المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الآمدي من القائلين بحجية مفهوم المخالفة ؟



عادل عبدالرحيم العوضي
09-04-23 ||, 10:39 PM
لأني قرأت في كتاب منهج المتكلمين في الأحكام الشرعية من أنه من القائلين بعدم حجية مفهوم المخالفة ؟

إلا أنني عندما قرأت على عجلة في كتاب ( الإحكام ) رايت خلاف ذلك

فأرجو التوضيح

د. بدر بن إبراهيم المهوس
09-04-25 ||, 01:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
أخي الكريم العوضي وفقني الله وإياك لكل خير
الآمدي ممن يرى عدم حجية مفهوم المخالفة بجميع أنواعه وقد ذكر أنواع مفهوم المخالفة وجعل لكل نوع مسألة مفردة ورجح في الجميع عدم الحجية وهو قول الحنفية وابن حزم ، واكتفى الجويني بمفهوم الصفة ومفهوم الغاية فقط دون بقية المفاهيم .
ونفى الباقلاني وابن سريج والغزالي والفخر الرازي والباجي الاحتجاج بمفهوم الصفة ، ونفى الباقلاني ايضا الاحتجاج بمفهوم الشرط ومفهوم الحصر .
ينظر :التلخيص في أصول الفقه للجويني ( 2 / 201 ) المستصفى ( 2 / 192 ) المحصول للرازي ( 2 / 136 ) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ( 3 / 78 - 110 ) إحكام الفصول للباجي ( ص 446 )

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-04-25 ||, 11:47 AM
بارك الله فيكم فائدة طيبة
وبالمناسبة ابن حزم رحمه الله يلزم أهل الرأي بالأخذ بالمفاهيم ، وهو محل استغراب إذ هما في موضع واحد من إنكار المفاهيم.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
09-04-25 ||, 09:27 PM
بارك الله فيكم شيخنا الكريم فؤاد
لا يخفاكم ان الإلزام لا علاقة له بتبني القول وإنما هو مرتبط بلوازم قول الخصم في أصوله وأقواله ، وابن حزم يرى أن دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة كالقياس وإن سمي بدليل الخطاب لا سيما أن من أنوع مفهوم المخالفة مفهوم العلة ومفهوم الصفة ومفهوم الشرط وهي من اقوى أنواع مفهوم المخالفة والحنفية من أوسع المذاهب في القياس والرأي .
ونظير ذلك أن ابن حزم ألزم الجمهور بالقول بمفهوم اللقب كبقية المفاهيم وهو لا يقول بمفهوم اللقب وذلك في معرض إنكاره لمفهوم المخالفة مطلقاً . ينظر : الإحكام ( 7 / 374 )

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-04-26 ||, 07:27 PM
فضيلة الشيخ الكريم: طالب هدى
جزاك الله عنا خير الجزاء، وقد استفدتُ منكم كثيرا...
وإيرادكم السابق دفعني إلى إعادة قراءة ما كتبته في المسألة وإلى قراءة مبحث دليل الخطاب من كتاب ابن حزم "الإحكام" مرتين متتاليتن: مرة سرداً ومرة بالتأني، وفي التأني السلامة.
وكنت أستشكل إلزامات ابن حزم على الحنفية في هذا الأصل، وجعلته محل تعجب في رسالتي في إلزامات ابن حزم.
ومع ما أوردتَه -مسددا - فقد نشطتُ إلى قراءة كلام ابن حزم بتمهل فكان هذا ما انتهيت إليه.
ولا أزال أطمع في أي استدراك أو تنبيه، فلا يزال الإنسان يقوم كتابته ويراجع أمره حتى يأذن الله بأمره.



