المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين الاجتهاد والتقليد



د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-21 ||, 12:08 AM
منذ وقت من الزمان وبعض المسائل يستعر جمرها ولما تخمد نارها ..
من هذه الموصوفة :
مسألة الاجتهاد والتقليد ..

وهي مسألة كثر فيها الكلام ، وتدارأ الناس فيها الملام..

فمن ملزم بالمذهب ، لا يجوّز عنه حيادا بحال من الأحوال ..فبات يرى الاجتهاد علامة الضلال ..فضلا عن كونه من المحال..


إلى آخر لا يرى للمذهب الفقهي قيمة ، ولا لالتزامه وجها ..فهو منكر على المتذهبين أشد الإنكار ..بدعوى أن التعبد إنما كان بالكتاب والسنة لا بأقوال الأئمة الأخيار !!


وودت لو أننا تعرضنا لهذه المسألة بالمناقشة والتحرير .. وبينا فيها الحق من غير تقتير ولا تبذير ..

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-01-21 ||, 06:05 AM
جزاك الله خيراً أخي رأفت
فلقد أحسنت الاختيار
والمسألة بحق جديرة بالطرح

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-21 ||, 09:05 PM
جزاك الله خيراً أخي رأفت
فلقد أحسنت الاختيار
والمسألة بحق جديرة بالطرح

وهو كذلك

أقترح فقط من الأستاذ رأفت تحديد مسار النقاش
وأقترح أن يكون من بين المسارات تقويم المجتهد اليوم حسب الرسوم القديمة، فإنه في ظني وإن كان فقهاء المذهب على مر الأعصر تحجروا واسعا في تطويق مسارات المجتهد فإنهم كانوا أحسن أحالا من اليوم

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-21 ||, 09:07 PM
وإذا كنا في يوم ما بحاجة إلى مثل ابن حزم وابن تيمية في كسر طوق التقليد، فإننا اليوم بأمس بحاجة إلى مثل فقهاء المذاهب الذين يضبطون تفلت المنتسبين بله الدخلاء

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-21 ||, 09:09 PM
وهذا ليس تشريعا للتقليد....
لا أريد أن أستبق الموضوع
سامحك الله يا شيخ رأفت!
ألم أقل لك حدد مسار البحث!

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-21 ||, 10:56 PM
أضحك الله سنك ..وغفر لي ولك ..ولمشايخنا أجمعين ..
إذاً أبادر إلى تحديد مسار البحث قريبا إن شاء الله تعالى ..لكن - ويعلم الله - قد اشتغل القلب بما يحل لإخواننا في غزة البطولة والصمود ..
ولعلي أطلب إلى إخواني طلبا ..لا تنسوهم من الدعاء ..

أحمد بن فخري الرفاعي
08-01-22 ||, 10:18 AM
جزاكم الله خيرا أخانا رأفت على تناولكم هذا الموضوع الذي أخذ بُعدا له غَورٌ عميقٌ في شخصيات بعض أهل العلم وطلبته ، حتى صار سببا جديدا ينضم الى أسباب الخلاف بين حملة العلم ، وغدا الذين يكتبون في مسألة المذهبية إما متعصب للمذاهب فيرى المذهبية أصلا لا محيد عنه ، وإما متطرف في نبذ المذهبية يرى في المذهبية خطرا عظيما وجُرما جسيما ، وعزّ علينا الوقوف على رأي المنصف المحايد ، ونسأل الله أن يحقق هذا الموضوع رؤية وسطا بين التفريط والإفراط ، وبين التعصب ونقيضه .
وأود هنا أن أضع لبنة لعلها تفيد في دراسة هذا الموضوع .
درج المشتغلون في العلم على تقسيم أحوال الناس بحسب الطلب الى تلاث مراتب :
1- العالم .
2- طالب العلم .
3- عامة الناس ( العوام ) .

والعلماء لهم أيضا أحوال :
1- العالم الذي تحققت له أهلية الاجتهاد .
2- العالم المتمكن في بعض الأحكام دون بعض .
3- العالم الذي درس مذهبا من المذاهب ومَهَرَ فيه ، فهو عالمُ مذهب أو مجتهدُ مذهب .

وطالب العلم أيضا له مراتب وأحوال :
1- طالب العلم المبتدىء والمتوسط.
2- طالب العلم المتوسط والمتقدم .

وأود أن أنبه الى أمر آخر وهو الفرق بين التقليد والاتباع .
فالتقليد هو أخذ الرأي الفقهي من غير نظر الى الدليل ، وهو ينقسم الى قسمين :
1- قسم يكون ممن لا يعرف الدليل وهم العامة ( العوام ) ، وبعض طلبة العلم المبتدئين والمتوسطين.
2- قسم يكون ممن يعرف الأدلة .

أرجو أن أكون في هذا العجالة وضعت لَبِنةً يمكن أن يُبنى عليها ... وفي ضوء هذه الأحوال والأقسام ، يكون التباين في الحكم والله أعلم .
ولي عودة ان شاء الله ....

