المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناهج واتجاهات المصنفين في تقسيم أدوار الفقه وأطواره



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-05-09 ||, 06:35 PM
مناهج المصنفين في تقسيم أدوار الفقه وأطواره




أولاً: فوائد دراسة تاريخ الفقه:



ذكر المعاصرون جملة صالحة:



منها: الاطّلاع على الأساليب الفقهية التي سار على ضوئها الفقهاء، وتنوعت بها مناهجهم ومسالكهم.



ومنها: معرفة العوامل التي ساهمت في تقدّم العلم وتطوّره.



ومنها: الوقوف على الأسباب المُعيقة لتطوّر الركب الفقهي، كإقفال باب الاجتهاد والتقليد المحض.






ثانياً: ملاحظة على "المصطلح":



يعبر بعض المعاصرين بتاريخ التشريع، ووقع الاستدرك عليهم بأن التشريع اكتمل بانقطاع الوحي، وحتى لا تروج فكرة المستشرقين أن التشريع الإسلامي يتطور في مسيرة، ولذا فالواجب أن يقال: تاريخ الفقه.



قلت: وهو اعتراض وجيه.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=3#_ftn1))









ثالثاً: المناهج المتّبعة في تاريخ الفقه:



اتخذ المعاصرون في تقسيم أدوار الفقه عدةَ أشكال في ترتيب التاريخ الفقهي، وغلب عليها النظر إلى أمور ستة:



1- النظر إليه من حيث النشأة والتطور.



2- النظر إليه من حيث القوة والضعف.



3- النظر إليه من حيث الزمن، بتقسيم كل عصر على حدة.



4- النظر إليه من حيث الأحداث السياسية الكبرى في تاريخ المسلمين.



5- النظر إليه باعتبار الاجتهاد والتقليد.



6- النظر إليه باعتبار ما قبل وما بعد المدارس الفقهية.




وعند الإجمال نجد أن هناك ثلاثة مناهج بارزة في تناول المعاصرين لتاريخ الفقه:



أحدهما: بالنظر إليه ككائن حي مر بأطوار الطفولة والشباب والهرم، كما هي طريقة الحجوي الثعالبي ومَنْ تبعه.



والثاني: النظر إليه باعتبار العصور المتمايزة، كما هي طريقة الخضري بك، ومَنْ تبعه.



الثالث: المنهج التفصيلي: وسيأتي بيان أنماطه إن شاء الله.


-------------------------




([1])تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر ص39، تاريخ التشريع ومراحله الفقهية ص23

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-05-09 ||, 06:52 PM
نبدأ الآن بعرض هذه المناهج الثلاثة وما جرى مجراها، ثم نعرض بعض الاتجاهات الأخرى في تناول أدوار الفقه، ثم نذكر أخيراً منهجا مقترحاً في تقسيم أدوار الفقه، فنقول وبالله التوفيق:


المنهج الأوّل: منهج الكائن الحي:


والذي رسم هذا المنهج هو الحجوي الثعالبي (ت. 1376هـ)([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)) في كتابه «الفكر السامي» فقد قسم مراحل الفقه إلى أربعة أطوار:



الطور الأوّل: طور الطفولية، وهو مِنْ أوّل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن توفي.



الطور الثاني: طور الشباب، وهو من زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني.



الطور الثالث: طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع.



الطور الرابع: طور الشيخوخة والهرم، وهو ما بعد القرن الرابع إلى الآن.([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))

وقد صاغ هذا المنهج الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه «تاريخ الفقه الاِسلامي» فقال:


«الفقه كائن حي، ومن أصدق أمارات الحياة، الحركة والنموّ، فلابدّ له إذن من أن يتحرّك ويتسع هنا وهناك، وليس هذا إلاّ التطوّر الذي ينال كل كائن حي وجد بعد أن لم يكن».([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))

ويرد على هذه الطريقة:


أنها حكمت على الفقه بالشيخوخة المسنة الأبدية، والشاهد ينطق: بأن الفقه بعد شيخوخته قد بدأت تعود إليه شيئا من نضارة شبابه، وبدا ظهره يستقيم بعض الشئ بعد أن طال اعوجاجه.