بارك الله فيكم شيخنا الكريم فؤاد
لا يخفاكم ان الإلزام لا علاقة له بتبني القول وإنما هو مرتبط بلوازم قول الخصم في أصوله وأقواله ، وابن حزم يرى أن دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة كالقياس وإن سمي بدليل الخطاب
نعم، ولذا يسميه بـ "عكس القياس"، ولذا فهو ينقض أقوالهم في باب القياس بأقوالهم في دليل الخطاب، ويعكس عليهم هذا في باب دلالة الخطاب، فيبطل قولهم فيه بقولهم في القياس.
فالقياس بحسب ابن حزم يناقض المفاهيم، فالقياس إلحاق غير المذكور بالمذكور، ودليل الخطاب هو إخراج غير المذكور بالمذكور.
ومحالٌ في نص واحد أنْ يُعْتَبَرَ فيه الإلحاق والمخالفة لمعنىً واحد....
فكل ما احتجوا به للقياس فإنَّه أعظم حجة عليهم؛ لأنه ينعكس عليهم فيالقول بدليل الخطاب، وكل ما احتجوا به لدليل الخطاب فهو ينعكس عليهم في القول بالقياس.
ومن أقواله في هذا الباب:
"قال أبو محمد: وهذا ضد قولهم في القياس وإبطاله."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
وأيضاً:


"ونحن نسألهم من كلامهم فنقول لهم ما الفرق بينكم إذ قالت طائفة منكم إن ذكر السائمة يدل على أن غير السائمة بخلاف السائمة وقالت طائفة أخرى بل ذكر السائمة إلا على أن غير السائمة موافق لحكم السائمة ما الفرق بينكم وبين من عكس عليكم قولكم؟"([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))


وأيضاً:
"فنقول: إنْ كنتم إذا قضيتم بأنَّ المسكوت عنه بخلاف المذكور، فما قولكم لمن قال لكم: بل ما المسكوت عنه ههنا إلا في حكم المذكور قياسا عليه ؟ "
قلت:
وهذا الإلزام مِن ابن حزم / صحيحٌ غير أنه نازل على مَنْ وسَّع دائرةَ القياس حتى أشركه في أنواع مِنْ دليل الخطاب، أو العكس، لكننا إنْ قصرنا دليل الخطاب على المعنى الذي حدَّدَه المحقِّقون، وهو " أنْ لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه"([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)) ، وقصرنا القياسَ على نوعين، ذَكَرَ ابنُ تيمية أنهما هما النوعان الصحيحان مِنْ أنواع القياس: الأول هو ألا يُعلم فارق بين الفرع والأصل، والثاني هو أنْ يحكم النصُّ لمعنى مِن المعاني."([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))
فهذان النوعان مِن القياس: يفارقان المعنى المحدَّد مِنْ دليل الخطاب، وهو "أنْ لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه"([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)) ، وبه يزول تشنيع ابن حزم، ونحيله على مَنْ أسرف في استعمال الدليلين: القياس، أو دليل الخطاب، فداخل بينهما.



وهذه جملة من النتائج التي سجلتها في دراستي لإلزامات ابن حزم:



55- أنكر ابن حزم القياس جملة وتفصيلا؛ فهو عنده أمرٌ زائد على النص، فلم يعتدَّ به في التشريع لا ابتداء، ولا حتى اقترانا، ولا يكون حقَّاً أبدا، ودعَّم هذا أصْلُه في إنكار الحكمة والتعليل .



56- انضبطَ ابنُ حزم في إنكار القياس، فهو ينكره كله: ما كان منه مِثْلِيَّاً قام على قياس العلة، أو أَوَّلِيَّاً، كما أنكر ابن حزم المفاهيم برمتها؛ لأنها عنده نوع مِن القياس، وتعدَّى إنكاره للقياس ليشمل كل ما يَمُتُّ للقياس بصلة؛ فأنكر القياسَ اللغوي وعِلَلَه، وأنَّ ما ثَمَّ سوى المسموع إما عن العرب، وإما عن الشرع، منطلقا من قوله: إنَّ اللغة توقيفية، ولم يقف ابن حزم حتى أنكر عللَ المحدثين.



57- أنكرَ ابنُ حزم المفاهيمَ كلَّها إلا ما أوجبته دلالة النص، أو ضرورة العقل والحس.



58- إنكار ابن حزم لمفهوم الموافقة وهو القياس الجلي كان منه مخالفة ًلأهلِ العلم قاطبةً حتى الظاهرية منهم على حَدِّ تقرير بعض أهل العلم وإن كان ابن حزم ينازع في خلافه للظاهرية في هذه المسألة، فهو ينسب إليهم إنكاره بل ويسوق أدلتهم في ذلك.