كليم بن مقصود
08-01-22 ||, 10:44 AM
وإذا كنا في يوم ما بحاجة إلى مثل ابن حزم وابن تيمية في كسر طوق التقليد، فإننا اليوم بأمس بحاجة إلى مثل فقهاء المذاهب الذين يضبطون تفلت المنتسبين بله الدخلاء

صدقت يا شيخ فؤاد أظن لضبط هذا التفلت كان إلزام الإمام ابن رجب بعدم الخروج على المذاهب الأربعة. والله المستعان

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-29 ||, 06:35 PM
أحمد الله إليكم وأصلي على رسوله الأمين وصحبه الأكرمين ، وبعد :
فحتى نتناول هذا الموضوع كان لزاما علينا أن نذكر أن الناس لا يعدون أن يكونوا :
** إما مجتهدا .
**وإما مقلدا .

وبالثاني أبدأ ، فأقول : المقلد : هو من لم يؤت آلة النظر في النصوص الشرعية ، ومن لم يتأهل لذلك ..فهو بتعبير الفقهاء : "عامي"،
لو أوجبت عليه أن ينظر في نصوص الشريعة ومسالك الاستنباط لكنت مكلفه بما لا يستطيع ..

وأما الأول ، وهو المجتهد ، فهو أنواع ، أولها وأعلاها ما يسمى بالمجتهد المطلق .
وهو الذي بلغ مبلغا يؤسس فيه أصولا فقهية يتوصل إليها عن طريق النظر في أدلة الشريعة ومقاصدها ..وهو في ذلك مستقل لا تابع لغيره .

وأما الثاني والثالث من أنواع المجتهدين ، فهما :
**مجتهد المذهب :
وهو عالم من علماء مذهب ما ، لم يستقل بأصول خاصة ولا هو يخرج عن مذهب إمامه ، وإنما غايته المطلوبة لديه هو الترجيح بين الأقوال في المذهب .

**مجتهد مسألة :
وهو من اقتصر في اجتهاده على مسألة ما ، دون سائر المسائل ، فلا يخرج منها إلى كونه مجتهدا عاما مطلقا في كل مسألة من المسائل .

إذا تقرر هذا كان لنا عود إلى بيان موقف الفرقاء في هذه المسألة من هذا الكلام المذكور .

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-29 ||, 11:33 PM
الفريق الأول :
هم من قالوا : يجب على كل أحد أن ينظر في الأدلة الشرعية ، فيستنبط منها حكم الشرع في المسائل المختلفة ، ولا يجوز بحال اتباع المذاهب الفقهية .

من هؤلاء الأئمة الذين رأول في اتباع المذاهب خطرا ، وفي التزامها ابتداعا في دين الله تعالى :
أبو زيد الدبوسي ، والإمام ولي الدين الدهلوي ، والإمام المحدث المفسر الفقيه جمال الدين القاسمي ، وكذلك الإمام البحر : الشوكاني ، الذي ثرب على المقلدة تثريبا عجيبا في كتبه ، حتى إنه بالغ في ذلك في تفسيره فأسقط آيات النكارة على الكفار متابعتهم لآبائهم على مقلدي المذاهب الفقهية - وليس ذلك له - وغيرهم رحم الله الجميع .
ومن المعاصرين فضيلة الشيخ ناصر الدين الألباني ، نسب ذلك له ، كما في مقدمة كتاب الشيخ البوطي "اللامذهبية"... ، حيث ذكر الشيخ منظراته المعدودة مع الألباني حول هذه المسألة ، والله أعلم بالصواب .

قال الإمام أبو زيد الدبوسي رحمه الله تعالى في تقويم الأدلة ((كان الناس في الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين يبنون أمورهم على الحجة فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال من بعد رسول الله ما يصح بالحجة فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ثم يخالفه بقول على في مسألة أخرى وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى بحسب ما تتضح لهم الحجة ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويا بل النسبة كانت إلى رسول الله فكانوا قرونا أثني عليهم رسول الله بالخير فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم فلما ذهبت التقوى عن عالمة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم فصار بعضهم حنفيا وبعضهم مالكيا وبعضهم شافعيا ينصرون الحجة بالرجال ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمة كيف ما أصابه بلا تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع فضل الحق بين الهوى)) انتهى

وقال العلامة الدهلوي في الحجة البالغة في باب حكاية حال الناس قبل المئة الرابعة وبعدها ((أعلم أن الناس كانوا قبل المئة الرابعة غير مجتمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بغينه قال أبو طالب المكي في قوت القلوب إن الكتب والمجوعات محدثة والقول بمقالات الناس ولفتيا بمذهب الواحد من الناس واتخاذ قوله والحكاية له من كل شيء والتفقه على مذهبه لم يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني)) انتهى

قال الدهلوي قدس سره ((وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المئة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحاكية لقوله كما يظهر من التتبع بل كان فيهم العلماء والعامة وكان من خبر العالمة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع وكان يتعلمون من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم فيمشون حسب ذلك وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب وكان من خبر الخاصة أنه كان أهل الحديث منهم يشتغلون بالحديث فيخلص إليهم من أحاديث النبي وآثار الصحابة ما لا يحتالون معه إلى شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح قد عمل به بعض الفقهاء ولا عذر لتارك العمل به أو أقوال متظاهرة لجمهور الصحابة والتابعين مما لا يحسن مخالفتها فإن لم يجد - أي أحدهم - في المسألة ما يطمئن به قلبه لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك رجع إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء فإن وجد قولين اختار أوثقهما سواء كان من أهل المدينة أو من أهل الكوفة ..."اهـ.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-01-30 ||, 03:09 AM
شيخنا الفاضل/ رأفت المصري
عوداً حميداً
بعد مدة غيابك
ونفعاً جديداً

لا عدمناك
ومتع الله الملتقى بوجودك

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-30 ||, 04:36 PM
جزاكم الله خيرا - شيخنا الحبيب - ..والمولى سبحانه المسؤول أن يجمعنا على طاعته ..وأن يحشرنا في سلك العلماء العاملين..والدعاة الربانيين ..آمين آمين .