كما أن الفقه:


مر بمراحل هي أدق من هذه القسمة، بل فيها من التعقيد والتداخل ما يجعل الأقسام المفصلة على ما يشبه الكائن الحي في محل النظر.



ثم إن:


اعتبار عصر التشريع هو عصر الطفولة وأنه لم يشب إلا في عصر الخلفاء الراشدين ثم لم يكتهل ويبلغ رشده إلا في القرن الثالث والرابع هو محل نظر ظاهر، فإن التشريع قد اكتمل بناؤه، في عصر التشريع، ولم يبقى منه شيء ليشب بعده ويكتهل.


وإنما الذي تطور هو تناول الفقهاء للمسائل فإن هذا تجدد بناء على تجدد الأحداث والوقائع واختلاف المدارس في تناولها حكما ودلالة.



وأحسن ما يقال في هذه القسمة:


أنها نظرت إلى الفقه باعتبار حجمه وأنه لم يزل يتسع حتى استفد خياره، على ما في هذا التفسير من شيء كما أشرنا سابقا في التطور الملحوظ في العصر الحديث.



وعلى هذا النحو سار الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابه "خلاصة التشريع الإسلامي فقد أجمل أدوار الفقه إلى ثلاثة أدوار:


· نشأة وتكون.


· نمو ونضج.


· وقوف وجمود.([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))



ثم قسمه في تفصيل كلامه إلى أربعة أدوار:



الأول: عهد الإنشاء والتكوين:


وهو عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.


ومدته:


22 سنة وأشهر من بعثته إلى وفاته.


وهو على فترتين:


1- المكية.


2- المدنية.


المصدر:


1- التشريع الإلهي.


2- الاجتهاد النبوي. [وهو إما إلهام إلهي، أو اجتهاد ببحث ونظر ملحوظ برعاية الله]([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))



الثاني:التفسير والتكميل:


وهو عهد الصحابة.


ومدته:


90 سنة بالتقريب مِنْ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 11هـ. إلى أواخر القرن الهجري الأول.



الثالث: عهد التدوين:


وهو عهد الأئمة المجتهدين، وعهد النمو والنضج التشريعي.


ومدته:


250 سنة مِنْ سنة 100 إلى سنة 350 هـ.



الرابع: عهد التقليد:


وهو عهد الجمود والوقوف.


امتداده:


ابتدأ من أواسط القرن الهجري الرابع، ولا يعلم نهايته إلا الله.([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))



وقد قسمه آخرون إلى اربعة أدوار:


1- عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.


2- عهد الصحابة والتابعين.


3- عهد الأئمة المجتهدين.


4- عهد التقليد.([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))
========================= ==


([1]) هو محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي من المالكية السلفية في المغرب، ولد في فاس سنة 1291هـ. ودرس في القرويين، تولّى مناصب حكومية رفيعة في عهد الحماية الفرنسية، توفّي بالرباط ودفن بفاس، له كتب مطبوعة أجلها «الفكر السامي في تاريخ الفقه» أربعة أجزاء و«ثلاث رسائل في الدين» و«النظام في الاِسلام» و«مختصر العروة الوثقى» ذكر فيه شيوخه ومن اتصل بهم. انظر ترجمة المؤلف لنفسه في كتابه الفكر السامي 2/376، وانظر: الإعلام 6|96.

([2]) الفكر السامي:1|3.

([3]) تاريخ الفقه الاِسلامي للدكتور محمد يوسف موسى1|25.

([4]) خلاصة التشريع الإسلامي ص5

([5]) ص15

([6]) خلاصة التشريع الإسلامي ص8

([7]) التشريع والقضاء في الإسلام لأنور العمروسي ص17، 18، التشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي ص9-25 كلاهما بواسطة تاريخ التشريع ومراحله الفقهية للدكتور عبد الله الطريقي.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-05-09 ||, 10:37 PM
وهناك عدة تقاسيم أخر تشبه القسمة السابقة بالنظر إلى تكوين الكائن الحي بيد أنها التفتت إلى دور النهضة الحديثة، فأضافتها إلى قسمتها، وكأن هذا تسليم منهم بانكسار قسمة الكائن الحي، أو أنها دورة أخرى للكائن الحي!.




