. واليسر روفع الحرج في الشريعة هو رفع الآصار التي كانت من قبلنا كتكليف الله لليهود بأن يقتلوا أنفسهم بعد أن تابوا من عبادة العجل ، ومعنى اليسر سهولته على النفس إذا زين الله الإيمان في قلوب المؤمنين ؛ فستلذّوا بالعبادة ؛ فكانت أسهل عليهم من العادة .ز ومعنى اليسر أن ما أحلّه الله إباحة أو وجوباً أيسر وأمتع وأنفع مما حرمه الله .. والعالم المجتهد ليس من حقه التيسير أو التعسر ، وإنما واجبه الاجتهاد في اكتشاف اليسر من الشريعة على أن يصحب اكتشافه ببرهان يتقق فيه وجود المقتضي وتخلف المانع " (1) أ.هـ .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
(1) اليمامة العدد1752 / السبت 17صفر 1424هـ الموافق 19 إبرايل 2002م
هنا نرى كيف راعى الشيخ ابن عقيل الظاهرى المقاصد العامة للشريعة بالحفاظ على ظاهر النصوص وعموماتها ... ..
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-09-25 ||, 06:50 AM
المكرم السيد رضا
هذه المشاركات مذكورة بتمامها في ملتقى المذهب الظاهري، فما الفائدة بنقلها بتمامها هنا؟!.
فإن كان المراد من هذا النقل: الرد على الموضوع؛ فليس هذا محلّه!.
أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل *** ما هكذا تورد يا سعد الإبل
ولا يرتضي القائمون على الملتقى هذه الطريقة!.
بل سبيلنا في هذا الملتقى الرقي والجدة والأصالة؛ وقد ارتسم الملتقى جدية بادية؛ وشق مضماراً واضحاً مع التعامل في طريقة العرض والرد؛ وكان بإمكانك الرد على المقال بكل جدية وأدبية؛ بالإتيان على كل فقراته واحدة تلو الأخرى مما ترى تعقبها أو نقضها.

أمَّا هذه الطريقة بنسخ مقال كامل ولصقه فما هي بطرائق المجيدين للعلم، الأوفياء لأبجدياته.
قد نمرُّها في أضيق الحدود كموضوع ناشئ مستقل؛ أما أن تكون مداخلة تعبر عن رأي يرفض موضوعاً أو جزئيات فيه فلا!!.
هذا وأنت القائل:

أعتقد أنه ربما من الأفضل أن يضيف كلٌ ما يعلمه ثم التلخيص بعد الانتهاءألم يكن المقام هنا مقام استدراك؛ وتعقيب؟!.


كما أن في هذه الطريقة وتكرارها ممن يكتب في ملتقى أهل الظاهر بملتقانا إساءة مضمنة -لا نرتضيها لأهل الظاهر- بالإيحاء بالضعف أو التهرب عن نقد ذات الموضوع، والارتماء لسياسة نقل المطولات، وإرهاق المقابل عن المواصلة؛ بتشعيب الأمر، وتوسيع الهوة!!.
ولو شئنا لسرنا على هذه السياسة والنسق بنسخ ملتقى أهل الظاهر بتمامه ولصقه هنا للتكثر والامتلاء!!.
وما هذه لنا بطريقة، ولا سنة مطَّردة.
وهذا التطويل في مواضيع ملتقى المذهب الظاهري باتت سمة بارزة؛ تمل القارئ، وتجعله يعزف عن مواصلة القراءة.
وهذا ما لا نحبذه؛ ليسير ملتقى أهل الظاهر، بل نريده على نسق يتسق مع بقية الأقسام، بلا تمايز بينها.
كما أن مورد أهل الظاهر عذب فرات من الوحيين؛ فلمتسائل أن يقول: ما بال هذا التطويل والتكثير؟!.
فإن قيل: لأجل المخالف!.
فنقول إذن: اذكر مخالفة من خالفك مفردة لوحدها وَأَبن عوارها كما تراه في ذات السياق المتصل!!.
ألا إن هذه الطريقة -التي يُسار عليها!!- حرمت ملتقى أهل الظاهر من ملخصات سريعة يستفيد منها القارئ، أو فوائد مليحة لا ترهق ناظراً، أو تعيق مطالعاً، إلا ما كان من مشاركات أخينا الفاضل: دكتور عبدالباقى السيد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد ) فقد أتحف الملتقى الظاهري بمشاركات بادية الجدة -في قصر يملؤه الكِبَرُ- نحمده عليها، ونستزيده منها.
وهكذا فلتكن المشاركات، أو على بابتها، أو فلتقاربها ...
ومشاركتي هذه هنا؛ لتقويم عوج ظاهر، وتعديل سلوك بارز في منهجية غير محببة.