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-30 ||, 04:49 PM
عودا على الموضوع الأول ..وفي التعليق على مذهب المذكورين من الأئمة الكرام أقول :
الناظر في مذهب الفريق الاول يرى أنهم ارتكزوا على نقاط ، أهمها :
** أن طريقة الصحابة رضي الله عنهم أنهم إذا جاءهم الحديث عملوا به بما يتبادر إلى أذهانهم ، ولم يكن أحدهم يتبع مذهب آخر عموما ، فكذلك المطلوب ممن بعدهم ، فطريقة الصحابة خير الطرق ، ومنهجهم خير المناهج ، وعليه ، فإن التمذهب بمذهب معين من البدع التي ظهرت بعد المائة الرابعة - على زعم أصحاب هذا الرأي - حتى إن الأئمة أنفسهم لما أفتوا أفتوا على ما سبق بيانه من طريقة الصحابة في التلقي المباشر من النصوص الأصيلة .

** أن التعبد لله إنما وجب بقول الله تعالى وعزّ ، لا بقول فلان وفلان من الأئمة ، فالنظر وجب أن ينصرف إلى ما يحصل به التعبد وهو كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-30 ||, 05:12 PM
، وعليه ، فإن التمذهب بمذهب معين من البدع التي ظهرت بعد المائة الرابعة - على زعم أصحاب هذا الرأي - حتى إن الأئمة أنفسهم لما أفتوا أفتوا على ما سبق بيانه من طريقة الصحابة في التلقي المباشر من النصوص الأصيلة .

** أن التعبد لله إنما وجب بقول الله تعالى وعزّ ، لا بقول فلان وفلان من الأئمة ، فالنظر وجب أن ينصرف إلى ما يحصل به التعبد وهو كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
ويؤكِّد هذا أيضاً - على حد قول هؤلاء - :
أنَّ ابن حزم رحمه الله أعلن قولا لا يسرُّه أنَّ تقليد الآراء لم يكن قط في قرن الصحابة، ولا في قرن التابعين، ولا في قرن تابع التابعين، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم
قال رحمه الله:
"واعلموا رحمكم الله أني أقول إعلاناً لا أسره ان تقليد الآراء لم يكن قط في قرن الصحابة رضي الله عنهم، ولا في قرن التابعين ولا في قرن تابع التابعين، وهذه هي القرون التي أثنى النبي عليها، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا سبيل إلى وجود رجل في القرون الثلاثة المتقدمة قلد صاحباً أو تابعاً أو إماماً أخذ عنه في جميع قوله فأخذه كما هو، وتدين به وأفتى به الناس، فالله الله في أنفسكم، لا تفارقوا ما مضى عليه جميع الصحابة أولهم عن آخرهم وتابعهم عن [متبوعهم]، وتابع التابعين أولهم عن آخرهم، دون خلاف من واحد منهم، من ترك التقليد واتباع أحكام القرآن وحديث النبي عليه السلام وروايته والعمل به. فاجتنبوا هذه [246/أ] الحادثة في القرن المذموم المخالفة للإجماع المتقدم، وبعد أزيد من مائتين وخمسين عاماً من موت النبي عليه السلام، فكل بدعة ضلالة، فقد نصحت لكم وأديت ما لزمني في ذلك، وبقي ما عليكم."
راجع: رسائل ابن حزم - (ج 3 / ص 167)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-30 ||, 05:23 PM
صدقت يا شيخ فؤاد أظن لضبط هذا التفلت كان إلزام الإمام ابن رجب بعدم الخروج على المذاهب الأربعة. والله المستعان

أحسنت أخي وصديقي كليم
لذا أعيد تحرير عبارتي فأقول:

وإذا كنا في يوم ما بحاجة إلى مثل ابن حزم وابن تيمية في كسر طوق التقليد، فإننا اليوم بأمس بحاجة إلى مثل ابن رجب وكتابه "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" ومن كان على غرزه من فقهاء المذاهب الذين يضبطون تفلت المنتسبين بله الدخلاء

قلت: هذا على كل حال كلام استباقي، وإلا فإن الموضوع ما زال مبكرا للخروج بالنتائج.

بارك الله فيك أخي كليم

وبارك في أستاذنا رأفت على إثارة هذا الموضوع الحساس

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-30 ||, 10:53 PM
جزاكم الله خيرا أخي الحبيب على فوائدكم التي طالما أشتاق إليها ..
ولا غنى لنا في موضوعنا هذا عن توجيهاتكم الدقيقة ولفتاتكم البديعة ..