59- وافق ابنُ حزم الحنفية في إنكاره لمفهوم المخالفة، ولذا فإنَّ إلزاماته للحنفية في هذا الباب هي محل استغراب.



60- مأخذ ابن حزم في عدم اعتداده بالمفاهيم هو أصلُه وأصلُ أهل الظاهِر: أنَّ اللفظ لا يعطيك إلا ما ذُكِرَ فيه، فحسب، إلا أنْ يُعَيِّنَ ذلك ضرورة.



61- ابن حزم يعتبر المفاهيمَ ضرباً مِن القياس ، ويسميه أحياناً بعكس القياس، فكلاهما إلحاق إلا أنَّ القياس إلحاق بالموافقة، والمفهوم إلحاق بالمخالفة، وهو إلزام صحيحٌ غير أنه نازل على مَنْ وسَّع دائرةَ القياس حتى أشركه في أنواع مِنْ دليل الخطاب، أو العكس.



----------


وتقول حفظكم الله:
ونظير ذلك أن ابن حزم ألزم الجمهور بالقول بمفهوم اللقب كبقية المفاهيم وهو لا يقول بمفهوم اللقب وذلك في معرض إنكاره لمفهوم المخالفة مطلقاً . ينظر : الإحكام ( 7 / 374 )


نعم، الأمر كما ذكرتم وتفضلتم، وإن لم أكن متفطنا لهذا الأمر، وقد سجلت على ابن حزم أنه لم يضبط مذهب الجمهور كما ينبغي، وأخذت عليه مؤاخذته على الجمهور في عدم الأخذ بجملة من المفاهيم اللقبية، وهي ليست بحجة لديهم.
لكن كانت إلزامات ابن حزم للحنفية في المفاهيم على أساس أنها أصلٌ لهم قد تركوه في مواضع
لا على مجرد أنهالازمٌ لقولهم في القياس، وهذا واضح في تفاصيل ردوده عليهم في دليل الخطاب.
فالإلزام يقع تارة على أصل المخالف الذي لم يلتزمه.
ويقع تارة علىلوازم المخالف التي وإن كان ينفيها إلا أنها لازمة لقوله.
وإلزامات ابن حزم للحنفية في "دليل الخطاب" بالأساس هي من الأول لا من الثاني.

ويبدو أن ابن حزم لم يحرر مذهب أبي حنيفة في هذا الباب:
ولذا فإنه لما ساق أقوال المنكرين لدليل الخطاب لم يذكر منهم الحنفية مع أنه ذكر أسماء المنكرين للدليل، وذكرهم ذكراً مفصلا فهم جمهور أصحابه الظاهريين، وهم طوائف من الشافعيين منهم أبو العباس بن سريج، وهم أيضاً طوائف من المالكيين ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))
ولم يشر من بين هؤلاء إلى الحنفية، مع أن القول بإنكار المفاهيم لا يكاد ينسب إلا إلى الحنفية، وقد اعتبروه من المسالك الفاسدة ويسمونه بـ "المخصوص بالذكر"

وإنما ذكر ابنُ حزم الحنفية:
في ضمن جماعة من المالكية والشافعية تحيروا في التناقض الواقع في الأخذ بدليل الخطاب فجعلوه على مراتب منه ومنه المردود.
على أن الموضع الذي أحلتني إليه، قد يظن أن فيه إشارة إلى إدراك ابن حزم لموافقة الحنفية له في أصل إنكار دليل الخطاب فإنه قال:
"ونحن وإن وافقنا أبا حنيفة في بعض قوله ههنا فلسنا ننكر اتفاقنا مع خصومنا في هذه المسائل وقد يجتمع المصيب والمخطىء في طريقهما الذي يطلبانه أحدهما بالجد والبحث والعلم بيقين ما يطلب والثاني بالجد والبحث والاتفاق([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))


ولكن بمراجعة سياق ابن حزم لهذه المسألة:
تبين أنه لا يريد موافقة الحنفية له في إنكار دليل الخطاب،
وإنما يريد ابن حزم موافقة الحنفية له في مسألتين اثنتين لم يأخذوا فيها بدليل الخطاب، وهي :
1- الزكاة من غير السائمة.
2- نكاح الأمة المؤمنة لواجد طول الحرة المؤمنة.
فذكر ابن حزم بعد ذلك العبارة السابقة التي تفيد أنه وافق أبا حنيفة في بعض قوله، بعد بيانه أن المالكية نقضوا أصلهم في دليل الخطاب في هاتين المسألتين.


