المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثلاثة مباحث في "المعارضة"



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-04-23 ||, 06:20 PM
هذه ثلاثة مباحث في "المعارضة":
المبحث الأول: ملخص في بحث "المعارضة" من كتاب "علم الجذل" للطوفي.
المبحث الثاني: في الفرق بين بحثها في كتب الأصول وبين بحثها في كتب آداب البحث والمناظرة.
المبحث الثالث: في انقلاب المعترض مستدلا، والمستدل معترضاً.


المبحث الأول: ملخص في بحث "المعارضة" من كتاب "علم الجذل" للطوفي:
المعارضة: هي المقابلة على جهة المدافعة.


وهي ضربان:
أحدهما: في الأصل.
والثاني: في الفرع.


والمعارضة بالأصل على قسمين:
القسم الأول: المعارضة بإبداء وصف زائد في الأصل على علة المستدل.
القسم الثاني: المعارضة بعلة أخرى مستقلة في الأصل.


أما الأول: وهو المعارضة بإبداء وصف زائد في الأصل على علة المستدل.
فجوابه: بإلغاء ذلك الوصف:
1- إما ببيان كونه طردياً لا يناسب حكمه.
2- أو ببيان ثبوت الحكم في صورة أخرى بدونه.


أما الثاني: وهو المعارضة بعلة أخرى مستقلة في الأصل:
فمَنْ أجاز تعليل الحكم بعلتين: لم يقبل هذه المعارضة لجواز ثبوت الحكم في الأصل بهما، وذلك لا يمنع تعدي إحداهما إلى محل النزاع.
ومَنْ مَنَعَ تعليل الحكم بعلتين: قبل هذه المعارضة؛ لأن الحكم إذن ثابت في الأصل بعلة واحدة، وليس إحدى العلتين أولى بالاعتبار مِن الأخرى .


فيحتاج المستدل إلى الجواب:
1) إما ببيان علة مؤثرة بنص أو إيماء نص.
2) أو بضرب من الترجيح العقلي المصلحي.


الضرب الثاني: المعارضة في الفرع بما يمنع ثبوت الحكم من نص أو قياس:
والجواب عن هذه المعارضة:
بكل ما يرد على مثلها من جانب المستدل:
فيقول في الخبر مثلاً: لا نسلِّم صحته.
ثم: لا نسلِّم دلالته.
أو: نرجحه عليه.


المبحث الثاني: في الفرق بين بحثها في كتب الأصول وبين بحثها في كتب آداب البحث والمناظرة:
يشترك مبحث "المعارضة" ومبحث "القلب" في فن الأصول وفن آداب البحث والمناظرة في أمرين اثنين:
الأول: أن كليهما يبحث فيهما القلب على أنه نوعٌ مِنْ أنواع المعارضة، فالقلب كما يعبر الطوفي "معارضة خاصة"، وكذا جعله الشنقيطي في آداب البحث بأنه أحد أقسامه([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
الأمر الثاني فيما يشتركان فيه: هو في تفسير القلب، بما يدل عند الجميع على أنه هو قلب عين دليل المستدل عليه.

ويبقى الفرق بينهما من جهة واحدة وهي:
في تفسير المعارضة: فثمة تباين متسعٌ في تعريف المعارضة بين كتب الأصول وبين كتب آداب البحث والمناظرة:
ففي الكتاب الأصولي "الإبهاج شرح المنهاج للسبكي"([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)) نجده يعرف "المعارضة" بأنها: "تسليم دليل الخصم، وإقامة دليل آخر على خلافه".
وبناء على هذا الحد: فإن "المعارضة" تكون شيئا أعم مِنْ "القلب"، وعلى هذا مشى الطوفي في "علم الجذل"، ففسرها بأنها المقابلة على جهة المدافعة، وقل مثل ذلك في شرحه على مختصر الروضة.
وقد ذكروا في أنواعها: ما لا يتفق مع القلب كإبداء وصف مستقل أو زائد على علة المستدل أو المعارضة في الفرع بما يمنع ثبوت الحكم.
كما أن القلب قد تميز عليه ببعض الخصائص: غير أن حقيقة المعارضة واقعة فيه، فكل قلب معارضة، وليس كل معارضة قلباً.([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))
وفي المقابل:
فقد عرفه الشنقيطي "المعارضة" في "آداب البحث والمناظرة([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) " بأنها:
"إقامة الخصم الدليل المنتج نقيض الدعوى التي استدل عليها خصمه وأثبتها بدليله أو المنتج أو ما يساوي نقيضها أو ما هو أخص من نقيضها"،
ثم يجعلون من أنواع هذه المعارضة:
" المعارَضة على سبيل القَلْب، فهو معارضة دليل المُعَلِّل بعينِ دليله.
وإيضاحه أنْ يقولَ له: دليلك هذا ينتج نقيض دعواك، فهو حجة عليك لا لك، وسُمِّيت معارضة بالقَلْب: لأنه قَلَبَ عليه دليله بعينه حجةً عليه لا له. ([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))



المبحث الثالث: في انقلاب المعترض مستدلا، والمستدل معترضاً:
يقول الطوفي في شرح مختصر الروضة:
"في المعارضة في الفرع ينقلب المعترض مستدلا على إثبات المعارضة ، والمستدل معترضا عليها بما أمكن من الأسئلة.
وذلك لأن المعارضة هي المقابلة على جهة ، والممانعان كل واحد منهما مانع لمقصود خصمه ، مثبت لمقصوده هو ، فإذا للمعارضة جهتان :
إحداهما: جهة منع مقصود المستدل فيحتاج المعترض فيها إلى تقدير ذلك المنع بالدليل...
الجهة الثانية للمعارضة: إثبات مطلوب المعترض كما ذكر .
فهو من الجهة الأولى مانع ، ومن هذه الجهة مستدل ، فبالضرورة يحتاج المستدل إلى أن ينقلب معترضا على استدلال المعترض ، ليسلم له دليله ، فيعترض عليه بما أمكن من الأسئلة الواردة على النص ، أو القياس مما سبق...
وأصل ذلك : أن المعارضة بالنسبة إلى المستدل كالدليل الابتدائي بالنسبة إلى المعترض ، وكل واحد منهما يصير مستدلا معترضا من جهتين ، كما أن المختلفين في قدر الثمن ونحوه ، كل واحد منهما مدع منكر من جهتين .
وقد زعم قوم: أن المعارضة لا تقبل ، لأنها بناء من المعترض ، إذ هي تقرير دليل في حكم المستأنف ، ووظيفة المعترض أن يكون هادما لما يذكره المستدل ، فلا يصح منه خلاف وظيفته ، كما لو غصب المستدل منصبه في الاستدلال.
والصحيح: أنها سؤال مقبول ، لأنها وإن كانت بناء فهي بناء بالعرض ، وهي بالذات هدم لما بناه المستدل ، وهو المقصود منها ، فأشبهت المنع ، والله تعالى أعلم بالصواب ."([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))



([1]) شرح مختصر الروضة (3 / 522)، آداب البحث والمناظرة (2/71، 75)،
([2]) (3/131)
([3]) شرح مختصر الروضة - (3 / 522)
([4]) (2/71)
([5]) وينظر: شرح مختصر الروضة (3/523، 519)، المسودة في أصول الفقه لآل تيمية (2/815)، آداب البحث والمناظرة (2/71، 75)،
([6])شرح مختصر الروضة (3 / 544، 545، 546).