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-01 ||, 09:50 PM
أما الفريق الثاني من العلماء ؛

فذهبوا إلى نقيض ما ذهب إليه أصحاب القول الأول ، فرأوا في التزام المذاهب الفقهية واجبا علميا ينبغي التزامه وعدم الخروج عنه ، ومن ثم نظروا إلى الخروج عن المذهب إلى غيره خطرا يتهدد الشريعة ، وأنكروا على من فعل ذلك أشد الإنكار حتى لو كان تركه لمذهبه إلى غيره في المسألة المعينة لدليل صح عنده ، لا يقبل بوجه من الوجوه تأويلا ولا توهينا ..

وحجتهم في هذا أن الإمام من الأئمة المتبوعين لم يختر هذا القول إلا بعد طول بحث وتأمل ؛ رافقا سعة في العلم وهضما للشريعة لم تحصل لمن بعدهم ..

وعليه ، فقد اعتبروا أن ادعاء كون الإمام لم يصله هذا الحديث أو ذاك أمر أشبه بالمستحيل ، إذ إن هؤلاء الأئمة كانوا موسوعات حديثية هائلة ، فكيف يخفى عليهم الحديث ، ثم هو يصل أحدا بعدهم ، هو أدون منهم منزلة ، وأقل منهم علما ..

وتأولوا ذلك بأن الإمام ولا شك وصله هذا الحديث المدعى عدم وصوله إليه ، لكنه :

*إما أن يكون قد ضعفه ، وهؤلاء الأئمة الكبار قد أوتوا من العلم ما يؤهلهم إلى الحكم على الحديث ، ولا شك أنهم اطلعوا على علة ما أوجبت ردهم له لم يطلع عليها من بعدهم ..

*وإما أن يكونوا قد أولوا الحديث تأويلا يلزمه للتوفيق بين الأدلة المتعارضة ، بحيث إنهم رأوا غيره محكما وهو متشابها .

*وإما أن يكون غيره أقوى منه في درجة الصحة ، ولم يكن للجمع أو التأويل مكان ، فردوه لما هو أقوى منه وأثبت .

*وإما أن يكونوا فهموه فهما آخر لم يتبادر إلى ذهن القارئ المعترض عليهم .

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-02 ||, 11:07 PM
نود من الإخوة الأحبة الإدلاء بآرائهم النافعة لإثراء الموضوع ..
والله من وراء القصد ، والحمد لله رب العالمين .

د / ربيع أحمد ( طب ).
08-02-09 ||, 03:19 PM
جزاكم الله شيخنا رأفت على هذا السفر المبارك موضوع جدير بالمناقشة

والأصل هو اتباع الكتاب والسنة وما يرجع إليهما من الأدلة الأخرى ، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل ،والله لايكلف نفسا إلا وسعها ، وقد شرع الله التقليد عند عدم العلم فقال سبحانه : ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) فشرط لسؤال ، والتقليد عدم العلم أما من يعلم الحق فلا يجوز له التقليد في خلاف الحق الذي يعلمه ، وقوله تعالى : ﴿ َوإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ﴾[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2) أمر عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة ، وهذا نص بين في أن المقلد إذا وجد خلافا في المسألة التي يقلد فيها فلابد أن يأخذ بما في نظره موافق للكتاب والسنة ،وليس يقلد ويأخذ بهواه فإن لم يستطع فلا أقل من الأخذ بقول العالم الذي يتوسم فيه العلم أكثر من غيره ، ولا يجوز الدعوة إلى اتباع إمام واحد دون سائر الأئمة فالحق ليس حكرا على عالم بعينه ،وكل العلماء يؤخذ بأقوال لهم و يرد أقوال لهم ، والأئمة الأعلام كانوا ينصون على عدم تقليدهم في الخطأ قال أبو حنيفة رحمه الله : ( إذا صح الحديث فهو مذهبي )[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3) وأيضاً : ( لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه )[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4) وفي رواية : ( حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي )، زاد في رواية : ( فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا ) ،وقال مالك رحمه الله : ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه )[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5) وقال الشافعي : ( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،و هو قولي )[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6) وقال أيضاً : ( كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي أولى فلا تقلدوني )[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7) فهذه الأقوال دالة على عدم تجويز الأئمة تقليدهم في الخطأ ، و نحن ندعو إلى نصوص الشرع واتباع الكتاب والسنة، ونحترم جميع علمائنا ومشايخنا ونتبرأ إلى الله ممن ينتقص قدرهم و ممن يتكلم فيهم لكن لا نعتقد فيهم العصمة .

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - النحل من الآية 43

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - النساء من الآية 59

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) - حاشية ابن عابدين على البحر الرائق " 1/63

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) - حاشية ابن عابدين على البحر الرائق 6/293

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) - الجامع لابن عبد البر2/32

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) - تاريخ دمشق لابن عساكر 15/1 /3

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) - تاريخ دمشق لابن عساكر 15/9/2

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-13 ||, 11:01 AM
جزاكم الله خيرا أخي د ربيع على مشاركتكم الطيبة ..
ومعا بصدد إتمام الموضوع ..

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-14 ||, 11:17 AM
ثم إن ممن ذهب إلى هذا الرأي الثاني - وهو عدم جواز ترك المذهب بحال - عدد من الأئمة المتقدمين ، أمثال ابن الصلاح ؛ المحدث الأصولي المعروف ؛ حيث إنه قد منع الاجتهاد وأفتى بإغلاق بابه ..
وذلك لشدة ما رأى من التخبط الفقهي ، وفوضى الفتاوى ..فرأى رحمه الله تعالى أن سد باب الاجتهاد أقصر الطرق لسد هذا الباب الذي ابتليت به الأمة .