يدل على هذا قوله في موضع آخر في نفس هذه المسألة:
" وأجاز أبو حنيفة وأصحابه: نكاح المسلمة والكتابية لواجد طول لحرة مسلمة وإن لم يخش العنت إذا لم تكن عنده حرة فيؤخذ من قول كل واجد ما أصاب فيه..."


ولعل ابن حزم من خلال ما سبق ومن خلال الممارسة التطبيقية لإلزاماته في هذا الباب:
يعتبر الحنفية من بين المتناقضين في اعتبار دليل الخطاب، فيتعبرونه مرة ويدعونه أخرى، وأنهم في جملة من "لعبوا في هذا المكان بالخطاب كما يلعب بالمخراق فمرة حكموا لغير المنصوص بأن المنصوص يدل على أن حكمه كحكمه ومرة حكموا بأن المنصوص يدل على أن حكمه ليس كحكمه فليت شعري...([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))
"وأوجبوه ينتقل كانتقال الكرة في اللعب"([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9))
ومن أقوال ابن حزم فيمن سلك هذا السبيل:
"فأين احتجاجهم بدليل الخطاب ولكن غرض القوم إقامة الشغب في المسألة التي هم فيها فقط ولا يبالون أن ينقضوا على أنفسهم ألف مسألة بما يريدون به تأييد هذه حتى إذا صاروا إلى غيرها لم يبالوا بإبطال ما صححوا به هذه التي انقضى الكلام فيها في نصرهم للتي صاروا إليها فهم دأبا ينقضون ما أبرموا ويصححون ما أبطلوا ويبطلون ما صححوا فصح أن أقوالهم من عند غير الله عز و جل لكثرة ما فيها من الاختلاف والتفاسد وإنما هم قوم توغلوا فانتسبوا في التقليد لأقوال فاسدة يهدم بعضها بعضا فألفوها ألفة كل ذي دين لدين أبيه ودين من نشأ معه فلا يبالون بما قالوا في إرادتهم نصر ما لم ينصره الله تعالى من تلك المذاهب الفاسدة."([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10) )

يؤكد هذا:
أنه قد ذكر الحنفيين مع الشافعيين في اعتبار دلالة المفهوم من قوله عليه الصلاة والسلام: "
في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة"([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11) )
تفريعاً على من جعل المفاهيم على مراتب، منها ما يقبل، ومنها ما لا يقبل.
يقول في ذلك:
" ومثلوا القسم الثاني بأمثلة اضطربوا فيها فقال الشافعيون والحنفيون:
من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة قالوا فدل ذلك على أن ما عدا السائمة لا زكاة فيها وأنها ليست بمنزلة السائمة."([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12) )
وقال أيضاً في موضع آخر:
والعجب من الحنفيين:
في منعهم الزكاة عن غير السائمة بذكره صلى الله عليه و سلم السائمة في حديث أنس وإباحتهم ههنا نكاح الأمة المسلمة لمن وجد طولا لحرة مسلمة فهلا سألوا أنفسهم عن الفائدة في ذكره تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح لمحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ولله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ولله غفور رحيم }
كما سألوا هناك عن الفائدة في ذكر السائمة ولكن هكذا يكون من اتبع رأيه وقياسه وهواه المضل ."([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13) )