كما ان هذه الملاحظ جديرةٌ بأن تسمَّر في ملتقى المذهب الظاهري لكل من يكتب بمثل هذه الطريقة!!، التي ستخرج الملتقى حتماً -بعد طول مشاركات- عما أريد به من خلال: رسالته، وميثاقه، وسياسته ...


آملاً أن تكون هذه المداخلة محلاً للنظر الذي يعقبه العمل؛ لا للمناقشة والتطويل الذي لا معنى له في ظل سياسة مرسومة للملتقى!، من شأنها انضباط سيره!، واتساق مسيرته!.



والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل ...
وكتبه المشرف العام
عبدالحميد الكراني

د. بدر بن إبراهيم المهوس
09-09-25 ||, 09:20 PM
الشيخ الكريم عبد الحميد بارك الله فيكم
حقيقة قلت ما كان في نفسي فإني أرى بعض إخواننا المنتسبين للمذهب الظاهري قد بالغوا في طرح آرائهم ، والتشنيع على المذاهب الأخرى ، والشدة والغلظة في الرد ، والتعرض لكثير من العلماء ولمزهم ، وليس هذا شان طلاب العلم الفضلاء ، وليست القناعة بالآراء والاختيارات تؤخذ بالقوة والعنف وسلاطة اللسان ، وإنما هو الدليل ، وليس فهمك للدليل هو الدليل حتى تلزم الناس به وتزنهم بميزانه ، وإلا لما وقع الخلاف بين فضلاء الصحابة وعلماء الأمة الذين شهدت الأمة لهم بالفضل والعلم ، فالرفق الرفق والهدوء الهدوء في الطرح والمناظرة ، وليعلم الظاهرية وغيرهم أن المذاهب الأربعة قد أجمعت الأمة على قبولها وقد وضعت جذورها العميقة في علوم الشريعة ، فلا الظاهرية ولا غيرهم يستطيع انتزاعها او إزالتها ، وحظ المذاهب الأربعة من النصوص والاتباع في الجملة أعظم من حظ الظاهرية بلا شك .

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-09-28 ||, 04:31 AM
بارك الله فيكم ...وحجج الموضوع من المشهورات أو الخطابيات...


وللعلامة المغربي الكبير (مولود السريري) كتاب في قانون تأويل النصوص بين الظاهرية و"المقاصدية" , وفي الكتاب فرائد جليلة : وإن كان قد حمل على المنهج الظاهري...


وقيمة المعلومات لا تقاس بمقدار الموافقة والمخالفة كما أحسب فإنهما أمران إضافيان ..