وذهب إليه من المتأخرين فيما رأيت : الدكتور البوطي ؛ حيث صنف كتابا فيه عنون له بـ "اللامذهبية أكبر خطر يتهدد الشريعة" ، وقد نقل في مقدمته كلاما دار بينه وبين الشيخ الألباني في هذه المسألة ..وتقريره في موضعه .

ومن طلاب الشيخ من صنف في هذا كتابا في المسألة ، وهو الشيخ محمد عوامة ، سماه : "أثر الحديث الشريف في اختلاف الفقهاء" .
وهو كتاب بديع في بابه ، حاول مصنفه أن يستدل بألوان الأدلة على عدم جواز مخالفة المذهب ، والخروج منه إلى غيره ، لأي سبب من الأسباب ، ونقل عن الأئمة الكبار ما يؤيد ما ذهب إليه ، عن طريق التدليل على أن الحديث الشريف لا يُنجد في الاستنباط إلا الأئمة الكبار ، والعلماء المتبحرين .

من ذلك نقله عن الإمام الشافعي قوله :
"لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله : بناسخه ومنسوخه ، وبمحكمه ومتشابهه ، وتأويله وتنزيله ، ومكيه ومدنيه ، وما أريد به وفيما أنزل ، ثم يكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالناسخ والمنسوخ ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن ، ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر ، وبما يُحتاج إليه للعلم والقرآن ..
ويستعمل مع هذا الإنصاف وقلة الكلام ، ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار ، وتكون له قريحة بعد هذا ..
فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام .." .

ونقل عن ابن عبد البر كلاما شبيها بذلك .
يتبع ..

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-02-14 ||, 11:36 AM
بارك الله فيكم
تسجيل متابعة

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-14 ||, 01:32 PM
وفيكم بارك الله ..

استكمالا لما مر ، نستطيع أن نجمل مرتكزات الفريق الثاني بما يأتي بيانه :

** أن الأئمة الأربعة قد تحققت فيهم الشروط التي نص العلماء على وجوب توفرها فيمن يتصدى للاجتهاد ، وقد تحققت هذه الشروط فيهم أبلغ من تحققها في غيرهم من العلماء ؛ وعليه - كما يرى أصحاب هذا القول - فلا مفر من اتباع هؤلاء الأئمة الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، وشهدت لهم بالعلم والدين والفضل ..ووحه ذلك أن هضم هؤلاء للشريعة لا شك أنه أفضل من هضم غيرهم لها ..وسعة علمهم وكثرة حفظهم مما يوجب أنهم أقرب إلى الحق من غيرهم ولا شك .

** الركيزة الثانية ، وهي تابعة للركيزة الأولى ، لكنها متعلقة بالحفظ بالذات .
فهؤلاء الأئمة كانوا أساطين في حفظ الحديث ، وكانوا موسوعات ضخمة تعجز الموسوعات الإلكترونية اليوم عن الإحاطة بها ..

وممن نص على وجوب كون المجتهد المفتي واسع الحفظ كثير الاطلاع على الحديث إمام أهل السنة بحر العلم المتلاطم الأموج أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، حيث جاء في إعلام الموقعين لابن القيم :
أن رجلا سأل الإمام أحمد رضي الله عنه :
"إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث ؛ يكون فقيها ؟ قال الإمام : لا ، قال فمائتي ألف ؟ قال ك لا ، قال : فثلاثمائة ألف ؟ قال : لا ، قال : فأربعمائة ألف ؟ قال الإمام بيده هكذا وحركها " ، أي لعله يصلح أن يكون فقيها مجتهدا يفتي الناس .

وأسند الخطيب في الجامع إلى يحيى بن معين وقد قيل له : "أيفتي الرجل من ممائة ألف حديث ؟ قال : لا ، قلت : ومن مائتي ألف ؟ قال : لا ، قلت : ثلاثمائة ألف ؟ قال : لا ، قلت : خمسمائة ألف ؟ قال : أرجو " .

والحاصل : أن مثل هذا الحفظ فيمن بعد الأئمة يكاد يكون معدوما ، فإذا كان كذلك وجب اتباعهم ، ولم تجز مخالفتهم .

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-14 ||, 05:05 PM
مناقشة للركائز التي اعتمد عليها الطرفان في إثبات قوليهما :

*** بالنسبة للفريق الأول من العلماء الذين ذهبوا إلى وجوب الاجتهاد على الجميع ، وحرمة اتباع المذاهب الفقهية ، إذا تأملنا ركائزهم - على النحو السابق المذكور ، يمكننا أن نناقشها بما يأتي :

1- أن ادعاءهم أن اتباع المذاهب الفقهية هو من بدع القرن الرابع الهجري ؛ ولم يكن قبل ذلك معلوما ولا معروفا ..قول ينقصه شيء من التريث ، وبيانه :
أن اتباع آراء العلماء الكبار وتقليدهم كان مشهورا معلوما ، وكان سنة الصحابة الكرام ، وتوجيه القرآن الكريم لمن لم يعلم في المسألة ما يؤهله للفتوى ، وكذلك هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم .
ولن أستبق الأمور بسرد شيء من ذلك حتى آتي إلى موضعه .