ومن أمثلة ابن حزم على ترك الحنفية لدليل الخطاب:
" وقالوا قوله صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالنيات دليل على أن لا عمل إلا بنية وأن ما عمل بغير نية باطل....
والعجب ممن احتج بهذا الحديث من أصحاب القياس وهم أترك الناس له:
فأما الحنفيون:
فينبغي لهم التقنع عند ذكر هذا الحديث والاحتجاج به فإنهم يجيزون تأدية صيام الفرض بلا نية أصلا بل بنية الفطر وتأدية فرض الوضوء بغير نية الوضوء لكن بنية التبرد....
فأما الحنفيون: فقالوا من أحرم وحج ينوي التطوع أجزأه ذلك عن حج الإسلام... فأبطلوا احتجاجهم بالحديث المذكور وأكذبوا قولهم في دليل الخطاب وأوجبوا جواز أعمال بلا نية حيث أبطلها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم وأبطلوا صيام الولي عن الولي والحج عن الميت وأداء ديون الله تعالى عنه وقد أوجبها الله تعالى
واحتجوا أن لا عمل إلا بنية العامل ولا نية للمعمول عنه في ذلك فاستدركوا على ربهم ما لم يستدركوه على أنفسهم وهذا غاية الخذلان."([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14) )
وهذا يدل بوضوح: أن استدراكه على الحنفية إنما هو من باب تناقضهم في اعتبار دليل الخطاب لا من باب أنه لازم قولهم في القياس، ولو كان من باب أنه لازم قولهم في القياس لما صح الإلزام لأن لازم القياس هو الإلحاق لا المخالفة، والواقع هنا المخالفة، ووقعت عليها استطالة ابن حزم، وصرح فيها أنهم بهذا المثال قد أكذبوا قولهم في دليل الخطاب على حد تعبيره.


مثال آخر:
"واحتج الطحاوي في إسقاط الزكاة عما أصيب في أرض الخراج:
بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم منعت العراق قفيزها ودرهمها الحديث.
قال: فلو كان في أرض الخراج شيء غير الخراج لذكره صلى الله عليه و سلم
قال أبو محمد:
فيقال للطحاوي أرأيت إن قال لك قائل:
إن قوله صلى الله عليه و سلم فيما سقت السماء العشر دليل على أن لا خراج على شيء من الأرض لأنه لو كان فيها خراج لذكره في هذا الحديث فإن قال قد ذكر الخراج في الحديث الذي قدمنا آنفا قيل له وقد ذكر العشر ونصف العشر في الحديث الذي ذكر آنفا ."([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15) )


مثال آخر:
وقد ذهب بعضهم وهو أبو يوسف:
إلى المنع من صلاة الخوف على ما جاءت به الروايات ولقوله تعالى { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم لصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود لذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن لله أعد للكافرين عذابا مهينا }
قال: فدل ذلك على أنه صلى الله عليه و سلم إذا لم يكن فينا لم نصل كذلك..."([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16) )


مثال آخر:
وأما الحنفيون:
فحكموا في آيتي الشهادة المسكوت عنه بحكم المذكور فقبلوا النساء في الرجعة والطلاق والنكاح وفي آية التيمم فأوجبوا إلى المرفقين ولم يحكموا في رقب الظهار والقتل والكفارة للمسكوت عنه بحكم المذكور ولا حكموا لغير السائمة بحكم السائمة ففرقوا ههنا بين المسكوت عنه وبين المذكور فكل طائفة منهم تحكمت في دين الله بعقولها وتقليدها الفاسد بلا برهان
وقد قال أبو حنيفة:لا فرق بين الإبار وعدمه، فنسي قوله: لم يذكر ﷺ السائمة إلا لأنها بخلاف غير السائمة، ولولا ذلك لما كان في زكاة السائمة فائدة، وجعل ههنا ذكره عليه السلام الإبار لا لفائدة، وجعله كترك الإبار، فبان اضطراب هؤلاء القوم جملة.([17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17) )
قلت:
مع أنَّ مذهب أبي حنيفة في دليل الخطاب يتفق مع ابن حزم، فكلاهما على إنكاره إلا أنه ساغ إلزام ابن حزم له هنا مِنْ جهتين:
1- أنَّ الإمام أبي حنيفة رحمه الله قال بفهوم المخالفة في هذه المسألة حسب معطيات ابن حزم رحمه الله.
2- أنَّ ابنَ حزم إنما قصد مَنْ تناقض في اعتبار دليل الخطاب، فاعتبره مرة، ولم يعتبره مرة، وهذا يصح أنْ يقعَ فيه منكرو الدليل ومثبتوه.