عبدالباقى بن السيد بن عبدالهادى
09-10-17 ||, 07:51 PM
بارك الله فى الإخوة جميعا وأخص بالذكر الاخ الحبيب المشرف العام على نهجه النازع إلى التجديد والاجتهاد ، وشكر الله لك اخى الحبيب طالب هدى على تاييد هذا النهج ولكن لى وقفات سريعة مع ما تفضلت بطرحه :
أولا : أنه ما من مذهب إلا وترى فيه أخى الحبيب التعصب والتطاول وسلاطة اللسان والشدة والغلظة فى الاقوال ، وانظر يارعاك الله إلى ما قاله ابن العربى المالكى فى ابن حزم وفى داود وفى الشافعى وفى غيرهم خرج عن طور الرحمة التى من المفترض ان يتعامل بها اهل العلم كما قال الشافعى رضى الله عنه " العلم رحم بين أهله" .
كما أن ابن سهل الجيانى المالكى أيضا تحدث عن ابن حزم حديثا لايمكن ان يصدر من مسلم فى مسلم حيث كفره وزندقه ونسبه إلا الإلحاد فى كتابه " التنبيه على شذوذ ابن حزم" .
ولكن بالرغم مما قاله ابن العربى وابن سهل فليس لنا ان نسبهما نحن رغم التطاول الفادح الذى صدر منهما.
وليس الامر قاصرا على هذين فحسب بل من المالكية من صدر عنه ابشع من ذلك بشان النصوص ومن يدعو للنصوص حتى ان بعضهم لما قدم بقى ابن مخلد بكتب السنة وفيها مصنف ابن أبى شيبة قال هذا المالكى المتعصب " لأن أضع فى تابوتى راس خنزير احب غلى من أن أضع مصنف ابن أبى شيبة" فهل هذا قول يرضى الله ورسوله والمؤمنين ؟.
هل هذا التعصب يرضى اهل التجديد والاجتهاد؟
هل مثل هذه الاقوال وما شابهها يمكن ان نقول عنها أنها من جملة ما تلقته الامة بالقبول؟
وم ثم أخى الحبيب إن كان وقع خطا أو شدة من بعض الإخوة من اهل الظاهر فى زماننا فنحاول ان نثنيهم عن ذلك برفق ولين .
فعذرهم ان من هو أعلى كعبا منهم مثل ابن العربى وابن سهل والجوينى وغيرهم بداوا بالغارة وصوبوا السهام تجاه الظاهرية وتجاه غير الظاهرية والنفوس متغايرة ، وليس كل واحد منا فى نفس طاقة الآخر او على نفس شاكلته .
اضف غلى ذلك انك تجد كل السهام فى زماننا هذا مصوبة غلى الظاهرية واهل الظاهر من قبل ما لا علم له اصلا حتى ان بعضهم - ممن زعم انه سلفى او وهابى او ما شابه ذلك من الألفاظ التى يبرا السلف والشيخ محمد بن عبدالوهاب منها بسبب افعالهم الى لا تمت لا للسلف ولا اهل العلم اصلا بشىء- رمانى بالبدعة ونسبنى إلى الضلالة ، ورفع اسمى من اهل السنة والجماعة على حد زعمه ، ونسب الظاهرية كلها من لدن داود إلى يومنا هذا إلى الضلالة والبدعة والفساد .
ترى إزاء هذا الجو الذى نحيا فيه وتتكرر هذه الحادثة مرارا ماذا يفعل اهل الظاهر خاصة من كان منهم فى تكوينه عصبى المزاج ؟
ثانيا : أن مسالة الخلاف اخى الحبيب امر واقع ومحال ان يزول اصلا ، ولكن حسبنا ان نرد الخلاف إلى النصوص حسب ما امرنا ربنا جلال وعلا .
ولكن للاسف إن وقع حديث بشان الخلاف تجد بعض الإخوة من غير الظاهرية يردون الخلاف إلى خلاف ، والتنازع إلا تنازع.
فإن حادثتهم لماذا لا ترد النزاع إلى الكتاب والسنة يقول لك " رددت إلى العلماء الذين فهموا الكتاب والسنة" .
عندئذ يقف المرء متحيرا ويتساءل هل لهذا الفهم من اصل إلا التقليد؟
وهل الأئمة الاربعة ومن تلاهم دعوا لذلك؟
أم أنهم كانوا يقولون " لا تعمل بقولنا حتى تعلم من اين جئنا به"
ويقلون " إن صح الحديث فهو مذهبنا"
ويقولون " كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا محمد صلى الله عليه وسلم"
ويقولون " لا تقل بقول فلان ولا فلان وخذ من حيث اخذوا"
هذا ما تعلمناه وفهمناه على ان يكون الاصل للدليل وليس لغيره.
اقول لكن للاسف اخى الحبيب كان هناك استنفار من قبل المنتسبين لغير الظاهرية تجاه الظاهرية ، وهو الامر الذى دعا بعض الاصحاب إلى هذه الشدة وهذا العنف ، مع انهم يعلم الله انه ألين للناس من لينهم من اهلهم وذويهم.
ثالثا: ان اهل الظاهر فى زماننا هذا اخى الحبيب ليس فيهم إلا قلة قليلة من اصحاب المزاج العصبى بل قل إنهم يعدون على اصابع اليد الواحدة غن لم يكونوا اقل ن ومن ثم خشيت من البعضية التى استخدمتها ان يظن البعض كما استقر فى اذهان الكثير انها تشير إلى كثرة كاثرة بالنسبة لتعداد اهل الظاهر فى زماننا هذا .
الأمر الذى داعنى للتنبيه إلى ذلك ليس إلا .
رابعا : أن قولك اخى الحبيب "وليعلم الظاهرية وغيرهم أن المذاهب الأربعة قد أجمعت الأمة على قبولها وقد وضعت جذورها العميقة في علوم الشريعة ، فلا الظاهرية ولا غيرهم يستطيع انتزاعها او إزالتها ، وحظ المذاهب الأربعة من النصوص والاتباع في الجملة أعظم من حظ الظاهرية بلا شك " يحمل حقا وتعصبا وخطا فى آن واحد.
اما الحق فهو ان المذاهب الاربعة وضعت جذورها العميقة فى علوم الشريعة ، وأن حظها أعظم من حظ الظاهرية.
وأما النبرة التى فيها التعصب فقولك "فلا الظاهرية ولا غيرهم يستطيع انتزاعها او إزالتها".
واما الخطا ففى قولك "وليعلم الظاهرية وغيرهم أن المذاهب الأربعة قد أجمعت الأمة على قبولها" فهذا قول لا يسلم به ابدا لأمور:
الأول : أن القبول من الأمة لا يكون إلا على امر كله صواب ، وانت تعرف انه ما من مذهب إلا وفيه من الهنات والزلات ما فيه.
الثانى: اين هذا الاتفاق من الامة !!!!
وهل الاتفاق جاء من كل العلماء ام من بعضهم؟
وهل إن قلنا بالاتفاق بشان الائمة الاربعة نكون بذلك مخالفين لما كان عليه الائمة الاربعة ، إذ إن فى ذلك دعوة للتقليد ، والأئمة نهوا عن التقليد جملة وعن تقليدهم خاصة ، وقد صنف الشوكانى رسالة مفردة بخصوص هذا الشان فلتراجع .
الثالث: أن وجود المذاهب الاربعة ووجود اتباع كثر لهم لا يعنى ان الأمة قد تلقتهم بالقبول . إذ إن هناك من الأئمة الأعلام من أهل الاجتهاد من بز وظهر وصار له شان ربما اعلى من بعض الائمة .
وغن كان فقههم قد اندثر من الاتباع فاقوالهم لا زالت مبثوثة فى بطون الكتب ، ولها وجاهتها ن ولقيت ولا تزال تلقى القبول من الامة.
وفقنى الله وإياك أخى الحبيب لكل خير ، وجعلنى الله وإياك من الباحثين عن الحق حيث كان .