2- أن قولهم : إن الله تعالى إنما تعبدنا يقوله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم لا بقول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد . قلت : قولهم هذا صحيح ولا ينازع فيه أحد .
إنما الذي ينازع فيه أن يكون هذا مناقضا لاتباع آراء أعلم الناس بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

فما هؤلاء العلماء الربانيين إلا مستنبطين لما جاء في الكتاب والسنة من أحكام شرعية ، وليسوا مبتدعين من لدن أتفسهم شيئا ، وليسوا كذلك يعتمدون في هذا الاستنباط إلا على ما دل عليه الكتاب والسنة ، بحسب ما آتاهم الله تعالى من أفهام ، قد بينا في سياق الكلام الماضي أنها من أتم الأفهام ، وأكمل الأذهان .

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-15 ||, 01:18 PM
*** أما بالنسبة إلى ركائز الفريق الثاني من العلماء ، وهم الذاهبون إلى عدم جواز مخالفة المذهب بحال .
فهؤلاء نستطيع أن نقول : إن ما ارتكزوا عليه في ما ذهبوا إليه نناقشهم به على الوجه الآتي :

1- أنه وإن سلمنا لكم أن الأئمة الأربعة هم من أعلم الناس وأفقههم ، فإننا لانسلم لكم بأن شروط الاجتهاد لم تتوفر في أي أحد كان بعدهم ، ومن ادعى ذلك لزمه الدليل على امتناعه ؛ وليس ثمة . بل الدليل من النقل والعقل والواقع على امتناع انقطاع المجتهدين في كل عصر ، من ذلك :

# قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " ، رواه أبو داود في الملاحم من سننه من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري عن أبي علقمة؛ واسمه مسلم بن يسار الهاشمي عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا؛ وقال؛ بعده رواه عبد الرحمن بن شريح الاسكندراني عن شراحيل فلم يجز به شراحيل، يعني عضله، وقد أخرجه الطبراني في الأوسط كالأول وسنده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وكذا صححه الحاكم فإنه أخرجه في مستدركه من حديث ابن وهب .

قال في عون المعبود :
"أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم .
قالوا : ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة . قاله المناوي في فتح القدير شرح الجامع الصغير .
وقال العلقمي في شرحه . معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما ".اهـ .

قلت : ومثل هذا لايكون إلا ممن توفرت فيهم شروط الاجتهاد ، حتى يحقق الغاية التي أراده الله سبحانه لها ، وهي تجديد الدين .

ولو أردنا الاستقصاء لوجدنا أكثر من ذلك .

2- أما الدليل العقلي ؛ فبيانه : أنه قد اتفقنا على ظهور أمثال هؤلاء المجتهدين في عصر الأئمة الأربعة وقبلهم ، فما المانع من إمكانية ظهور أمثالهم أو قريبا منهم فيمن بعدهم ؟
ثم إنه لا يلزم في اعتبار شروط الاجتهاد بلوغ منزلة الأئمة الأربعة في العلم ، فهم قد تحققت فيهم الشروط على الكمال والتمام ، ولا يمنع حصول هذه الشروط فيمن بعدهم لكن لا على الوجه الذي تحصل فيهم . والله أعلم .
ثم إنه لا يلزم أن يكون الأعلم هو صاحب الصواب في كل مسألة ، بل قد يستدرك الأقل علما على الأعلم في كثير من الأحيان ، وألصق ذلك بما نحن بصدده مخالفة هؤلاء العلماء لكبار الصحابة في كثير من المسائل ؛ مع أنه من المعلوم أن هؤلاء الكبار من الصحابة أعلم وأفقه ، وشهدوا التنزيل وصحبوا النبي وأخذوا عنه ، صلى الله عليه ورضي عن أصحابه .

3- من الأدلة - أيضا - الواقع ، فإن تاريخ الأمة قد شهد عدد كبيرا من العلماء الكبار الذين اجتهدوا ولم يلتزموا مذهبا معينا ، وكانت لهم أصولهم التي بنوا عليها فقههم ، وقد تلقاهم العلماء بالقبول ، واشتهرت مصنفاتهم وأكب عليها العلماء بالدرس والتحصيل .

يتبع ..

أحمد بن فخري الرفاعي
08-02-15 ||, 11:49 PM
جزاكم الله خيرا أخانا الحبيب الشيخ رأفت ، وأحسن اليكم .
فلتأذن لي بهذه الإضافة :

قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء " 14/491 في ترجمة الامام الحافظ ابن المنذر :

"قال الشيخ محيي الدين النواوي: له من التحقيق في كتبه ما لا يُقاربه فيه أحد، وهو في نهايةٍ من التّمّكُّن من معرفة الحديث، وله اختيار ، فلا يتقيد في الاختيار بمذهب بعينه، بل يَدورُ مع ظهور الدليل.

قلت: ما يتقيد بمذهب واحد ، إلا من هو قاصر في التمكن من العلم ، كأكثر علماء زماننا ، أو من هو متعصب، وهذا الإمام ، فهو من حملة الحجة ، جار في مضمار ابن جرير، وابن سريج، وتلك الحلبة رحمهم الله" ..