تنبيهات:
التنبيه الأول: ابن حزم: وإنْ أنكر دليل الخطاب جملة، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أنه لا يعتبر كل ما أخذه الجمهور مِنْ مفاهيم المخالفة، لأنه قد يصح عنده المعنى الذي حصَّلوه عن طريق دليل الخطاب = مِنْ طريقٍ آخر.
مثال ذلك: ما تقدم في الترجمة العلمية مِنْ اعتباره الدليل، فإنَّ النص إذا اضطرَّه إلى معنى لا يصح إلا به، فإنه يأخذ به، ولو كان يلتقي مع الآخذين بالمفاهيم في النتيجة.([18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18) )


ومثال آخر لالتقاءه مع الآخذين بالمفاهيم: أنه إذا تمسَّك بعموم في النص، ثم خرج بعضه عن طريق منطوق نص مِن النصوص، فإنَّ مفهوم هذا النص يلتقي مع العموم الأول، فابن حزم يقول به مِنْ جهة العموم، وغيره يعتبره عن طريق دليل المخالفة([19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19) )، وقُلْ مثلَ هذا فيما إذا وافق مفهوم المخالفة براءةً أصلية أو استصحاباً أو أي معنىً وافق أصلا ظاهرياً.


التنبيه الثاني:لم يُحَرِّر ابن حزم موضع النزاع بينه وبين مخالفيه القائلين بدليل الخطاب مِنْ جهتين:
1- مِنْ جهة أنَّ مخالفيه لم يعتبروا كل المفاهيم، بل صَرَّحوا بإبطال بعضها، كمفهوم اللقب([20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20) ).
2- والجهة الأخرى أنَّ مخالفيه في ما اعتبروه مِنْ دليل الخطاب لم يقولوا به هكذا على إطلاقه، بل اشترطوا له من الشروط التي ضيَّقت المحل الذي اعتبروه من المفاهيم، وهي أيضاً تخرج غالب ما أورده ابن حزم عليهم، وخلاصة هذه الشروط هو قولهم: "ألا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه"، كأنْ لا يكونَ المنطوقُ خارجاً مخرج الغالب، أو تأكيدا، إلى غير ذلك مما ذكروا([21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21) )...
وعليه: فإنَّ كثيرا مما أورده ابن حزم على المحتجين بدليل الخطاب لم يستهدفهم.

التنبيه الثالث:كلام ابن حزم في هذا الباب – مع كل ما سبق– كلام رجل كبير، خبير بأقوال القوم قد تتبَّع اعتبارهم لهذا الأصل، فوجدهم لم يلتزموه؛ فهلا نفر مِنْ كل فرقة مِنْ هؤلاء طائفة ليراجعوا أصولهم بمثل هذا الاستقراء، مراجعةَ اعتبار هذه الأصول مِنْ أساسها، ومراجعةَ اطرادها، كل ذلك على سبيل البحث عن الحق وطلب انتظام الأصول، لا مجرَّد الجواب عما قيل في مذاهبهم.
فيحرِّرُ المالكي مثلاً مدى انضباط مذهبه في اعتبار دليل الخطاب، ويحرِّرُ الحنفي مدى انضباط مذهبه في إنكار دليل الخطاب.
وهذا بدوره يزيدنا إيمانا بعمق إلزامات ابن حزم، فإنها وإنْ نزلت على بعض الأدلة الصحيحة –كما هو الحال هنا – إلا أنها دلَّت على شيء مِنْ القصور الحاصل في استعمالها، والذي سمح بدوره لمثل هذه الاستطالة مِنْ ابن حزم.



([1]) المصدر السابق (7/922).



([2])الإحكام لابن حزم - (7 / 325




([3]) تلقيح الفهوم بالمنطوق والمفهوم (131).


([4]) مجموع فتاوى ابن تيمية (19/286).


([5]) تلقيح الفهوم بالمنطوق والمفهوم (131).


([6])الإحكام لابن حزم - (7 / 323).