د. بدر بن إبراهيم المهوس
09-10-18 ||, 03:29 PM
الشيخ الدكتور عبد الباقي وفقكم الله وجزيتم خيراً على هذا الطرح الموفق بإذن الله .
الأمر كما قلتم - بارك الله فيكم - قد وجد من يخرج عن حد الإنصاف إلى الظلم والجور والبغي ، وقد أمرنا بأن نقول الصدق والعدل بعلم ، والمؤمن العاقل هو من يعد للوقوف بين يدي الله العدة ، ويعرف أنه مسؤول عن منطقه ، ويعف لسانه عما لا فائدة فيه ، ويعرف رتب المسائل الشرعية ، ويعطيها حقها بوزان الشرع ، ويعرف ما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ ، ويزن ذلك كله بميزان الشرع والعقل ، ويعرف المصالح والمفاسد من كلامه وما ينتج عنه ، وأن لا يرفع نفسه فوق منزلتها ، وأن يخضع لرأي أهل العلم ونصحهم ويأخذ بمشورتهم ويستأنس بموافقتهم ، إن مالك بن أنس - رحمه الله - إمام دار الهجرة وعالم المدينة قد ألف كتابه الموطأ الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله وقبل خروج الصحيحين لم يخرجه مالك حتى عرضه على أئمة عصره فواطأوه عليه ، وهو من هو علماً وعقلاً وفهماً وتقوىً وصلاحاً وحرصاً على السنة ، علماً أن جل الموطأ حديث أو أثر وكلامه فيه أقل بكثير من المنقول ، وهذا يعطينا درساً باتهام أنفسنا بالنقص في العلم والفهم ، ويدعونا للتروي وعدم العجلة ، وكل هذا حقيقة يرجع إلى أمرين :
أحدهما تقوى الله عز وجل .
والثاني العلم النافع الذي ينير للمرء ويبين له الحق من الباطل .
إن ردود الفعل لا تنتهي عند من يجري خلفها ويسلم عقله ولسانه لها ، ولا زالت الأمة منذ بدأ الخلاف في العصور المتقدمة منها تتفرق بسبب ردود الفعل ، فما من طائفة خرجت عن الحق إلا وخرج بسبب خروجها طائفة أخرى مخالفةً على الطرف الآخر، وغالباً ما تكون هذه الردود تعود إما إلى هوى خفي لا يدركه كثير منهم ، وإما إلى الجهل ، وإما إلى خفة العقل وقلة الفهم ، وإما إلى حدة في المزاج والطبع ، ونحن نرى دوماً في حياتنا أن هناك من البشر من يكون حدياً في تصرفاته في أمور دينه ودنياه فهو حيث تبنى رأياً أو فكراً أو قضية تجده يأخذ أقصى الشمال وحيث تغير فكره عنها ينتقل لأقصى اليمين فلا وسط ولا اتزان .