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-16 ||, 10:46 AM
وسع الله عليكم ..أخي وشيخي الحبيب ..

هذا أحد الأمثلة التي زخر بها تاريخنا ..علماء كبار كانت لهم أصولهم واستنباطاتهم التي لا ينكر أحد مقدارها وقيمتها العلمية التي لا تقل عن اجتهادات الأئمة الأربعة ..

وودت من الإخوة المشاركة وإثراء الموضوع ، فإنه ليس بين يدي ما هو مكتوب مسبقا ، إنما هي خواطر وليدة اللحظة ، تحتاج إلى تعقبات وإضافات ..والله نسأل أن يعلمنا ويفقهنا ..إنه أكرم مسؤول .

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-16 ||, 04:52 PM
الترجيح ..
الذي عليه أكثر العلماء فيما أن الالتزام بالمذهب الفقهي مشروع بالجملة على ما سأبين ، كما أن مخالفة المذهب لوضوح الدليل المعارض وقوته واجب لايجوز العدول عنه لمن امتلك القدرة العلمية على النظر في النصوص الشرعية ؛ من علم بالأصول الفقهية ، واللغة العربية ، وسعة الاطلاع على الحديث الشريف وغير ذلك مما نص العلماء عليه من شروط وجب توفرها فيمن يملك هذا الحق .

وبيان ذلك على التفصيل :

** أن اتباع العلماء والأخذ بأقوالهم سواء من الأئمة الأربعة أو غيرهم مشروع بالجملة ، ومن أدلة ذلك :

1- قول الحق تبارك وتعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ، ففيه :
جواز تقليد أهل العلم والأخذ عنهم .

2- عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس قال أصاب رجلا جرح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم احتلم فأمر بالاغتسال فاغتسل فمات فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : "قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العي السؤال " .
ووجه الدلالة منه :
أن هؤلاء الصحابة الذين أفتوه تمسكوا بعمومات الأمر بالغسل ، وأفتوه بناء على ذلك ، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم اجتهادهم هذا ، إذ إنه كان اجتهادا ناقصا ، لعدم الإحاطة بالمسألة من كل وجه ، ووجههم نحو سؤال من هو أعلم منهم في المسألة .

3- قال ابن عباس رضي الله عنه لبعض من جادله في بعض المسائل: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر )
ووجه الدلالة منه :
أن الصحابة كان بعضهم يقلد بعضهم الآخر ممن هم أعلم وأفقه ، كما قلدوا في الأثر المذكور أبا بكر وعمر .

يتبع ..

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-17 ||, 03:01 PM
هذا ، وإذا تقرر جواز اتباع المذاهب الفقهية بالجملة ؛ فإنه لا بد من الإشارة إلى أن الأصل في الذي بلغ مبلغ الاجتهاد والنظر والقدرة على التمييز بين الأدلة الشرعية والموازنة بينها أن لا يتبع قول أحد من العلماء إذا خالف الأخير اجتهاده هو ، أو تيقن أن الحق من الشرع بخلاف مذهبه ، فإن الناس قد تعبدهم الله بقوله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم .

وهذا الذي ذكرت هو منصوص الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الإسلام - كما نقل لنا سالفا أخونا د ربيع حفظه الله تعالى - ، وأعيد ذكره هنا تكميلا للموضوع وأخذا له من أطرافه :
قال أبو حنيفة رحمه الله : ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) ، و قال أيضاً : ( لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه ) . وفي رواية : ( حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي )، زاد في رواية : ( فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا ) .

وقال الإمام مالك رحمه الله : ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ) .
وقال الشافعي : ( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،و هو قولي ) .
وقال أيضاً : ( كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي أولى فلا تقلدوني ) .

وقد سبق ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما حين قال لبعض من جادله في بعض المسائل: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ) .
ففيه : عدم جواز اتباع قول أحد إذا خالف قول الله تعالى ورسوله الله صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك مظنة نزول العذاب .

د. رأفت محمد رائف المصري
08-02-17 ||, 03:03 PM
هذا ، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ..
قد ختمت ما عندي في هذه المسألة ، إلا إذا كان ثمة مداخلات أو مشاركات ، والله يجزي سيدنا محمدا عنا خيرا الجزاء ..وصلى الله على محمد وعلى الآل والأصحاب الكرام ..وعلى من سار هلى النهج النبوي ، واقتفى الأثر المحمدي إلى يوم الدين ..

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-02-17 ||, 06:39 PM
جزاك الله عنا خير الجزاء وأوفاه ...
شكر الله لك أخانا الحبيب ...
وجمعنا بك عن قريب ...