فمن أولئك الأستاذ مصطفى شلبي فقد قسم مراحل الفقه إلى أربعة أدوار:




1- دور التأسيس (عصر النبوة).




2- دور البناء والكمال (عصور الاجتهاد من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى منتصف القرن الرابع الهجري عندما قيل: إن باب الاجتهاد أغلق وادعي الإجماع على ذلك.




3- دور التنظيم ثم الوقوف عن التقدم، وهو يشمل عصور التقليد كلها.




4- دور النهضة الحالية.




فنلاحظ على هذه القسمة:



أنها نظرت بإيجابية إلى الطور الأخير من أطوار الفقه، كما نلاحظ عليها أنها وصفت ما بعد القرن الرابع إلى قبل دور النهضة الحالية بأنه كله دور تقليد، وهو ما يقع في نحو تسعة قرون.




كما أن هذه القسمة:



وصفت دور التقليد بأنه دور التنظيم، وهذا يتضمن معنى إيجابياً، وهو يدل على سعة نظرة صاحب هذه القسمة إلى هذا الدور من هذه الزاوية، فهو دور تقليد لكن وقع فيه انتظام المدارس ببناء مشيد.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-05-09 ||, 10:40 PM
وعموماً هذا المنهج الموسوم بـ "منهج الكائن الحي" عليه ملاحظات، وهي كما يلي:



1- أنه مجمل ومجتزأ ومختزل.



2- وَقَعَ فيه وصفُ عصرِ النبوة بالطفولة والنشأة والتكون، وهذا لا يليق.



3- أنه حكم على ما يزيد على ما يزيد على عشرة قرون من حياة هذه الأمة بالجمود والتقليد والتوقف، وهو ما يعادل ثلثي عمر الأمة، وحصرت الحياة الفقهية في الثلث الأول، وهذا ما لا يقف أمام الحقائق الضرورية في تطور الفقه، بل إن ما بين القرن الخامس إلى التاسع قد كان الفقه بمحل من النضج أن كانت مذاهب الناس إلى اليوم على ما رسموه ودونوه ورجحوه، بل إن الإبداع الفقهي في هذه الأعصر كان من الحظوة المتقدمة، فقد كتبت فيه كتب الفروق وكتب التخريج وبرز فيه التقعيد والتأصيل.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-05-09 ||, 11:16 PM
المنهج الثاني: منهج عصور الفقه:


وهذه هي طريقة الشيخ محمد الخضري بك(ت 1345هـ) ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)) في كتابه «تاريخ التشريع الاِسلامي»



حيث قسَّم تاريخ الفقه إلى الأدوار التالية:

1. التشريع في حياة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.



2. التشريع في عهد كبار الصحابة (الخلفاء الراشدين) من سنة 11هـ. إلى سنة 40 هـ..



3- التشريع في عهد صغار الصحابة و التابعين لهم بإحسان، وهذا العهد ينتهي بانتهاء القرن الاَوّل من الهجرة أو بعد ذلك بقليل.



4. التشريع في العهد الذي صار فيه الفقه علماً من العلوم، وظهر فيه نوابغ الفقهاء، والذين أُلقيت مقاليد الزعامة الدينية إليهم، وتلامذتهم الذين بيّنوا آراءهم من غير أن يكون لهذه النسبة أثر في استقلالهم الفقهي، وينتهي هذا الدور بانتهاء القرن الثالث.



5. التشريع في العهد الذي دخلت فيه المسائل الفقهية في دور الجدل، لتحقيق المسائل المتلقاة من الاَئمّة، وظهور المناظرة والجدل، وينتهي هذا العهد بانتهاء الدولة العباسية في بغداد وإغارة التتر على بلاد الاِسلام، وبعد ذلك بقليل في مصر.