([7])الإحكام لابن حزم - (7 / 347)


([8])الإحكام لابن حزم - (7 / 324)


([9])الإحكام لابن حزم - (7 / 335).


([10])الإحكام لابن حزم - (7 / 336)


([11]) الإحكام لابن حزم - (7 / 324)


([12])الإحكام لابن حزم - (7 / 324).


([13])الإحكام لابن حزم (7 / 347)


([14])الإحكام لابن حزم - (7 / 336، 337)


([15])الإحكام لابن حزم (7 / 342)


([16])الإحكام لابن حزم - (7 / 349).


([17]) الإحكام (7/905).


([18]) ينظر بتوسع: الدليل عند الظاهرية لنور الدين الخادمي (472).


([19]) الإحكام (7/898)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء لمصطفى الخن (176).


([20]) مفهوم اللقب: هو أنْ يُعَلَّقَ الحُكْمُ إما باسم جنس، كالتنصيص على الاشياء الستة بتحريم الربا، أو باسم عَلَم، كقول القائل: زيد قائم . الإحكام للآمدي (3 /95).


([21]) ينظر: البحر المحيط (4/17)، تلقيح الفهوم بالمنطوق والمفهوم (ص131).

د. بدر بن إبراهيم المهوس
09-04-27 ||, 08:16 PM
بارك الله فيكم شيخنا الكريم فؤاد بحث رائع مليء بالفوائد يحتاج إلى تكرار القراءة بتأني .
لكني أعقب سريعا على إلزام ابن حزم للحنفية وغيرهم في هذه المسألة وغيرها من المسائل وهو كثير جداً عند ابن حزم - رحمه الله - يستعمله لإسقاط أقوال غيره وبيان ضعفها ، وهي وإن سلمت أحيانا إلا أنها لا تسلم في جل المواضع ، وهذا بحث يطول لدراسة كل مسالة على حدة وبيان تخريجها ، وذلك أن تخريج المسائل الفروعية لا يلزم أن تتوافق مع بعض الأصول التي يقول بها صاحب المذهب او العالم الذي أفتى بتلك الفروع لإمكانية دخولها في أصول أخرى أو عدم إندراجها فيما رآه اصلا لعدم توفر الشروط او وجود مانع يمنع من تخريجها على ذلك الأصل فلا يعتبر ذلك من التناقض ، فكونه يرى حجية قول الصحابي مثلا ثم لا يقول بقول الصحابي في مسائل لا يعني تناقضه وأنه يرى حجية قول الصحابي ومع ذلك لا يقول بقوله في هذه المسألة لاحتمال أن قول الصحابي لم يصله أو أنه وصله بسند ضعيف او أنه معارض بما هو أقوى منه او غير ذلك وقل مثل ذلك في بقية الأصول .
وهذا قل من يتفطن له ولذلك نجد - كثيرا - من ينتقد العلماء والأئمة بمثل ذلك ويرى أنه من التناقض ولو سلك هذا المسلك في حق ابن حزم لوجد في أقواله من التناقض أضعاف ما وجد في المذاهب الأخرى .
تنبيه :
ابن حزم رحمه الله يرى أن كل حكم يثبت عن طريق المعنى فقط دون اللفظ طردا او عكسا هو من قبيل القياس ولذلك فمفهوم الموافقة عنده قياس طرد ومفهوم المخالفة قياس عكس لأن قياس العكس إثبات حكم للفرع نقيض حكم الأصل لاشتماله على علة نقيض علة الأصل لكنه عند الجمهور من قبيل اللفظ لا القياس وعند ابن حزم من قبيل المعنى لا اللفظ ولذلك هو ينكر أن يكون مفهوم المخالفة معمول به في اللغة ويخطيء الإمام الشافعي رحمه الله في ذلك والشافعي رحمه الله خالف ابن حزم في دلالة مفهوم المخالفة أنه دلالة لفظية وإن كان وافقه في مفهوم الموافقة أنه دلالة قياسية ، أما ابن حزم فطرد ذلك في جميع المفاهيم وجعلها جميعا من قبيل الدلالةالقياسية .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-04-29 ||, 12:44 PM
بارك الله فيكم ونفع بكم.