أمين بن منصور الدعيس
08-04-22 ||, 09:16 PM
أخي الشيخ رأفت الذي يظهر لي والعلم عند الله أن مادة الخلاف بين أهل العلم في القول بالتمذهب من عدمه هي فرع عن فهم التمذهب كما سبق وأشرتُ إليه في مقال: (الفقه بين التمذهب والتقليد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)) فالمنكرون للتمذهب أحد شخصين:
الأول: قوم لم يفهموا من معنى التمذهب إلا التقليد المحض، فكان إنكارهم فرعا عما اعتقدوه من معنى التمذهب، وهذا يعرض للناشيء في العلم، أو من لم يقرأ كتب فقهاء المذاهب.
الثاني: قوم فهموا التمذهب فهما صحيحا ولكن نازع هذا الفهم الواقع الذي كان عليه الأمة في بعض فتراتها من التعصب المذهبي الصارخ، ودعوى خلوا الأرض من المجتهد، وهذا الذي عرض لجماعة من الأئمة ممن لهم قدم راسخ في العلم وقراءة وتمكن في كتب الفقهاء كالشوكاني ومن على شاكلته، وهؤلاء أجزم أنهم لم يقصدوا بإنكار التمذهب التمذهب الذي هو التزام التراتيب الفقهية وطرق التفقه والاستدلال في النصوص الشرعية.
بدليل أن طائفة من هؤلاء هم في أنفسهم ممن كان له سعي في إنشاء مدارس خاصة بهم في طرق التفقه والاستنباط ولا أدل على ذلك من الإمام الشوكاني فإنك تلحظ ذلك حتى في تدرجه في التأليف من الدرر البهية إلى شرحها إلى شرحها ثم السيل الجرار ، وأذكر أن شيخنا العلامة فقيه اليمن / محمد بن إسماعيل العمراني. وهو من أعلم خلق الله بكتب الشوكاني كان يقرر هذا المعنى وهو أن الشوكاني كان يحاول أن ينسج له مدرسة فقهية لها أتباعها، بل قد ذكر لي أن في بلاد الهند من التزم مذهب الشوكاني، وهذا غير بعيد لا سيما لمن طالع كتب صديق حسن رحمه الله.
بل لا أبالغ إن قلت أن جملة من فضلاء المتأخرين ممن لهم عناية بالسنة والأثر وقع من أتباعهم تحت غطاء التزام النص الشرعي من التقليد ما هو أبعد بكثير مما وقع من مقلدة المذاهب.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-12 ||, 05:17 PM
ويؤكِّد هذا أيضاً - على حد قول هؤلاء - :
أنَّ ابن حزم رحمه الله أعلن قولا لا يسرُّه أنَّ تقليد الآراء لم يكن قط في قرن الصحابة، ولا في قرن التابعين، ولا في قرن تابع التابعين، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم
قال رحمه الله:
"واعلموا رحمكم الله أني أقول إعلاناً لا أسره ان تقليد الآراء لم يكن قط في قرن الصحابة رضي الله عنهم، ولا في قرن التابعين ولا في قرن تابع التابعين، وهذه هي القرون التي أثنى النبي عليها، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا سبيل إلى وجود رجل في القرون الثلاثة المتقدمة قلد صاحباً أو تابعاً أو إماماً أخذ عنه في جميع قوله فأخذه كما هو، وتدين به وأفتى به الناس، فالله الله في أنفسكم، لا تفارقوا ما مضى عليه جميع الصحابة أولهم عن آخرهم وتابعهم عن [متبوعهم]، وتابع التابعين أولهم عن آخرهم، دون خلاف من واحد منهم، من ترك التقليد واتباع أحكام القرآن وحديث النبي عليه السلام وروايته والعمل به. فاجتنبوا هذه [246/أ] الحادثة في القرن المذموم المخالفة للإجماع المتقدم، وبعد أزيد من مائتين وخمسين عاماً من موت النبي عليه السلام، فكل بدعة ضلالة، فقد نصحت لكم وأديت ما لزمني في ذلك، وبقي ما عليكم."
راجع: رسائل ابن حزم - (ج 3 / ص 167)

وأكد هذه الحقيقة الأمين الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان عند تفسيره" لقوله تعالى:
{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) }
ولعله استفادها من ابن حزم رحمه الله أو ممن نقل عنه أو يكون مما اتفق تحصيله عن طريق النظر.
يقول رحمه الله:
وأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون ، الصحابة وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير ، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره ، من جميع العلماء فإن هذا النوع من التقليد ، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة ، ولم يقل به أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير .
وهو مخالفة لأقوال الأئمة الأربعة رحمهم اللهن فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره ، من جميع علماء المسلمين .
فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع ، ومن يدعي خلاف ذلك ، فليعين لنا رجلاً واحداً من القرون الثلاثة الأول ، التزم مذهب رجل واحد معين ولن يستطيع ذلك أبداً ، لأنه لم يقع ألبتة .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-08-05 ||, 02:14 AM
يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين - (ج 2 / ص 208):
" وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا منهم يقلده في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئا وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي التابعين فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله ص - وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم."

قال أبو فراس:
وواضح جدا استفادة ابن القيم رحمه الله هذا المعنى من ابن حزم رحمه الله حتى إنه استعمل نفس التعبير ونفس الحرف الذي أطلقه ابن حزم رحمه الله.

الخالدي
09-09-08 ||, 07:29 AM
يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين - (ج 2 / ص 208):
" وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا منهم يقلده في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئا وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي التابعين فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله ص - وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم."

قال أبو فراس:
وواضح جدا استفادة ابن القيم رحمه الله هذا المعنى من ابن حزم رحمه الله حتى إنه استعمل نفس التعبير ونفس الحرف الذي أطلقه ابن حزم رحمه الله.


و التواطؤ على ذلك لا يلغي صحة المعنى أم تخالف في هذا حفظك الله