6. التشريع في عهد التقليد المحض إلى الآن. (1)



وقد كان الشيخ الخضري رحمه الله:


في طليعة من كتب في تاريخ وأدوار الفقه، ولا أعلم من سبقه إلى ذلك، وقد قال هو في مقدمة كتابه "فإنّي لم أجد في هذا الكتاب حذو أحد سبقني في هذا الموضوع»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))



وقد تبع كثيرٌ مِن الكاتبين في هذا الباب قسمةَ الخضري، وزاد بعضهم ونقص آخرون.



ومن هؤلاء:



1- الاَُستاذ محمد علي السايس في كتابه «تاريخ الفقه الاِسلامي»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)) .([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))



2- الاَُستاذ مناع القطان في كتابه «تاريخ التشريع الاِسلامي».([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))



3- الدكتور عمر سليمان الاَشقر في كتابه «تاريخ الفقه الاِسلامي»([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)) .



4- الدكتور محمود الطنطاوي في المدخل إلى الفقه الإسلامي.



5- الدكتور خالد عبد الله عيد في مبادئ التشريع الإسلامي ([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7))



6- الدكتور ناصر الطريفي في تاريخ الفقه الإسلامي ([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))



وغلب على قسمة الخضري ومن تبعه اعتبار الأزمنة، وهي كالتالي:


1- عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.


2- عصر الصحابة رضوان الله عليهم.


3- عصر التابعين.


4- عصر التدوين والأئمة المجتهدين.


5- عصر الجمود والتقليد.


6- العصر الحاضر. ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9))



وتشبه هذه القسمة قسمة الدكتور بدران أبو العينين فقد قسم مراحل الفقه إلى خمسة أدوار:


1- دور النشأة والتأسيس (عصر النبوة).


2- دور البناء (الخلفاء الراشدين، التابعين).


3- دور النضج والكمال، [من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع]


4- دور الانتصار للمذاهب والتقليد وسد باب الاجتهاد، وهو على مرحلتين:


المرحلة الأولى: تنتهي بسقوط بغداد.


المرحلة الثانية: تنتهي بظهور مجلة الأحكام العدلية.


5- دور اليقظة الفقهية. [ من مجلة الأحكام العدلية إلى الآن]



ملاحظات على هذه القسمة:



1- هذه القسمة وهي قسمة الخضري بك ومن تبعه هي أدق من القسمة الأولى التي ارتآها الحجوي من جرى مجراه.



2- هذه القسمة فيها نظرٌ تفصيلي.



3- هذه القسمة التفتت كثيرا إلى الأعصر من حيث الزمن والبناء المرحلي.



4- يلاحظ على هذه القسمة أنها مفصلة في العصر الأولى وفي العصر الأخيرة بينما هي في العصر المتوسطة من القرن الرابع إلى التاسع فيها اجتزاء واختزال، فهي عندهم كلها عصور جمود وتقليد بينما الواقع أنها أخصب مراحل الفقه من حيث الكتابة الفقهية.

وهذه الملاحظة ذاتها ترد على قسمة الكائن الحي وزيادة لأن أولئك حكموا على الفقه بالشيخوخة والهرم منذ عشرة قرون، بينما نجد أن قسمة الخضري ومن تبعه فيها نظر إلى تطور الفقه الحديث.
========================= ===


([1]) محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالخضري، فقيه، أُصولي، موَرّخ، أديب. ولد بالقاهرة سنة 1289هـ. وتخرّج بمدرسة دارالعلوم، وعيّن قاضياً شرعياً في الخرطوم بالسودان، فمدرِّساً في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة مدّة 12 سنة، واستاذاً للتاريخ الاِسلامي في الجامعة المصرية، توفي بالقاهرة في 8 شوال عام 1345، من تصانيفه: أُصول الفقه، تاريخ التشريع الاِسلامي، نور اليقين في سيرة سيد المرسلين. (معجم الموَلّفين:10|295).

([2]) تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد خضري بك.

([3]) ص11

([4]) محمد علي السايس: تاريخ الفقه الاِسلامي: 11.


([5])مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 25.


([6])ص40

([7])ص41

([8])ص45 انظر: تاريخ التشريع ومراحله الفقهية للدكتور عبد الله الطريقي ص26


([9]) تاريخ الفقه الاِسلامي ص 40.